لم يكن اختفاء بعض المهن من الشارع السعودي نتيجة تراجع الإقبال عليها فحسب، بل كان انعكاساً طبيعياً لتحولات متسارعة شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، بدأت مع الثورة الرقمية، وتسارعت مع انتشار الهواتف الذكية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية الرقمية التي سهلت على المواطن والمقيم الاستفادة من الخدمات حيثما كان وفي أي مكان من العالم.

مع هذه المعطيات وتغير أنماط الاستهلاك تحولت بعض المحال التي كانت تشكل محطات يومية لا غنى عنها إلى ماضٍ وجزءٍ من ذاكرة المدن، بعدما سحبت التقنية منها أسباب البقاء؛ إذ كان المرور على «مصلح الساعات، أو ناسخ المفاتيح، أو استوديو التصوير، أو محل تأجير أشرطة الفيديو، وما يعرف بالخطاطين» جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، أما اليوم فقد اختفت واجهات كثيرة، وأغلقت أبواب أخرى، بعد أن حل الهاتف الذكي والمنصات الرقمية، والأجهزة الحديثة، محل خدمات كانت تمثل في وقتها مهناً قائمة بذاتها.
ورغم أن بعض المهن التقليدية لم تختفِ بالكامل، فإن حضورها تقلص إلى حدود ضيقة مثل «مصلح الساعات»؛ إذ كان تواجده في الأحياء والمواقع الرئيسية شكلاً من أشكال الحياة، كونه يوفر الوقت ويقدم خدمات أقل تكلفة من منافذ بيع الساعات.
لكن المشهد تغير مع انتشار الساعات الإلكترونية منخفضة التكلفة، ثم الساعات الذكية التي تعتمد على تحديثات وبرمجيات أكثر من اعتمادها على القطع الميكانيكية، كما أن كثيراً من العلامات التجارية العالمية أصبحت توفر مراكز صيانة معتمدة، ما قلص الحاجة إلى الورش الصغيرة.

ناسخ المفاتيح
في السياق ذاته، كان محل نسخ المفاتيح من أكثر المحال حضوراً في الأحياء والأسواق؛ إذ يحتاج السكان باستمرار إلى نسخ إضافية للمفاتيح لمنازلهم أو سياراتهم أو مكاتبهم، غير أن انتشار الأقفال الإلكترونية، وأنظمة الدخول عبر البطاقات أو البصمة أو التطبيقات الذكية، غيّر خريطة الإقبال، كما أن السيارات الحديثة أصبحت تعتمد على مفاتيح إلكترونية مشفرة، يمكن أن توفرها بعض المحال إذا وفرت أجهزة متخصصة وبرمجة إلكترونية، إلا أن أغلب المحال استمرت على طريقتها التقليدية.
وهنا يرى محمد عادل، عامل في إحدى محلات «نسخ المفاتيح»، أن السوق تراجع كثيراً عما كان في سنوات سابقة، وهذا يعود لعدة عوامل في مقدمتها التقنية التي فرضت على العاملين في هذا المجال خصائص أخرى، ومنها التعامل مع الأجهزة الذكية لطباعة المفتاح، التي عادة لا تنتشر إلا في مواقع مخصصة لذلك وتتبع شركات كبرى، إضافة إلى تحول بعض العاملين من هذه المهنة إلى مهن أخرى نتيجة تراجع الإقبال.

الكاسيت والأشرطة
في أعوام مضت كانت محلات أشرطة الكاسيت وأشرطة الفيديو وجهةً قد تكون أسبوعية للعائلات والأفراد، سواء لشراء الألبومات الغنائية أو استئجار الأفلام والمسلسلات، إلا أن هذا الواقع تغير تدريجياً مع ظهور الأقراص المدمجة، ثم المنصات الرقمية، وخدمات البث عبر الإنترنت، حتى خرجت هذه المنافذ عن الخدمة تماماً؛ إذ أصبح بإمكان المستخدم الوصول إلى آلاف الأعمال الفنية بضغطة زر، دون الحاجة إلى مغادرة المنزل.

وساهمت الهواتف الذكية، ومنصات الموسيقى، وخدمات المشاهدة عند الطلب؛ في إنهاء نموذج تجاري استمر لعقود، لتغلق معظم تلك المحال أبوابها أو تتحول إلى أنشطة تجارية أخرى.
يوازيه في هذا الخروج محلات تحميض الأفلام «استوديوهات التصوير» التي كانت حاضرةً قبل انتشار الكاميرات الرقمية، كان التقاط الصور يرتبط بانتظار انتهاء الفيلم، ثم تسليمه إلى محلات التحميض والطباعة، إلا أن هذه الحالة من الترقب انتهت مع دخول الكاميرات والهواتف الذكية، إضافة إلى ما تقدمه القطاعات الحكومية التي أصبحت تعتمد على الصورة الرقمية الملتقطة عبر الهاتف الذكي، متى استوفت الاشتراطات المطلوبة، أو على توفير خدمة التصوير مباشرة داخل الجهة المختصة.
وإلى جانب اختفاء ورش إصلاح مسجلات الكاسيت تراجعت مهنة الخطاط الذي كان منتشراً حتى مطلع الألفية الجديدة، إلا أنه تراجع مع وجود البدائل التي يقدمها الخطاط من رسم لوحة تعريفية لطلاب المدارس أو كتابة نصائح أو قواعد تعريفية في لوحات كانت تزين جدران المدارس والعديد من القطاعات الحكومية والخاصة.

ذاكرة المدن
ورغم أن هذه المهن غابت عن المشهد اليومي، فإنها ما زالت حاضرة في ذاكرة أجيال عاشت تفاصيلها، حين كان إصلاح ساعة يحتاج لزيارة ذلك المحل في شارع الحي الذي تقطنه، واستئجار فيلم يحتاج لجزء من برنامج نهاية الأسبوع، والتقاط صورة شخصية رسمية مناسبة يسبق كل معاملة حكومية.
وأجمع عدد من العاملين الذين التقت معهم «الشرق الأوسط» في بعض هذه المحال، أن اندثار عدد من المهن التقليدية في السعودية يعكس تحولاً اقتصادياً واجتماعياً متسارعاً تقوده التقنية وجودة الحياة، فالتحول الرقمي وانتشار التطبيقات الذكية والأتمتة والخدمات الإلكترونية غيّر سلوك المستهلك وأنماط الطلب، كما أسهمت مشاريع جودة الحياة في تطوير بيئات العمل والتسوق والخدمات، ورفعت معايير الكفاءة والسرعة، لتفسح المجال أمام وظائف ومهن جديدة أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الرقمي والابتكار.
