أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، لكن طريقة تعاملنا معها قد تحمل آثاراً غير متوقعة. فبينما يعتاد كثيرون على توجيه الأوامر المباشرة إلى برامج الذكاء الاصطناعي من دون استخدام عبارات المجاملة مثل «من فضلك» و«شكراً»، يحذر باحثون من أن هذا السلوك قد ينعكس تدريجياً على أسلوب تواصلنا مع الآخرين، ويؤثر في مستوى اللباقة والتعاون داخل المجتمع.
ويستعرض تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، ما يقوله علم النفس والدراسات حول العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتراجع السلوك المهذب، ولماذا يرى خبراء التواصل أن الكلمات البسيطة مثل «من فضلك» و«شكراً» قد تكون أكثر أهمية مما نتصور.
لماذا تُعد اللباقة مهمة؟
ترى ماري إيلين ماكدونالد، الحاصلة على درجة الدكتوراه، أستاذة فخرية في قسم علم النفس وبرنامج علوم اللغة بجامعة ويسكونسن - ماديسون، أن الناس ينفرون من الشخص الوقح لأنه يتجنب بذل الجهد الذي يبذله الآخرون لإظهار الاحترام وحسن التعامل.
فاللباقة ليست مجرد كلمات مهذبة، بل تؤدي دوراً أساسياً في استمرار التعاون داخل المجتمع؛ إذ يتعامل الأفراد يومياً مع غرباء خارج دائرة العائلة والأصدقاء، وفق ماكدونالد.
وتقول: «عندما يتحدث الشخص بأدب، فإنه يبعث برسالة مفادها أنه مستعد للتعاون، ويستحق بدوره تعاون الآخرين، سواء تعلق الأمر بإمساك باب المصعد، أو إفساح الطريق لشخص آخر، أو تقديم المساعدة عند وقوع حادث».
ومن هذا المنطلق، تُعد اللباقة إحدى الركائز التي تحافظ على تماسك العلاقات الاجتماعية، بحسبها.
لماذا نكون أكثر فظاظة مع الذكاء الاصطناعي؟
إذا كانت اللباقة بهذه الأهمية، فلماذا نتخلى عنها عند مخاطبة الذكاء الاصطناعي؟
السبب، بحسب ماكدونالد، أن مساعدات الذكاء الاصطناعي لا تحتاج إلى إشارات المجاملة حتى تتعاون.
كما أن الحديث نفسه يتطلب جهداً ذهنياً، لذلك فإن حذف كلمات المجاملة يجعل التواصل أسرع وأسهل.
بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أوامر مباشرة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يؤدي أحياناً إلى نتائج أفضل من الطلبات المهذبة.
هل تنتقل هذه الفظاظة إلى تعاملنا مع البشر؟
رغم المزايا العملية لهذا الأسلوب، تحذر ماكدونالد من احتمال أن تؤثر طريقة مخاطبتنا للذكاء الاصطناعي في أسلوبنا مع الآخرين.
وترى ماكدونالد أن الأدلة العلمية لا تزال محدودة، لكن هناك أسباباً تدعو إلى أخذ هذا الاحتمال على محمل الجد.
أولاً: طريقة كلامنا اليوم تؤثر في كلامنا غداً
عندما نحول أفكارنا إلى كلام أو كتابة، يميل الدماغ إلى إعادة استخدام الكلمات والتراكيب التي اعتاد عليها.
وهذا يوفر جهداً ذهنياً ويجعل التواصل أكثر سرعة.
ولذلك، فإن الاعتياد على إصدار الأوامر المباشرة للذكاء الاصطناعي قد يجعل هذا الأسلوب يتسلل تدريجياً إلى أحاديثنا اليومية مع البشر.
ثانياً: أساليب الحديث تنتقل بين المجموعات
قد يظن البعض أن الإنسان قادر بسهولة على الفصل بين طريقة حديثه مع الذكاء الاصطناعي وطريقة حديثه مع أصدقائه أو زملائه. لكن الأبحاث تشير إلى أن هذا الفصل ليس كاملاً.
وتضرب ماكدونالد مثالاً بطلاب الجامعات الذين يكتسبون مع الوقت أسلوباً جديداً في الحديث داخل الجامعة، ثم ينقلونه من دون قصد إلى عائلاتهم عند العودة إلى المنزل، فيبدون مختلفين أو أكثر تكلفاً، ما قد يسبب سوء فهم أو مشاعر سلبية.
وهذا يعني أن أسلوب التخاطب مع الذكاء الاصطناعي قد ينتقل بدوره إلى التفاعلات البشرية.
ثالثاً: روبوتات الدردشة الرفيقة قد تعزز الأنانية
لا تقتصر المشكلة على المساعدات الذكية التي تنفذ الأوامر.
فروبوتات الدردشة المصممة لتكون «رفيقاً» للمستخدم، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الاجتماعية، تشجع المستخدم على الحديث باستمرار عن نفسه، مع غياب الحاجة إلى تبادل الحوار بصورة متوازنة كما يحدث بين البشر.
وترى ماكدونالد أن هذا النمط قد يدفع بعض المستخدمين إلى تبني أسلوب أكثر تمحوراً حول الذات في محادثاتهم مع الآخرين، وهو ما يتعارض مع قواعد الحوار الطبيعي القائم على المشاركة والتبادل.
بل إن بعض مستخدمي هذه التطبيقات أفادوا بأنهم أصبحوا أقل اهتماماً بالحديث مع البشر؛ لأن الحديث مع روبوت لا يتطلب مراعاة الطرف الآخر أو تقاسم وقت الحوار.
هل ينبغي القلق؟
وفقاً لماكدونالد، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل أو في أساليب التفكير يحظى باهتمام واسع، لكن تأثيره المحتمل في اللباقة لا يقل أهمية.
وتقول: «فاللباقة، في النهاية، ليست مجرد سلوك اجتماعي بسيط، بل هي عنصر أساسي في بناء الثقة والتعاون بين الناس».
وتضيف أن المجتمعات تواجه بالفعل تحديات عدة تؤثر في مستوى التحضر والاحترام المتبادل، مثل الاستقطاب السياسي، وتراجع التواصل المباشر، واتساع الفجوات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، قد يشكل الاعتياد على التخاطب الفظّ مع الذكاء الاصطناعي عاملاً إضافياً يدفع الناس، تدريجياً، بعيداً عن قيم التعاون والكياسة التي يحتاج إليها أي مجتمع للحفاظ على تماسكه.




