خبيرة توظيف سابقة في «غوغل» توضح الخطأ الأكثر شيوعاً في السير الذاتية

إضافة الأرقام والمؤشرات تُعد من أكثر النصائح شيوعاً عند كتابة السيرة الذاتية (بيسكلز)
إضافة الأرقام والمؤشرات تُعد من أكثر النصائح شيوعاً عند كتابة السيرة الذاتية (بيسكلز)
TT

خبيرة توظيف سابقة في «غوغل» توضح الخطأ الأكثر شيوعاً في السير الذاتية

إضافة الأرقام والمؤشرات تُعد من أكثر النصائح شيوعاً عند كتابة السيرة الذاتية (بيسكلز)
إضافة الأرقام والمؤشرات تُعد من أكثر النصائح شيوعاً عند كتابة السيرة الذاتية (بيسكلز)

قد تمتلك الخبرات والمهارات التي تؤهلك للحصول على الوظيفة التي تطمح إليها، لكن طريقة عرضها في سيرتك الذاتية قد تكون السبب في استبعادك قبل الوصول إلى مرحلة المقابلة الشخصية. فمديرو التوظيف لا يمنحون كل سيرة ذاتية سوى ثوانٍ معدودة قبل اتخاذ قرار أولي بشأنها، ما يجعل الوضوح والدقة عنصرين حاسمين في جذب انتباههم وإبراز قيمة المرشح. وفي هذا السياق، كشفت مسؤولة توظيف سابقة في «غوغل» عن أكثر الأخطاء شيوعاً في السير الذاتية، موضحةً كيفية تجنبها وتحويل السيرة الذاتية إلى أداة أكثر فاعلية في المنافسة على الوظائف، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

فعندما تكتب عن عملك في سيرتك الذاتية، فإنك تعرف تماماً ما أنجزه فريقك، ولماذا كان المشروع مهماً، وما الذي تعنيه النتائج التي حققتها. لكن مسؤول التوظيف الذي يقرأ سيرتك الذاتية لا يمتلك أياً من هذه الخلفية، كما أن لديه نحو ست ثوانٍ فقط لتصفح طلبك، بينما ينتظره مئات الطلبات الأخرى.

وتقول فرح شرقي، التي عملت لأكثر من عقد في مجال التوظيف والموارد البشرية والتقنية، وتشغل أيضاً أدواراً بوصفها مدربة مهنية ومتحدثة عامة ومنشئة محتوى، إنها عملت مسؤولة توظيف في شركات كبرى مثل «غوغل» و«تيك توك» و«أوبر». وتؤكد أن أكبر خطأ تراه في كتابة السير الذاتية هو أن أصحابها يكتبونها للشخص الوحيد الذي يعرف قصتهم بالكامل: أنفسهم.

وتوضح أن هذا الخطأ غالباً ما يمر من دون أن يلاحظه الباحثون عن عمل، حتى الأكثر حرصاً واجتهاداً، لكنه يُعد علامة تحذيرية مهمة لأنه يجعل إنجازات المرشح غامضة، ويُسهّل على مسؤول التوظيف تجاهل أثرها الحقيقي.

ولهذا تنصح شرقي جميع عملائها، سواء كانوا خريجين جدداً أو رؤساء تنفيذيين، بإجراء اختبار بسيط: غطِّ اسمك في أعلى السيرة الذاتية، ثم اقرأها مرة أخرى. فإذا بدت وكأنها قد تنطبق على أي مرشح آخر، فهذه مشكلة حقيقية، لأن القيمة الفعلية لخبراتك لن تصل إلى الشخص الذي يتخذ قرار التوظيف.

وتقول إن هذه العلامة التحذيرية تظهر عادة بأربع صور رئيسية، يمكن التعرف إليها ومعالجتها على النحو الآتي:

1- عبارات لا يفهمها إلا من كان حاضراً

تضرب شرقي مثالاً بعبارة تكررت أمامها مئات المرات: «أجريت تحليلاً مالياً للإنفاق التشغيلي واتجاهات الميزانية لدعم التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات».

وتوضح أن كاتب هذه العبارة يعرف تماماً المقصود بها، لأنه يدرك طبيعة القسم الذي عمل فيه، والميزانية التي تعامل معها، والجهات التي استفادت من هذا العمل. أما بالنسبة لمسؤول توظيف لا يعرف شيئاً عن الشركة، فإن العبارة تبدو عامة وغامضة إلى درجة لا تقدم أي قيمة، ولن يقضي وقتاً في محاولة تفسيرها.

الحل: أضف سطراً تمهيدياً قبل النقاط الرئيسية يوضح بإيجاز طبيعة المؤسسة التي عملت فيها ودورك داخلها. فكّر في الطريقة التي ستشرح بها عملك لصديق أو لأحد أفراد عائلتك ممن لا يعرفون طبيعة وظيفتك، ثم استخدم هذا الأسلوب لتوفير الخلفية اللازمة للقارئ.

2- الأرقام التي تفتقر إلى السياق

تُعد إضافة الأرقام والمؤشرات من أكثر النصائح شيوعاً عند كتابة السيرة الذاتية، وهي بالفعل نصيحة مهمة. لكن الرقم وحده لا يحقق الغرض إذا لم يكن واضحاً ما الذي يمثله.

وتضرب شرقي مثالاً بعبارة مثل: «630 ألف دولار في الربع الثاني». وتتساءل: هل يشير هذا الرقم إلى حجم المبيعات؟ أم إلى وفورات في التكاليف؟ أم إلى تبرعات جُمعت؟ أم إلى إيرادات تحققت؟

وتؤكد أن الرقم يفقد قيمته إذا لم يعرف القارئ ماذا يقيس ولماذا يُعد مهماً، لأن الإنجاز الحقيقي لا يتمثل في الرقم وحده، بل في معناه وتأثيره.

الحل: احرص على أن توضح دائماً ما الذي يمثله الرقم، ولماذا يُعد مؤشراً على نجاحك أو قيمة مساهمتك.

3- المصطلحات والاختصارات الداخلية

قد تتضمن السيرة الذاتية عبارات مثل: «أشرفت على عملية نقل بيانات.. عبر منصة (اسمها إكس مثلاً)»، وهي جملة قد تكون واضحة تماماً لزملائك في العمل، لكنها تبدو غامضة لأي شخص خارج الشركة.

وتنصح شرقي بإعداد قائمة بكل المصطلحات المتخصصة المستخدمة في السيرة الذاتية، مثل أسماء الأدوات الداخلية، أو الأسماء الرمزية للمشروعات، أو الاختصارات الخاصة بالشركة، لأن هذه المصطلحات لا تعني شيئاً لمسؤول التوظيف إذا لم يكن جزءاً من بيئة العمل نفسها.

الحل: راجع سيرتك الذاتية بعناية، واحذف أو أعد صياغة أي عبارة تحتاج إلى معرفة داخلية لفهمها. واحرص على وصف الأدوات أو المشروعات بلغة واضحة يمكن لأي شخص في شركة أخرى، أو حتى في قطاع مختلف، أن يفهمها بسهولة.

4- «المهارات» التي هي في الحقيقة صفات شخصية

تضم كثير من السير الذاتية عبارات مثل: «مهارات تواصل ممتازة»، و«العمل بروح الفريق»، و«المثابرة»، و«الاهتمام بالتفاصيل».

وترى شرقي أن المشكلة في هذه العبارات أنها أصبحت شائعة إلى حد كبير، ومن الصعب التحقق من صحتها، كما أنها لا تقدم معلومات محددة تميز المرشح عن غيره.

وتوضح أن المهارات الحقيقية هي الإنجازات التي يمكن إثباتها بالأدلة، أما الصفات الشخصية فمكانها المقابلة الوظيفية، وليس السيرة الذاتية.

فعلى سبيل المثال، فإن عبارة «مهارات تواصل ممتازة» لا تثبت شيئاً، بينما عبارة مثل: «قدمت الدعم لعملاء ناطقين بالإنجليزية والإسبانية لمدة أربع سنوات» تُظهر مهارات التواصل من خلال تجربة عملية قابلة للقياس.

الحل: عند ذكر أي مهارة، اسأل نفسك ما إذا كنت تستطيع إثباتها بمثال واضح ومحدد. فإذا لم تتمكن من ذلك، فهي في الغالب صفة شخصية، ومن الأفضل حذفها من السيرة الذاتية.


مقالات ذات صلة

انهيار خطة زوكربيرغ لتسريح موظفي «ميتا» من أجل الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا" (أ.ف.ب)

انهيار خطة زوكربيرغ لتسريح موظفي «ميتا» من أجل الذكاء الاصطناعي

في يناير (كانون الثاني) التقى مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» وكبار مساعديه، حيث وضعوا خطة لتغيير جذري وإعادة تصور طبيعة العمل في عملاق وسائل التواصل

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق العمل والحياة لا يتناقضان بل يتداخلان (رويترز)

لماذا يُعدّ مفهوم «التوازن بين العمل والحياة» خرافة؟ وما البديل لذلك؟

لا تحبذ الطبيبة النفسية المتخصصة في الصحة العقلية في مكان العمل، داينا لي باغلي، مفهوم «التوازن بين العمل والحياة» لعدة أسباب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الطيارون ‌ومضيفو الطيران لديهم معدلات ‌وفيات أعلى بشكل ملحوظ إحصائياً بسبب ​سرطان الثدي (بيكسلز)

دراسة: أطقم الطيران الأكثر تضرراً من خطر الإشعاع المرتبط بالعمل

كشف ‌باحثون أن دراسة واسعة النطاق أُجريت على العاملين الأميركيين أظهرت أن مضيفي الطيران والطيارين يسجلون أعلى معدلات وفيات ​نتيجة السرطان المرتبط بالإشعاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الإرهاق الوظيفي حالة تنتج عن فترات طويلة من العمل المفرط والضغط المستمر (بيكسلز)

حين يتحول العمل إلى روتين: كيف تعرف أنك تعاني من «الصدأ» الوظيفي؟

من السهل ملاحظة علامات الإرهاق الوظيفي لدى الموظفين؛ فالتعب المستمر، وفقدان الحماس، والشعور بالضغط، كلها مؤشرات واضحة على أن العمل بدأ يستنزف صاحبه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد موظفون بأحد خطوط الإنتاج في الصين (رويترز)

بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي... ارتفاع معدلات بطالة الشباب عالمياً

أفادت منظمة العمل الدولية أمس (الثلاثاء) بأن معدل بطالة الشباب ارتفع عالمياً العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
TT

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي غورفيندر سينغ إن اختياره الرحمة، بدلاً من الانتقام، لتكون القوة العاطفية المحركة لفيلمه «رحمة» (Rehmat)، جاء رغبة في تحدي السرديات التي تقدمها أفلام كثيرة تتناول الانتقام وتغلفه بالأفكار القومية والدينية، مشيراً إلى أن الرحمة تمثل بالنسبة إليه طريقة لمواجهة هذه السرديات وإعادة الاعتبار لقيم إنسانية قديمة.

وأوضح سينغ في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن إقليم «البنجاب» كان دائماً جزءاً من ثقافة توفيقية تعايشت فيها الديانات، مشيراً إلى أن الحكم الاستعماري البريطاني الذي أدَّى إلى تقسيم المنطقة عام 1947 على أسس دينية غيَّر ذلك الواقع بصورة جذرية، لكن آثار الماضي المتسامح لا تزال حاضرة، مؤكداً أن استقبال الغرباء يمثل جزءاً من هذا الإرث.

وتدور أحداث «رحمة» في «البنجاب» بالهند، من خلال ثلاث حكايات مترابطة؛ الأولى عن امرأة تخفي رجلاً غريباً مصاباً داخل منزلها، بينما تواجه عائلته الحزن واختيارات صعبة، والثانية عن أسرة تعيش تحت وطأة اختفاء أحد أفرادها، أما الحكاية الثالثة فتدور حول رجل مسن غامض، وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في المسابقة الدولية الرئيسية للدورة الـ79 من مهرجان «لوكارنو السينمائي» في نسخته الماضية.

وظَّف المخرج الموسيقي التصويرية بشكل مختلف في الأحداث (الشركة المنتجة)

وقال سينغ إنه يتعمد عدم تقسيم شخصياته إلى أبطال وأشرار، ويرفض رؤية العالم باعتباره أبيض وأسود قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الآيديولوجيات القائمة على الانقسام والكراهية، مشيراً إلى أن «صعود التعصب في الهند وأجزاء أخرى من العالم يمثل نتيجة لهذه الحالة، لأن الإنسان يعيش دائماً في حالة من الالتباس بشأن ما هو صواب وما هو خطأ، وهذا الالتباس يرتبط أيضاً بالتعاطف»، على حد تعبيره.

المخرج الهندي غورفيندر سينغ (الشركة المنتجة)

وأضاف المخرج أن مهمته لا تتمثل في تقديم إجابات أخلاقية جاهزة للجمهور، بل في وضع الشخصيات داخل مواقف تضطرها إلى اتخاذ قرارات قد تبدو محيرة له وللمشاهد معاً، موضحاً أن «المشكلة في الأخلاق تقسم العالم إلى الصواب والخطأ، والخير والشر، والطيب والشرير، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من هذه الثنائية، ومن ثم لا يفرض الفيلم أحكاماً أخلاقية على الشخصيات وأفعالها».

وقال سينغ إن «رحمة» يتحدث عن الفقد، لكنه لا يتخلى عن الأمل، لأن الأمل هو ما يساعد الناس على الاستمرار مهما كانت قسوة حياتهم، لافتاً إلى أن «تقديم المشاعر، سواء كانت الخسارة أو الأمل، بصورة عاطفية مبالغ فيها يمثل مشكلة، لأنه يمنع المشاهد من الوصول بنفسه إلى إحساسه تجاه الحدث، ووضع الأشياء والمشاعر في حالة من المقابلة يساعد على استحضار المشاعر بصورة أكثر صدقاً»، على حد تعبيره.

وعن اختيار عنوان «رحمة» بدلاً من إطلاق اسم إحدى الشخصيات على الفيلم، قال غورفيندر سينغ إن «العمل لا يدور حول شخصية واحدة، وأفلامي عموماً لا تتمحور حول فرد واحد، فلا أستطيع تقديم الصورة الكاملة من منظور شخص واحد، والحكاية في (رحمة) تتوزع بين شخصيات وتجارب وذكريات تتقاطع مع بعضها البعض».

وأرجع اختياره سرد ثلاث حكايات مترابطة بدلاً من متابعة بطل واحد إلى رغبته في التخلص من فكرة الخطية التقليدية للحبكة لأن مجموعات مختلفة من الشخصيات تصبح مهمة في أوقات مختلفة من الفيلم، تاركة وراءها ذكرياتها وآثارها التي تتداخل مع الحاضر.

عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان لوكارنو (الشركة المنتجة)

وحول حضور الماضي بشكل مستمر داخل الحاضر في «رحمة»، قال المخرج إن «الماضي هو الحدث السابق في أي حكاية، لكنه يظل يترك آثاره وانطباعاته على الحاضر، والأماكن التي يعيش فيها الأشخاص تستحضر قرابة قرن ونصف القرن من تاريخ البنجاب، ولذلك لم يتعامل مع العمارة باعتبارها مجرد خلفية للأحداث، وإنما جعلها سرداً موازياً لما يحدث أمام الكاميرا، بحيث تحمل الجدران والأبنية ذاكرة المكان مثلما تحملها الشخصيات».

وأوضح سينغ أن «الفيلم ينتقل بين طبقات معمارية وزمنية مختلفة، بدءاً من منزل حضري معاصر للطبقة الوسطى، مروراً بمنزل ريفي في البنجاب يعود إلى مرحلة ما بعد التقسيم، ثم منزل يعود إلى ما قبل التقسيم، وصولاً إلى مبنى مدرسة من القرن التاسع عشر بناه المستعمرون، معتبراً أن هذه الطبقات تنكشف واحدة تلو الأخرى، وأن الأماكن تسكن الفيلم مثل الشخصيات، وتحكي قصتها الخاصة».

تناول الفيلم جوانب إنسانية في حياة أبطاله (الشركة المنتجة)

وعن عودة رشيد علي إلى المكان الذي ولد فيه، وما إذا كان الوطن يتحول في لحظة ما من مكان إلى ذاكرة، قال سينغ إن «الإجابة صعبة بالنسبة إليه لأنه لم يعش تجربة التهجير شخصياً، وهي تجربة عاشها جيل أجداده»، مشيراً إلى أن الوطن الذي تركه أجداده، في الجزء الغربي من «البنجاب» الذي أصبح الآن في باكستان، كان بالنسبة لهم ماضياً مريراً، لطخته ذكريات المجازر الطائفية التي شهدوها عام 1947، ولذلك لم يكن استحضاره مرتبطاً بالحنين أو تمجيد الماضي.

وكشف سينغ أن اختيار اسم «رحمة» جاء نتيجة مصادفة غريبة أثناء التصوير، عندما غنت مجموعة من النساء في الفيلم أغنية دينية، لم يكُنَّ يعرفن مسبقاً ماذا سيغنين، موضحاً أن الأغنية كانت تتحدث عن الرحمة والأمل، فوجد نفسه أمام العنوان الذي كان يبحث عنه من دون أن يدرك ذلك، وحدث ذلك في منتصف التصوير.

وعن عدم اعتماده على موسيقى تصويرية تقليدية، قال سينغ إن موسيقى الخلفية تمثل عنصراً خارجياً يُستخدم عادة للتأكيد على الصوت والصورة أو تعزيز تأثيرهما، ولذلك لا يعتبرها جزءاً أصيلاً من فن السينما.

وأكَّد أن «رحمة» كان مختلفاً منذ مرحلة الكتابة، لأنه كان مقتنعاً منذ البداية بأنه لن يعتمد على موسيقى تصويرية في الخلفية، بحيث لا تأتي الأغاني من خارج التجربة السينمائية، وإنما تصبح جزءاً من الدراما وشخصياتها وحياتها اليومية.


ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
TT

ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)

تبدو البندقية، تلك المدينة المعلقة فوق الماء، للوهلة الأولى كأنها عصية على التغيير. مدينة تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى الحاضر، وتواصل تغذية خيال ملايين الزوار القادمين إليها من مختلف أنحاء العالم. غير أن المدينة التي تبدو ثابتة خارج الزمن تتغير في الواقع باستمرار، وإن كان تغيرها يجري ببطء وتحت السطح، مثل المياه التي تحملها، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لطالما ارتبط اسم البندقية بفكرة الخلود والثبات. مدينة لا تتغير، أو هكذا تبدو، لكن خلف هذه الصورة الحالمة تواجه البندقية واقعاً أكثر هشاشة وتعقيداً. فارتفاع مستوى سطح البحر، وتقلبات المد والجزر التي أصبحت أكثر صعوبة في التنبؤ بها، يُعيدان تشكيل البحيرة، ويهددان التوازن الدقيق الذي تقوم عليه المدينة.

وفي الداخل، تضغط السياحة الجماعية على نسيج الحياة اليومية. منازل تتحول إلى مساكن للإيجار قصير الأجل، ومتاجر وخدمات محلية تفسح المجال أمام أنشطة موجهة إلى الزوّار، فيما يواصل السكان مغادرة المركز التاريخي للمدينة. ومع رحيلهم، تشغل السياحة المساحات التي يتركونها وراءهم، لتصبح فينيسيا أمام مفارقة واضحة: السياحة نتيجة التحول الذي تشهده المدينة، وسبب له في الوقت نفسه.

لكن بعيداً عن قصتي السياحة المفرطة والتغير المناخي، تجري في البندقية عملية تحول أكثر هدوءاً، تتعلق بمن يملك الحق في استخدام فضائها العام، ومن يحق له أن يكون جزءاً من هويتها.

حين يكون الماء هو الشارع

تقوم البندقية على شبكة من نحو 150 قناة صالحة للملاحة، وهي ليست مجرد ممرات مائية خلابة، بل شوارع المدينة الفعلية، فعبرها ينتقل السكان، وتتحرك الأعمال، وتدور تفاصيل الحياة اليومية.

وعلى مدى قرون، كان هذا الفضاء تحكمه قواعد واضحة، وأعراف غير مكتوبة، أبقت النساء إلى حد كبير بعيداً عنه.

فكما تعرضت النساء في مدن كثيرة للتهميش داخل الفضاء العام والشوارع، واجهن في البندقية شكلاً مشابهاً من الإقصاء، لكن في الماء هذه المرة.

لم يكن حضورهن مألوفاً في قيادة القوارب، أو في مهن مثل قيادة الجندول والقوارب التقليدية، أو في صناعة القوارب، ولا في مسابقات التجديف.

غير أن هذا الواقع بدأ يتغير.

وتروي القصص التي يجمعها هذا المشروع كيف تستعيد نساء البندقية هذا الفضاء من خلال التقاليد نفسها، فهن لا يقطعن صلتهن بالماضي، بل يستندن إليه؛ يحملن مهارات ومهناً شكلت جزءاً من هوية المدينة لقرون، ثم يعِدن تقديمها من منظور جديد.

أول امرأة تقود الجندول

في عام 2010، أصبحت جورجيا بوسكولو أول امرأة تحصل على رخصة لقيادة الجندول في البندقية، منهية بذلك حاجزاً مهنياً استمر قروناً، وممهدة الطريق أمام نساء أخريات.

ومع ذلك، لا تزال النساء العاملات في هذه المهنة قلة. ووفقاً لزملائهن من سائقي الجندول، يمكن عدّ العاملات فعلياً في المهنة على أصابع اليدين، رغم أن عدداً أكبر من النساء اجتزن اختبارات التأهيل خلال السنوات الأخيرة.

وتضم البندقية نحو 440 سائق جندول مرخصاً، إضافة إلى نحو 200 سائق بديل؛ وهم أشخاص مؤهلون اجتازوا الاختبارات المطلوبة، لكنهم لم يحصلوا بعد على رخصتهم الخاصة.

امرأة وحيدة بين «الساندوليستي»

ولا تقتصر عودة النساء إلى مياه البندقية على الجندول، فهناك أيضاً مهنة «الساندوليستا»، وهي قيادة قارب «ساندولو»، أحد القوارب الفينيسية التقليدية ذات القاع المسطح، والذي كان يستخدم على نطاق واسع في الماضي للتنقل اليومي عبر البحيرة.

واليوم، لم يتبقَّ من العاملين في هذه المهنة سوى نحو 20 شخصاً، بينهم امرأة واحدة فقط: كيارا كورتو.

أما في أحواض بناء القوارب التقليدية المتبقية في المدينة، والمعروفة باسم «سكويري»، فتتولى سيلفيا سكاراموتسا دوراً نادراً للغاية؛ فهي المرأة الوحيدة التي تحمل لقب «مايسترا داسيا»، أي خبيرة صناعة القوارب الخشبية وبنائها وإصلاحها.

«فتيات بأقصى سرعة»

وفي الوقت الذي تدخل فيه بعض النساء إلى المهن التقليدية، تعمل أخريات على فتح أبواب جديدة.

في عام 2020، أسست مارتا كانينو مبادرة «Fie a Manetta»، وهو اسم يمكن ترجمته تقريباً إلى «فتيات بأقصى سرعة»، في إشارة إلى النساء اللاتي يتولين قيادة القوارب.

وتُعد المبادرة أول مدرسة، ولا تزال الوحيدة، لتعليم قيادة القوارب ذات المحركات في البندقية، تديرها نساء وتفتح أبوابها أمام الجميع.

ولدت الفكرة من إدراك كانينو أن عالم الملاحة لا يزال إلى حد كبير مجالاً يُهيمن عليه الرجال.

وتقول كانينو: «يا فتيات، علينا أن نبدأ التعرف بعضنا إلى بعض، ومنح دورنا في هذه المدينة قيمة اجتماعية ووزناً سياسياً».

إعادة تعريف المدينة من الماء

لا تدخل النساء إلى مياه البندقية عبر شعارات كبيرة أو حملات صاخبة. يحدث الأمر في كثير من الأحيان بهدوء، من خلال العمل والممارسة اليومية.

امرأة تقود جندولاً، وأخرى تجدّف بقارب تقليدي، وثالثة تبني القوارب، وأخريات يتعلمن قيادة القوارب ذات المحركات.

قد تبدو هذه الممارسات، كل واحدة منها على حدة، مجرد استثناءات محدودة في مدينة عريقة تحكمها تقاليد راسخة، لكنها، مجتمعة، تكشف عن تحول أعمق.

فالنساء لا يكتفين بدخول فضاء كان مغلقاً أمامهن طويلاً؛ إنهن يشاركن في إعادة تعريف هذا الفضاء نفسه.

وفي مدينة يكون فيها الماء شارعاً، يصبح وجود النساء على الماء أكثر من مجرد ممارسة لمهنة أو مهارة؛ إنه استعادة لجزء من المجال العام، وإعادة رسم لعلاقة المدينة بسكانها، ولصورة البندقية التي يحملها العالم عنها.

وهكذا، في حين تتغير البندقية بفعل ارتفاع المياه والسياحة وضغوط العصر، تتغير أيضاً من الداخل بفضل نساء يخضن مياهها، ويحملن تقاليدها إلى مستقبل مختلف.


«مهرجان رمّان»... دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة

طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
TT

«مهرجان رمّان»... دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة

طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)

يومان من الموسيقى الشبابية أنعشا القلوب في طرابلس (شمال لبنان). فِرَق من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن ومصر أحيت أمسيتين حافلتين ضمن النسخة الخامسة من «مهرجان رمَّان» السنوي. ورش عمل وعروض ولقاءات وموسيقى وغناء؛ فالترفيه ليس هدفاً وحيداً، إذ سعى المهرجان، منذ انطلاقته، إلى دعم الفنانين الصاعدين في المقام الأول، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعريف بإبداعاتهم، إلى جانب استضافة فرق معروفة في مدينة تضيق فيها المساحات المتاحة للموسيقى المستقلة.

من فيلم «فأر أسود» حيث يظهر جانب من معرض رشيد كرامي (الشرق الأوسط)

افتُتحت دورة السنة الحالية، في 4 سبتمبر (أيلول)، بعرض سينمائي موسيقي بعنوان «فأر أسود»، تختلط فيه الصورة بصوت السوبرانو منى حلَّاب، التي رافقت شريطاً شبه وثائقي من كتابة أحمد النابلسي وإخراجه. ويواكب الشريط راكب دراجة يجوب شوارع طرابلس، فيما تلتقطه الكاميرا من علوّ، في مشاهد تتيح رؤية المدينة من زوايا قد لا تخطر في البال. أما الموسيقى الجنائزية المصاحبة للشريط، فتتسم بطابع درامي يوحي بشرّ مستطير. ويصعب فصل هذه الأصوات الصاخبة عن العنف المحيط بنا، من حروب ودمار؛ فكلٌّ يعبِّر بطريقته عن بؤس بات يتجاوز قدرة العقول على الاحتمال.

عُرض الفيلم على أحد أوجه صندوق كبير غُطِّيت جوانبه بقماش أبيض، وهو مكعّب كبير يذكّر بفكرة صندوق الفرجة، أطلقت السوبرانو منى حلَّاب، من داخله، العنان لصوتها، مرافقة جزءاً من العرض بالغناء والكلام.

لا يكتفي الفيلم بالتجوال في المدينة، آخذاً المُشاهد إلى بحرها وجسورها وشوارعها الضيقة وقطارها المهمل، بل يدخل به إلى واحد من أبرز معالمها المتروكة، مسلّطاً الضوء على معرض رشيد كرامي الدولي، الذي صممه المهندس البرازيلي الشهير أوسكار نيماير، ليكون واحداً من أغنى المعالم الحديثة في المدينة. ومع ذلك، لا يزال غارقاً في سكون الموت. ويصوّر الفيلم كل مبنى وزاوية في المعرض بأساليب مختلفة، بحيث يبدو غياب البشر عن هذا المكان الجميل كأنه اغتيال له وطعنة لحيويته المفترضة.

المخرج أحمد النابلسي يأخذنا في رحلة على دراجة (الشرق الأوسط)

ويخبرنا مخرج العمل، أحمد النابلسي، أن الفيلم عُرض بصيغته الوثائقية الأولى في أكثر من 30 بلداً، قبل أن تُدخل عليه تعديلات أخرجته من وظيفته الأصلية. وكان الفيلم قد صُوّر عقب الانتفاضة اللبنانية، وصدر عام 2022. أما في نسخته المجددة التي قدّمها «مهرجان رمّان»، فتحوّل من فيلم قصير إلى عرض حي وتجربة سمعية بصرية تتداخل فيها الموسيقى والصوت والإضاءة والذاكرة، في محاولة لإعادة التفكير في أمكنة أُقصيت ووُضعت على هامش حياة المدينة، على الرغم من أهميتها.

وبالتعاون مع السوبرانو اللبنانية منى حلّاب، والمنتج الموسيقي جوي مغني، والسينوغراف فراس الحلاق، يطرح الفيلم على متلقّيه أسئلة متداخلة، من بينها حرمان المواطن من نعمة المساحات العامة وإمكان استعادتها، وما إذا كان فهم المدينة بطريقة مختلفة قد يساعدنا في العثور على إجابات غابت عن البال.

تلا الفيلم حفل فرقة «شم الهوا»، الآتية من جنوب لبنان، في أول ظهور لها. وهي لم تكن الفرقة الوحيدة المشاركة من الجنوب؛ إذ أُريد لهذه الدورة، التي تنعقد في ظرف أليم يعيشه أهالي الجنوب، أن تكون تحية إليهم من أهل الشمال، من خلال استقبال موسيقييهم وفرقهم.

فرقة «السّلك» والثنائي رومي ملحم وخالد عمران (الشرق الأوسط)

كذلك قدّمت فرقة «السّلك» مجموعة من أغنياتها. وهي ثنائي موسيقي يضم رومي ملحم وخالد عمران، اللذين قدّما مزيجاً من العزف على الكمان والكونترباص والموسيقى الإلكترونية الحيّة، مع كلمات أغنيات من تأليفهما. ويشكّل الثنائي صوتاً متمرداً على السائد، ويمزج في أدائه بين الفلامنكو والإيقاعات الشرقية و«التريب هوب».

واختُتم اليوم الأول مع فرقة «صنم» البيروتية، التي تجمع بين الروك البديل والموسيقى الإلكترونية والفولكلور والارتجال الحر، وتمزج ذلك بالأغنية المصرية التقليدية والشعر العربي الحديث.

وحسب المنظمين، فإن اللقاء هو «دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة. ما الذي يمكن أن يخبرنا به الجنوب بصوته لو قال كل ما في قلبه؟ وما المستقبل الذي تصنعه طرابلس بعيداً عن كل القصص التي تُحكى عنها؟ وكيف يمكننا أن نستعيد رؤيتنا لمنطقتنا العربية بوصفها مساحة واحدة حيّة، تجمعها الموسيقى وحركة الناس واهتمامنا بعضنا ببعض؟».

طرابلس من علٍ (الشرق الأوسط)

وبهذه الروح، عُقدت ورش عمل عدّة في اليوم الأول، ونظّم المهرجان، نهار اليوم الثاني، في مبنى «مرسح» المجاور، يوماً مفتوحاً للفنانين العاملين في مجال الموسيقى في بلاد الشام، ما أفسح المجال أمام التنسيق والتعارف والتعاون الفني بين المواهب المشاركة.

وعادت الموسيقى مساءً لتضجّ في أنحاء «ستريو كواليس»، المكان الذي كان إحدى دور السينما في منطقة الميناء، قبل أن يمرّ بمخاض ويتحوّل، في النهاية، إلى دارة تستقبل الموسيقيين والفنانين.

وقدّمت الفنانة الفلسطينية - المصرية «ما بين»، برفقة عدد من الموسيقيين، أعمالاً تمزج بين الهيب هوب والجاز والروك البديل والموسيقى الإلكترونية والبوب التجريبي، وتتناول في كلماتها الذاكرة والانتماء والبحث عن المعنى وآفاق المستقبل.

وعبّر مغنّي الراب الطرابلسي بلال، الذي أصبح أحد الأسماء الصاعدة في مشهد الراب اللبناني، عن صوت المدينة بأسلوبه الخاص، من خلال أداء يمزج بين صدق الكلمة والحيوية اللافتة.

وشارك في الأمسية مغنّي راب آخر هو الأردني - الفلسطيني مسلّم، الذي يجمع إلى الغناء الرسمَ والفنَّ السمعي البصري، مستفيداً من خلفيته الأكاديمية في الفنون الجميلة والسيراميك.

كما شارك في الليلة الختامية مغنّي الراب اللبناني جمّول، الذي تختلط في موسيقاه السخرية بالنقد السياسي وقسوة الحياة اليومية.

واختُتمت النسخة الخامسة من «مهرجان رمَّان» الموسيقي وسط تأكيد منظّميها أنها أكثر من مجرد مجموعة حفلات؛ فهي «دعوة إلى استعادة الخيال بوصفه فعلاً جماعياً، وليس وسيلة للهرب من الواقع، بل خطوة أولى نحو إعادة تشكيله». ويريد المنظّمون للمهرجان أن يكون «حواراً مفتوحاً يبدأ من لبنان ويمتد إلى منطقتنا العربية بأسرها».