فرق يهودية مجهولة تتنازعها الاختلافات الدينية

المعلومة المثيرة في هذا الكتاب أن اليهود السود من نسل العبرانيين الإسرائيليين يعتقدون أنهم الشعب المختار وقد اصطفاهم الله لأنهم من نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب
المعلومة المثيرة في هذا الكتاب أن اليهود السود من نسل العبرانيين الإسرائيليين يعتقدون أنهم الشعب المختار وقد اصطفاهم الله لأنهم من نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب
TT

فرق يهودية مجهولة تتنازعها الاختلافات الدينية

المعلومة المثيرة في هذا الكتاب أن اليهود السود من نسل العبرانيين الإسرائيليين يعتقدون أنهم الشعب المختار وقد اصطفاهم الله لأنهم من نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب
المعلومة المثيرة في هذا الكتاب أن اليهود السود من نسل العبرانيين الإسرائيليين يعتقدون أنهم الشعب المختار وقد اصطفاهم الله لأنهم من نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب

صدر عن دار «لندن تاغس» كتاب جديد للدكتور جعفر هادي حسن يحمل عنوان «فِرق يهودية معاصرة»، وقد ضمّ الكتاب خمس فِرق يهودية لا يعرفها القارئ العادي باستثناء فِرقة «الفلاشا» التي كُتب عنها الكثير من الأبحاث والدراسات المتخصصة. أما الفِرق الأخرى فهي مجهولة للقارئ العربي وأن الباحث نفسه لم يطلِّع حتى على مقالة واحدة باللغة العربية عن فِرقة اليهود الأفارقة الأميركيين، فما بالكم ببقية الفِرق مثل اليهود اليسوعيين، واليهودية البشرية وفِرقة مكويا اليابانية؟
ينطوي هذا الكتاب الفكري على بِنية معلوماتية موزّعة بين ثناياه لعل أبرزها شَتات بني إسرائيل بعد تدمير الهيكل من قِبل الرومان، وتبدّدهم في مختلف أرجاء العالم، فيما ضاعت منهم 12 قبيلة يعتقدون أنها وجدت طريقها إلى الحدود الأفغانية - الباكستانية، واليابان، وبعض البلدان الأفريقية. أما موجة الشَتات الثانية فقد بدأت زمنياً بالقرنين الخامس عشر والسادس عشر حينما قام الإسبان والبرتغاليون والهولنديون والإنجليز لاحقاً باسترقاق الأفارقة في غانا وأخذهم عبيداً إلى أوروبا والعالم الجديد. وكان بينهم الكثير من اليهود الذي سوف يقررون بعد 400 سنة من التهجير القسري، والغربة، والمعاناة العودة إلى «أرض الأجداد» ليبنوا مملكتهم من جديد لأنهم يعتبرون المنفى الأميركي رمزاً لبابل التي سبتهم، واستعبدتهم، وزرعت في ذاكرتهم الجمعية ذكريات سيئة عن الأسر والنفي في بلاد ما بين النهرين.
المعلومة المثيرة في هذا الكتاب أن اليهود السود من نسل العبرانيين الإسرائيليين يعتقدون أنهم الشعب المختار وقد اصطفاهم الله لأنهم من نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب، أما سبب شتاتهم فيردونه إلى كثرة ذنوبهم، ويشككون في اليهود البيض ويرجعونهم إلى نسل عيسى.
يشتمل الفصل الأول على ثماني مجموعات رئيسة انبثقت عن فِرقة اليهود الأفارقة الأميركيين نذكر منها «كنيسة الله الحيّ، عمود الحق وأساسه لكل الشعوب»، «المعبد الصهيوني الموريشي»، «المحافظون على الشريعة»، فالأولى تلتزم بفريضة السبت، وعيد الفصح، والثانية تشجع على الهجرة إلى إثيوبيا، والثالثة تريد العودة إلى أرض الأجداد.
يتمحور الفصل الثاني على مجموعة «الشعب الأفريقي العبراني الإسرائيلي الأورشليمي» التي أسسها بن عامي، وقد وضعت هذه المجموعة خططاً لإنشاء دولة عالمية حيث بدأوا برحلة معاكسة من أميركا إلى ليبيريا قبل ذهابهم لإسرائيل. وفي عام 1965 صرّح بن عامي قائلاً: «إنّ إسرائيل هي أرض تراثنا ولذلك علينا أن نرجع إليها الآن» (ص50). وقد ادعى بأن الله قد أوحى إليه وأمرهُ بضرورة العودة إلى إسرائيل لينشئ مملكته على الأرض شرط أن يبقى في ليبيريا ثلاث سنوات ونصف السنة حتى يتطهروا من العفن الذي أصابهم عندما كانوا يعيشون في أميركا. وقد رفضوا كل محاولات الاندماج والتجنّس لأنهم عبرانيون إسرائيليون ويتحرقون شوقاً «للعودة إلى وطنهم الأم». وحينما عادوا أصيبوا بصدمة كبيرة فقد أسكنوهم في صحراء النقب والضفة الغربية، ولم يسمحوا لهم بالعمل والدراسة لأنهم مقيمون غير شرعيين، ولم تعترف رئاسة الحاخامية في إسرائيل بيهوديتهم، ولم تمنح مواليدهم الجدد شهادات ميلاد. ومع ذلك فقد شجع الكثير من السياسيين والمفكرين عودة الأفارقة الأميركيين إلى القارة السمراء وعلى رأسهم الرئيس الغاني نكروما الذي دعا الغانيين للعودة إلى البلاد، كما حرّض بول كوفي، وهو أثري أميركي أفريقي في الولايات المتحدة على عودة الأفارقة إلى سيراليون، كما شجّع إدوار ويلموت بلايدن إلى عودة الأفارقة إلى بلدانهم الأصلية. وبالمقابل هناك من عارض فكرة العودة وأيدّ فكرة الاندماج مع المجتمع الأبيض أمثال فردريك دوغلاس ومارتن لوثر كنغ. بينما كان بن عامي يطالب الإدارة الأميركية بمساعدة الراغبين في العودة الطوعية لكنهم لم يحصلوا من الكونغرس إلا على منحة قدرها مليون دولار لإنشاء مستوطنة بعد أن وافقت عليها إسرائيل.
كرّس هادي حسن الفصل الثالث ليهود إثيوبيا «الفلاشا». وبحسب الرحالة اليهودي المغامر إلداد هاداني الذي سافر إلى هناك والتقى الكثير من اليهود وذكر بأن قبيلة «دان» قد هاجرت إلى إثيوبيا لأنها لم ترد أن تشترك في الحرب الأهلية بعد وفاة سليمان بن داود، كما هاجرت معها ثلاث قبائل أخرى وهي نفتالي وآشر وجاد غير أن رئاسة الحاخامية اعتبرت قبيلة «دان» من القبائل الضائعة. ويعتقد جاك فيتلوفتش أن الفلاشا يهود حقيقيون بالدم والنسب وليسوا متحولين كما يرى البعض. وكلمة فلاشا تعني أجانب أو منفيين باللغة الجعزية، وهم يختنون أولادهم، ويلتزمون بأحكام السبت وقضية الطهارة، ويعتقد قسسهم «بأن الإثيوبيين هم الشعب المختار بدل اليهود لأن التابوت في حمايتهم» (ص115). يسكن الفلاشا في قرى منعزلة عند الأنهار ومصادر المياه، ويمتهنون الحدادة وصناعة الأواني الفخارية. وبما أن الحدادين متهمون بالسحر فقد نُسجت حولهم الأساطير التي تقول بأنهم يتحولون في الليل إلى ضباع تأكل الجثث في المقابر. ويقدر عددهم بحدود مائتي ألف يهودي وحينما تم نقلهم إلى إسرائيل طلبت منهم رئاسة الحاخامية أن يتزوجوا على وفق الطريقة الأرثودكسية، وأن يرتمسوا بالماء، وأن يختتنوا أمام الحاخامين، وكانت أوضاعهم السكنية والصحية مزرية الأمر الذي دفع بعضهم للانتحار.
يركز الباحث في الفصل الرابع على «اليهود اليسوعيين» Messianic Jews ولا يترجم اسم هذه الفرقة ترجمة حرفية وهي «اليهود المسيحانيين» لأن المعنى الأول أدق، فهم يهود ويؤمنون بعيسى «اليسوع» كنبي ومخلّص وينتظر أتباع هذه الفرقة ظهوره الثاني ولا ينتظرون مسيحاً آخر. وهناك الكثير من رجال الدين الذين تحولوا من اليهودية إلى المسيحية بعد أن قرأوا العهد الجديد مثل المبشّر هنري شتيرن، والحاخام المجري أغاز لينخشتاين الذي دعاهم للإيمان بعيسى دون أن يتخلوا عن يهوديتهم. لكن الرئاسة الحاخامية كانت لهم بالمرصاد فأصدرت عقوبات صارمة ضد كل يهودي يؤمن بعيسى تصل إلى طرده من اليهودية. لا تؤمن هذه المجموعة بالتبشير لذلك يتناقص عددهم يوماً بعد يوم. يعتقد اليسوعيون «أن وعد الرب لليهود كان قد ألغي بمجيء اليسوع عيسى، وأن شعب الكنيسة هو الشعب المختار» (ص213).
لم يقتنع الباحث في الفصل الخامس بترجمة فرقة Humanistic Judaism باليهودية الإنسانية، بل ترجمها بـ«اليهودية البشرية» لأن المقصود هنا «أن البشر اليهود هم الذين أوجدوا هذه الديانة اليهودية دون تدخل من خالق» (ص225). ويعتبر أتباع هذه الفرقة أن اليهودية ثقافة وليست ديناً، كما ينتقدون التوراة كثيراً لأن قصصها متناقضة، وتفضي إلى الارتباك والتشويش، وأن الشخصية اليهودية هي نتاج التاريخ اليهودي وليس نتاج التوراة. وخلاصة القول «إن التوراة هي كتاب أدبي وحقها أن توضع في مكان مشرف في متحف الكتب اليهودية» (ص231).
أما الفصل السادس والأخير فيسلّط الضوء على فرقة مكويا اليابانية التي تؤكد على الأصل العبري للعقيدة المسيحية وترى أن بناء معبد الشنتو لا يختلف كثيراً عن شكل المعبد اليهودي. لا يتزوج أتباع هذه الفرقة من خارج فرقتهم ويعتقدون بأنهم أحفاد قبيلة زبولون، وهي إحدى قبائل بني إسرائيل الضائعة. ويعتقد إيكورو تشيما، مؤسس هذه الفرقة بأن «سور الصين العظيم قد بناه يهود الشتات» (ص266). لم يشر الباحث إلى فرق يهودية معروفة مثل القرّائين، والدونمة، والحسيديم، والحريديم لأنه أصدر كتباً عنها. كما لم يتوقف عند الفرق الإصلاحية والمحافظة لأنها تحتاج إلى أبحاث علمية مطولة.


مقالات ذات صلة

توقيف 12 شخصاً لتهديدهم فعالية إسلامية في بريطانيا

أوروبا أفارد من الشرطة يؤدون واجبهم عند قلعة وندسور في بريطانيا 1 أبريل 2018 (رويترز)

توقيف 12 شخصاً لتهديدهم فعالية إسلامية في بريطانيا

أوقفت الشرطة البريطانية 12 شخصاً لتهديد إرهابي يميني متطرف مزعوم لفعالية إسلامية في سافولك بشرق إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ خلال فعالية دينية لليهود بالقرب من البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 14 ديسمبر 2025 (أ.ب)

استطلاع: عدد كبير من يهود أميركا تعرّضوا لاعتداءات العام الماضي

أظهر استطلاع رأي جديد أن كثيراً من اليهود الأميركيين البالغين تعرّضوا لاعتداءات أو تحرّش خلال العام الماضي، وأن كثيرين منهم يشعرون بقدر أقل من الأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي صورة من المقبرة اليهودية في دمشق يوم 30 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

بدء ترميم أبرز مقبرة لليهود في دمشق

بدأت مؤسسة تُعنى بالحفاظ على التراث السوري أعمال ترميم أبرز مقبرة لليهود في دمشق، وفق ما أفاد رئيسها، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ متظاهرون ملثمون فوق معدات الحفر يوم الخميس الموافق 30 أبريل 2026 في مقاطعة بينينغتون بولاية ساوث داكوتا الأميركية حاملين لافتة كُتب عليها «أرض مقدسة لا مكان للتعدين» (أ.ب)

سكان أصليون يقيمون دعوى لمنع التنقيب عن الغرافيت في موقع يقدّسونه بأميركا

أقامت قبائل تسع من السكان الأصليين دعوى قضائية على الحكومة الأميركية في محاولة لوقف التنقيب عن معدن الغرافيت بالقرب من موقع مقدس لدى القبائل في منطقة بلاك هيلز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة فيها البابا لاوون الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle 00:34

بابا الفاتيكان سيواصل دعواته للسلام رغم انتقادات ترمب

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بابا الفاتيكان بأنه «متساهل مع الجريمة»، و«سيئ للغاية في السياسة الخارجية»، و«محابٍ لليسار الراديكالي».

علي بردى (واشنطن)

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية


باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض
TT

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم، وكان منهم الملوك والأمراء الذين حكموا وسط الجزيرة العربية بشعار الأرستقراطية القبلية.

جاء اسم آل عساكر كإحدى الأسر العريقة التي سكنت الرياض من عشرات القرون، وتولوا إماراتها في فترات من تاريخها، وسجل أفراد الأسرة حضورهم في المجتمع على مختلف الأصعدة.

الباحث الدكتور راشد العساكر أنجز كتاباً عن الأسرة سماه: «الرياض الزاهر في تاريخ آل عساكر»، رصد فيه تاريخ الأسرة خلال القرون التي مضت مفيداً أن الأسرة تنتسب إلى قبيلة بني حنيفة من وائل ومسكنهم في الرياض - حجر اليمامة - منذ ما يقرب الألفي سنة، وكان أغلب سكان مدينة حجر اليمامة التي عرفت فيما بعد ببلد مقرن (الرياض اليوم) هم من آل يزيد من بني حنيفة ومنهم الدروع، ويظهر أنهم أحد فروع آل يزيد.

سكنت الأسرة في محلة «مقرن» التي تشكل مع محلة «معكال» أكبر محلتين في بلد الرياض مع بعض الأماكن الأخرى التي أطلق عليها في القرن الثاني عشر الهجري اسم الرياض، والمقصود أن هذه الأسرة عاشت في بلد الرياض، ولا نعرف أن أحداً عاش في غيرها، وقد تملكت أسرة آل عساكر أشهر حديقة عرفت في مقرن عند القرن العاشر الهجري، وهي تسمى «الكبيشية»، وتقع اليوم شمال مسجد جامع مقرن - جامع الرياض، كما تملكوا محلة تعرف بـ«فرحة آل عساكر» قبل منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتملكوا محلة بقرب مسجد الباهلية، وكذلك في محلة الشرقية وغيرهما من الأماكن.

وأما جد الأسرة من الأم فهو عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي، أمير بلد مقرن، تولى الإمارة بعد منتصف القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري.

وهو من قبيلة الدروع المنتسبة إلى بني حنيفة الذين حكموا هذه المنطقة، ويبدو أن عبد المحسن بن سعيد أو أباه هو الذي راسله جد آل سعود مانع بن ربيعة المريدي من الدروع عندما كان في القطيف، وقدم عليه، وأقطعه المليبد وغصيبة المعروفة في الدرعية، وليكون مانعاً له من نفوذ آل يزيد الحنفيين أبناء عمه وبصفة عبد المحسن بن سعيد أمير حجر اليمامة واستقر آل سعود في الدرعية سنة 850هـ.

وقد مدح شاعر - حجر اليمامة - جعيثن اليزيدي الحنفي آل عساكر وعمتهم جليلة، وهجا بها شخصاً يقال له ابن حراش، ويمكن من خلال هذه القصائد التعرف على بعض ملامح تلك الفترة.

وجعيثن عاش في محلة الجزعة جنوب منفوحة، وقيل إنه أميرها من قبل عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي. وتعد هذه القصائد أقدم ما عثر عليه من الشعر العامي لدى شعراء الرياض، خصوصاً ومن أوائل القصائد النجدية المدونة.

وقد كانت جليلة معروفة بأفعال الخير والإحسان ومساعدة المحتاجين في الرياض، حتى أن محلة خان شليلة، المعروفة شرق منفوحة، اليوم، تنسب إليها، حيث إن اسمها خان جليلة، ولكن العامة تسهل نطق الاسم فعرفت بذلك، حيث قامت جليلة بعمل استراحات وخانات فيها.

والخان من معانيه في اللغة العربية السوق، حيث عندما يأتي الحجاج وغيرهم من جهة الأحساء وشرق الجزيرة في طريقهم إلى مكة والمدينة يمكثون في الرياض، فيبيتون بها ويتناولون الطعام ويتزودون بالمؤن في هذه المحلة، فعرفت واشتهرت بذلك، واسم خان جليلة قد تغير إلى خان شليلة، وذلك في القرن الثالث عشر الهجري تقريباً.

وقد برزت شهرة حديقة الكبيشية عندما تملكها أمير بلد مقرن بعد منتصف القرن التاسع الهجري عبد المحسن بن سعيد ثم آلت إلى ابنتيه جليلة ومريم.