ثمن الدواء... تأثيرات غير متوقعة على المريض

ثمن الدواء... تأثيرات غير متوقعة على المريض

المرضى يتخوفون من الأعراض الجانبية للأدوية غالية الثمن
الجمعة - 23 محرم 1439 هـ - 13 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14199]
الرياض: د. عبير مبارك
لا يزال موضوع «ثمن الدواء» أحد الموضوعات المثيرة للجدل منذ أن عرف الإنسان أن «الدواء» هو وسيلة للتغلب على «المرض». في السابق كانت غالبية الأدوية يتم إنتاجها بطريقة طبيعية، إما باستخلاصها من الأعشاب البرية وإما بتحضيرها من أجزاء المنتجات النباتية بأنواعها كالثمار والبذور والأوراق واللحاء وغيرها، أو من مستخلصات حيوانية بنوعيها البرية والبحرية، وكان الحصول على الدواء آنذاك مُكلفاً للمريض وصعب المنال لأسباب شتى.
وفي العصر الحالي تدخلت عوامل متعددة في تحديد ثمن الدواء، سواء لنوعية الأدوية التي تُوصف بأنها ذات علامة تجارية Brand - Name Drug، أي التي تنتجها الشركة التي اكتشفت الدواء وقامت بالحصول على ترخيص بدء استخدامه العلاجي وحازت على الامتياز في تسويقه، أو نوعية الأدوية المكافئة (الجنيسة) Generic Drug التي تُكافئ الدواء ذا العلامة التجارية من حيث المحتوى والمفعول.
ومع إنتاج الأدوية في المختبرات وإجراء التجارب وتكاليف البحوث والإنتاج والتسويق والنقل والعرض للأدوية وعدد مستخدمي الدواء وعمق تأثيراته العلاجية وعوامل أخرى كثيرة، لا يزال موضوع «ثمن الدواء» في العالم أجمع يُثير جوانب شتى من الجدل في الأوساط الطبية وفي أوساط المرضى.

الثمن والمفعول

هذا الجدل متشعب العناصر لا يجري فقط حول مدى ارتفاع أو انخفاض «القيمة المادية» التي يتعين على المريض بذلها للحصول على الدواء، بل يتعداه إلى جوانب قد لا تخطر على بال البعض منّا، ولكن لها أهمية صحية وطبية. ومنها على سبيل المثال تأثيرات ثمن الدواء على احتمالات حصول الآثار الجانبية له، وهو ما كان محل البحث في دراسة الباحثين الألمان من مركز الطب الجامعي هامبورغ - إيبندروف التي تم نشرها ضمن عدد 6 أكتوبر (تشرين الأول) من مجلة «ساينس» العلمية Science حول العلاقة بين «ثمن الدواء» ومدى الشكوى من تسببه بحصول الآثار الجانبية المتوقعة.
ومنها أيضاً دراسة الباحثين من كلية الطب بجامعة هارفارد حول تأثيرات التفاوت في ثمن نوعين من الأدوية التي تحتوي على نفس النوع من الهرمونات الأنثوية المستخدمة في منع حصول الولادة المبكرة Preterm Birth، والتي يسوَّق نوع منها بسعر 200 دولار والنوع الآخر بسعر 11 ألف دولار، وهي الدراسة التي تم نشرها ضمن عدد 2 أكتوبر من مجلة «جاما للطب الباطني» JAMA Internal Medicine.
وموضوع العلاقة بين ثمن الدواء والتوقعات المختلفة من مفعوله في الجسم هو أحد الموضوعات الشائكة، خصوصاً في جوانب فاعليته في معالجة المرض أو جوانب ارتفاع احتمالات تسببه في الآثار الجانبية. ومعلوم أن جميع الأدوية بلا استثناء قد تسبب لبعض المرضى «آثاراً جانبية» Side Effects، وهي مجموعة من التأثيرات السلبية غير المقصودة التي تظهر على المريض بعد تلقيه العلاج عبر الفم أو بالحقن في الوريد أو بالوضع كمستحضر على الجلد. وهذه الآثار الجانبية لا علاقة له بالإفراط في تناول جرعة الدواء ولا يُمكن توقع حصولها.
وكان الباحثون الألمان قد لاحظوا في نتائج دراستهم أن ارتفاع «سعر الدواء» يجعل الناس أكثر عُرضة للشعور بالآثار الجانبية لهذا الدواء باهظ الثمن، والأهم في نتائج هذه الدراسة أن ذلك الشعور بالآثار الجانبية ليس شيئاً يتوهمونه في رؤوسهم بل حقيقة يُعانون منها. أي أن ثمة حالة من «تأثير نوسيبو» Nocebo Effect تحصل لديهم.
عقارات وهمية وحقيقية
وللتوضيح، ثمة ما يُعرف طبياً بـ«تأثير نوسيبو»، وفي مقابل ذلك هناك «تأثير بلاسيبو» Placebo Effect، وكلاهما مرتبط بنوعية المشاعر، إما مشاعر سلبية وإما إيجابية. و«تأثير بلسيبو» يُترجم إلى العربية بكلمة «غُفْل» أو «إيحاء» أو «وهم». ومن عبارة «تأثير بلاسيبو» هناك ما يُعرف طبياً بدواء «بلسيبو»، وهو الدواء الذي لا يحتوي على أي عناصر كيميائية فاعلة ومع ذلك يشعر المريض، المفعم بمشاعر التوقعات الإيجابية، أنه تحسّن بتناول ذلك الدواء وتحصل لديه بالفعل تغيرات إيجابية نتيجة لذلك. ويُلجأ في البحوث الطبية إلى إعطاء هذا الدواء الوهمي عند محاولة معرفة مدى عمق تأثير دواء فعلي، أي دواء يحتوي على مادة كيميائية فاعلة، على حالة مرضية معينة، وتتم المقارنة بإعطاء مجموعة من المرضى دواءً حقيقياً وبإعطاء مجموعة أخرى «دواء بلاسيبو» خالياً من أي مادة كيميائية فاعلة، ثم يتم النظر في مدى ونسبة التحسن عند كل مجموعة، ومنها يتم تقييم فاعلية هذا الدواء أو أن تأثيره الإيجابي كان مجرد وهم.
في المقابل، هناك تأثير «نوسيبو» الذي يرتبط بمشاعر التوقعات السلبية والمُحبطة لدى المريض قبل البدء بتناول الدواء، وهو ما يجعل المريض بتناوله ذلك الدواء أكثر معاناة من التأثيرات السلبية، رغم أن ذلك الدواء لا يحتوي على أي مواد كيميائية فاعلة بل ربما مزيج من النشا والسكر فقط. وهناك العديد من الدراسات الطبية التي لاحظت أن ثمة طيفاً واسعاً من تأثيرات «نوسيبو» التي قد يشكو منها المرضى بعد تناول الدواء والتي لا سبب لها بدخول أي مادة كيميائية بالأصل إلى أجسامهم! ومن أمثلة ذلك: الحكة، وانتفاخ البطن، وتدني القدرات الجنسية، وفقدان شهية تناول الطعام، والغثيان، وآلام المعدة، وغيرها.
وما لاحظه الباحثون الألمان في هذه الدراسة أن مخاوف المرضى الذين تلقوا علاجاً وهمياً خالياً من أي مواد كيميائية فاعلة، ولكنه علاج باهظ الثمن، قد أدت إلى زيادة مخاوفهم من حصول الآثار الجانبية السلبية التي تم إخبارهم أن هذا الدواء قد يتسبب بها، وأدت بالفعل إلى شكواهم من حصول تلك الآثار الجانبية المؤلمة عند تلقي المعالجة بالدواء باهظ الثمن بخلاف تلقي دواءً أقل كُلفة مادية.
والأهم أن هذا الأمر حصل ليس نتيجة مجرد «الوهم المصطنع»، بل لاحظ الباحثون أنه باستخدام تصوير الدماغ لديهم، ثمة تغيرات فعلية تحصل في الدماغ تمت ملاحظتها بالتصوير. وعلقت الدكتورة أليكسندرا تينرمان، الباحثة الرئيسية في الدراسة من مركز الطب الجامعي «هامبورغ – إيبندروف»، بالقول: «هذه النتائج دليل قوي ضد تصور أن تأثير (بلسيبو) أو (نوسيبو) هو مجرد وهم ينشأ عن طريق خيال المريض».
وهو ما وافقتها فيه الدكتورة ليونا كولوكا، الباحثة في جامعة ماريلاند في بالتيمور والتي قدمت للدراسة بمقالة في مجلة «ساينس»، وقالت: «توقعات المرضى تقوم بتعديل الأعراض التي يشكون منها وأيضاً بتعديل استجاباتهم للمعالجة».

أعراض جانبية

كان الباحثون قد قدموا، لمجموعتين من الأشخاص، دواء على هيئة مرهم خالٍ من أي مواد كيميائية فاعلة، وتم إخبارهم أنه قد يسبب ألماً في الجلد، والفرق بين العلاجين هو فقط أن أحدهما قيل لهم إنه غالي الثمن والآخر رخيص. وبعد وضعهم ذلك المرهم على منطقة من الجلد، قام الباحثون بفحص مدى الشعور بالألم في تلك المنطقة من الجلد عند التعرض للحرارة، ولاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين استخدموا المرهم باهظ الثمن كانوا أعلى حساسية للشعور بالألم في الجلد مقارنةً بالمجموعة االتي استخدمت الدواء الرخيص. وهو ما علقت عليه الدكتورة تينرمان بقولها: «من المحتمل أن الأشخاص الذين استخدموا المرهم غالي الثمن توقعوا أن مفعوله سيكون قوياً وسريعاً وهو ما قد يكون السبب وراء توقعهم أن آثاره الجانبية ستحصل أيضاً بشكل أكبر».
وأفاد الباحثون أن ذلك لم يكن مجرد وهم في الذهن، بل باستخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتصوير الدماغ تمت ملاحظة تغيرات مختلفة في نشاط ومدى التواصل بين أجزاء مختلفة من الدماغ.
وأفادت الدكتورة كولوكا أن المرضى عُرضة للتأثر، ومثال ذلك توقعاتهم الفاعلية الأقوى من الأدوية التي تُعطى بالحقن في الوريد مقارنةً بالتي يتم بلعها عبر الفم، ونتائج هذه الدراسة قد تكون لها تطبيقات عملية مثل إخبار الطبيب للمريض عن ثمن الدواء كوسيلة في تحسين توقعاتهم لمنافع ومخاطر تناوله، والأطباء يعلمون جيداً الدور الكبير لمستوى توقعات المريض في معالجته، وهناك أمثلة للتوقعات السلبية التي تُؤثر على مدى استمرار المريض في تلقي المعالجة، كأدوية خفض الكولسترول واحتمال تسببها بآلام في العضلات، وهو ما قد يجعل المرضى أكثر شكوى من آلام العضلات نتيجة لمعرفتهم ذلك الأثر الجانبي محتمل الحصول.
وفي الدراسة الحديثة الأخرى، قال الباحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد في مقدمة الدراسة: «إن دواء (ألفا هيدروكسي بروجستيرون كابروات – 17) 17 -Alpha Hydroxyprogesterone Caproate هو البروجستين الصناعي ويُعطى عن طريق الحقن، وقد أثبت فعاليته في منع أو تأخير الولادة المبكرة في حالات حمل النساء اللواتي لديهن تاريخ من الولادة المبكرة العفوية. وكان متوفراً على نطاق واسع كدواء غير مكلف، والآن لدينا نسخة من نفس هذا الدواء تحمل علامة تجارية، وثمنه أعلى بمقدار 100 ضعف عن النوع السابق».

تفاوت الأسعار

ولاحظ الباحثون في نتائج دراستهم أن استخدام العلامة التجارية والتغليف الأنيق ارتبط بزيادة قدرها 5000 في المائة في تكلفة هذا الدواء لهرمون البروجسترون الأنثوي الصناعي كدواء لمنع حصول حالات الولادة المبكرة. وقال إندرو بيم، المتخصص في المعلوماتية الطبية الحيوية والمؤلف المشارك في الدراسة، لنشرة أخبار هارفارد: «الجميع يتحدث عن كيفية دفع تكاليف الرعاية الصحية، ولكن قلة تتحدث عن سبب ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، حيث إن أسعار الأدوية غير القابلة للتحكم هي السبب الرئيسي لهذا الأمر». وقام الباحثون بدراسة دواءين يحتويان على نفس المكونات الدوائية النشطة وقابلين لاستخدام أحدهما بدلاً من الآخر في المعالجة الطبية، وتتبعوا تكاليف معالجة أكثر من 3800 امرأة بأحد الدواءين المحتويين على هرمون بروجسترون لمنع حصول الولادة المبكرة. ولاحظوا في نتائجهم أنه لا يُوجد فارق بين معدل حصول الولادة المبكرة فيما بين مجموعة النساء اللواتي تلقين النوعية الأغلى ثمناً ذات العلامة التجارية من الدواء، وبين اللواتي تلقين النوعية المكافئة من نفس الدواء والأقل ثمناً.
وأفاد الباحثون أن الكلفة السنوية لمعالجة كل حالات النساء اللواتي يحتجن إلى تلقي هذا الدواء في الولايات المتحدة هي 1.4 مليار دولار باستخدام نسخة الدواء من النوعية باهظة الثمن، وهي أيضاً 27.5 مليون دولار فقط باستخدام نسخة الدواء من النوعية التجارية المكافئة لنفس الدواء.
* استشارية في الباطنية
الصحة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة