«سالك»: استثمارات بـ7.2 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي السعودي

مصنع لشركة «إل تي فودز» التي تمتلك «سالك» فيها حصة استراتيجية تبلغ 9.2 % (سالك)
مصنع لشركة «إل تي فودز» التي تمتلك «سالك» فيها حصة استراتيجية تبلغ 9.2 % (سالك)
TT

«سالك»: استثمارات بـ7.2 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي السعودي

مصنع لشركة «إل تي فودز» التي تمتلك «سالك» فيها حصة استراتيجية تبلغ 9.2 % (سالك)
مصنع لشركة «إل تي فودز» التي تمتلك «سالك» فيها حصة استراتيجية تبلغ 9.2 % (سالك)

أكدت «سالك (SALIC)»، إحدى الشركات التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، دورها المحوري في قيادة التحول بقطاع الأغذية والزراعة في السعودية. فمن خلال استثمارات استراتيجية تتجاوز 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار)، تسعى الشركة إلى دعم استدامة الغذاء وتنويع مصادره؛ بهدف بناء منظومة غذائية متكاملة تربط المملكة بالأسواق العالمية، وذلك وفق بيان.

منذ تأسيسها في عام 2009، تبنّت «سالك» نهجاً استثمارياً طويل الأمد يركز على أسواق تتمتع بميزات تنافسية، مع التركيز على تمكين القدرات الوطنية وبناء شراكات قوية. وتمتلك الشركة اليوم 13 استثماراً في 7 دول و5 قارات، مما يمنحها القدرة على الوصول إلى أكثر من 20 مليون طن من السلع الغذائية الاستراتيجية عالمياً، وهو ما يعزز مرونتها وسرعة استجابتها لأي طوارئ.

نمو مالي متسارع وتوسع عالمي

خلال السنوات الست الماضية، حققت «سالك» إنجازات مالية لافتة، حيث تضاعفت قيمة الأصول التي تديرها 5 مرات لتصل إلى 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار). كما سجلت معدل نمو في الأرباح يبلغ 33 في المائة؛ مما يعكس نجاح استراتيجيتها في بناء محفظة استثمارية فعالة ومتنوعة تحقق التوازن بين العائد الاقتصادي وتعزيز الأمن الغذائي للمملكة.

وتُواصل «سالك» بناء قيمة استثمارية متجددة، وترسيخ دورها محرّكاً فاعلاً في قطاع الأغذية والزراعة، عبر توجه استراتيجي يُسهم في رفع جاهزية المملكة لتجاوز تحديات المستقبل وتحقيق تطلعاتها التنموية، مستندة إلى محفظة استثمارية متنوعة تغطي سلعاً استراتيجية، ومناطق جغرافية متعددة.


مقالات ذات صلة

«السعودية للاستثمار الصناعي» تطلق مشروعاً للبروتين الحيوي بـ373 مليون دولار

الاقتصاد مصنع تابع لـ«المجموعة السعودية للاستثمار الصناعي» (إكس)

«السعودية للاستثمار الصناعي» تطلق مشروعاً للبروتين الحيوي بـ373 مليون دولار

أعلنت شركة المجموعة السعودية للاستثمار الصناعي عن موافقة مجلس إدارتها على تطوير مشروع لإنتاج البروتين الحيوي في مدينة الجبيل الصناعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)

التضخم السنوي في السعودية يواصل تباطؤه إلى 1.7 % في فبراير

تباطأ معد التضخم السنوي في السعودية للشهر الثاني على التوالي، ليسجل 1.7 في المائة خلال شهر فبراير (شباط) من 1.8 في المائة في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

السعودية تتقدم من المركز 104 إلى العاشر عالمياً في الاستثمار التعديني

واصلت السعودية صعودها في مؤشرات الاستثمار التعديني العالمية للعام الثاني على التوالي، لتصل إلى المركز العاشر عالمياً في مؤشر جاذبية الاستثمار التعديني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

«ستاندرد آند بورز» تشيد بمتانة اقتصاد السعودية

أشادت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، بمتانة الاقتصاد السعودي، وحددت التصنيف الائتماني السيادي للمملكة عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بورغوم: إدارة ترمب بحثت التدخل في سوق عقود النفط الآجلة لكبح الأسعار

بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)
بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)
TT

بورغوم: إدارة ترمب بحثت التدخل في سوق عقود النفط الآجلة لكبح الأسعار

بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)
بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)

أعلن وزير الداخلية الأميركي، دوغ بورغوم، أن مسؤولين في إدارة ترمب أجروا مناقشات حول اتخاذ مراكز في أسواق العقود الآجلة للنفط الخام بهدف خفض الأسعار.

وفي مقابلة مع تلفزيون «بلومبرغ» في طوكيو، قال بورغوم إنه لم يكن على علم بأي نشاط تجاري حكومي أميركي حتى الآن، لكنه أكد أن هذا الأمر كان من بين الإجراءات التي ناقشتها إدارة الرئيس دونالد ترمب في محاولتها لوقف ارتفاع أسعار النفط وسط الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما ذكرت «ستاندرد آند بورز كوموديتيز».

وقال بورغوم: «حسناً، أقول إنه جرى نقاشٌ في هذا الشأن بالتأكيد. لدينا كثير من الأشخاص الأذكياء يعملون في هذه الإدارة، وهناك كثير من الأشخاص الأذكياء في سوق تجارة الطاقة». وأضاف: «تجارة الطاقة من أكبر الأسواق في العالم. أي تدخل، كما تعلمون، للتلاعب بالأسعار أو خفضها سيتطلب رؤوس أموال ضخمة. هذا كل ما سأقوله في هذا الصدد».

جاءت تصريحات بورغوم عقب تقارير أفادت بأن الرئيس التنفيذي لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية، تيري دافي، صرّح في مؤتمر عُقد يوم الجمعة، بأن الولايات المتحدة ستُخاطر بكارثةٍ كبيرة إذا تدخلت في أسواق السلع.

ووفقاً لتقارير متعددة، قال دافي: «الأسواق لا تُحبذ تدخل الحكومات في تحديد الأسعار».

وقد تسبب الصراع في الشرق الأوسط في اضطرابٍ شديد لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وشهد ذلك هجمات كثيرة على المنشآت والمحطات، وأجبر منتجي الخليج على إيقاف الإنتاج.

وقد قيّمت «بلاتس»، التابعة لشبكة «ستاندرد آند بورز العالمية للطاقة»، سعر خام برنت المؤرخ عند 103.47 دولار للبرميل يوم الجمعة، بزيادة قدرها 46 في المائة عن 27 فبراير (شباط)، أي قبل اندلاع الحرب. وبلغ فارق سعر خام برنت عن خام دبي 7.29 دولار للبرميل الجمعة، منخفضاً من ذروته في 9 مارس (آذار )عند 12.59 دولار للبرميل، ولكنه يأتي مرتفعاً من 1.91 دولار للبرميل في 27 فبراير.

وسعت إدارة ترمب إلى كبح جماح ارتفاع الأسعار عبر تدخلات حكومية أخرى، شملت الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، وإنشاء برنامج لإعادة التأمين على ناقلات النفط التي أُلغي تأمينها التجاري. كما كانت تدرس إلغاء قانون جونز الخاص بالشحن المحلي الأميركي في محاولة لتسهيل حركة التجارة الداخلية، حسبما أكد متحدث باسم البيت الأبيض لـ«بلاتس» في 13 مارس.


«العدل» العراقية تحذر من تسبب «المسيّرات» في هروب سجناء «داعش»

من لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)
من لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)
TT

«العدل» العراقية تحذر من تسبب «المسيّرات» في هروب سجناء «داعش»

من لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)
من لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)

حذرت وزارة العدل في العراق، الأحد، من تعرض أمن «سجن المطار» إلى الخطر؛ نتيجة تكرار الاستهدافات عند محيطه بالطائرات المسيرة التي تستهدف قاعدة «فيكتوريا» الأميركية بالقرب من مطار بغداد الدولي.

وقالت الوزارة، في بيان، إنه «خلال الأيام القليلة الماضية تعرّضت المناطق المحيطة بمطار بغداد الدولي وسجن المطار (الكرخ المركزي) إلى ضربات متكررة، وكانت أشدّها ضربات (ليل السبت) حيث كان بعضها قريباً من السجن، والذي قد يُخشى معه التأثير على أمن السجن الذي يؤوي سجناء شديدي الخطورة من الإرهابيين».

وأضافت: «ففي الوقت الذي نطمئن فيه شعبنا بأن الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية أمن السجن من قبل كوادر وزارتنا والأجهزة الأمنية تبعث على الاطمئنان، إلا إن سقوط المقذوفات بالقرب من موقع السجن مدعاة للقلق من تأثيرها على إجراءاتنا الاحترازية وخططنا الأمنية في حماية السجن، أو إلحاق ضرر بالبنى التحتية للسجن».

وكان «مركز الدعم اللوجيستي» في مطار بغداد قد تعرض السبت لهجمات كبيرة بطائرات مسيرة، إلى جانب استهدافات أخرى طالته منذ أيام، كانت تستهدف قاعدة «فيكتوريا» التي تضم مستشارين أميركيين.

ويقع «سجن الكرخ المركزي» بجانب مطار بغداد الدولي، ووفق الأنباء، فإن عناصر تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق احتُجزوا فيه.

إلى ذلك، كشف مصدر أمني مطلع عن أن «هتافات التكبير تتعالى على لسان عتاة مجرمي تنظيم (داعش) الإرهابي من داخل (سجن الكرخ المركزي - كروبر) مع كل طائرة تستهدف السجن؛ أملاً في الهروب لاعتقادهم أن الوضع الأمني بات مضطرباً وحانت لحظة الفرار».

وأضاف المصدر الأمني، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، أن «التيار الكهربائي انقطع تماماً عن السجن بعد قصف جهات مجهولة محطة كهرباء الزيتون التي تغذي السجن، إلا إن وزارة العدل اتخذت إجراءات احترازية، من خلال تشغيل المولدات»، مؤكداً أن «هناك من يحاول خلط الأوراق من خلال زعم استهداف قواعد أميركية، لكن الحقيقة أن الهدف هو السجن؛ حيث لا توجد قاعدة عسكرية هناك».

وحذر المصدر بأن «الطائرات المسيرة تشكل خطراً كبيراً على السجن؛ إذ بعد دوي التفجيرات، يبدأ السجناء التكبير وترديد هتافات مؤيدة لـ(داعش)؛ وذلك لاعتقادهم أن الوضع الأمني مربك وقد تكون هناك فرصة لهروبهم؛ مما يعني تكرار سيناريو عام 2013 عندما فر المئات من عتاة الإرهابيين من السجن وشكلوا بعد نحو سنة الدعامة الرئيسية لاحتلال التنظيم نحو ثلث الأراضي العراقية عام 2014 قادمين من الأراضي السورية».

وكان مصدر أمني أفاد مساء السبت بأن الدفاعات الجوية في «مركز الدعم اللوجيستي (قاعدة فيكتوريا سابقاً)» اشتبكت مع 3 مسيّرات مفخخة.

وقال المصدر في تصريح صحافي إن «الدفاعات تمكّنت من معالجة المسيّرات وإسقاطها في محيط القاعدة الأميركية و(قاعدة الشهيد محمد علاء الجوية)»، من دون الإشارة إلى حجم الخسائر والأضرار.

وكان مصدر أمني أفاد، في وقت سابق مساء السبت، بإسقاط طائرة مسيّرة حاولت الاقتراب من «مركز الدعم اللوجيستي (فيكتوريا سابقاً)» في مطار بغداد الدولي.

«الإطار» يدين

إلى ذلك، أعلن «الإطار التنسيقي» الشيعي إدانته ما وصفها بالاعتداءات التي استهدفت مقار «الحشد الشعبي» والقوات الأمنية، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى «كانوا يؤدون واجبهم ضمن التشكيلات والقطعات العسكرية الرسمية في حفظ الأمن والاستقرار»، عادّاً أن تلك الهجمات تمثل انتهاكاً لسيادة العراق وتهديداً لاستقراره الأمني.

وقال «الإطار»، في بيان بعد عقده اجتماعاً لمتابعة التطورات الجارية في البلاد، إن المجتمعين جددوا أيضاً رفضهم استهداف المنشآت الحيوية للدولة والبعثات الدبلوماسية، وشددوا على أهمية استمرار الإجراءات الأمنية لحماية تلك البعثات ومقارها، وملاحقة الجهات التي تستهدفها أو تعرّض أمنها للخطر.

وجاء الاجتماع بعد ساعات من مقتل 3 من عناصر «الحشد الشعبي» في ضربة استهدفت مقراً ببغداد، أعقبها هجوم صاروخي استهدف السفارة الأميركية في بغداد.

البرلمان يحشد

في سياق متصل، بدأت تتصاعد الدعوات من نواب شيعة ينتمون لكتل عدة إلى جمع تواقيع لإلغاء الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية التي جرى التوقيع عليها عام 2009 في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

وقال النائب عن كتلة «صادقون» النيابية، صكر حسن، إنه جمع أكثر من 170 توقيعاً من أعضاء مجلس النواب لتقديم طلب رسمي يناقش إلغاء الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة في الجلسة المقبلة. وقال حسن في تصريح له إن «التواقيع التي جُمعت من أعضاء مجلس النواب تجاوزت 170 توقيعاً، وقد قُدم طلب رسمي إلى رئاسة المجلس لبحث إلغاء الاتفاقية الأمنية في الجلسة المقبلة».

وأضاف أن «جمع التواقيع جاء بسبب مخالفة الأميركيين بنود الاتفاقية، بوصف ما جرى يمثل خيانة واعتداء دون حماية البلد».

وأشار إلى أن الكتلة في انتظار تحديد موعد من رئاسة مجلس النواب لعقد جلسة خاصة لمناقشة إلغاء الاتفاقية الأمنية، إضافة إلى إغلاق السفارة الأميركية في بغداد.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.