كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

رحيل الفجر السري: كيف فرّ أهم رجل في أوروبا من الإسكندرية وترك حملة بلاد النيل لمصيرها المحتوم؟ القصة الكاملة لليلة التاريخية التي غيَّرت مسار الشرق الأوسط

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
TT

كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)

في ليلة باهتة من ليالي أغسطس (آب) عام 1799، ساد الصمت شواطئ مدينة الإسكندرية المصرية. ولم يكن أحد من جنود الحملة الفرنسية، أو من أهالي المدينة المنهكين من المعارك والضرائب، يعلم أن سفينتين حربيتين فرنسيتين تقفان على مسافة قريبة من الشاطئ في انتظار أهم رجل في أوروبا.

في تلك اللحظات، كان الجنرال الشاب نابليون بونابرت يستعد لتنفيذ خطة هروب سرية للغاية، واضعاً حداً لمغامرته الشرقية التي بدأت بآمال إمبراطورية عريضة قبل عام واحد فقط.

نابليون بونابرت يخاطب العلماء المرافقين للحملة الفرنسية على مصر (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

خطوة بونابرت بالفرار نحو باريس لم تكن مجرد مناورة عسكرية، بل كانت انسحاباً دراماتيكياً وتاريخياً غيّر مسار الشرق الأوسط، وتخلياً غير متوقع عن جيش كامل تركه بونابرت يواجه مصيره المحتوم وسط رمال مصر الساخنة وتحت ضربات العثمانيين والإنجليز.

لوحة تجسد الاستيلاء على الإسكندرية وظهور نابليون بونابرت أمام أبراجها (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

أحلام الشرق تتكسر على صخرة الواقع

دخل نابليون بونابرت مصر عام 1798 وفي مخيلته أمجاد الإسكندر الأكبر، باحثاً عن قطع طريق التجارة البريطاني نحو الهند وتأسيس إمبراطورية فرنسية في الشرق.

لكن الواقع كان أشد قسوة من طموحات الجنرال الشاب، فبعد أسابيع قليلة من وصوله، دمّر الأدميرال البريطاني نيلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، ليصبح جيش بونابرت محاصراً ومعزولاً عن خطوط إمداده في أوروبا.

«معركة أبي قير البحرية» بين الأسطولين البريطاني والفرنسي يوم 1 أغسطس 1798 بريشة لوني طوماس (ويكيبيديا)

وتوالت الضربات على الحملة، من ثورة القاهرة الأولى العنيفة، إلى فشل حصار مدينة عكا في الشام الذي حطّم كبرياء نابليون العسكري، وانتشار مرض الطاعون الفتاك بين جنوده.

أدرك بونابرت مبكراً أن الشجرة الفرنسية لن تضرب جذورها في طمي النيل، وأن البقاء في مصر يعني الموت البطيء، بينما كانت الأخبار الواردة من باريس تتحدث عن اضطرابات سياسية وهزائم عسكرية فرنسية في أوروبا، وهي فرصة ذهبية كان يحتاجها ليقفز إلى السلطة في بلاده.

صورة بونابرت ومساعدوه في مصر خلال معركة الأهرام رسمت عام 1863 (ويكيبيديا)

مؤامرة في جوف الليل والفرار نحو باريس

لم يصارح نابليون جنوده حتى قادته الكبار بنيته في الرحيل، خوفاً من حدوث تمرد عسكري أو انهيار الروح المعنوية لما تبقى من الجيش. وتحت ستار من السرية المطلقة، وبحجة القيام بجولة تفتيشية في الدلتا، توجه بونابرت إلى شاطئ المعمورة في الإسكندرية برفقة حفنة صغيرة من رجاله المخلصين والعلماء المقربين.

لوحة «معركة الأهرامات» (1808) للبارون لويس-فرانسوا لوزان، وتظهر مواجهة جيش نابليون مع خيالة المماليك قرب القاهرة عام 1798 (ويكيبيديا)

وفي فجر الثاني والعشرين من أغسطس، استقل الجنرال الفرنسي السفينة الحربية «ميركور» متسللاً عبر الحصار البحري البريطاني الصارم بفضل ضباب فجر ذلك اليوم الحذر.

ترك نابليون وراءه رسالة وداع مكتوبة موجهة لجيشه، مبرراً رحيله المفاجئ بأن «مصلحة الوطن العليا» تستدعي وجوده الفوري في فرنسا، لتسجل هذه الليلة واحدة من أكثر عمليات الهروب السياسي إثارة للجدل في التاريخ العسكري الحديث.

الجنرال جان بابتيست كليبر (ويكيبيديا)

الهدية المسمومة والتركة الثقيلة للجنرال كليبر لم تكن الصدمة في باريس بل في القاهرة، حيث استيقظ الجنرال جان باتيست كليبر، أحد أكفأ قادة الحملة وأكثرهم شعبية بين الجنود، ليجد نفسه قد عُيّن خطياً وبأمر من نابليون قائداً عاماً للحملة الفرنسية في مصر.

لم يكن كليبر يعلم بالخطة، وشعر بإهانة بالغة وغضب عارم من تصرف بونابرت الذي اعتبره «نذالة عسكرية» وهروباً من المسؤولية.

كانت التركة التي تركها نابليون لكليبر أشبه بهدية مسمومة، جيش تناقصت أعداده إلى النصف، خزانة خاوية من المال، جنود ينهشهم الطاعون والإحباط، وعداء مستعر مع الأهالي والعثمانيين والإنجليز.

لم يجد كليبر بداً من كتابة تقارير لاذعة للحكومة الفرنسية، يفضح فيها الوضع المزري الذي تركه بونابرت، ويبدي رغبته في إنهاء المغامرة بأي ثمن يحفظ كرامة ما تبقى من رجاله.

اللوحة الزيتية التاريخية الشهيرة التي رسمها الفنان الفرنسي فرانسوا بوشو والتي تُخلد اللحظة الدراماتيكية لـ انقلاب «18 برومير» عام 1799، عندما دخل نابليون بونابرت قاعة المجلس للإطاحة بالحكومة وتولي زمام السلطة في فرنسا (ويكيبيديا)

نهاية مأساوية لطموح فرنسي قصير الأمد

أثبتت الأيام أن فرار نابليون السري كان طوق النجاة الشخصي له، ولكنه كان حكم الإعدام على الحملة الفرنسية في مصر، فبينما كان بونابرت ينجح في باريس بتنفيذ انقلاب «18 برومير» ويصبح القنصل الأول ومستبد فرنسا المطلق، كان الجنرال كليبر يحاول يائساً لملمة جراح الجيش الفرنسي في القاهرة.

اللوحة التشكيلية التاريخية للفنان الفرنسي أنطوان جان غرو، والتي يُجسد فيها اللحظات الدراماتيكية لاغتيال الجنرال الفرنسي جان بابتيست كليبر في حديقة قصره بالقاهرة عام 1800 على يد الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

وعلى الرغم من حنكة كليبر العسكرية وانتصاره في معركة عين شمس، فإن طعنات خنجر الشاب السوري سليمان الحلبي أنهت حياته في حديقة مقره بالقاهرة عام 1800.

الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

تولى بعده القائد «مينو» الذي لم يصمد طويلاً، لتستسلم الحملة الفرنسية رسمياً وتغادر مصر عام 1801.

رحل نابليون وبقيت قصة هروبه من الإسكندرية فصلاً مثيراً يتأرجح بين عبقرية الانتهازية السياسية والتضحية بمصائر الجنود من أجل المجد الشخصي.


مقالات ذات صلة

مصر و4 دول أوروبية تجري مناورات عسكرية ضخمة بـ«المتوسط»

شمال افريقيا التدريب «ميدوزا 15» يتضمن أعمالاً قتالية بحرية وجوية ضد «تهديدات غير نمطية» (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)

مصر و4 دول أوروبية تجري مناورات عسكرية ضخمة بـ«المتوسط»

انطلقت الثلاثاء في اليونان فعاليات التدريب المشترك المصري-اليوناني «ميدوزا 15» الذي يستمر لعدة أيام بنطاق مسرح عمليات البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الصفحة الرسمية للوزارة على فيسبوك)

مصر وألمانيا تؤكدان أهمية الحفاظ على أمن الملاحة بالبحر الأحمر

جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الألماني يوهان فاديفول، الثلاثاء، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا خلافات آيديولوجية تثير انقسامات داخل أكبر تجمع معارض في مصر (الحركة المدنية)

خلافات متصاعدة تثير انقسامات داخل أكبر تجمع معارض في مصر

طالب «الدستور» في بيان، مساء الأحد، بسحب بيان «الحركة المدنية الديمقراطية»، وإعادة صياغته بما يحفظ وحدة الحركة، واحترام جميع مكوناتها، وفتح «حوار مؤسسي جاد».

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)

«التقاضي عن بُعد»... مصر تختبر تحولها الرقمي في «الإجراءات الجنائية»

تترقب الأوساط القضائية في مصر بدء تطبيق منظومة «التقاضي عن بُعد» مع بداية العام القضائي الجديد أكتوبر المقبل.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)

دفعة جديدة للملاحة بقناة السويس رغم اضطرابات البحر الأحمر

تغيّر لافت شهدته الملاحة مع قرار شركتي الشحن «ميرسك» الدنماركية و«هاباغ-لويد» الألمانية بعودة أربع خدمات مشتركة لنقل الحاويات ستستأنف المرور عبر قناة السويس.

محمد محمود (القاهرة)

فنانة تايلاندية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)
الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)
TT

فنانة تايلاندية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)
الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

البساط الطائر، والمصباح السحري، والمارد الخارج من القمقم؛ مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء، وأحصنة وخراف تتفتح منها الورود، ودب صغير يتجول في أنحاء العالم السحري الذي صنعته الفنانة التايلاندية - المصرية سيسيليا فنج، في أحدث معارضها بغاليري «بيكاسو» في القاهرة.

يضم المعرض نحو 20 لوحة، تطغى عليها الألوان المبهجة والمشاهد الساحرة التي تضعها الفنانة في صلب فلسفتها الفنية؛ إذ ترى أن الفن مساحة رحبة يتحرر فيها الخيال من القيود، ليتمكن الفنان من صنع عالمه الخاص وفق رؤيته وأهوائه.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنها استخدمت ثيمات محببة إليها، وكررتها في عدد من اللوحات، من بينها «الدب الصغير»، الذي يشبه ألعاب الأطفال. وقد رسمته غالباً باللون الأحمر، وجعلته يظهر في مواضع مختلفة من لوحاتها؛ بعضها واضح وبعضها الآخر خفي.

المعرض تضمن ثيمات من «ألف ليلة وليلة» (الشرق الأوسط)

تأثرت سيسيليا كثيراً بحكايات «ألف ليلة وليلة»، وتقول: «عشتُ فترة طويلة في مصر، لأن زوجي مصري، كما تنقّلنا وعشنا في دول عدة، من بينها دول عربية، فضلاً عن بلدي تايوان. وكان أكثر ما لفتني في تراث الحكايات الشرقية قصصُ (ألف ليلة وليلة)؛ إذ وجدتها متحررة تماماً من القيود، وتتمتع بخيال خصب وروح مرحة، وربما لهذا السبب تحوَّلت إلى ظاهرة عالمية».

الخيال المحرك الأول لأعمال الفنانة (الشرق الأوسط)

تنسجم المشاهد السحرية التي استلهمتها الفنانة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، بما توحي به من عالم يتجاوز حدود الواقع، إلى حد بعيد مع الحس السريالي الذي اعتادته واتخذته أسلوباً يميز أعمالها. وتقول في هذا السياق: «أرى أن إطلاق العنان للخيال هو جوهر الفن؛ إذ ينبغي ألا تُفرض قيود على مخيلة الفنان. لذلك، لم أجد مشكلة في رسم دلافين تسبح في السماء، أو طائر عملاق يحمل غصن زيتون تتدلى منه أرجوحة تجلس عليها فتاة، أو فتاة تمسك بقرني غزال وتحلق في الفضاء».

سيسيليا فنج تحدثت عن الخيال اللامحدود للفنان (الشرق الأوسط)

على مدى 4 عقود، مارست سيسيليا الفن، ودرست في أكاديمية فنية بإسبانيا، وكذلك في الولايات المتحدة، ونظّمت معارض في دول عدة حول العالم، شملت أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية. غير أن معرضها الحالي يحمل طابعاً خاصاً ومتفرداً، لما ينطوي عليه من رؤى وخيالات وذكريات حميمة بالنسبة إليها، وفق تعبيرها.

وتقول سيسيليا: «دائماً ما أشعر بالسعادة والامتنان تجاه الطبيعة؛ ولذلك تحضر باستمرار في أعمالي، ولا سيما الحيوانات، مثل الأحصنة والخراف والدببة والطيور والأسماك، التي تشكّل عنصراً رئيسياً في لوحاتي. وترتبط بعض الأعمال، التي استخدمت فيها ألواناً مبهجة ورسمت وروداً حمراء، بذكريات خاصة لديّ؛ فعندما تعرّض زوجي لحادث، أردت أن أخفف عنه، فرسمت الطبيعة والكائنات المحمّلة بالورود، لإدخال البهجة إلى نفسه، خصوصاً أنه من أكبر الداعمين لي طوال مسيرتي الفنية».

جانب من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

يُعدّ الورد البلدي أحد أبطال لوحات سيسيليا، التي تقول عنه: «أنا مغرمة بالورد البلدي؛ بألوانه الزاهية، وملمسه الناعم، ورائحته الخفيفة الرائقة التي تتسلل إلى مسام الروح، فتنشر البهجة في أنحاء الجسد. وأعدُّ هذا الورد أحد الأبطال الرئيسيين في لوحاتي؛ إذ تزخر أعمال كثيرة منه بورود موزعة في أماكن شتى، أو تتفتح من أجساد الحيوانات، أو تحيط بها في مشهد كرنفالي».


«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)
تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)
TT

«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)
تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)

يبلغ المسرح اللبناني اليوم ذروة نهضته، مع غزارة الأعمال التي يقدّمها وتنوّع الموضوعات التي يتطرّق إليها. وفي قصصه وحكاياته، يعكس هموم جيل اليوم وتطلعاته، فيلامس قضاياه من زوايا مختلفة، ويقدّم في الوقت نفسه مساحة للترفيه والابتعاد عن ثقل الواقع.

في مسرحية «يلّا أنماتش» (Yalla Unmatch)، من إنتاج جنى أبي غصن وبطولتها، نتابع عملاً مسرحياً حديثاً بامتياز، اختارت تقديمه في قالب خفيف وترفيهي. فهي ترى أن الناس اليوم يحتاجون إلى مساحة تجمع الابتسامة والضحك والرومانسية. ومن خلال فكرة شيّقة تحاكي الجيل الجديد، تتطرّق كاتبة العمل ريّسا البرجي إلى موضوعَي التواصل والحوار الغائبين عن علاقات جيل بأكمله. وتستند إلى عالم تطبيقات التعارف الإلكترونية ومواقع التواصل الشهيرة، مثل «فيسبوك» و«إنستغرام»، التي تسهّل اللقاءات بين الأشخاص، لتنطلق منها في بناء فكرة المسرحية.

نطلق عروض «يلّا أنماتش» في 17 سبتمبر (جنى أبي غصن)

يبدأ عرض المسرحية على خشبة «المونو» في بيروت، في 17 سبتمبر (أيلول) الحالي، ويستمر حتى 20 منه. ويستغرق العرض نحو 60 دقيقة، يمضيها الحضور في أجواء تنبض بالديناميكية والضحك. وتشير جنى أبي غصن إلى أنها استمعت إلى قصص حقيقية وأجرت بحوثاً دقيقة لتوليد عمل يعكس الواقع اللبناني اليوم. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كان من البديهي أن أبحث وأصغي إلى حكايات تحصل حولنا. وعندما ولدت الفكرة عندي، اتصلت بالكاتبة ريّسا البرجي، وطلبت منها حبكة مسرحية تتمتع بالتلقائية، بعيداً عن الخطاب والوعظ».

وتؤكد أن هذه التطبيقات رائجة اليوم في لبنان والعالم العربي، بسبب نقص ملحوظ في التواصل بين أبناء هذا الجيل. وتضيف أنّ النص الذي تتألّف منه المسرحية يرتكز على طبقات، مما يثريه بموضوعات تسلّط الضوء على العلاقات الاجتماعية بشكل عام. وتتابع: «جيل اليوم ينكبّ على متابعة الأخبار بشكل دائم عبر التطبيقات. وهو يرى فيها جسراً طبيعياً للتواصل مع الأصدقاء والأقرباء. وفي المقابل، نجده يواجه صعوبة في التواصل المباشر من خلال لقاءات تُعقد وجهاً لوجه. وقد تعمّقنا في هذه المشكلة وشرحنا تفاصيل صغيرة تواكبها، فجاء العمل نابعاً من الواقع بشكل واضح، فيشعر الحضور كأنه يخاطبهم بلسان حالهم».

وتهدف المسرحية إلى استقطاب جيل العشرينات، الذي يُعدّ الأكثر تعلّقاً بوسائل التواصل الاجتماعي. وتعلّق جنى أبي غصن: «رغبنا في إحداث تواصل مباشر بيننا وبين الجيل الجديد عبر هذه المسرحية. كما أن هذه الفئة بالذات هي الأقل ارتياداً للمسرح، فرأينا أن مخاطبتها مباشرةً بموضوع يهمّها قد تحضّها على ارتياده».

أما قصة العمل، فتحكي عن زوجين، يؤدّي دوريهما جنى أبي غصن وعمر فيّاض، يعودان من سهرة زفاف ويتشاركان الحديث في موضوع سبق أن أجّلا التطرّق إليه أكثر من مرة. ويطرحان أسئلة، مستعيدين أحداثاً وذكريات معيّنة، يتناولها كلّ منهما على طريقته. وتستطرد: «نلاحظ خلال الحوار اختلاف كلّ شخص في استعادة ذكرياته، فلكلّ منهما وجهة نظر معيّنة ينطلق منها. وعلى مدى ساعة، يضجّ المسرح بالترفيه والضحك ورسائل اجتماعية تميل إلى الرومانسية».

وعن سبب التباعد الاجتماعي الذي يعانيه جيل اليوم، تقول: «أعتقد أن كثيرين يوجدون خارج لبنان للدراسة أو العمل. وقد فاقم هذا الأمر النقص في العلاقات الثنائية، إذ لم تعد تتاح للشاب أو الفتاة فرصة التعرّف إلى أحد ضمن علاقة تنتهي بالارتباط. في العلاقات الطبيعية، المطلوب الوضوح واللقاء والتحاور. أما البُعد، فيغيّب هذه اللقاءات، وهو ما نسلّط الضوء عليه مباشرة في المسرحية».

وتؤكد جنى أبي غصن أن العمل سيحبّه جيل الشباب ومن هم أكبر سناً أيضاً، وأن الأهالي سيستمتعون بالتعرّف إلى ما يدور في أذهان أولادهم بهذا الشأن، فيطّلعون على رؤيتهم المستقبلية لعلاقاتهم الاجتماعية والرومانسية.

وعن الصعوبة التي واجهتها في ترجمته على المسرح، تجيب: «تفادي أسلوب الوعظ والنصائح، فألغيناه تماماً من النص، ليكون العمل انسيابياً ولا يملّ منه المتابع. فنحن لسنا بصدد حملة توعية، بل ننقل واقعاً نعيشه».

تؤدّي بطولة العمل جنى أبي غصن وعامر فيّاض (جنى أبي غصن)

وسبق أن شاركت جنى أبي غصن في أكثر من عمل مسرحي، بينها «سباحة بالهوا»، و«سجن النساء»، و«شهرزاد». ولكونها تخصّصت في المسرح والتمثيل، وجدت في الخشبة الوسيلة الأفضل لنقل الواقع. وتقول في هذا السياق: «الخشبة هي الساحة الأوسع للتعبير من دون قيود. كما أن الناس يفضّلون ارتياد المسرح لأنهم يشعرون بالتفاعل مع ممثليه وأبطاله. فالمسافة بين الجمهور والخشبة لا تتجاوز أمتاراً قليلة، مما يولّد أجواء تقرّب بين الطرفين».


المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
TT

المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)
يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)

قال المخرج المصري هاني لاشين إنه لم يغب عن السينما، بل جرى تغييبه عمداً، إلى جانب كثير من كبار المخرجين والكتّاب من أبناء جيله، مؤكداً أنه لم يتوقف عن كتابة أفلامه، وأن لديه مشروعات عدة يتطلع إلى البدء في تنفيذها.

وأوضح، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن ترميم فيلمه «الأراجوز»، بعد 36 عاماً من إنتاجه، كان مهماً ليس له ولطاقم العمل فحسب، بل أيضاً لأجيال من الجمهور تشاهده للمرة الأولى. وأشار إلى أن الفنان الراحل عمر الشريف كان متردداً في قبول دوره، ولم تكن لديه أي مطالب تتعلق بأجره. كما تحدث لاشين عن علاقة الصداقة التي جمعته بالفنانة الكبيرة نجاة على مدى نحو 40 عاماً.

وعن غيابه عن الأعمال الفنية منذ سنوات، يقول لاشين: «أعتقد أنني، ومجموعة أخرى من كبار الكتّاب والمخرجين، جرى تغييبنا عمداً. نحن لسنا مبتعدين أو منسحبين؛ فكل منا لديه مشروعات يتطلع إلى تقديمها. وأنا أدوّن كل يوم أفكاراً جديدة ولا أتوقف، وأثق بأن اليوم الذي ستُنفَّذ فيه سيأتي».

واتجه لاشين إلى تدريس السينما، فوجد فيه تعويضاً نسبياً عن غيابه عن إخراج الأفلام، قائلاً: «التدريس جزء مقدس من هذه المهنة. وكما تعلمت من أساتذتي في معهد السينما، لا بد أن أنقل خبرتي بكل حب إلى الشباب، سواء في كليات ومعاهد السينما أو في الورش الفنية».

وعن ترميم فيلمه «الأراجوز» أخيراً، يقول: «أسعدني ترميمه كثيراً، وأتمنى ترميم جميع الأفلام المصرية؛ لأنها تمثّل تاريخاً يجب الحفاظ عليه للأجيال المقبلة، فضلاً عن حفظ النسخ الأصلية (النيغاتيف) بوسائل علمية حديثة، لأن معظمها محفوظ بطرق قديمة لا تواكب التطور الراهن».

ويصف لاشين مشاعره المختلطة لدى مشاهدة النسخة المرممة من الفيلم، قائلاً: «انتابتني مشاعر متباينة وأنا أشاهده؛ إذ أعدت اكتشاف الجهود التي بذلها صنّاعه. أُعجبت بديكورات رشدي حامد، وإبداعاته في تصميم الملابس، وببراعة مدير التصوير محسن أحمد، الذي قدّم صورة واقعية تلائم الموضوع، وكذلك بإكسسوارات عباس صابر، وماكياج محمد عشوب. كنت سعيداً جداً بحضورهم، وشعرت كما لو أنني أشاهد العرض الأول للفيلم».

عمر الشريف في أحد مشاهد فيلم «الأراجوز» (حساب المخرج هاني لاشين على فيسبوك)

يكشف المخرج الذي اخترق، قبل سنوات طويلة، دائرة النجم العالمي عمر الشريف، وقدّم معه فيلمي «أيوب» و«الأراجوز»، كيف تطورت علاقته بالنجم الراحل، والتي بدأت من خلال الأفلام التسجيلية، موضحاً: «قدّمنا معاً أفلاماً من بينها (الأيدي الذهبية) و(خطوات فوق الماء)، اللذان وثّقا الحضارة المصرية بأسلوب علمي، وأحدثا ردود فعل عالمية واسعة. بعد ذلك، عرضت عليه فيلم (أيوب)، المأخوذ عن قصة قصيرة للأديب نجيب محفوظ، فقرأ عمر الشريف السيناريو وأُعجب به، وقال لي: أنا معك. وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً».

ويتابع: «عندما عرضت فيلم (الأراجوز) على عمر الشريف، ظللنا نتناقش طويلاً؛ فقد كان متردداً بسبب طبيعة الشخصية التي يؤديها للمرة الأولى. وكنت أرى أنه يمتلك قدرات لا يعرفها هو نفسه، وأردت أن أدهشه بها. ولكي أقنعه، قلت له: لا أرى غيرك في شخصية محمد جاد الكريم، ولن أخرج الفيلم من دونك».

ويلفت هاني لاشين إلى أنه سافر، عقب الانتهاء من نسخة الفيلم، للقاء عمر الشريف في باريس، ويروي: «جلسنا نشاهد الفيلم في منزله، وكنت أتابع تفاعله مع كل مشهد. كان يمسح دموعه التي غطت زجاجي نظارته، وبعد انتهاء الفيلم قفز فرحاً كطفل صغير؛ فقد استطاع تقديم الدور ببراعة، ونال عنه جوائز داخل مصر وخارجها».

ويؤكد لاشين أن «عمر الشريف لم يكن مهتماً بالأجر؛ فقد تقاضى أجراً رمزياً عن فيلمي (الأراجوز) و(أيوب)، بل لم يكن يريد تقاضي أي أجر، لكن كان لا بد من توقيع عقد رسمي، لأن الفيلم من إنتاج التلفزيون، في حين كان أجره في السينما العالمية آنذاك يُقدّر بملايين الدولارات».

ويؤمن هاني لاشين بأن الأفلام ابنة زمنها؛ لذلك لا يقبل إعادة إنتاج هذا الفيلم أو أي من أفلامه، مؤكداً أن «الفيلم لا ينبغي المساس به بعدما أصبح جزءاً من التاريخ». ويصف العمل الفني بأنه «يمتلك إحساساً ونبضاً؛ فهو أشبه بسيمفونية لبيتهوفن تعزفها جميع أوركسترات العالم كما هي، وكذلك الأفلام، فهي تنتمي إلى زمنها».

المخرج المصري هاني لاشين قدم أعمالاً عدَّة (حسابه على فيسبوك)

ويرى هاني لاشين أن السينما المصرية لم تفقد هويتها، بل شهدت تطوراً واختلافاً في الأفكار، كما تأثرت بظهور وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما حدث للسينما الصامتة مع دخول الصوت، حين تغيّر كل شيء. ويضيف: «أتمنى فقط أن يكون صنّاع الأفلام مؤمنين بصدق بما يقدمونه، وأن يسألوا أنفسهم: هل يدعو ما يقدمونه الناس إلى التقدم والاستنارة، أم إلى التراجع والتخلف؟ هنا يكمن جوهر الأزمة».

وقدّم لاشين أفلاماً تلفزيونية لافتة، من بينها «أيوب»، و«الفرح»، و«العودة والعصفور»، و«في العشق والسفر». كما أخرج عدداً كبيراً من المسلسلات، مثل «زمن عماد الدين»، و«ويأخذنا تيار الحياة»، و«الباقي من الزمن ساعة»، وغيرها، خلال ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته.

وتربط هاني لاشين بالمطربة الكبيرة نجاة علاقة صداقة وثيقة؛ إذ أخرج لها أغنيات عدة، من بينها «أنا أنت»، من كلمات سعاد الصباح وألحان كمال الطويل. كما أصرت على أن يرافقها في حفل تكريمها بالسعودية. ويقول عنها: «نجاة صديقة عزيزة جداً، وتمتد علاقتنا على مدى 40 عاماً، وأكنّ لها كل الاحترام والتقدير. نحن محظوظون بوجود موهبة مثلها، وستُتوَّج قريباً بجائزة الشيخ زايد للكتاب، بصفتها شخصية العام، بعدما تأجل التكريم بسبب ظروف الحرب. إنها جائزة مهمة جداً، وأتمنى أن تحظى هذه الجوهرة بالتقدير الذي تستحقه».

ويترأس لاشين «مهرجان الفيوم لأفلام البيئة»، ويقول عنه: «هذا المهرجان ثمرة جهود عدد كبير من القائمين عليه، وقد اختاروني لرئاسته». ويضيف: «آمنت بالفكرة لأننا في حاجة ماسّة إلى الحفاظ على البيئة. وقد التقيت محافظ الفيوم ونائبه ورئيس جامعتها، في إطار التحضير للدورة الثالثة. وحققنا، خلال دورتين، الكثير على صعيد البيئة والسينما والترويج السياحي لمدينة الفيوم، وسنوسع نطاق العروض الجماهيرية بمشاركة طلاب جامعة الفيوم؛ إذ نهدف إلى رفع الوعي السينمائي واكتشاف المواهب».