زمن الروبوت... وتحوّل مركزية الإنسان

تأخذ التقنية بكل تفجراتها حيزاً كبيراً من اهتمامات الباحثين حول مآلات التطور الصناعي المهول. مارتن هيدغر كتب معلقاً على القنبلة الذرية حينها بأن التقنية ستكون هي ميتافيزيقيا العصر، وبالفعل فإن الأخبار العلمية التقنية تعطينا الفكرة الأولى عن الطريقة التي سيتحوّل من خلالها العيش لدى الجيل القادم.
مثلاً: نشرت صحيفة «إيلاف» أخيراً نبأ إعلان وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن وظيفة شاغرة بعنوان «مدير حماية الكوكب» براتبٍ مغرٍ. وأطلق النبأ موجة من التصريحات المثيرة، على الرغم من أن مهمة هذا المسؤول هي في الأغلب منع انتقال متعضيات مجهرية من الأرض إلى كواكب أخرى، وبالعكس، لمنع التلوث البيولوجي خلال الرحلات الفضائية.
وهذا يعني أن الموظف الجديد سيركز على إبقاء المركبات الفضائية نظيفة، ليس عليها ذرة غبار.
تقنية أخرى تتحدث عن تغيير جذري في مجال صنع القرار بتأثير تكنولوجيا المعلومات الكبرى والغوريثمات. فإن الكميات الهائلة من المعلومات التي تُجمع في قواعد بيانية، وما يُسمى «تقنيات تعليم الآلة»، تتيح أتمتة أعداد كبيرة من القرارات، ويمكن أن تكون الغوريثمات أو الذكاء الاصطناعي أعلى كفاءة وأرخص تكلفة وأدق من البشر، إذا أُحسن تصميمها. لذا ليس من المستغرَب أن نستعيض بصورة متزايدة عن صانعي القرارات البشر بالغوريثمات تصنع القرارات، في وقتٍ «تأمل فيه شركة (مون إكسبرس) الناشئة في فلوريدا (جنوب شرقي الولايات المتحدة) أن تكون أول مؤسسة خاصة ترسل مركبة صغيرة غير مأهولة إلى القمر قبل نهاية العام الحالي».
تلك الصرعات التقنية المدوّية توضح مستوى تلاشي الدور الذي سيقوم به الإنسان بهذا العالم، وذلك بفضل التقنية التي صنعها ذكاء الإنسان نفسه، ومن ثم يكون الإنسان خادماً في عالمها أكثر من كونها خادمةً له، وقد قرأت أخيراً دراسةً مهمة صدرت عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وقد طُبِعت بكتيّب حمل عنوان: «تحديات عصر الروبوت وأخلاقياته»، من تأليف صفات أبو قورة، وفي الدراسة مستجدات صناعة الروبوت، والمناطق التي سيحتلها حضوره عوضاً عن حضور الإنسان.
خلاصة الدراسة المهمة تحدي الروبوت للعمالة ليس على مستوى الدول المتطورة صناعياً وتقنياً، بل حتى بالدول النامية، إذ سيعمل في قطاع الإلكترونيات، ولئن كانت الروبوتات باهظة الثمن، فإنها ستكون أكثر كفاءةً وفعاليةً بسبب تقليل التكلفة، والتوفير على الشركات، وهذا بحد ذاته سيشكل صدمة كبرى للبشرية، والأعمال التي يستطيع الروبوت القيام بها، منها: رائد فضاء، فقد أرسلت «ناسا» روبوت «روبونوت 2» عام 2011 لمهمة خارجية؛ أن يعمل صيدلياً، فالروبوت «آر إكس» هو نظام آليّ للدواء للقيام بمهمات التموين والتخزين والتوزيع، وهو يزيد من دقة تعبئة الأدوية بنسبة 99 في المائة. ويعمل الروبوت في خطوط التجميع مثل الروبوت «باكستر». ويعمل طاهياً للوجبات السريعة، وأمين مكتبة، كما في نظام مكتبة جامعة نورث كارولينا. ويعمل سائق سيارة، كما في ألمانيا، وسيارة «غوغل» الآلية. ومن الوظائف التي سيكتسحها الروبوت وظيفة «جليس الأطفال»، و«عامل للبريد».
كما أن مستقبل المهنة الصحافية في خطر إذ أعلنت «شركة نراتيف ساينس» عام 2012 عن تطوير برنامج كومبيوتري يقوم بكتابة الأخبار والمقالات.
تلك بعض المهام التي سيُطوَّر الروبوت لكي يكمل وظيفته بها على أكمل وجه، والفكرة الأساسية من ذلك أن التقنية بقدر تقدمها، والعالم بعظمة تطوّره، لن يجعلا الإنسان مركزاً على هذا الكوكب، فلن يحتكر التدبير بل سيكون جزءاً من المدبرين، وقد يتحوّل إلى أداة أو فردٍ يخدم التقنية ويأتمر بأمرها. كان هيدغر في أطروحاته حول التقنية منذ أول محاضرة له عنها عام 1953 بعنوان «مسألة التقنية» يحذّر من انفلات التقنية من يد الإنسان، لكنه في معرض حديثه يقول: «التقنية وسيلة اختُرِعَت من طرف الإنسان، التقنية الحديثة بما هي أداة هي التطبيق العملي لعلم الطبيعة الحديث، وأن التقنية الصناعية المؤسسة على العلم الحديث هي ميدان خاص داخل الحضارة الحديثة، وأن التقنية الحديثة هي الاستمرارية المتقدمة والمتقَنَة بالتدريج للتقنية الحرفية القديمة، حسب الإمكانات التي توفرها الحضارة الحديثة، تقتضي التقنية الحديثة - كأداة إنسانية - أن تكون خاضعة لمراقبة الإنسان، وأن يضمن الإنسان التحكم فيها كموضوع من اختراعه الخاص».
من الواضح أن التقنية لن تظلّ بتحكم الإنسان، بل ستنفلت أو انفلتت من يده، وبات أسيراً لها، بدليل الأجهزة الكثيرة التي بين يدي الإنسان، والتي يشعر بالفراغ والشتات والتيه والحرمان في حال تلفها أو منعه من استخدامها.