رغم الأزمات المتلاحقة التي أثقلت كاهل لبنان في السنوات الأخيرة، لا تزال الثقافة إحدى أكثر صوره إشراقاً. فهي قادرة على جمع الناس حول ذاكرة مشتركة وهوية حيّة، لتؤكد أنّ الإبداع والتراث يشكلان ركيزة أساسية في صمود المجتمع. ومن هذا المنطلق، تأتي «ليلة المتاحف» لتؤكد أن المتحف ليس مجرّد مكان يحتفظ بالماضي، بل فضاء نابض بالحياة يروي حكايات وطن، ويستحضر تاريخه وحضاراته وإبداعاته، واضعاً كنوزه التراثية في متناول الجميع.
وفي هذه المناسبة، تفتح المتاحف اللبنانية أبوابها مساء 16 يوليو (تموز) الحالي أمام الزوار حتى الساعة الـ11 ليلاً، مانحةً إياهم فرصة استثنائية لاكتشاف وجه لبنان الثقافي المُضيء في مختلف مناطقه.
وتشارك في هذه الأمسية مجموعة من أبرز المتاحف، وتبدأ الزيارات من الـ5 مساءً حتى الـ11 ليلاً. ويتصدَّر القائمة المتحف الوطني في بيروت، إلى جانب «فيلا عودة»، و«متحف ميم»، و«متحف سرسق»، و«متحف الجامعة الأميركية». أما خارج العاصمة، فتُفتح أبواب «متحف ماري باز» في دير القمر و«متحف الصابون» في صيدا، فيما تتيح وزارة الثقافة للجمهور زيارة عدد من المعالم الأثرية، من بينها قلعة طرابلس، وموقعا صور وجبيل الأثريان.

وتُعدّ «ليلة المتاحف» حدثاً ثقافياً تُنظّمه وزارة الثقافة سنوياً منذ عام 2014، بهدف إتاحة الفرصة أمام الجمهور لاكتشاف كنوز المتاحف اللبنانية مجاناً. وعادة ما تترافق المبادرة مع توفير حافلات مخصصة لتسهيل التنقّل بين المواقع المشاركة، وهو ما سيُتبع في النسخة الحالية، إذ ستعمل شبكة من الحافلات في مختلف أنحاء البلاد لتسهيل الوصول إلى المتاحف.
وكان وزير الثقافة غسان سلامة قد أصدر، في 17 مايو (أيار) الماضي، قراراً يقضي بفتح أبواب المتحف الوطني مجاناً أمام الزوار، وذلك بمناسبة «اليوم العالمي للمتاحف». والعام الماضي، شهدت فعالية «ليلة المتاحف» إقبالاً ملحوظاً من اللبنانيين، إذ تجاوز عدد الزوار 40 ألفاً. وجاء المتحف الوطني في مقدّمة المواقع التي استقطبت الجمهور، إذ بلغ عدد زواره نحو 25 ألف شخص.
ويُعد «متحف ماري باز» في دير القمر أحد أبرز المشاركين في هذا الحدث خارج بيروت. ويروي المتحف محطات من تاريخ لبنان منذ عام 1512 عبر تماثيل شمعية تُجسّد شخصيات سياسية وتاريخية وأدبية وفنية. ويقع داخل قصر الأمير فخر الدين المعني الثاني، ويضمّ نحو 80 تمثالاً لشخصيات تركت بصماتها في تاريخ البلاد.
وبدأ العمل على إنشاء المتحف مطلع عام 1996، قبل أن يُفتتح في 21 يوليو (تموز) 1997 بحضور رئيس الجمهورية آنذاك إلياس الهراوي. ومن بين الشخصيات التي يضمّها، الأمير فخر الدين المعني، والشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين، إلى جانب عدد من السياسيين اللبنانيين، مثل كمال جنبلاط وكميل شمعون، فضلاً عن شخصيات فنية، من بينها ماجدة الرومي، ورؤساء لبنانيون، من منهم إلياس الهراوي، ونبيه بري، ورفيق الحريري، وإميل لحود، وغيرهم.

أما «فيلا عودة» في بيروت، الواقعة في شارع شارل مالك في الأشرفية، فقد صمَّمها مهندسان إيطاليان. وتمزج في هندستها بين الكلاسيكية الحديثة والرقي العثماني، وتتميّز بنوافذها المقوّسة المطلّة على شرفات أنيقة، وواجهتها الحجرية المنحوتة. وتعكس تصميماتها الداخلية تاريخ منزل احتضن حياة عائلة عودة، قبل أن يتحوّل إلى مقصد لعشّاق الفن. وتضم الفيلا إحدى أهم مجموعات الفسيفساء اليونانية والرومانية والبيزنطية في لبنان، لذلك تُعرف اليوم باسم «فيلا الفسيفساء».

وفي صيدا، تُتاح للزوار فرصة اكتشاف «متحف الصابون» الكائن في أحد أحياء المدينة القديمة. وكان المبنى في الأصل معملاً تقليدياً لصناعة الصابون، يتألّف من منزل ذي سقف قرميدي وقناطر حجرية. ويعبُر الزائر جسراً خشبياً يمنحه إطلالة بانورامية على أرجاء المتحف، حيث تضفي الإضاءة والجدران الأثرية طابعاً خاصاً على المكان. وتنتشر عند المدخل الأجران الحجرية التي كانت تُستخدم في صناعة الصابون، فيما تعرض مستوعبات زجاجية عينات من المواد الأساسية المستخدمة، مثل زيت الزيتون، والقطران، والغار، والعطور.
ويقود درج خشبي إلى الطابق السفلي، حيث الأجران الحجرية التي كانت توضع فيها الخلطة قبل غليها في فرن حجري يعمل على الحطب. كما يشرح المتحف، من خلال لوحات توثيقية، تاريخ اكتشاف الصابون ومراحل تطوّر صناعته منذ العصر الفينيقي وصولاً إلى العهد العثماني، ليقدّم للزائر رحلة إحدى أعرق الحرف التقليدية التي اشتهر بها لبنان.






