«الشرق الأوسط» على خطوط المواجهة مع «داعش»: مدنيون يؤازرون الجيش لوجيستياً

يعبئون المياه ويجهزون الطعام... وراهبات من قارة السورية يقدمن خدمات طبية

صور من مواقع التواصل الاجتماعي لنساء من رأس بعلبك تطوعن في المطبخ العسكري التابع للجيش اللبناني
صور من مواقع التواصل الاجتماعي لنساء من رأس بعلبك تطوعن في المطبخ العسكري التابع للجيش اللبناني
TT

«الشرق الأوسط» على خطوط المواجهة مع «داعش»: مدنيون يؤازرون الجيش لوجيستياً

صور من مواقع التواصل الاجتماعي لنساء من رأس بعلبك تطوعن في المطبخ العسكري التابع للجيش اللبناني
صور من مواقع التواصل الاجتماعي لنساء من رأس بعلبك تطوعن في المطبخ العسكري التابع للجيش اللبناني

المعنويات المرتفعة لسكان القرى الحدودية مع سوريا، دفعت اليان ملحم (72 عاماً)، لسؤال ضابط في الجيش اللبناني عما إذا كان مسموحاً له بالمشاركة في المعركة ضد «داعش». حاول إقناعهم بأنه عسكري متقاعد في الجيش، وكان موكلاً مهام تذخير المدافع أثناء خدمته. لكن الجواب جاءه بالاعتذار؛ إذ أبلغه الضابط المسؤول، بعد أن شكره، أن الجيش «لا يحتاج إلى مقاتلين».
دفع الجيش اللبناني بآلاف المقاتلين إلى خطوط المواجهة مع «داعش» في شمال شرقي لبنان. وتحولت بلدات الفاكهة، ورأس بعلبك والقاع، إلى ثكنة عسكرية كبيرة. نصف دقيقة هي المدة الفاصلة بين مرور آلية عسكرية وأخرى من البلدة إلى الجرود وبالعكس، بينما يحمل العسكريون أعتدتهم أثناء توجههم إلى الخطوط الأمامية التي تبعد خمسة كيلومترات عن بلدة رأس بعلبك. وعلى الخط السريع بين بعلبك والقاع، تعبر آليات عسكرية، وشاحنات نقل تنزل الدبابات المعدة للتوغل في الجرود الحدودية.
يؤكد حجم الانتشار وكثافة الحركة، أن الجيش أنهى استعداداته العسكرية قبل ساعات من انطلاقة المعركة التي أعلنها قائد الجيش صباح أمس. صحيح أن لا حاجة إلى مقاتلين ولا متطوعين، لكن معنويات السكان، ومشاعر التأييد للجيش، دفعتهم إلى طلب المشاركة في مساعدة لوجيستية. لم يرفض الجيش هذا الطلب، فاندفع كثيرون من أبناء تلك القرى نحو الثكنات العسكرية المستحدثة، عارضين تقديم المساعدة.
يقول العنصر الكشفي في رأس بعلبك حنّا بيطار (17 عاماً): إن «السكان يرتادون الثكنة للمساعدة في تعبئة المياه للعسكريين على الجبهة، أو لتوضيب وجبات الطعام لهم. يضيف: «لأننا نريد أن نشارك في المعركة كلٌ حسب طاقته، عرضنا مساعدة لوجيستية، وهو أقل ما يمكن أن نقدمه للجيش الذي يخوض معركة تحريرنا من الإرهابيين».
يتحدث أبناء البلدة عن أن 3 مجموعات من نساء البلدة والعناصر الكشفية، يبلغ تعداد كل واحدة 60 شخصاً على الأقل من النساء، يرتادون المطبخ العسكري في ثكنة رأس بعلبك للمساعدة في إعداد الطعام للعسكريين المنتشرين في الجرود، وأن هؤلاء يقدمون المساعدة اللوجيستية فقط، بينما تؤمّن قيادة الجيش المواد الأولية. وتوفر تلك المساعدة بتجهيز السندويتشات الطعام لآلاف العسكريين المنتشرين على الجبهة.
والواقع هنا، أن الجيش، تؤازره قوة من المدنيين، ليس بالتأييد والعواطف والمعنويات فحسب، بل بالمساعدة اللوجيستية التي لا تقتصر على الشباب والكهول والجمعيات النسائية والفرق الكشفية، بل وصلت إلى مشاركة راهبات من قرى القلمون في سوريا في مؤازرة نساء رأس بعلبك بمهامهن اللوجيستية. قد يكون ذلك من المفارقات البالغة في المعركة؛ إذ إن الجيش اللبناني يقاتل عناصر متطرفة معظمها قدم عبر سوريا، في المعركة، بينما يؤازره سوريون عانوا من الإرهاب، مما يؤكد أن المعاناة على الحدود اللبنانية والسورية واحدة، وتحفز الجهود المدنية المشتركة لمؤازرة محاربيه.
ويؤكد شخصان من البلدة، أن رئيسة دير مار يعقوب في قارة السورية، وصلت قبل أربعة أيام مع راهبات من الدير إلى رأس بعلبك، وعرضن تقديم المساعدة اللوجيستية والخدمات الطبية.

- حماسة «للتخلص من الإرهابيين»
الحماسة لخوض المعركة في رأس بعلبك، تنطلق من اعتبارين مهمين، أولهما أن عناصر متطرفة من تنظيم داعش تحكم سيطرتها على مناطق واسعة من الجرود؛ ما يمنع السكان من الاهتمام ببساتينهم وأرزاقهم والعمل في مقالع الضخر والحجر في المنطقة. أما الاعتبار الآخر، وهو الأهم، أن البلدة كانت عرضة لهجمات من التنظيم، كان أعنفها في العام 2015 حين سقط 15 عنصراً وضابطاً من الجيش اللبناني، خلال هجوم صده الجيش للتنظيم على تلة الحمراء المحاذية للبلدة، وأحبط مخططاً لاحتلال البلدة.
يقول رئيس بلدية رأس بعلبك دريد رحال، إن الأنباء عن المعركة «لم تنعكس خوفاً في البلدة»، مضيفاً: «على العكس، فقد شهد العام الحالي أكبر تواجد للسكان في الصيف. كل أبناء البلدة موجودون فيها»، مشدداً على أن الناس «تشعر بأن هناك تحدياً، ويجب رفد الجيش بالمعنويات».
ويشير رحال إلى أن القصف العنيف الذي ينفذه الجيش: «لم يدفع السكان للخوف»، فهؤلاء «قضوا ليلتهم على الشرفات حين كانت مدفعيات الجيش وراجمات الصواريخ تدك مواقع الإرهابيين»، لافتاً إلى أن الأهالي «متشوقون للتخلص من جسم غريب إرهابي يسيطر على التلال المواجهة للبلدة، خلق توتر أمني وسرق عناصره المعدات الزراعية ومعدات الآبار الارتوازية، والمعدات التي تستخدم في المقالع والكسارات، حتى بلغت خسائر أحد سكان البلدة 800 ألف دولار». ويضيف: «الناس لديهم ثقة بالجيش اللبناني؛ وهو ما دفعهم إلى طلب مؤازرة الجيش وعرضهم لتقديم مساعدات لوجيستية».

- تعزيزات مستمرة
يبلغ عدد سكان بلدة رأس بعلبك، نحو 8 آلاف نسمة من المسيحيين، ويسكنها في الشتاء نحو 5 آلاف نسمة، باتت منذ العام 2013 عرضة لهجمات عناصر متطرفة تسيطر على جرود القلمون الغربي السوري. وانتقلت السيطرة على الجرود منذ العام 2015 إلى تنظيم داعش، وشهدت البلدة أقصى هجمات إرهابية في ذلك الوقت، قبل أن يعزز الجيش اللبناني انتشاره في الجرود ويتلقى دعماً بريطانياً وأميركياً بشكل خاص، لتمكينه من صد الهجمات، وحماية أمن البلدة، وتأمينها من الهجمات الإرهابية.
ولم ينقطع الجيش، منذ تلك المرحلة، عن استهداف تحركات المتشددين في الجرود المقابلة، ونفذ عمليات قضم تدريجي للتلال المقابلة، بهدف توفير مظلة أمان للبلدة الحدودية. وبعد عملية خاضها «حزب الله» ضد عناصر تنظيم «النصرة» في جرود عرسال، الشهر الماضي، تمدد الجيش على جرود عرسال شرقاً؛ ما مكّنه من الإشراف نارياً على مواقع سيطرة «داعش»، وبدأ بالدفع بتعزيزات إضافية إلى المنطقة الحدودية بغرض الاستعداد للمعركة الحسم ضد «داعش».
ومنذ الشهر الماضي، لم تنقطع التعزيزات التي سبقت موعد إطلاق العملية، فعلى الطريق الواصل بين بعلبك والقاع، تتنقل الآليات العسكرية بشكل كثيف جداً، من بينها إنزال مدرعات جديدة للجيش وآليات ثقيلة. وفي سهل رأس بعلبك، استحدث الجيش مرابض جديدة للمدفعية، ومراكز جديدة تبدو واضحة للمارة.
وبالموازاة، تواكب سيارات الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني التعزيزات العسكرية في المنطقة؛ إذ عزز الصليب الأحمر مركزه في رأس بعلبك بسيارات إضافية وبنحو 30 عنصرا إضافيا، استعدادا للمعركة. كما استحدث مركزا له في بلدة القاع، يضم 10 سيارات مجهزة لنقل الجرحى.
ورغم هذا الحشد، لا يزال السكان تواقون للمشاركة العسكرية بالمعركة. يقول اليان ملحم: «حين يطلبنا الجيش سنكون حاضرين لخوض المعركة». ويضيف: «العمر لن يمنعني من المشاركة، فأنا شاركت في أربع معارك ضد إسرائيل أثناء خدمتي في الجيش، وكنت في قسم المدفعية. الآن على استعداد للمشاركة في تذخير المدافع بالقذائف لضرب الإرهابيين. نحن وراء الجيش بالدعم والتأييد، ومستعدون لنكون إلى جانبه في المعركة حين يطلب ذلك».


مقالات ذات صلة

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار أمني كثيف في موقع الاشتباك الذي وقع قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول الثلاثاء (رويترز)

مؤشرات على تورط «داعش» في هجوم القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول

اعتقلت السلطات التركية 12 مشتبهاً في صلتهم بالاشتباك الذي وقع مع عناصر الشرطة في نقطة تفتيش في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الجانب العراقي من المعبر الحدودي بين القائم في العراق والبوكمال في سوريا (أ.ف.ب)

4 مُسيَّرات مصدرها العراق استهدفت قاعدة قسرك شمال شرقي سوريا

أفاد مصدر عسكري سوري، الثلاثاء، بأن طائرات مُسيَّرة مصدرها العراق استهدفت منطقة قاعدة قسرك، التي كانت تستضيف قوات أميركية في محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق – بغداد)
أفريقيا متمردون كونغوليون يحملون أسلحتهم في أثناء قيامهم بدورية بالقرب من روشورو في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز - أرشيفية)

43 قتيلاً في هجوم لمتمردين مرتبطين ﺑ«داعش» في الكونغو الديمقراطية

قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أوروبا اجتماع الشرع ورئيس الوزراء البريطاني في مقر الحكومة بداوننغ ستريت بحضور مسؤولين من الطرفين (حساب الرئاسة السورية)

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود ويشيد بجهود التصدي لـ«داعش»

ذكر مكتب رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الثلاثاء)، أنه بحث مع الرئيس السوري ‌أحمد ‌الشرع، خلال ​اجتماع ‌في ⁠لندن، ​قضايا الهجرة.

«الشرق الأوسط» (لندن - دمشق)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.