يعتمد الفيلم الهندي القصير «اختفاء» (Disappeared) على رؤية تقدم تجربة بصرية تعيد النظر إلى الصورة ومنحها الوقت الكافي لتكشف ما تخفيه. ومن خلال مشهد طويل لجبال نيبال، يدفع الفيلم المشاهد إلى البحث عن المعنى بنفسه، مستفيداً من الغموض المحيط بالمكان، ليصبح التأويل جزءاً أساسياً من التجربة.
ويرتكز الفيلم، الذي لا تتجاوز مدته ست دقائق والذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، على العلاقة بين الصورة والزمن، في محاولة لمواجهة الطريقة السريعة التي بات الناس يستهلكون بها الصور في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبدلاً من ملاحقة الأحداث، يراهن العمل على التمهل والتأمل، ويترك للمشاهد فرصة بناء قصته الخاصة من خلال ما يراه وما يتخيله، في حين يتحول عنوان الفيلم إلى عنصر مؤثر في تشكيل هذا المعنى.
وجاءت فكرة الفيلم بعد رحلة للمخرج في جبال نيبال، حيث استوقفته قصص عن أشخاص فُقدوا في المنطقة، إلى جانب خيمة برتقالية رآها من مسافة بعيدة أثناء التصوير. وبينما دفعه المشهد إلى تخيل احتمالات مختلفة حول صاحبها، اكتشف لاحقاً أنها تعود إلى رعاة يمارسون حياتهم اليومية، وهو ما تحول إلى نقطة الانطلاق لفكرة الفيلم، التي تبحث في تأثير غياب السياق على إدراك المشاهد وصناعته للمعنى.
يقول المخرج الهندي سهراب هورا لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة عبر «زوم»، إن فكرة الفيلم بدأت قبل جائحة «كورونا»، عندما كان منشغلاً بطريقة تعامل الناس مع الصور، موضحاً أنه أمضى سنوات طويلة في العمل بالتصوير الفوتوغرافي، ولاحظ أن الجمهور لم يعد يمنح الصور الوقت الكافي للتأمل، بل يكتفي بالنظر إليها بسرعة، وهو ما دفعه إلى التفكير في عمل يعيد المشاهد إلى الصورة مرة أخرى، بحيث يتغير معناها كلما طال التأمل فيها.

وأضاف أن اهتمامه بهذا الموضوع ازداد مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت استهلاك الصور أكثر سرعة، حتى أصبح كثير من الناس يكتفون بالنظر إلى سطح الصورة دون التوقف عند تفاصيلها؛ لذلك بدأ في عدد من أعماله الفنية تجربة تغيير المنظور وإعادة النظر إلى الصورة بوصفها وسيلة لاكتشاف معانٍ جديدة.
وأوضح أن «فترة الإغلاق خلال جائحة (كورونا) منحتني فرصة للتجريب؛ إذ كنت أقضي وقتاً طويلاً فوق سطح منزلي أصور بكاميرا واحدة مزودة بعدسة تقريب بعيدة، محاولاً استكشاف العلاقة بين الصورة والصوت، وكيف يمكن أن يتغير إحساس الإنسان بالمكان عندما يسمع أصواتاً قريبة في حين ينظر إلى مشهد بعيد للغاية».
وتابع هورا أن «الفيلم لا يقوم على صورة ثابتة، وإنما على لقطة طويلة يبدو خلالها أن شيئاً لا يحدث، قبل أن تبدأ التفاصيل في الظهور تدريجياً»، مشيراً إلى أن الخيمة أصبحت بالنسبة إليه محور الحكاية؛ لأنها كانت العنصر الوحيد القادر على إثارة فضول المشاهد وسط هذا الامتداد الجبلي.
وأضاف أن عنوان «اختفاء» يمثل جزءاً أساسياً من التجربة؛ لأنه يغير الطريقة التي يتعامل بها الجمهور مع الصورة منذ اللحظة الأولى، موضحاً أن «الخيمة، في غياب هذا العنوان، ستظل مجرد خيمة وسط الجبال، لكن وجود كلمة (اختفاء) يدفع المشاهد تلقائياً إلى تخيل حكاية لا تظهر على الشاشة، وهو ما يتوافق مع اهتمامي الدائم بكيفية صناعة المعنى من خلال تغيير بسيط في السياق».
وعن توليه مسؤولية الإخراج والكتابة والتصوير والمونتاج والصوت والإنتاج بنفسه، قال هورا إن ذلك أصبح جزءاً طبيعياً من طريقته في العمل، موضحاً أنه تعلم هذه المجالات بنفسه، ولا يبدأ عادة بسيناريو مكتمل ثم ينفذه، وإنما يكتشف الفيلم تدريجياً أثناء التصوير والتجريب؛ لذلك فإن مشاركته في جميع مراحل التنفيذ تمنحه فرصة للتعلم المستمر.
وأضاف أن هذا الأسلوب لا يرتبط بالرغبة في السيطرة على جميع تفاصيل العمل بقدر ما يرتبط بطبيعة تجربته الفنية، لافتاً إلى أن الفيلم لم يتكلف سوى مبلغ رمزي للغاية، وأن محدودية الإمكانات كثيراً ما تدفعه إلى ابتكار حلول لم يكن ليفكر فيها لو كانت الميزانية أكبر، معتبراً أن الارتجال والبحث عن حلول بسيطة أصبحا جزءاً من ممارسته الفنية.
وتحدث هورا عن مدة الفيلم، مؤكداً أن ست دقائق قد تبدو قصيرة، لكنها تصبح طويلة عندما يجلس المشاهد أمام شاشة لا يحدث فيها الكثير، موضحاً أنه تعمد الوصول إلى هذه المدة حتى يمنح الجمهور وقتاً كافياً للتساؤل عما يراه، دون أن يصل إلى مرحلة يفقد فيها اهتمامه؛ لأن هدفه كان خلق مساحة تسمح لكل مشاهد ببناء تفسيره الخاص.
ولا ينتظر المخرج من الجمهور شعوراً محدداً بعد انتهاء العرض، وفق قوله. لكنه يأمل أن يدفع الفيلم المشاهدين إلى إعادة التفكير في علاقتهم بالوقت، خصوصاً في ظل الإيقاع السريع للحياة المعاصرة، موضحاً أنه يتمنى أن ينجح العمل، ولو لدقائق قليلة، في إبطاء هذا الإيقاع، ومنح الناس فرصة للتأمل والانتباه من جديد.









