27 قضية و65 بيان إدانة والعداد جارٍ... ما الذي فعله واينستين لم يفعله سواه؟

«الشرق الأوسط» في موسم الجوائز (2)

بعض الممثلات اللواتي أعلن أن هارفي واينستين تحرش بهن... منهن أنجلينا جولي وآشلي جود وكيت بيكنجسيل وروزانا آركيت وميرا سورفينو (أ.ب) - هارفي واينستين (إ.ب.أ)
بعض الممثلات اللواتي أعلن أن هارفي واينستين تحرش بهن... منهن أنجلينا جولي وآشلي جود وكيت بيكنجسيل وروزانا آركيت وميرا سورفينو (أ.ب) - هارفي واينستين (إ.ب.أ)
TT

27 قضية و65 بيان إدانة والعداد جارٍ... ما الذي فعله واينستين لم يفعله سواه؟

بعض الممثلات اللواتي أعلن أن هارفي واينستين تحرش بهن... منهن أنجلينا جولي وآشلي جود وكيت بيكنجسيل وروزانا آركيت وميرا سورفينو (أ.ب) - هارفي واينستين (إ.ب.أ)
بعض الممثلات اللواتي أعلن أن هارفي واينستين تحرش بهن... منهن أنجلينا جولي وآشلي جود وكيت بيكنجسيل وروزانا آركيت وميرا سورفينو (أ.ب) - هارفي واينستين (إ.ب.أ)

ليس معروفاً بعد عدد النساء اللواتي تعرضن للتحرش الجنسي، أو لما هو أكثر من ذلك، من قِبل المنتج هارفي واينستين. البعض يقول إن هناك على الأقل 15 قضية ثابتة، والبعض الآخر يؤكد أن العدد هو ضعف ذلك إن لم يكن أكثر. فالهاوية التي سقط فيها واينستين لم يحفرها منذ سنوات قريبة، بل هي نتيجة عادة مارسها بتفانٍ منذ سنوات بعيدة. ميول نفسية وعقد جنسية لا بد أنها ألمّت به منذ عقود ولو أنه من المحتمل أن تكون ازدادت في السنوات العشر الأخيرة.
لكن إذا ما كان ذلك هو الحال بالفعل، كيف تسنى لهذا السينمائي (65 سنة) الذي بزغ، مع أخيه بوب، كأحد أهم منتجي السينما الأميركية المستقلين؟ وهل للسن المتقدمة نسبياً سبب في فلتان حالته وانتشارها؟
لن ينفع البحث عن أسباب «عقلانية» لمثل هذا التصرف (إذا ما جدت) ولا النبش في الدوافع النفسية (إذا ما كان ذلك ضرورياً)، ما دامت الأخبار تتوالى على نحو متواصل لتكشف سراً وراء آخر أو لتعكس وضعاً هو في الواقع مأسوي داكن يجد هارفي نفسه فيه من دون ستار يفصله عن سباق النيل منه هذه الأيام.

يدان من مقص
اسمه هارفي واينستين ولقبه، من دون مزاح، من قبل الفضيحة التي يعيشها ليل نهار حالياً كان «هارفي سيزرهاندز» (Harvey Scissorhands) وهو تعبير مستعار من فيلم تيم بيرتون «إدوارد سيزرهاندز» الذي دار حول شاب (جوني دب) كان لديه مقصان عوض اليدين استخدمهما في قص الشعر والعمل كبستاني. الفارق أن واينستين استخدمهما لبتر الأفلام التي كان ينتجها إذا لم تعجبه قرارات المخرجين الفنية.
‫لقب آخر اشتهر به هو «المعاقب» (The Punisher) الذي يكشف عن سطوته وبطشه. بعض هذه السطوة مارسه للهيمنة على القرار وفرض العقود التي ترضيه. بعضها الآخر كانت جذب الممثلات إلى خيوط عنكبوته في الفنادق التي كان يأوي إليها خلال زيارات العمل أو المهرجانات.‬
مالك العقاد، ابن المخرج والمنتج الراحل مصطفى العقاد، أخبر «الشرق الأوسط»، في ربيع هذه السنة، أنه استطاع (أخيراً) الخلاص من قبضتي واينستين على سلسلة «هالووين» التي كان والده أنتجها منذ منتصف الثمانينات. قال لي في لقاء طويل:‬«أمسك هارفي بمصير هذا المسلسل السينمائي على نحو من يقبض عملياً على الرقاب. الفيلم الجديد من السلسلة كان لا بد من التوجه إليه مجدداً لأنه هو من يدفع فواتير العمل وميزانيته، وهذا ما منحه في كل معاملاته مركز القوة. يعلم أن شركات الإنتاج المستقلة تحتاج إليه، لذلك هو من يقرر لها المشروع الذي سينتجه وعلى أي أساس وبأي ميزانية وهي دائماً أقل كثيراً مما يجب».‬
مالك العقاد قاوم طويلاً يدي المنتج القابضتين حتى إذا ما سنحت له الفرصة سحب شريط الكهرباء من جدار واينستين وأولاه جهة أخرى. ما هي إلا أسابيع قليلة حتى وجد للفيلم المقبل دار تمويل جديدة تتبنى العمل بأسره.‬ هاتان القبضتان على مفاصل العمل السينمائي كانتا اللتين تمسكان بكتفي الممثلات لتطويعهن أو تتحرشان (علناً أحيانا) لمساً ووخزاً. خلف الجدران كان جدول الأعمال يشمل استدعاء الممثلات إلى شقته في الفندق بداعي العمل، ثم التحرش بهن.
إنها الهيمنة ذاتها التي كان يمارسها في عمله جامعاً بين فعل الإنتاج وفعل تلبية حاجاته النفسية المريضة. ولو أن المسألة توقفت عند حد معين أو أن ما حدث كان نتاج نزعة غمرته ثم غادرته، لما وجد الإعلام مجالاً واسعاً للخوض في بحر علاقاته؛ فالكم الكبير من هذه الحالات مذهل كذلك طول المدة الزمنية التي مارس فيها هارفي هذه الاعتداءات.‬

‬مطاردة في الشقة‫‬
الممثلات من كل حجم ومكانة تسابقن للكشف على أنهن كن عرضة لاعتداءاته. آخرهن غوينيث بالترو وأنجلينا جولي وميرا سورفينو وجسيكا شستين التي قالت إنها لاحظت وفهمت مداركه منذ البداية، وإنها استمعت إلى تحذير البعض لها منه.‬
شستين كانت ذكية فابتعدت عن مساره، لكن ميرا سورفينو لم تكن محظوظة مثلها. ما حدث معها جدير بالقراءة حيث نشر على صفحات مجلة «ذا نيويوركر» قبل ثلاثة أيام. وملخص تجربتها أنها لبت دعوة المنتج خلال عرض فيلم قام بإنتاجه وقامت هي ببطولته عنوانه «أفرودايت القوية» (سنة 1995). حاول التحرش بها ففرت من شقته. بعد أيام لاحقة اتصل بها ليلاً وأخبرها أنه في طريقة لزيارتها في شقتها لبحث مشروع فيلم جديد: «قال ذلك وأغلق السماعة مباشرة. شعرت بخوف حقيقي وما لبث أن دق الباب». عندما دخل أخبرته سورفينو بأن صديقها في طريقه وسيصل قريباً «حينها استدار هارفي وانصرف».‬
بعد عامين وجدت الممثلة الإيطالية آسيا أرجنتو نفسها في ورطة مماثلة. كانت في الحادية والعشرين من عمرها عندما قادها مدير مكتب شركة «ميراماكس» (التي كانت ملكاً للأخوين واينستين) فابريزيو لومباردي لفندق «أوتيل دو كاب - إيدن روك» الفرنسي خلال دورة مهرجان «كان» في ذلك العام. وهي لبّت الدعوة على أساس أن هناك حفلة ساهرة لكن آسيا فوجئت بأن الشقة الفندقية الواسعة التي قيدت إليها بلا مدعوين: «لم يكن هناك سوى واينستين. أما لومباردي فقد خرج سريعاً».
هارفي ليس طويل القامة (التقيت به وبطارق بن عمّار في مهرجان «فينيسيا» كما خلال «مقابلات جمعية مراسلي هوليوود») لكنه بدين، ومن الممكن أن يثير ذعر الفتيات فيهربن أو يستجبن. لا أحد من الممثلات اللواتي تعرضن لاعتداءاته نفت شعورها بالهيمنة البدنية التي يفرضها والموازية لهيمنته السلوكية أيضاً.‬

‬هيمنة المنصب‫‬
مثل هذه التصرفات لا تترك كثيراً من التخمينات. البوليس البريطاني باشر، يوم أول من أمس، تحرياته بعدما تسلم من قسم شرطة في بلدة ميرسايد شكوى اعتداء جنسي ضد واينستين. وفي نيويورك صدر بيان من بوليس المدينة وفيه أن البوليس يبحث في شأن ما تم نشره من تهم ليقرر إذا ما كان سيرفع دعوى مدنية بحق هارفي.‬
الشكوى البريطانية قد تكون تلك التي رفعتها الممثلة روز مكغوان التي أعلنت فيها أنها تعرضت للاغتصاب. وبذلك تنضم، وسورفينو، إلى قائمة تتسع قليلاً كل يوم وشملت حتى الآن الممثلة الفلبينية أمبرا غواتريز والممثلة الأميركية روزانا أركيت كذلك رومالا غاراي وكاثرين كندل وآشلي جد وعارضة الأزياء (لسنوات خلت) زاو بروك.‬
وهناك سواهن من اللواتي تقدمن بحكاياتهن. المجموع، كما يحسب من كم التحقيقات المختلفة التي تسود صفحات المواقع يبلغ (حتى 24 ساعة مضت) 27 امرأة، معظمهن من الممثلات اللواتي كن في بداية خطواتهن في السينما، وبعضهن من عارضات الأزياء..
ولكل منهن حكاية مشابهة للآخر تكشف عن رجل يعمد إلى الأسلوب الواحد الذي لا يتغير: دعوة عمل ثم دعوة تدليك ثم هجوم. معظمهن كن يركضن في أرجاء الشقة وهو وراءهن. السلوك ذاته لا يكشف فقط عن نفسية مصابة بمرض عضال، بل أيضاً عن الحدود الأدنى من القدرة على تغيير قواعد اللعبة. هذا رجل لا يحسن التواصل إلا عبر استخدام شعوره بالسيادة والسلطة.

مرض هوليوودي
استغلال المنصب لأغراض جنسية ليس أمراً حديث الوقوع أو هو ينتمي إلى عقود قريبة. هو منتشر طولاً وعرضاً في مختلف أرجاء العالم، لكن هوليوود هي المكان الناضج دوماً للتفاعل مع مثل هذه الحالات لأكثر من سبب، بينها أن المعتدي والمعتدى عليها هما غالباً من بين نجوم هوليوود المعروفين، أو على الأقل، على قدر كبير من الشهرة.‬
إنه مجتمع كثيراً ما يبحث عن مقابل لقاء دفع عجلة النجاح أمام ممثلة مبتدئة (أو كما في حالة الراحل روك هدسون، أمام ممثل مبتدئ). وسط سينمائي معين في العجينة الصناعية العملاقة التي تتألف منها هوليوود، يفرض المقابل مباشرة على نحو متبادل.
في العدد الصادر في شهر يوليو (تموز) سنة 1923 من مجلة «سكرينلاند» مقال عن مثل تلك العلاقات المبنية على المنفعة الجنسية. في عدد من مجلة «موشن بيكتشر» صدر بعد عام واحد، مذكرات كتبتها ممثلة كانت تبحث عن فرص نجاح عندما واجهت مثل تلك التحرشات والمطالب الجنسية شرطاً لكي تصل إلى ما تبتغيه. والحال أن المعترضات كثيراً ما يؤدي اعتراضهن إلى تغييبهن وفشلهن أو البقاء في مطلع سلالم الشهرة، بينما المستجيبات قد يجدن أنفسهن في مصاعد نجاح كهربائية سريعة.

ثلاث حالات
على الرغم من كل ذلك، فإن ما يحدث اليوم مختلف حجماً وزمناً. بكلمات أخرى، في العشرينات من القرن الماضي وما بعد، كان كل شيء جديد، والمرأة لم تكن تملك الحقوق ذاتها التي تملكها اليوم حتى في الولايات المتحدة. أكثر من ذلك الظروف الاجتماعية التي أنجبتها سنوات من استقلالية وتحرر المرأة جعلت من الصعب تورية مثل هذه المسائل العسيرة، ولو أنها لم تضع حداً لها بالطبع.
ومن المثير ما حدث خلال السنتين الماضيتين في حالات متناقضة:
الأولى عندما اتهم الممثل كايسي أفلك بالتحرش الجنسي لكن لا شيء تم في هذا الصدد ربما لأن الحالات كانت محدودة.
الثانية هي في إطار الفضيحة التي كشفت عن عصابة من ممتهني اغتصاب الأولاد دون سن الرشد التي هرب بعض أفرادها (من منتجين) إلى أوروبا حيث ما زالوا فيها. لكن أحد الذين كشفت التحريات عنهم المخرج برايان سينجر الذي كان «رجال إكس» أحد أفلامه الكثيرة الناجحة. الفضيحة (شملت دعوة رفعها شاب ضده ثم سحبها) جعلته يتوارى في منزله لبضعة أشهر قبل أن يعود في العام الماضي مخرجاً لحلقة أخرى من «رجال إكس» عنوانها «X‪ - ‬Men‪:‬ Apocalypse».
الحالة الثالثة هي معاكسة في بعض جوانبها. في العام الماضي تعرض المخرج الأميركي نيت باركر إلى هجوم حاد قبيل عرض فيلمه الجيد «مولد أمّة» بعدما اتهم بأنه كان أحد ثلاثة أشخاص قاموا باغتصاب فتاة قبل نحو عشر سنوات، عبثاً حاول المخرج الدفاع عن نفسه مستنداً إلى قرار المحكمة الذي برأه من التهمة، لكن فيلمه الذي تحدث الجميع حول احتمالات فوزه بالأوسكار سقط أرضاً بالضربة القاضية.
قضية هارفي واينستين مرشحة للتفاعل أكثر وأكثر. بيانات الإدانة تتوالى وهي وصلت حالياً إلى 65 بياناً بدأت بالممثلة ميريل ستريب ولم تنتهِ بعد بدخول ليوناردو ديكابريو وجورج كلوني وكيت ونسلت وغلن كلوز وتشارليز ثيرون وكايت بلانشيت ومارك روفالو ونيكول كيدمن وغيرهم من النجوم الذين علقوا على الأمر.
المخرج أوليفر ستون أعلن توقفه عن العمل على مشروع من إنتاج واينستن والمخرج كونتين تارنتينو، الذي كان بينه وبين المنتج المذكور بضعة مشاريع، عبر عن دهشته.
أكثر من ذلك توالت بيانات إدانة من مؤسسات سينمائية كبرى بينها أربع من أكبر مهرجانات السينما. فقد أعلن مهرجان «كان» قبل يومين، وبلسان مديره العام تييري فريمو عن استيائه مما قام به المنتج الأميركي المعروف واصفاً ذلك بأنه «أمر مرعب».
ولم يتأخر رئيس مهرجان برلين دييتر كوزليك عن إدانة مماثلة قائلاً في تصريح قبل يومين: «إن المهرجان يدين سلوك هارفي واينستين»، وأضاف: «إنه شأن فاضح أنه تم التستر على أفعاله لسنوات».
وتبع هذه الإدانة موقف مماثل من رئيس مهرجان فنيسيا الذي وصف تصرفات واينستين بـ«المعيبة وغير المقبولة».
ولم يتأخر مهرجان تورنتو عن الإدانة ذاتها، وبذلك بدا وكأن المهرجانات وجدت لها دوراً جديداً فوق كل ما تقوم به من أدوار. لكن بعض اعتداءات واينستين تمّت في بعض هذه المهرجانات كما تتكشف المعلومات الأخيرة. وقبل يومين نشرت مجلة «ذا نيويوركر» تحقيقات جديدة حول انتهاكات المنتج أتت فيها على مقابلة مع الممثل ميرا سورفينو التي قالت أنها تعرضت لتحرش واينستين في أحد فنادق تورنتو، وذلك خلال مهرجانها سنة 1995.
وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن المؤسسات السينمائية المختلفة تنظر حالياً في إلغاء عضوية واينستين ومنها أكاديمية الفنون السينمائية والتلفزيونية البريطانية (بافتا) و«نقابة المنتجين الأميركيين». كذلك أكدت أكاديمية العلوم والفنون السينمائية عزمها على تنحيته.


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري تصل إلى موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في أنغوان روكوبا بولاية بلاتو... نيجيريا 30 مارس 2026 (رويترز)

إطلاق نار في حفل زفاف بشمال نيجيريا يخلّف 13 قتيلاً

أطلق مسلحون النار على حفل ما قبل الزفاف في ولاية كادونا شمال نيجيريا، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
شمال افريقيا صورة عامة لكورنيش محافظة الإسكندرية (شمال مصر) (مجلس الوزراء - «فيسبوك»)

مصر: فاجعة في الإسكندرية بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم

أثارت حادثة مفجعة فى حي كرموز بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر) حالة من الصدمة والفزع، بعد أن قتل شاب والدته وأشقاءه الخمسة وحاول قتل نفسه، لكنه فشل وتم إنقاذه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي مع النيجر 4 فبراير الحالي (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يحرر عدداً من مقاتليه المختطفين بعد عملية على حدود النيجر

تمكن «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من تحرير عدد من جنوده الذين تعرضوا للاختطاف في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ ساحة الجريمة لدى منزل قرب مدينة تاكوما (أ.ب)

خمسة قتلى بعملية طعن في ولاية واشنطن الأميركية

قُتل أربعة أشخاص طعنا في ولاية واشنطن الأميركية الثلاثاء، فيما أردى شرطي المشتبه به، وفق ما أعلنت السلطات المحلية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».