التحول الرقمي والاستهلاك الحديث يعيدان رسم خريطة المهن التقليدية

حِرفٌ اختفت وأُخرى بقيت في الذاكرة

المنصات الرقمية وخدمات البث عبر الإنترنت أخرجت هذه المنافذ عن الخدمة تماماً (أرشيفية - الشرق الأوسط)
المنصات الرقمية وخدمات البث عبر الإنترنت أخرجت هذه المنافذ عن الخدمة تماماً (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

التحول الرقمي والاستهلاك الحديث يعيدان رسم خريطة المهن التقليدية

المنصات الرقمية وخدمات البث عبر الإنترنت أخرجت هذه المنافذ عن الخدمة تماماً (أرشيفية - الشرق الأوسط)
المنصات الرقمية وخدمات البث عبر الإنترنت أخرجت هذه المنافذ عن الخدمة تماماً (أرشيفية - الشرق الأوسط)

لم يكن اختفاء بعض المهن من الشارع السعودي نتيجة تراجع الإقبال عليها فحسب، بل كان انعكاساً طبيعياً لتحولات متسارعة شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، بدأت مع الثورة الرقمية، وتسارعت مع انتشار الهواتف الذكية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية الرقمية التي سهلت على المواطن والمقيم الاستفادة من الخدمات حيثما كان وفي أي مكان من العالم.

وجود «مصلح الساعات» في الأحياء والمواقع الرئيسية تقلص إلى حدود ضيقة (أ.ف.ب)

مع هذه المعطيات وتغير أنماط الاستهلاك تحولت بعض المحال التي كانت تشكل محطات يومية لا غنى عنها إلى ماضٍ وجزءٍ من ذاكرة المدن، بعدما سحبت التقنية منها أسباب البقاء؛ إذ كان المرور على «مصلح الساعات، أو ناسخ المفاتيح، أو استوديو التصوير، أو محل تأجير أشرطة الفيديو، وما يعرف بالخطاطين» جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، أما اليوم فقد اختفت واجهات كثيرة، وأغلقت أبواب أخرى، بعد أن حل الهاتف الذكي والمنصات الرقمية، والأجهزة الحديثة، محل خدمات كانت تمثل في وقتها مهناً قائمة بذاتها.

ورغم أن بعض المهن التقليدية لم تختفِ بالكامل، فإن حضورها تقلص إلى حدود ضيقة مثل «مصلح الساعات»؛ إذ كان تواجده في الأحياء والمواقع الرئيسية شكلاً من أشكال الحياة، كونه يوفر الوقت ويقدم خدمات أقل تكلفة من منافذ بيع الساعات.

لكن المشهد تغير مع انتشار الساعات الإلكترونية منخفضة التكلفة، ثم الساعات الذكية التي تعتمد على تحديثات وبرمجيات أكثر من اعتمادها على القطع الميكانيكية، كما أن كثيراً من العلامات التجارية العالمية أصبحت توفر مراكز صيانة معتمدة، ما قلص الحاجة إلى الورش الصغيرة.

التقنية فرضت على العاملين في مجال «نسخ المفاتيح» خصائص أخرى (تصوير: غازي مهدي)

ناسخ المفاتيح

في السياق ذاته، كان محل نسخ المفاتيح من أكثر المحال حضوراً في الأحياء والأسواق؛ إذ يحتاج السكان باستمرار إلى نسخ إضافية للمفاتيح لمنازلهم أو سياراتهم أو مكاتبهم، غير أن انتشار الأقفال الإلكترونية، وأنظمة الدخول عبر البطاقات أو البصمة أو التطبيقات الذكية، غيّر خريطة الإقبال، كما أن السيارات الحديثة أصبحت تعتمد على مفاتيح إلكترونية مشفرة، يمكن أن توفرها بعض المحال إذا وفرت أجهزة متخصصة وبرمجة إلكترونية، إلا أن أغلب المحال استمرت على طريقتها التقليدية.

وهنا يرى محمد عادل، عامل في إحدى محلات «نسخ المفاتيح»، أن السوق تراجع كثيراً عما كان في سنوات سابقة، وهذا يعود لعدة عوامل في مقدمتها التقنية التي فرضت على العاملين في هذا المجال خصائص أخرى، ومنها التعامل مع الأجهزة الذكية لطباعة المفتاح، التي عادة لا تنتشر إلا في مواقع مخصصة لذلك وتتبع شركات كبرى، إضافة إلى تحول بعض العاملين من هذه المهنة إلى مهن أخرى نتيجة تراجع الإقبال.

المنصات الرقمية وخدمات البث عبر الإنترنت أخرجت هذه المنافذ عن الخدمة تماماً (أرشيفية - الشرق الأوسط)

الكاسيت والأشرطة

في أعوام مضت كانت محلات أشرطة الكاسيت وأشرطة الفيديو وجهةً قد تكون أسبوعية للعائلات والأفراد، سواء لشراء الألبومات الغنائية أو استئجار الأفلام والمسلسلات، إلا أن هذا الواقع تغير تدريجياً مع ظهور الأقراص المدمجة، ثم المنصات الرقمية، وخدمات البث عبر الإنترنت، حتى خرجت هذه المنافذ عن الخدمة تماماً؛ إذ أصبح بإمكان المستخدم الوصول إلى آلاف الأعمال الفنية بضغطة زر، دون الحاجة إلى مغادرة المنزل.

قبل أعوام مضت كانت محلات أشرطة الفيديو وجهة قد تكون أسبوعية للعائلات والأفراد (أرشيفية - أ.ب)

وساهمت الهواتف الذكية، ومنصات الموسيقى، وخدمات المشاهدة عند الطلب؛ في إنهاء نموذج تجاري استمر لعقود، لتغلق معظم تلك المحال أبوابها أو تتحول إلى أنشطة تجارية أخرى.

يوازيه في هذا الخروج محلات تحميض الأفلام «استوديوهات التصوير» التي كانت حاضرةً قبل انتشار الكاميرات الرقمية، كان التقاط الصور يرتبط بانتظار انتهاء الفيلم، ثم تسليمه إلى محلات التحميض والطباعة، إلا أن هذه الحالة من الترقب انتهت مع دخول الكاميرات والهواتف الذكية، إضافة إلى ما تقدمه القطاعات الحكومية التي أصبحت تعتمد على الصورة الرقمية الملتقطة عبر الهاتف الذكي، متى استوفت الاشتراطات المطلوبة، أو على توفير خدمة التصوير مباشرة داخل الجهة المختصة.

وإلى جانب اختفاء ورش إصلاح مسجلات الكاسيت تراجعت مهنة الخطاط الذي كان منتشراً حتى مطلع الألفية الجديدة، إلا أنه تراجع مع وجود البدائل التي يقدمها الخطاط من رسم لوحة تعريفية لطلاب المدارس أو كتابة نصائح أو قواعد تعريفية في لوحات كانت تزين جدران المدارس والعديد من القطاعات الحكومية والخاصة.

استوديوهات التصوير وتحميض الأفلام كانت حاضرة قبل انتشار الكاميرات الرقمية والهواتف الذكية (تصوير: غازي مهدي)

ذاكرة المدن

ورغم أن هذه المهن غابت عن المشهد اليومي، فإنها ما زالت حاضرة في ذاكرة أجيال عاشت تفاصيلها، حين كان إصلاح ساعة يحتاج لزيارة ذلك المحل في شارع الحي الذي تقطنه، واستئجار فيلم يحتاج لجزء من برنامج نهاية الأسبوع، والتقاط صورة شخصية رسمية مناسبة يسبق كل معاملة حكومية.

وأجمع عدد من العاملين الذين التقت معهم «الشرق الأوسط» في بعض هذه المحال، أن اندثار عدد من المهن التقليدية في السعودية يعكس تحولاً اقتصادياً واجتماعياً متسارعاً تقوده التقنية وجودة الحياة، فالتحول الرقمي وانتشار التطبيقات الذكية والأتمتة والخدمات الإلكترونية غيّر سلوك المستهلك وأنماط الطلب، كما أسهمت مشاريع جودة الحياة في تطوير بيئات العمل والتسوق والخدمات، ورفعت معايير الكفاءة والسرعة، لتفسح المجال أمام وظائف ومهن جديدة أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الرقمي والابتكار.


مقالات ذات صلة

محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

الاقتصاد مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

تستعد أميركا والصين لمناقشة مخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي خلال حوار مقرر في منتصف سبتمبر، وذلك في وقت تصل فيه قدرات الذكاء الاصطناعي لنقطة تحول عالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا تتيح المبادرة لمليون طالب وطالبة في الجامعات السعودية استخدام تقنيات «جيميناي» مجاناً لمدة عام (شاترستوك)

مليون طالب جامعي في السعودية يحصلون على «جيميناي» من «غوغل» مجاناً لمدة عام

تتيح مبادرة سعودية لمليون طالب جامعي استخدام «جيميناي» مجاناً لمدة عام مع برامج تدريبية لدعم مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو مرحلة تصبح فيها المدفوعات أكثر سلاسة وأقل ظهوراً داخل تجربة التسوق (أدوبي)

خاص وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون مساراً جديداً للتجارة الرقمية في السعودية

تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو الدفع غير المرئي والتسوق عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع بقاء المصادقة والأمن أبرز التحديات.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا  الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» ومؤسس «شات جي بي تي» سام ألتمان (رويترز)

مؤسس «شات جي بي تي» يشبّه الذكاء الاصطناعي بالكهرباء: لا غنى عنه

يرى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» ومؤسس «شات جي بي تي»، أن استخدام هذه التقنية لم يعد خياراً يمكن الاستغناء عنه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تستهدف الأكاديمية تدريب واعتماد وتأهيل وتوظيف أكثر من 20 ألف متخصص سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات بحلول 2034 (أدوبي)

خاص أكاديمية جديدة لتأهيل وتوظيف 20 ألف سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات بحلول 2034

تستهدف مبادرة جديدة تدريب وتأهيل وتوظيف أكثر من 20 ألف سعودي في الذكاء الاصطناعي والبيانات وربط المهارات باحتياجات سوق العمل.

نسيم رمضان (الرياض)

كيف تتعافى بسرعة بعد تمرين شاق؟

التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)
التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)
TT

كيف تتعافى بسرعة بعد تمرين شاق؟

التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)
التدريب المكثف قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق (بيكسلز)

يُشعرك إنهاء تمرين شاق دائماً بالرضا، إلى أن تبدأ آلام العضلات المزعجة في الظهور بعد بضع ساعات من انتهاء التمرين. وقد يستمر هذا الشعور لأيام، مما يجعل المهام اليومية البسيطة تحدياً كبيراً.

وبحثاً عن الراحة، يلجأ بعض رواد الصالات الرياضية إلى تقنيات التعافي التي كانت حكراً على الرياضيين المحترفين. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار تلك الممارسات، بدءاً من حمامات الثلج والملابس الضاغطة وصولاً إلى التدليك. ومع أن هذه الممارسات تعد بتعافي أسرع، وتقليل الألم، وتحسين الأداء، فإن الأدلة العلمية غالباً ما تكون أكثر تعقيداً.

في هذا التقرير، يفند ماكس ديفيس، طالب الدراسات العليا في مركز التغذية والتمارين الرياضية والأيض بجامعة باث، بالأدلة الممارسات الأكثر انتشاراً للتعافي بعد تمرين رياضي شاق، ويقترح أخرى أكثر فاعلية.

حمامات الثلج

كتب ماكس، في مقال له، الجمعة، على موقع «كونفيرزيشين»: «قلما حظيت استراتيجيات التعافي باهتمام كبير مثل حمامات الثلج، التي تتضمن غمر الجسم في ماء تقل درجة حرارته عن 15 درجة مئوية (59 درجة فهرنهايت) لتعزيز التعافي. لكن الأدلة على هذه الفائدة متضاربة؛ إذ تساعد حمامات الثلج على تخفيف الالتهاب، ووفق الأبحاث فإنها تقلل ألم العضلات وتساعد الرياضيين على استعادة وظائف العضلات بشكل أكثر فاعلية على مدار 24 ساعة. لكن ثمة مشكلة، فبينما يُسبب الالتهاب ألماً، فإنه يُحفز أيضاً عمليات تكيف تعمل على إعادة بناء العضلات. وقد يُحدّ من هذه الاستجابة باستخدام حمامات الثلج بعض فوائد التدريب على المدى الطويل».

الملابس الضاغطة

وأضاف ديفيس: «تُستخدم الملابس الضاغطة عادةً بعد التمرين لتسريع التعافي، اعتماداً على أن الضغط الخارجي الذي تُطبقه يُحسّن الدورة الدموية، ويُعزز تدفق الدم إلى العضلات، ويُقلل التورم، إلا أن الأدلة التي تُثبت أنها تُحسّن تعافي العضلات أقل إقناعاً بشكل عام، ومن غير المرجح أنها تعيد وظيفة العضلات بشكل مباشر».

التدليك

يُعدّ التدليك من التدخلات القليلة للتعافي التي تحظى بدعم علمي ثابت نسبياً. فهو يُخفف من الألم ويُحسّن الشعور بالتعافي بعد التمرين. وكما أوضح ديفيس: «لا تزال الآليات التي تُحفّز فوائد التدليك في التعافي غير واضحة. ولكن قد يعود ذلك إلى أن التدليك يُخفف من تيبس العضلات، ويُحسّن الدورة الدموية، ويُعزز الاسترخاء».

ما الذي يُجدي نفعاً حقاً

وقال ديفيس قد تُحقق تقنيات التعافي الشائعة فوائد طفيفة في تخفيف الشعور بالألم، لكنها لا تُعيد وظائف العضلات بشكل كامل. بدلاً من ذلك، تأتي أقوى الأدلة العلمية على التعافي الجيد من الأساسيات التالية، مشيراً إلى أنه يجب إعطاء الأولوية للنوم، مشدداً على ضرورة الحصول على 7 إلى 9 ساعات يومياً من النوم ليلاً، ليتمكن الجسم من القيام بعمليات التعافي والتكيف الحيوية بشكل طبيعي.

وأضاف: «التغذية السليمة، وبخاصة تناول 20-40 غراماً من البروتين بعد التمرين لإصلاح العضلات، وتناول كمية كافية من الكربوهيدرات لتجديد مخزون الطاقة من الأمور الضرورية أيضاً». واختتم مقاله بالتأكيد على أنه ينبغي أن نتدرب بذكاء، ناصحاً بالجمع بين النوم الجيد والتغذية السليمة وخطة تدريب مدروسة ومنظمة. يشمل ذلك تخصيص أيام راحة بين الحصص التدريبية.


«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
TT

«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)

احتفى اتحاد الآثاريين العرب بالجهود التي بذلتها مؤسسة التراث السعودية في تسجيل كثير من المواقع الأثرية بالمملكة ضمن قائمة اليونسكو للتراث الحضاري في السنوات الأخيرة، وقدم الاتحاد خلال احتفالية، مساء السبت، درعه للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود لعطائه الكبير في ميدان التراث وإسهاماته في تسجيل مجموعة مواقع بالمملكة العربية السعودية بوصفها تراثاً عالمياً ثقافياً باليونسكو، وتأسيسه وترأسه لمؤسسة «التراث» غير الربحية، وفتح باب البحث العلمي للتنقيب عن الآثار للبعثات الأجنبية في السعودية، وفق بيان من الاتحاد، الأحد.

وقال الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب، إن «منح درع الآثاريين العرب للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود قد تقرر منذ عام 2019 لولا ظروف معينة»، وأضاف خلال حفل تدشين كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» أن «شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي وهب حياته للتراث العمراني والمحافظة عليه منذ حصوله على الدكتوراه في تاريخ العمارة وعلوم الترميم من الجامعة التقنية بآخن في ألمانيا في ستينات القرن الماضي وعمل فى مشروعات مهمة لحماية المباني التاريخية والتراثية فى مواقع متعددة فى العالم منها مصر والسعودية والقدس ولبنان».

الأمير سلطان بن سلمان في أحد المواقع الأثرية (مؤسسة التراث السعودية)

وقال مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب الدكتور عبد الرحيم ريحان إن «الاحتفالية التي أقيمت بمقر الاتحاد بمصر شملت تسليم درع الآثاريين العرب الذي منح هذا العام للأمير سلطان بن سلمان إلى الدكتور إسلام عاصم مستشار صاحب السمو الملكي والمشرف على مسار التطوير المؤسسي في مؤسسة التراث غير الربحية بالمملكة العربية السعودية مع إلقاء الضوء على إسهامات الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، التي شملت تسجيل موقع الحجر (مدائن صالح) في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008 بصفته رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار آنذاك، وتسجيل حي الطريف بالدرعية التاريخية في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2010».

وتأسست مؤسسة التراث عام 1996 بهدف حفظ التراث الحضاري، وهي مؤسسة غير حكومية وغير ربحية، وجاء تأسيسها بمثابة مبادرة وطنية مهمة للمناشدة بأهمية العناية بالتراث الوطني بوصفه قضية وطنية تهم الدولة والمجتمع بعد تجربة شخصية لمؤسسها الأمير سلطان تمثلت في إعادة إحياء البيت الطيني في نخيل العذيبات بالدرعيَّة واستطاعت مؤسسة التراث، عبر ما يقارب الثلاثة عقود، الإسهام في نشر الوعي بأهمية التراث، والحفاظ على التراث السعودي بصفة خاصة، والعربي الإسلامي بصفة عامة، وتوثيقه ليصبح ذاكرة وطنية وذلك من خلال تسجيل وترميم المساجد التاريخية والحفاظ على طابعها العمراني المميز، وتتعاون المؤسسة في سبيل تحقيق ذلك مع مؤسسات داخل المملكة وخارجها كما تدعم الجهات التي تعمل في مجال التراث والحفاظ عليه.

جانب من احتفالية اتحاد الآثاريين العرب (اتحاد الآثاريين العرب)

وأشار ريحان إلى مسيرة شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي من خلال كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» تقديم الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود متضمناً 10 فصول تتناول فترة الكفاح وبدايات العمل في العمارة والترميم بمصر، والتجربة الدولية مع اليونسكو والسعودية.

ومنحت مصر الدكتور صالح لمعي جائزة النيل للفنون عام 2025 التي تمنح لشخصية بارزة واحدة فقط في مجال الفنون كل عام، وكرّمته المملكة العربية السعودية بالعديد من الجوائز لعمله سنوات طويلة في العذيبات وقصر الدوادمي وقصر المربع والدرعية والمدينة المنورة وجدة.


«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
TT

«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

قد يبدو اسم «الناعشون» للوهلة الأولى ذا وقع صادم، إلا أنه بمجرد أن يُسدل الستار على أحداث العمل يوقن المشاهد أنه الأنسب والأكثر تعبيراً عن فكرة تلك المسرحية السعودية التي تُعرض حالياً ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الـ33.

ويتجاوز العرض المعنى المباشر للعنوان، وهو حملة النعوش عند تشييع الجثامين، ليذهب إلى المعنى الأبعد فلسفياً، وهو أن البشر الأحياء أنفسهم أصبحوا موتى في حقيقة الأمر، حين فقد العالم بوصلة النجاة عبر الضمير والأخلاق، وأصبح بحاجة إلى صرخة مخلصة تعيده إلى رشده، وتجعله يفيق من سبات الموت المعنوي ليستعيد الحياة الحقيقية.

وتميزت المسرحية بالجرأة، ليس فقط على مستوى العنوان والرؤية الفكرية التي يتبناها صنّاع العمل، وإنما أيضاً عبر الحبكة الدرامية التي تتمرد على البناء التقليدي المألوف؛ إذ لا توجد قصة ذات بداية وعقدة ونهاية ضمن أحداث متصاعدة، وإنما مشاهد متجاورة ولوحات متداخلة تحذر من تحول الحياة اليومية إلى مسلسل مستمر من الخوف والموت البطيء وكل ما يسرق الطمأنينة من العيون والبهجة من الأرواح.

العرض المسرحي «الناعشون» ضمن مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

وعدّ مؤلف العمل فهد ردة الحارثي اختيار العنوان «منطقياً نتيجة ما يحدث في السنوات من حروب وأوبئة وأزمات سياسية واقتصادية، وكلها نذير سوء للبشر»، مشيراً إلى أن «العنوان أيضاً هو مفتاح لفهم العمل، فـ(الناعشون) ظاهرياً هم الذين يحملون النعوش، لكن المسرحية تقلب المعنى: ماذا لو كان الأحياء أنفسهم قد أصبحوا نعوشاً متحركة؟ أي أجساداً تتحرك، لكنها فقدت الشغف والأمل والقدرة على صناعة مستقبلها».

وأضاف الحارثي لـ«الشرق الأوسط» أن «الموت حاضر بقوة في عالمنا المعاصر إلى درجة أن الإنسان أخذ يتعايش معه ويألفه، وربما يحتفي به أحياناً أكثر مما يحتفي بالحياة، ومن هنا لم يعد السؤال: كيف نموت؟ بل: هل نحن نعيش أصلاً؟».

ولفت الحارثي إلى أن «النعش في العمل ليس مجرد رمز للموت بقدر ما هو رمز لواقع فارغ من الحياة، ومن هنا فإن رسالة المسرحية قاسية ومؤلمة، لكنها حقيقية ولا غنى عنها، فهي تؤكد أن الخطر الحقيقي ليس أن يموت الإنسان، وإنما أن يتحول إلى ميت من الداخل قبل أن يموت جسده من الخارج»، وفق تعبيره.

العرض السعودي «الناعشون» ضمن فعاليات المسرح التجريبي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

وتحظى المسرحية برعاية ودعم من «هيئة المسرح والفنون الأدائية» السعودية، في حين تتولى «فرقة الطائف المسرحية» إنتاجها.

ويضم فريق التمثيل: بدر الغامدي، وممدوح الغشمري، وعبد الوهاب فندي، وعادل الحارثي، وأحمد الخمري، ومطر السواط، في حين يتولى عبد الله دواري تصميم الإضاءة، ويضع سلطان ردة الموسيقى، في حين يحمل تصميم الديكور بصمات صديق حسن، والعمل من إخراج أحمد الأحمري.

ويجمع العمل بين الفانتازيا والأجواء التراجيدية من خلال مشاهد الجنازات المتوالية، ومواكب تشييع الجثامين، لكن الراحلين ليسوا فقط البشر، بل القيم الخالدة التي حفظت البشرية من خطر الفناء، وأبرزها الحق والخير والجمال، فضلاً عن الشعر الذي يلامس أوتار القلب، والذي أصبح هو الآخر ضمن المفقودين.

عرض «الناعشون» السعودي قدم رؤية رمزية للحياة والموت (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

وعما إذا كانت المخاوف قد انتابت المؤلف من تأثير تلك الأجواء «الكابوسية المقبضة» على الجمهور، يقول الحارثي إن «المسرحية ليست قاتمة لهذه الدرجة، بل بها جدل وحراك حول سؤال الحياة وحياة الموت وموت الحياة، فهى تستهدف حث المتلقي على التفكير الإيجابي تمهيداً لتغيير الواقع، والذي يبدأ بإدراك المشكلة قبل كل شيء».

وأشاد الحارثي بالصورة النهائية التي ظهر عليها العرض من حيث الإخراج وطاقم التمثيل وعناصر السينوغرافيا المختلفة، ولا سيما الإضاءة والديكور والأزياء، مشيراً إلى أن «النص المسرحي لا يكتبه المؤلف فقط، فبقية فريق العمل يشاركونه في كتابته وصورته النهائية بلمساتهم ورؤيتهم البصرية، ليصبح الجميع شركاء في المنتج النهائي».