محمد الرميحي
التصدعات التي تعاني منها دول العالم الثالث ناتجة في الغالب إما من تأثير بقايا استعمار قديم ترك ندوباً في وجه الدولة الوطنية الناشئة، أو فشل إداري وسياسي في الدولة الوطنية ملوث بالفساد، وقمع، واقتصاد مثقل بأرباح ديون للبنوك الغربية...
عدد من الخبراء حتى يناير (كانون الثاني) الماضي والحشود الكبيرة الروسية على مشارف حدود أوكرانيا، كانوا جازمين أن الحرب لن تقع. كل ما كان مطلوباً في نظرهم هو شيء من الاسترضاء لموسكو! ولكن كل تلك التحليلات انتهى أمرها ببدء الطلقة الأولى في هذه الحرب التي دمرت حتى الآن عدداً كبيراً من المدن وأخذت معها عشرات الآلاف من الأرواح، وفجّرت ديناميات اقتصادية وسياسية على مستوى العالم سوف تظل معنا إلى فترة طويلة من هذا الزمان، مع انفتاحها على كل الاحتمالات الممكنة. من ضمن الاحتمالات اندلاع حرب في الشرق الأوسط.
بجانب الحديث عن زلزال أفغانستان والذي طغى على وسائل الإعلام والسياسة الدولية، كان الحديث بالقوة نفسها عن «الولايات المتحدة» وموقفها من الحلفاء، وأفردت الإذاعة البريطانية الناطقة بالعربية لأيام لمناقشة هذا الملف، وأخذت شعاراً لبرنامجها الذي كُرر لأكثر من يوم، مقوله منسوبة للرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك «المتغطي بأميركا عريان»! كناية عن تخلي أميركا عن حلفائها.
استدعت مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران عن حرب الخليج الثانية، التي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشرها، قبل نشرها في كتاب بعنوان «القرار»، سوف يحتفل بصدوره في 17 الشهر الحالي في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في عمان، ردوداً من سياسيين وكتاب خليجيين عاصروا تلك المرحلة بكل تفاصيلها، وتابعوا مجرياتها كل من موقعه. فتداعيات تلك الحرب التي غزا فيها العراق بقيادة صدام حسين الكويت قبل 30 عاماً، كانت كبيرة على المنطقة وخلفّت آثاراً سلبية على دولها، خصوصاً الكويت التي تكبدت خسائر كبيرة نتيجة للغزو وعملية تحريرها التي شارك فيها تحالف دولي بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع. وبحسب بدران فإن مذكرات
العلاقة بين العرب والغرب في إطاره الأوسع، علاقة ملتبسة، تحمل من الماضي أوزاره ومن الحاضر مآسيه، أديب إسحاق المفكر السوري الذي ناضل في صفوف المعارضة المصرية ضد الاحتلال البريطاني، كتب من خلال تجربته وربما حيرته مع الغرب، كيف أن يكون قتل شخص واحد جريمة لا تغتفر، وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر! ذلك البيت من الشعر الذي حفظته أجيال عربية يبين الحيرة والاستغراب في أجلى معانيها التي نحملها نحن العرب إلى الغرب بصفة عامة، وفهم الآخرين (الغرب لنا) وفهمنا لهم. عبر أديب إسحاق عن العلاقة في عهد النضال ضد المستعمر، إلا أن تلك الحيرة ما زالت قائمة، وتزداد تعقيدا.
في المدى القريب والمتوسط من المهم أن تبقى تركيا صديقة للعرب، أو للعرب الذين ما زالوا واقفين على أرجلهم، إلا أن الصداقة تحتم على الصديق أن ينظر ليس فقط في إيجابيات صديقه، ولكن أيضًا في مناطق قصوره. في الساعات الأولى من محاولة الانقلاب، انقسم (أهل الرأي) العرب، كالعادة تبعًا لأهوائهم وليس بسبب التقييم الموضوعي لما حدث، بعضهم مستبشر بالانقلاب لأسبابه الخاصة، وبعضهم متخوف مما حدث أيضًا لأسبابه الخاصة، والفريقان لا يستطيعان التأثير في الساحة التركية إلا بالتصفيق والتصفير، لأن اللاعبين الأساسيين فيها هم الأتراك فقط.
سوف أترك مقالي اليوم لشخص آخر هو البروفسور إيمانويل والرشتاين، وهو أستاذ أميركي يشغل منصب كبير الباحثين في جامعة يل الأميركية الشهيرة، وله كتابات معمقة في العلاقات الدولية، وخصوصا كتابه الموسوعي «النظام العالمي الحديث».
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
