قال المخرج الكوري السويسري هاي-سوب سين إن فيلمه القصير «نصف القمر» (Ban Dal – Half-Moon) جاء بعد مشاهدته فيلماً وثائقياً على التلفزيون السويسري عن طفلة كورية جرى تبنّيها، ثم عادت والدتها البيولوجية لزيارتها بعد سنوات، لافتاً إلى أن أكثر ما أثار فضوله آنذاك لم يكن اللقاء نفسه، وإنما المشاعر التي يُمكن أن تعيشها الأم التي قامت بتربية الطفلة عندما تجد نفسها وجهاً لوجه أمام الأم البيولوجية.
وأضاف سين، في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أنه لم يرغب في إعادة تقديم القصة التي شاهدها، وإنما اكتفى باستلهام فكرتها الأساسية، قبل أن يُعيد كتابة الشخصيات والأحداث بالكامل وفق رؤيته الخاصة، مشيراً إلى أن ما جذبه منذ البداية هو مفهوم الأمومة بوصفه تجربة إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها في رابطة الدم، وإنما تتداخل فيها مشاعر الرعاية والذاكرة والتضحية، ما دفعه إلى كتابة قصة جديدة تمنح هذا السؤال مساحة أوسع للتأمل.

ويُعرض فيلم «نصف القمر» (Ban Dal – Half-Moon) ضمن برنامج «إطارات المستقبل: الجيل القادم من السينما الأوروبية» (Future Frames: Generation NEXT of European Cinema) في النسخة الحالية من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، وتدور أحداث الفيلم حول «أنيت» التي تسافر مع ابنها بالتبني «جويل» إلى كوريا الجنوبية للقاء والدته البيولوجية للمرة الأولى، في رحلة تتحول إلى مواجهة إنسانية معقدة تفرضها اختلافات اللغة والثقافة، في حين تكشف المشاعر المكبوتة والصمت الطويل عن أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء ومعنى الأمومة.
وأوضح المخرج الشاب أن معظم الأفلام التي تناولت التبني ركزت على الأبناء الذين يعودون للبحث عن جذورهم، في حين شعر بأن هناك زاوية أخرى تستحق أن تُروى، وهي مشاعر الأم البيولوجية والأم التي قامت بالتربية، ووجد أن الاقتراب من مشاعر كل أم منهما يمنحه مساحة أوسع للحديث عن الحب والخوف والفقد دون الادعاء بأنه يعرف ما يشعر به الشخص المتبنى.
وأكد أن «الفيلم لا يبحث عن أم جيدة وأخرى سيئة، ولا يحاول تحميل طرف واحد مسؤولية ما حدث، بل يطرح القضية بوصفها مساحة للتأمل»، لافتاً إلى أن «التبني الدولي يُثير بطبيعته أسئلة أخلاقية معقدة، فحتى العائلة التي تتبنى طفلاً بدافع الحب قد تضعه في بيئة تختلف كلياً عن جذوره وثقافته ولغته، وهو ما يجعل القضية أكبر من مجرد تحديد من أخطأ ومن أصاب».
وقال المخرج الكوري إن «الفيلم يعتمد بصورة كبيرة على الصمت»، موضحاً أنه ينتمي إلى الجيل الثاني من الكوريين المقيمين في الخارج، ويتحدث أكثر من لغة، ما جعله يدرك كيف يمكن للحواجز اللغوية أن تؤثر في العلاقات الإنسانية، لافتاً إلى أن الكلمات ليست دائماً الوسيلة الأفضل للتواصل؛ لذلك اختار أن يجعل الصمت لغة مشتركة بين الشخصيات، لأنه اللغة الوحيدة التي يستطيع الجميع فهمها، خصوصاً عندما تعجز الكلمات عن التعبير أو تصبح الترجمة غير قادرة على نقل المشاعر كما هي.

وكشف سين أن أصعب التحديات التي واجهته أثناء تنفيذ الفيلم تمثّلت في تصويره داخل كوريا الجنوبية، رغم أنه مشروع تخرج في جامعة زيوريخ للفنون (ZHdK) في سويسرا، ففريق العمل الأساسي الذي سافر معه اقتصر على المنتجة والممثلة السويسرية ذات الأصول التركية، لاله يافاش، التي أدت دور الأم السويسرية، في حين جرى الاعتماد على فريق محلي في كوريا لاختيار بقية الممثلين وتشكيل الطاقم الفني، ما تطلب تنسيقاً كبيراً بين فريقين يعملان في بيئتين مختلفتين.
وأضاف أن تنفيذ مشروع تخرج خارج البلد الذي يدرس فيه يحمل تحديات إنتاجية مضاعفة، لأن الفريق لا يستفيد من الإمكانات التقنية أو المعدات التي توفرها الجامعة عادة لطلابها، كما أن جميع أفراد الطاقم المحلي كانوا محترفين، وهو ما فرض ميزانية أكبر من المعتاد، مشيراً إلى أن الدعم الذي حصل عليه الفيلم من «هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية» (SRF Swiss Radio and Television) أسهم في تغطية هذه التكاليف الإضافية، وساعد على إنجاز المشروع بالصورة التي كان يطمح إليها.
ولفت إلى أن التحدي لم يكن إنتاجياً فقط، وإنما شخصي أيضاً، لأنه خاض للمرة الأولى تجربة التمثيل، مؤدياً بنفسه شخصية الابن «جويل»، رغم أنه ليس ممثلاً محترفاً، ولذلك وجد نفسه مطالباً في الوقت نفسه بالتركيز على الإخراج ومتابعة تفاصيل التصوير والإشراف على أداء بقية الممثلين، مع الحفاظ على حضوره داخل الشخصية أمام الكاميرا. ووصف هذه التجربة بأنها كانت من أصعب ما مر به خلال صناعة الفيلم، لكنها منحته فهماً أعمق للعلاقة بين الممثل والمخرج، وجعلته أكثر إدراكاً للتحديات التي يواجهها الطرفان داخل موقع التصوير.
وأشار إلى أن عرض الفيلم في مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» يُمثل محطة مهمة في مسيرته، لأنها تتيح للأصوات السينمائية الجديدة فرصة الوصول إلى جمهور أوسع، والالتقاء بصناع أفلام ونقاد ومنتجين من مختلف أنحاء العالم.




