«أوبر» تحسم جدل «الرئيس التنفيذي» وتبدأ عصراً جديداً

خسروشاهي يخلف كالانيك متحملاً إرثه من المشكلات

تعرضت «أوبر» لمشكلات خاصة بعدد من العاملين فيها والركاب ودفعت الخلافات في مجلس إدارتها إلى البحث عن رئيس تنفيذي جديد (إ.ب.أ)
تعرضت «أوبر» لمشكلات خاصة بعدد من العاملين فيها والركاب ودفعت الخلافات في مجلس إدارتها إلى البحث عن رئيس تنفيذي جديد (إ.ب.أ)
TT

«أوبر» تحسم جدل «الرئيس التنفيذي» وتبدأ عصراً جديداً

تعرضت «أوبر» لمشكلات خاصة بعدد من العاملين فيها والركاب ودفعت الخلافات في مجلس إدارتها إلى البحث عن رئيس تنفيذي جديد (إ.ب.أ)
تعرضت «أوبر» لمشكلات خاصة بعدد من العاملين فيها والركاب ودفعت الخلافات في مجلس إدارتها إلى البحث عن رئيس تنفيذي جديد (إ.ب.أ)

أفادت تقارير إعلامية، أمس، أن شركة «أوبر تكنولوجيز» لخدمات نقل الركاب عينت دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبيديا» للسفر، رئيساً تنفيذياً، وذلك بعد نحو شهرين من الجدل حول المنصب الشاغر منذ استقالة الرئيس التنفيذي السابق ترافيس كالانيك، عقب سلسلة واسعة من المشكلات مع إدارة الشركة.
وقالت مصادر لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أمس، إن مجلس إدارة شركة نقل الركاب الأميركية اتفق على ذلك الاختيار مساء الأحد، لكنهم لم يعلنوا عن ذلك بشكل رسمي حتى الآن. كما أكدت الأخبار ذاتها كل من وكالتي «أسوشييتد برس» و«بلومبيرغ»، وصحيفة «فايننشال تايمز» الأميركية.
وحسمت تلك الأنباء شائعات سبقت جلسة اجتماعات الإدارة العليا في «أوبر»، التي رشحت عدداً من الشخصيات لتولي المهمة التي توصف بالصعبة، في ظل عدد من المشكلات المتوالية التي واجهتها الشركة أخيراً.
وخلال الساعات التي سبقت اجتماع الأحد الحاسم، كان من بين المرشحين لمنصب الرئيس التنفيذي جيف إميلت، الرئيس التنفيذي السابق لدى «جنرال إليكتريك»، لكنه أوضح أنه «قرر ألا يسعى نحو منصب قيادي في (أوبر)». وقال إميلت، في تغريدة له على موقع «تويتر»، إنه لم يعد مهتماً بشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة «أوبر»، وأضاف: «قررت عدم المضي قدماً في تطلعاتي لشغل منصب قيادي في (أوبر)... أكن احتراماً شديداً للشركة ومؤسسيها ترافيس وجاريت وريان».
ويبدو أن اعتذار إميلت جاء متزامناً مع ترشيحات أخرى، قالت إن الأسهم تتوجه بقوة في مصلحة ميغ ويتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «هيوليت باكارد إنتربرايز» لتكنولوجيا المعلومات والطابعات، التي انفصلت عن شركة «إتش بي» الأم، التي تعمل في مجال الأدوات الصلبة وعمليات الخدمات، وذلك عام 2014. وتحت رئاستها، قلصت ويتمان من حجم الشركة إلى حد كبير، معتبرة أن المشروع الأصغر حجماً لديه فرص أفضل في منافسة المشروعات الناشئة.
ومن المعروف عن ويتمان شخصيتها القوية، وقدرتها على تجاوز المصاعب، حيث سبق لها أن أشرفت على إعادة هيكلة شركات كبرى في «سيليكون فالي»، وأسهمت في النجاح الباهر الذي حققه عملاق البيع الإلكتروني «إي باي». في حين أشارات تحليلات مستمدة من قوة شخصيتها إلى أنها - في حال كانت نصبت رئيساً تنفيذياً لأوبر - فإنها كانت ستتخلص على الفور من ترافيس كالانيك، وتقصر لقبه الرسمي إلى «مؤسس الشركة» فقط.
ورغم أن ويتمان كتبت الشهر الماضي، على حسابها على شبكة «لينكدإن»، ما يفيد بأن لديها كثيراً من المهام الواجب القيام بها في شركة «إتش بي»، ولن تصبح مديراً تنفيذياً لـ«أوبر»، فإن تقارير أميركية، على رأسها تحليل في «نيويورك تايمز» أول من أمس، أشارت إلى أن كلام ويتمان النافي لرغبتها في التوجه نحو «أوبر» قد يكون «للاستهلاك الإعلامي» فقط.
وخلال الأشهر السابقة، تعرضت «أوبر» لعدد من المشكلات الخاصة بعدد من العاملين فيها والركاب، إضافة إلى خلافات بين المستثمرين. ودفعت الخلافات في مجلس إدارتها إلى البحث عن رئيس تنفيذي جديد، بعد إجبار الرئيس السابق ترافيس كالانيك على الاستقالة في يونيو (حزيران) الماضي، حينما وقع مساهمون يمثلون نحو 40 في المائة من حقوق التصويت بالشركة على خطاب طالبه بالتنحي، وسط قلق متزايد من سلوكه وسلوك مديرين كبار تحت قيادته. كما ابتعد المدير السابق عن مهامه التنفيذية قبل استقالته، بعد توصيات لجنة ترأسها وزير العدل الأسبق إريك هولدر للتحقيق في ممارسات غير مهنية بمحيط العمل.
وأقامت شركة «بينشمارك»، التي تملك نحو 20 في المائة من أسهم «أوبر»، دعوى قضائية في أوائل الشهر الحالي ضد كالانيك، تتهمه فيها بالتزوير. وعقب ذلك، طلب مجموعة من مساهمي الأقلية بالشركة من «بينشمارك» أن تبيع على الأقل 75 في المائة من حصتها في الشركة، وتخرج من مجلس الإدارة.
ويأتي اختيار خسروشاهي، الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبيديا» منذ عام 2005، كمحاولة لحلحلة تلك المشكلات. واختار مجلس إدارة «أوبر» خسروشاهي باعتباره مسؤولاً تنفيذياً له سجل حافل بالنجاح في تحفيز النمو، وتحقيق الأرباح أيضاً، إذ تعاني «أوبر» من خسائر أخيراً نتيجة المشكلات التي تواجهها، رغم تقييمها السوقي المرتفع الذي يقدر حالياً عند 50 مليار دولار.
وحتى عصر أمس، أحجم متحدث باسم «أوبر»، ومتحدثة باسم «إكسبيديا»، عن التعليق على تلك المعلومات بشكل مؤكد لـ«رويترز»، ولم يرد خسروشاهي على طلبات للتعليق عبر البريد الإلكتروني و«تويتر».
وأثبت خسروشاهي قدرته على جعل «إكسبيديا» شركة رائدة في مجال آخر يزخر بالتغييرات والمنافسة، وهو السفر عبر الإنترنت. وخسروشاهي، وهو رجل الأعمال الأميركي من أصل إيراني، جاء إلى الولايات المتحدة عام 1978 في طفولته مع والديه إبان الثورة الإيرانية، وحصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة براون عام 1991، وبدأ مشواره في بنك «ألين آند كو للاستثمار» محللاً مالياً عام 1998، ثم انتقل بعدها ليكون نائب الرئيس والرئيس الأعلى للاستراتيجيات في شركة «يو إس إيه نتووركس» حتى عام 1999، ثم رئيس التفاعلية في الشركة ذاتها حتى عام 2000، لينتقل بعدها ليشغل نائب الرئيس التنفيذي للعمليات والتخطيط الاستراتيجي في الشركة نفسها حتى 2005، إلى أن انتقل لشركة «إكسبيديا»، وشغل منصب الرئيس التنفيذي حتى الوقت الحالي، قبل مغادرته إلى «أوبر».


مقالات ذات صلة

«أوبر» تخطط لنشر مائة ألف مركبة ذاتية القيادة بالتعاون مع «إنفيديا»

أوروبا رجل يحمل هاتفاً عليه تطبيق «أوبر» في برلين (د.ب.أ)

«أوبر» تخطط لنشر مائة ألف مركبة ذاتية القيادة بالتعاون مع «إنفيديا»

أعلنت شركة «أوبر»، يوم الثلاثاء، أنها تهدف إلى نشر مائة ألف مركبة ذاتية القيادة، ضمن منصتها لخدمة نقل الركاب، بالتعاون مع شركة تصنيع الرقائق الأميركية «إنفيديا…

«الشرق الأوسط» («أوبر» تخطط لنشر مائة ألف مركبة ذاتية القيادة بالتعاون مع «إنفيديا»)
عالم الاعمال شراكات مع «النقل» و«جودة الحياة» و«مسك» وتركيز على السياحة والفعاليات الكبرى (الشرق الأوسط)

«أوبر» تطلق منصة «رحلة» لدعم مستقبل التنقّل في السعودية

أطلقت «أوبر» مبادرة «رحلة»؛ منصةً جديدةً تستهدف تطوير مستقبل التنقّل في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لشركة «أوبر» في منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي (الشرق الأوسط)

السعودية ستشهد إطلاق سيارات ذاتية القيادة من «أوبر» هذا العام

أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «أوبر»، دارا خسروشاهي، أن الشركة تعتزم إطلاق مركبات ذاتية القيادة في السعودية خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد يقف رجل أمام سيارة مستأجرة تحمل لافتة من شركة «أوبر» لخدمات النقل (د.ب.أ)

«انتهكت الثقة»... السلطات الأميركية تقاضي «أوبر» بتهمة غشّ المستخدمين

رفعت السلطات الأميركية أمس (الاثنين)، دعوى قضائية ضد شركة «أوبر»، تتّهم فيها منصّة نقل الركاب بغشّ مستخدميها، بواسطة عروض ترويجية لـ«أوبر وان».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد دارا خسروشاهي الرئيس التنفيذي لـ«أوبر» (تصوير: عبد العزيز النومان)

الرئيس التنفيذي لـ«أوبر»: ندرس شراكات في قطاع النقل الجوي والمركبات ذاتية القيادة

كشفت شركة «أوبر» للنقل التشاركي أنها تدرس فرص عقد الشراكات في قطاع النقل الجوي المتقدم بما يشمل طائرات الإقلاع والهبوط العمودي الكهربائية

فتح الرحمن يوسف (الرياض)

رئيس كوريا الجنوبية يتعهد بإصلاحات سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين

لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

رئيس كوريا الجنوبية يتعهد بإصلاحات سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين

لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)

تعهد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، يوم الأربعاء، بإجراء إصلاحات جديدة لمعالجة مشكلة الانخفاض المزمن في قيمة الأسهم المحلية، بما في ذلك اقتراح حظر الإدراج المزدوج في السوق الواحدة من قِبل الشركات القابضة وفروعها، وهي ممارسة تُعزى إليها ظاهرة ما يُعرف بـ«الخصم الكوري».

ومنذ توليه المنصب في يونيو (حزيران) 2025، أطلق لي سلسلة من الإصلاحات لمعالجة هذه الظاهرة التي تشير إلى انخفاض قيمة أسهم الشركات الكورية الجنوبية عادةً مقارنةً بنظيراتها العالمية، وتعكس جزئياً هياكل التكتلات العائلية الغامضة، وفق «رويترز».

وخلال اجتماع متلفز مع محللين ومستثمرين مؤسسيين وشركات مدرجة، عُقد بعد تصاعد تقلبات السوق مطلع الشهر بسبب الصراع في الشرق الأوسط، قال لي: «لقد تحسّن وضع هيكل الحوكمة بشكل ملحوظ بفضل تعديلات قانون التجارة وغيرها من التدابير السياسية». وأضاف: «السوق في طور العودة إلى طبيعتها، ولكن قد يكون تطبيق نظام (كوريا بريميوم) ممكناً أيضاً»، مضيفاً أنه سيواصل الجهود السياسية لاستعادة ثقة المستثمرين بالسوق.

وفي الاجتماع نفسه، أعلن رئيس لجنة الخدمات المالية، لي إيوغ وون، إعداد خطط محددة لحظر ممارسات الإدراج المزدوج التي تقلل قيمة الأسهم القائمة من خلال خفض ربحية السهم. وأشار محلل في شركة «كي بي» للأوراق المالية، كيم دونغ وون، إلى أن الإدراج المزدوج يُشكّل نحو 20 في المائة من إجمالي القيمة السوقية لكوريا الجنوبية، وهو ما يعادل 400 ضعف السوق الأميركية، و10 أضعاف السوق الصينية، و5 أضعاف السوق اليابانية، ويتجاوز أي سوق أخرى في العالم.

كما صرح رئيس لجنة الرقابة المالية بأن برنامج الحكومة لتثبيت السوق، البالغ 100 تريليون وون (نحو 67.33 مليار دولار)، سيتم توسيعه عند الحاجة إلى مواجهة التقلبات المتزايدة.

وخلال الاجتماع، واصل مؤشر «كوسبي» مكاسبه، مما استدعى فرض قيود مؤقتة على التداول، قبل أن يُغلق مرتفعاً بنسبة 5.04 في المائة عند أعلى مستوى له منذ 27 فبراير (شباط).

ومنذ تولي لي منصبه، أجرى الحزب الديمقراطي الحاكم ثلاثة تعديلات على قانون التجارة لتعزيز حماية حقوق المساهمين الأقلية، بما في ذلك إلزام الشركات المدرجة بإلغاء أسهم الخزينة المكتسبة حديثاً. وأكد مسؤول من الهيئة الوطنية للمعاشات التقاعدية، ثالث أكبر صندوق معاشات تقاعدية عام في العالم، رفض الهيئة محاولات الشركات الالتفاف على أهداف هذه التعديلات، مؤكداً تأثيرها الكبير على السوق المحلية.

وشهد مؤشر «كوسبي» ارتفاعاً بنسبة 41 في المائة حتى الآن هذا العام، بعد قفزة بلغت 76 في المائة في عام 2025، وهي الأكبر منذ عام 1999، ويعزو المحللون هذا الأداء إلى إصلاحات سوق الأسهم التي أطلقتها إدارة لي والتفاؤل حول الذكاء الاصطناعي.


«الفيدرالي» يواجه اليوم أصعب اختباراته النقدية في ظل الحرب وتذبذب الأسعار

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يواجه اليوم أصعب اختباراته النقدية في ظل الحرب وتذبذب الأسعار

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

من المتوقع أن يُبقي مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي»، المجتمعون في ظل ظروف حرب بدأت قبل أقل من ثلاثة أسابيع، أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء. غير أن الأهم يتمثّل في الكيفية التي سيعكس بها بيان السياسة الجديد والتوقعات المحدثة رؤية البنك لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن صراع مفتوح مع إيران، وكيف أعاد هذا القرار تشكيل آفاق اقتصاد الولايات المتحدة والتضخم والسياسة النقدية.

وفي ظل غياب أي مؤشرات واضحة على نهاية وشيكة لحملة القصف الأميركية-الإسرائيلية، يرى اقتصاديون أن التداعيات المحلية والعالمية ستظل رهناً بمدة الحرب، وبطبيعة النظام السياسي الذي سيبرز في إيران لاحقاً، بالإضافة إلى مسار أسعار النفط؛ سواء اتجهت لتجاوز 100 دولار للبرميل أو عادت إلى مستويات ما قبل الحرب دون 80 دولاراً، وفق «رويترز».

لوحة تُظهر أسعار البنزين في ظل استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في واشنطن (رويترز)

وقد بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.79 دولار للغالون يوم الثلاثاء، بزيادة تتجاوز 25 في المائة مقارنة بمستوياته قبل الحرب، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية. كما بدأت تداعيات ارتفاع الطاقة تتسلل إلى قطاعات أخرى، حيث حذّرت شركات الطيران من ارتفاع تكاليف السفر نتيجة زيادة أسعار وقود الطائرات، في حين أشار مسؤول في البيت الأبيض إلى سعي الولايات المتحدة لإيجاد مصادر بديلة للأسمدة الزراعية.

موظف داخل متجر «وول مارت سوبر سنتر» في نورث بيرغن (رويترز)

ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، قد يلجأ المستهلكون إلى تقليص إنفاقهم أو تأجيل مشترياتهم، في حين يواجه الشركاء التجاريون للولايات المتحدة، خصوصاً في أوروبا، صدمة تضخمية أشد وطأة.

بالنسبة إلى «الاحتياطي الفيدرالي»، تحوّلت التوقعات من تفاؤل بنمو مستقر وتباطؤ تدريجي في التضخم إلى مشهد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه ضغوط الأسعار المتزايدة مع مخاطر تباطؤ النمو وسوق العمل. ومن المنتظر أن يقدّم صُنّاع السياسة أفضل تقديراتهم استناداً إلى المعطيات المتاحة، من خلال قرار الفائدة وبيان السياسة والتوقعات الفصلية المحدّثة التي ستصدر عقب اجتماعهم الأخير الذي استمر يومين، يعقبه مؤتمر صحافي لرئيس البنك جيروم باول.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في شركة «كي بي إم جي»، ديان سوانك، في تحليل حديث، إن الأوضاع الحالية تمهّد لتحوّل توقعات «الاحتياطي الفيدرالي» نحو سيناريو ركودي تضخمي. وأشارت إلى أنها تتوقع ارتفاع كل من التضخم والبطالة بحلول نهاية العام، مع انقسام داخل البنك المركزي بين من يدعو إلى خفض الفائدة لدعم سوق العمل، ومن يفضّل الإبقاء على سياسة نقدية متشددة -أو حتى التلميح إلى رفع الفائدة- في ظل توقعات باستمرار الضغوط السعرية.

وأضافت: «تُصاغ هذه التوقعات في بيئة يغلب عليها عدم اليقين. وأتوقع أن يخفض المشاركون في الاجتماع تقديرات النمو، مقابل رفع توقعاتهم للتضخم والبطالة». كما رجّحت أن يُظهر «مخطط النقاط» مزيجاً من الآراء، بما يعكس انقساماً بين صناع السياسة، مع وجود معارضة محتملة لخفض الفائدة من قِبل من يرون أن تثبيت تكاليف الاقتراض في ظل ضعف سوق العمل قد لا يكون الخيار الأمثل، مقابل توجه أكثر تشدداً قد يدفع نحو رفع الفائدة قبل نهاية العام.

مخاوف من عودة الركود التضخمي

تمثّل الحرب مع إيران صدمة ثانية قد تدفع نحو ركود تضخمي، بعد أن كانت السياسات التجارية -خصوصاً الرسوم الجمركية- قد أثارت سابقاً مخاوف مماثلة لدى صناع السياسات. ورغم أن الأثر الأولي للرسوم جاء أقل حدة من المتوقع، فإن الشركات لا تزال تمرّر التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، ما يُبقي الضغوط التضخمية قائمة.

وقد دفع ذلك مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي»، خلال اجتماعهم في أواخر يناير (كانون الثاني)، إلى مناقشة احتمال الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها. ومن المرجح أن يتم تدقيق بيان السياسة الجديد بحثاً عن أي إشارات إلى تحول النهج النقدي نحو مسار «ثنائي الاتجاه»، مع احتمال أن تكون الخطوة التالية هي الرفع.

جيروم باول يصل إلى مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن 13 يناير 2026 (رويترز)

وتشير البيانات الصادرة منذ الاجتماع الأخير -حتى قبل اندلاع الحرب- إلى مسار اقتصادي معقّد؛ إذ لم يحرز التضخم تقدماً يُذكر نحو هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، مع توقعات ببقائه أعلى من هذا المستوى بنحو نقطة مئوية أو أكثر خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يثير قلق صناع القرار من أن خفض الفائدة قد يُفسَّر على أنه تهاون في مكافحة التضخم.

في المقابل، أظهر تقرير التوظيف الأميركي لشهر فبراير (شباط) فقدان الاقتصاد نحو 92 ألف وظيفة، مما يعكس بوادر ضعف في سوق العمل. كما خفّض المستثمرون والمحللون تدريجياً توقعاتهم بشأن وتيرة خفض الفائدة هذا العام، رغم استمرار دونالد ترمب في الدعوة إلى تقليل تكاليف الاقتراض. ومن المتوقع أن يتولى كيفن وورش، مرشح الرئيس لخلافة باول، منصبه بحلول اجتماع يونيو (حزيران).

وفي ضوء هذه المعطيات، تشير أسواق العقود الآجلة حالياً إلى احتمال تنفيذ خفض واحد فقط للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال العام، في بيئة اقتصادية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.


صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عبر نحو 90 سفينة، بما في ذلك ناقلات نفط، مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب مع إيران، والتي لا تزال تصدر ملايين البراميل في وقت أُغلق فيه الممر المائي فعلياً، وذلك وفقاً لمنصات بيانات التجارة والملاحة البحرية.

هذا الرقم الضئيل يمثل انكساراً حاداً مقارنة بمعدلات العبور الطبيعية التي كانت تتراوح بين 100 إلى 135 سفينة يومياً قبل الحرب، مما حول المنطقة إلى «قطارة» ملاحية تديرها طهران وفق مصالحها.

العبور المظلم

تشير بيانات «لويدز ليست» (Lloyd’s List Intelligence) إلى أن جزءاً كبيراً من السفن التي عبرت المضيق كانت تتبع نمط «العبور المظلم» للتهرب من الرقابة الدولية، وهي سفن مرتبطة بالشبكة التصديرية الإيرانية. وبحسب منصة «كبلر»، نجحت إيران في تصدير أكثر من 16 مليون برميل من نفطها منذ مطلع مارس (آذار)، مستغلة سيطرتها على المضيق للحفاظ على «شريان تصديرها الخاص» مفتوحاً، بينما تمنع الآخرين، وهو ما وصفه محللون بأنه استراتيجية مزدوجة للربح من ارتفاع الأسعار فوق 100 دولار وضمان تدفقاتها المالية، وفق «أسوشييتد برس».

مضخة نفطية في حقل إنغلوود النفطي بمدينة لوس أنجليس (أ.ف.ب)

خريطة العبور الانتقائي

من جهتها، رسمت شبكة «سي إن بي سي» خريطة للدول التي نجحت في تمرير سفنها كالاتي:

* الصين: تكتيك «الهوية المعلنة» والتمويه

تُعد الصين المستفيد الأكبر؛ حيث عبرت 11 سفينة مرتبطة بها بنجاح. ولجأت السفن إلى تكتيك بث رسائل عبر نظام التعريف التلقائي تعلن فيها صراحة أنها «سفينة صينية» أو أن «الطاقم صيني بالكامل» لتجنب الاستهداف. وأفادت التقارير أن بكين كانت تجري محادثات مع إيران للسماح بمرور ناقلات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال القطري عبر المضيق. وتواصل إيران تصدير ملايين البراميل من النفط الخام إلى الصين منذ بدء الحرب.

ورغم ذلك، سجَّلت التقارير إصابة سفينة صينية بشظايا في 12 مارس أثناء إبحارها نحو جبل علي، مما أدى لتراجع مؤقت في حركة السفن الصينية الكبرى وتعليق شركة «كوسكو» بعض حجوزاتها.

* الهند: ثمار الدبلوماسية المباشرة

أكَّد وزير الخارجية الهندي، سوبراهمانيام جايشانكار، أن المحادثات المباشرة مع طهران أثمرت عن نتائج ملموسة؛ حيث سُمح لناقلات الغاز المسال «شيفاليك» و«ناندا ديفي» بالعبور لتأمين وقود الطهي لملايين الأسر الهندية. كما وصلت الناقلة «شينلونغ» المحملة بخام سعودي إلى مومباي بسلام بعد عبورها المضيق، مما يشير إلى أن إيران تميز بين الوجهات «الصديقة» وغيرها.

* باكستان: أول شحنة «غير إيرانية» مؤكدة

سجَّلت باكستان اختراقاً مهماً يوم الاثنين 16 مارس إذ صبحت الناقلة «كراتشي» التي ترفع العلم الباكستاني أول سفينة تجارية مؤكدة تحمل شحنة «غير إيرانية» (خام من أبوظبي) تعبر المضيق بسلام وهي تبث موقعها بوضوح، مما يشير إلى وجود «تفاهمات مسبقة» بين إسلام آباد وطهران.

* اليونان: اختبار الناقلات الكبرى

كان ملاك السفن اليونانيون مثل شركة «ديناكوم» من بين أوائل المشغلين العالميين الذين اختبروا المسار. وعبرت ناقلة «سميرني» بنجاح الأسبوع الماضي وتوجهت إلى الهند، مما طرح تساؤلات حول ما إذا كان السماح لها بالمرور مرتبطاً بكون الحمولة متجهة للهند الصديقة لإيران، وليس لجهة تابعة للغرب.

* تركيا: العبور المشروط بالمواني الإيرانية

أكَّدت السلطات التركية أن سفينة واحدة على الأقل مملوكة لتركيا سُمح لها بالعبور، ولكن بشرط محدد وهو «التوقف في ميناء إيراني» أولاً. ولا تزال هناك 14 سفينة تركية أخرى عالقة في المنطقة بانتظار تصاريح مماثلة.

وفي المقابل، يواجه الشحن المرتبط بـالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وغيرها من الدول الغربية استهدافاً عشوائياً أو منعاً كلياً.

واشنطن و«غض الطرف» القسري

في تحول لافت يعكس القلق من انفجار أسعار الطاقة، صرَّح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الولايات المتحدة سمحت بمرور الناقلات الإيرانية لتزويد العالم بالنفط. ورغم قصف مواقع عسكرية في جزيرة خرج، أكد الرئيس دونالد ترمب تجنب استهداف البنية التحتية النفطية حتى الآن، لإبقاء الأسعار تحت السيطرة وتجنب أزمة اقتصادية عالمية شاملة.

بحسب «سي إن بي سي»، فإن الهجمات في المنطقة تبدو «عشوائية» ومصممة لنشر الفوضى، مما دفع شركات الشحن الكبرى لتحويل مساراتها. فقد رُصدت قرابة 400 سفينة عالقة في خليج عمان بانتظار تأكيدات للعبور. ومن بين 81 سفينة حاويات كانت متجهة للمنطقة، قامت 43 سفينة بتغيير مسارها بالكامل، بينما اعتمدت البقية على تفريغ حمولاتها في مواني الفجيرة وخورفكان وصحار لنقلها براً عبر الشاحنات، مما تسبب في ازدحام هائل في هذه المواني الثانوية.

يبدو أن مضيق هرمز لم يعد «مغلقاً» بالمعنى المادي المطلق، بل هو «مغلق سياسياً» وفق محللين؛ حيث خلقت إيران ما يشبه «الممر الآمن الفعلي» للسفن التي تختارها أو التي تتفاوض معها دولياً، بينما يظل الممر فخاً للسفن المرتبطة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلفائهما.