«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

عُرضت ضمن فعاليات «مالمو السينمائي»

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
TT

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية تنشغل بأسئلة الهوية والذاكرة والبحث عن الذات في عالمٍ يتسارع إيقاعه ويزداد فيه الشعور بالاغتراب.

الأعمال الخمسة، التي عُرضت ضمن البرنامج، تقاطعت فيها الشخصيات عند لحظات دقيقة من الانكسار أو التردد، حيث يصبح كل منها عالقاً بين ما كان وما يمكن أن يكون، سواء في علاقة عائلية مثقلة بالغياب، أم لقاء عابر يعيد فتح جروح قديمة، أم تجربة فردية تنزلق نحو الخطر، أم حتى في مواجهة قاسية مع فكرة التخلي عن اللغة بوصفها جزءاً من الذات.

ويقدّم فيلم «دوامة»، للمُخرجة سوسي شمّون، قصة تجربة مراهق يجد نفسه منجذباً إلى عالم المقامرة الإلكترونية، في رحلة تبدأ برغبة بريئة في تحقيق حلم صغير، قبل أن تتحول تدريجياً إلى انزلاق داخل دائرة مغلقة من الإغراء والخسارة.

ويرصد الفيلم التحولات النفسية للشخصية، فيتبدل الإحساس الأولي بالانتصار إلى حالة من التورط والإنكار، في بناء درامي يتصاعد بهدوء ليطرح رؤية نقدية لواقعٍ باتت فيه المخاطر الرقمية في متناول المراهقين، دون الوقوع في المباشرة.

أما فيلم «الغسيل»، للمخرج فيلسون علي، فينطلق من موقف بسيط داخل مغسلة شِبه خالية، لكنه سرعان ما يتحول إلى مساحة مشحونة بالمشاعر المتراكمة بين حبيبين سابقين، فيلتقط المنطقة الرمادية بين القطيعة والحنين، مع تسلل المشاعر القديمة عبر مواقف عفوية ومشاغبات خفيفة، لتكشف عما لم يُحسَم بعد.

ويميل المُخرج عاصي كسوحة، في فيلمه «دعني أفتح الباب»، للاعتماد على الإيقاع البطيء، والصمت بوصفه أداة تعبير رئيسية، فيخلق الفيلم حالة من التوتر الهادئ بين شخصيتين تتقاطع طُرقهما في لحظات عابرة، لكنها محمّلة بإحساس ثقيل بالعزلة والرغبة في التواصل.

عرض فيلم «غني أغنيتي» ضمن فعاليات البرنامج (إدارة المهرجان)

ويحمل فيلم «أحضان وقضبان»، للمخرج محمد فارس المجدلاوي، بُعداً إنسانياً عميقاً، مع تناوله علاقة أب بابنته تتشكل على أنقاض سنوات طويلة من الغياب القسري. مع عودة الأب، لا تبدو المصالحة أمراً سهلاً أو مباشراً، بل عملية بطيئة ومؤلمة تستند إلى رسائل قديمة تحاول سدّ فجوة زمنية لا يمكن تعويضها بالكامل.

أما فيلم «غنّي أغنيتي»، للمُخرجة جوليا عموري، فيطرح تصوراً يبدو مستقبلياً، لكنه شديد الارتباط بالواقع، حيث يضع شخصياته أمام خيار حادّ بين الاندماج الكامل والتخلي عن اللغة الأم، ومن خلال هذا الصراع، يتحول السؤال من كونه اجتماعياً إلى وجوديّ، وما يمكن أن يخسره الإنسان حين يساوم على جزء من هويته، لنشاهد توتراً داخلياً بين جيلين في العائلة ينظران إلى المسألة من زاويتين مختلفتين.

وبينما يؤكد مدير المهرجان محمد أبو وطفة أن هذه الأفلام تمثل تجارب سينمائية واعدة تعكس تنوعاً في الرؤى والأساليب، وتحمل أصواتاً جديدة قادرة على التعبير عن رؤيتهم، قائلاً، لـ«الشرق الأوسط»، أن «إتاحة هذه الأعمال على شاشة المهرجان تأتي انطلاقاً من الإيمان بأهمية دعم هذه التجارب ومنحها مساحة للوصول إلى جمهور أوسع»، يرى الناقد المصري محمد عاطف أن المهرجان يواصل، من خلال البرنامج، اهتمامه بعرض أفلام المُخرجين العرب في المهجر، مشيراً، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إلى «بروز جيل من صُنّاع الأفلام السويديين من أصول عربية، الذين يقدّمون أعمالاً تنبع من واقعهم الاجتماعي وتعبّر عن تجاربهم اليومية وتعقيدات اندماجهم في المجتمع الجديد».

وأضاف عاطف أن «إتاحة هذه الأفلام داخل المهرجان تمثل فرصة مهمة لتقديمها إلى صُنّاع السينما العرب، بما يفتح آفاقاً للتلاقي والحوار، كما تمنح صورة أكثر عمقاً لحياة المُهاجر العربي وتحولات هويته»، مؤكداً أن هذا التوجه يعزّز، في الوقت نفسه، هوية المهرجان كمهرجان سويدي يحتفي بالسينما العربية في سياقاتها المختلفة.


مقالات ذات صلة

السعودية: رفع نسبة الحوافز السينمائية إلى 60 %

يوميات الشرق يهدف برنامج «الاسترداد المالي المحدّث» إلى تعزيز نمو قطاع الإنتاج السينمائي (هيئة الأفلام)

السعودية: رفع نسبة الحوافز السينمائية إلى 60 %

أعلنت هيئة الأفلام السعودية عن برنامج «الاسترداد المالي المحدّث»، الذي تضمن رفع نسبة الحوافز لتصل إلى 60 % من المصروفات المؤهلة، وتطوير آليات التقييم.

«الشرق الأوسط» (كان)
سينما «المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)

جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

تشهد الدورة 79 من مهرجان «كان» هذا العام طرح عدة موضوعات ساخنة على بساط البحث، من بينها النقد الجاهز بأن المسابقة لا تتضمن توازناً بين أفلام المخرجين الذكور...

محمد رُضا (كان)
سينما «في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)

شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

فيلم أنيميشن متقن تقنياً، ثريّ بالألوان والتنفيذ، ويتميّز بانسياب بديع لحركة «مرسومة يدوياً لا حاسوبياً».

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق من اليسار: جيل ليلوش وأناييس ديموستييه وبيير سلفادوري وبيو مارماي وفيمالا بونس في المؤتمر الصحافي لفيلم الافتتاح (أ.ف.ب)

هوليوود مبتعدة بقرار... وفيلم الافتتاح سقط

اختيارات أفلام افتتاح مهرجان «كان» في السنوات الأخيرة غالباً ما جاءت ضعيفة الجودة؛ ما أثار تساؤلات حول المعايير المستخدمة لاختيار فيلم الافتتاح

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق ملصق النسخة الـ79 من مهرجان «كان» على قصر المهرجانات (إ.ب.أ)

«كان» خسر هرتزوغ فهل يتّجه بفيلمه إلى «ڤينيسيا»

مهرجان «كان» أصبح منصة فنية، وتجارية، ما أدى إلى تغيّب بعض الأفلام الأميركية، ومواقف مخرجين كبار، مثل هرتزوغ، وجارموش.

محمد رُضا (كان)

السعودية: رفع نسبة الحوافز السينمائية إلى 60 %

يهدف برنامج «الاسترداد المالي المحدّث» إلى تعزيز نمو قطاع الإنتاج السينمائي (هيئة الأفلام)
يهدف برنامج «الاسترداد المالي المحدّث» إلى تعزيز نمو قطاع الإنتاج السينمائي (هيئة الأفلام)
TT

السعودية: رفع نسبة الحوافز السينمائية إلى 60 %

يهدف برنامج «الاسترداد المالي المحدّث» إلى تعزيز نمو قطاع الإنتاج السينمائي (هيئة الأفلام)
يهدف برنامج «الاسترداد المالي المحدّث» إلى تعزيز نمو قطاع الإنتاج السينمائي (هيئة الأفلام)

أعلنت هيئة الأفلام السعودية، الجمعة، عن برنامج «الاسترداد المالي المحدّث»، الذي تضمن رفع نسبة الحوافز لتصل إلى 60 في المائة من المصروفات المؤهلة، وتطوير آليات التقييم لتحقيق قيمة مستدامة للمشروعات السينمائية.

وجاء هذا الإعلان ضمن مشاركة الهيئة في «مهرجان كان السينمائي الدولي» الـ79 بمدينة كان الفرنسية، الذي يستقطب سنوياً حضوراً دولياً واسعاً من الصُنَّاع والمنتجين والمستثمرين؛ حيث أوضحت أن التحديث يهدف إلى تعزيز نمو قطاع الإنتاج السينمائي، ودعم استقطاب المشروعات النوعية، وترسيخ مكانة السعودية وجهةً عالميةً لصناعة الأفلام.

ويقدّم البرنامج مجموعة ممكنات تغطّي مختلف مراحل الإنتاج، عبر إجراءات واضحة ومسارات ميسّرة، ودعم مالي تنافسي يتيح لصنّاع الأفلام تنفيذ مشروعاتهم بكفاءة وثقة. كما يشمل التحديث تحسين إجراءات الصرف وتسريعها، بما يُسهم في تعزيز كفاءة التدفقات النقدية لشركات الإنتاج، وتوفير بيئة تشغيلية تدعم تنفيذ المشروعات وفق جداولها الزمنية.

مبادرات لدعم استقطاب المشروعات النوعية وترسيخ مكانة السعودية وجهةً عالميةً لصناعة الأفلام (الهيئة)

وفي إطار تعزيز تكامل منظومة الدعم، تعمل الهيئة بالتعاون مع عدة جهات وطنية ذات علاقة، أبرزها الصندوق الثقافي لإطلاق نموذج مطوّر لإدارة وصرف الحوافز؛ يهدف إلى الارتقاء بتجربة المستفيد، ورفع كفاءة الإجراءات، وتقليص مدة المعالجة، فضلاً عن توفير حلول تمويلية متكاملة تدعم المشروعات السينمائية، بما يُعزز استدامة الاستثمار في القطاع.

من جانبه، أوضح عبد الله القحطاني، الرئيس التنفيذي للهيئة، أن هذا الإعلان يُمثل امتداداً لـ«رؤية السعودية 2030» في بناء قطاع أفلام مستدام، يرتكز على التمكين والشراكة، وقال: «عملنا خلال الفترة الماضية على تطوير عدة جوانب تنظيمية وتشغيلية مرتبطة بالبرنامج، أبرزها إطلاق دليل التدقيق المالي وإجراءات الصرف؛ لرفع كفاءة التنفيذ وتعزيز وضوح الإجراءات لصنّاع الأفلام».

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة أنهم يركزون من خلال البرنامج على «تطوير منظومة متكاملة تتيح لصنّاع الأفلام العمل بثقة، وتفتح المجال أمام تمكين القطاع الخاص، وجذب استثمارات نوعية تُسهم في نقل الخبرة والمعرفة للكفاءات والكوادر المحلية».

يقدّم البرنامج ممكنات تغطّي مختلف مراحل الإنتاج إلى جانب دعم مالي تنافسي (الهيئة)

وعدَّ القحطاني البرنامج «خطوة إضافية نحو ترسيخ موقع السعودية مركزَ إنتاج يرتبط بالفرص، ويؤكد طموحاً مستمراً لتطوير قطاع صناعة الأفلام»، مشيراً إلى أن «تكامل الحوافز مع حلول التمويل يعكس توجهاً نحو بناء بيئة إنتاج أكثر ترابطاً، تدعم المشروعات في مختلف مراحلها، وتُعزز من استدامة نمو القطاع».

بدوره، أوضح ماجد الحقيل، الرئيس التنفيذي للصندوق الثقافي، أن العمل على آليات تحسين صرف الحوافز يأتي ضمن توجه أوسع يستهدف القطاع الثقافي بمختلف مكوناته، عبر تطوير حلول تمويلية وتشغيلية تسهم في دعم استدامة المشروعات الثقافية.

ولفت الحقيل إلى أن سرعة الإجراءات ووضوحها أصبحا اليوم من العوامل المؤثرة في قرارات الإنتاج والاستثمار السينمائي عالمياً، مؤكداً تقديم تجربة أكثر كفاءة ومرونة من خلال هذا النموذج، لدعم احتياجات المشروعات بمختلف مراحلها، والإسهام في تعزيز جاذبية السعودية شريكاً موثوقاً للإنتاجات الدولية.

ويأتي هذا التحديث ضمن جهود هيئة الأفلام المستمرة لتطوير منظومة إنتاج متكاملة تشمل البنية التحتية، والخدمات الإنتاجية، وتنمية الكفاءات الوطنية، ضمن جهود تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» لتطوير الصناعات الإبداعية، وتعظيم الأثر الاقتصادي والثقافي للقطاع.


12 جائزة خاصة لطلبة السعودية في «آيسف 2026»

11 طالب وطالبة سعودية حققوا 12 جائزة خاصة في 8 مجالات علمية واعدة (واس)
11 طالب وطالبة سعودية حققوا 12 جائزة خاصة في 8 مجالات علمية واعدة (واس)
TT

12 جائزة خاصة لطلبة السعودية في «آيسف 2026»

11 طالب وطالبة سعودية حققوا 12 جائزة خاصة في 8 مجالات علمية واعدة (واس)
11 طالب وطالبة سعودية حققوا 12 جائزة خاصة في 8 مجالات علمية واعدة (واس)

حقَّق طلبة السعودية، الجمعة، 12 جائزة خاصة في معرض ريجينيرون الدولي للعلوم والهندسة «آيسف 2026»، المقام بمدينة فينيكس بولاية أريزونا الأميركية خلال الفترة من 9 إلى 15 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة أكثر من 1700 طالب وطالبة يمثلون نحو 70 دولة، فيما يترقب المنتخب السعودي إعلان نتائج الجوائز الكبرى مع ختام منافسات المعرض.

وفاز بالجوائز الخاصة كلٌ من: مازن مراد في مجال (العلوم الطبية الانتقالية)، والجوهرة بن زرعة (الكيمياء)، ولانا أبو طالب - جائزتين - وجنى الدوسري (الطاقة)، وشيماء الكتاتني وفاطمة المقرن ولين النابلسي (الهندسة البيئية)، ولانا العقاد (الأنظمة المدمجة)، ونور العطوي (علم المواد)، وجنى هرساني (علم الأحياء الحسابي والمعلوماتية)، وتميم خان (علم الأحياء الدقيقة).

وتكتسب الجوائز أهمية خاصة؛ كونها تُمنح من جهات علمية ومؤسسات بحثية وأكاديمية دولية للمشاريع التي تتميز بقيمتها البحثية أو أثرها التطبيقي أو ارتباطها بمجالات علمية واعدة، مما يعكس حضوراً سعودياً نوعياً في واحد من أكبر المحافل العلمية العالمية لطلبة ما قبل المرحلة الجامعية.

تُمنح الجوائز الخاصة من جهات علمية ومؤسسات بحثية وأكاديمية دولية للمشاريع القيّمة (واس)

وتشارك السعودية، ممثلةً بمؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة» ووزارة التعليم، في معرض «آيسف» سنوياً منذ عام 2007، ويضم منتخبها للعلوم والهندسة 40 طالباً وطالبة قدموا مشاريع علمية نوعية، إضافة إلى طالبين ملاحظين، حيث يشارك 23 منهم حضورياً في فينيكس الأميركية، فيما ينافس 17 - عن بُعد - من الرياض.

وترشح الطلبة لتمثيل المملكة ضمن المنتخب السعودي بعد منافسة وطنية واسعة شارك فيها أكثر من 357 ألف طالب وطالبة، قدموا أكثر من 34 ألف مشروع علمي في 22 مجالاً، ضمن منافسات الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي «إبداع 2026».

ومر المتأهلون بعدة مراحل تقييم وتأهيل، شملت معارض المناطق والمعارض المركزية، وصولاً إلى معرض «إبداع للعلوم والهندسة»، ثم برنامج تأهيلي مكثف، ضمن الاستعدادات النهائية للمشاركة في «آيسف 2026»؛ بهدف تطوير مشاريعهم البحثية، وتعزيز جاهزيتهم للمنافسة الدولية.

يضم المنتخب السعودي للعلوم والهندسة 40 طالباً وطالبة قدموا مشاريع علمية نوعية (واس)

ويُعد معرض «آيسف» أكبر منصة عالمية للمشاريع البحثية والابتكارية لطلاب ما قبل المرحلة الجامعية، حيث تُقيَّم المشاريع المشاركة من قبل نخبة من العلماء والخبراء الدوليين؛ بما يمنح الطلبة فرصة لعرض مشاريعهم وإبراز قدراتهم العلمية على مستوى عالمي.


«الأساطير المصرية وسطح الكون»... معرض فني يفجّر طاقة الألوان

الأساطير المصرية حاضرة في المعرض (الشرق الأوسط)
الأساطير المصرية حاضرة في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«الأساطير المصرية وسطح الكون»... معرض فني يفجّر طاقة الألوان

الأساطير المصرية حاضرة في المعرض (الشرق الأوسط)
الأساطير المصرية حاضرة في المعرض (الشرق الأوسط)

عبر لغة تشكيلية تجريدية معاصرة، يطرح الفنان التشكيلي المصري، محمد برطش، رؤية فنية لبداية الكون، مازجاً بين العناصر والرؤى المختلفة لبداية الخليقة، وبين المنظور الأسطوري الذي رسّخته ودعمته الحضارة المصرية القديمة.

ويقدم الفنان في معرضه «الأساطير المصرية وسطح الكون» المقام في غاليري «أكسيس» بوسط القاهرة حتى 31 مايو (أيار) الحالي، أكثر من 30 عملاً فنياً بالألوان الزيتية، تتقاطع فيها المادة مع البعد الميتافيزيقي لتتحول اللوحة إلى مجال حي للطاقة والتشكل، بل يسعى الفنان إلى تفجير الطاقات الكامنة في اللون عبر استخدامات مختلفة وتوظيفات تجمع بين المادي والخيالي.

«يضم المعرض 35 لوحة تنتمي إلى تجربة بصرية وفكرية تستلهم الميثولوجيا المصرية القديمة، ليس بوصفها سرداً تاريخياً مغلقاً، بل باعتبارها بنية رمزية حيّة ما زالت قادرة على مساءلة وعينا المعاصر»، وفق تصريحات الفنان محمد برطش، الذي يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «انطلقت من فكرة أن الأسطورة المصرية لم تكن مجرد حكاية، بل كانت محاولة مبكرة لفهم الكون والوجود والوعي الإنساني. ومن هنا جاء اختيار عنوان (سطح الكون) باعتباره استعارة فنية تشير إلى المساحة الفاصلة بين المرئي واللامرئي، بين ما تدركه الحواس وما يتجاوز حدود الإدراك المباشر».

عوالم متعددة قدمها الفنان في لوحاته (الشرق الأوسط)

ويشير الفنان أحمد الجنايني، رئيس أتيليه القاهرة، إلى تطور الفن الحديث، وما قامت به المدرسة التجريدية من ثورة تخلت خلالها عن فكرتي التشخيص والمنظور، ضارباً أمثلة عديدة لهذا الفن وكيفية توظيفه وفق رؤى مختلفة في تفجير طاقات إبداعية متنوعة، مضيفاً في ندوة على هامش المعرض أن «الفنان محمد برطش استعاد تاريخه الذي يعود إلى 7 آلاف عام ليعيد تشكيله بطريقة مختلفة عبر التجريدية اللونية».

ويسعى الفنان من خلال أعماله لإعادة تشكيل وتفكيك الأساطير وفق تصور لوني باعث على الهدوء وإعادة ترتيب مفردات الوجود، وفقاً للناقدة الفنية الدكتورة فينوس فؤاد، في الندوة التي أقيمت على هامش المعرض، موضحة أن «مفاهيم الأسطورة تشكل عبر الحضارات المختلفة في محاولة لتفسير الكون والوجود البشري ضمن هذا الكون، والأساطير المصرية تحديداً قدّمت هذه الرؤية بطريقة مدهشة، وقام الفنان بتوظيفها في لوحات المعرض عبر أسلوب تجريدي اعتماداً على قوة الألوان وطاقتها».

جانب من الندوة على هامش المعرض (الشرق الأوسط)

من جانبه، يوضح الفنان أسلوبه في رسم اللوحات، قائلاً: «اعتمدت في تنفيذ الأعمال على أسلوب تجريدي مفاهيمي، مستخدماً خامات تمثلت في الألوان الزيتية وتقنيات التراكب اللوني والملامس الكثيفة، بما يخلق طبقات بصرية تحاكي فكرة التراكم الحضاري والرمزي. تتداخل داخل اللوحات إشارات مستلهمة من الرموز والأساطير المصرية القديمة، لكنها لا تُقدَّم بصورة مباشرة أو توثيقية، بل تتحول إلى طاقات تشكيلية مفتوحة على التأويل».

ومن بين الأساطير التي تظهر في اللوحات «نوت» الإلهة التي تحتضن السماء، وتبدو كأنها تظلل العالم، ورحلة رع الدائمة، الحضور الكامن لأبيب، وهي عناصر لا تظهر كرموز مباشرة، بل تتجسد ضمن البنية الداخلية للعمل، لتدعو المتلقي إلى تجربة إدراكية وتأملية مفتوحة.

التجريد السمة الشائعة في أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

وأكّد الدكتور طارق وفيق، أستاذة الآثار المصرية القديمة، أن الفنان كان موفقاً في اختيار موضوع معرضه، وأشار إلى أن الفنان اختار موضوع بدء الخليقة والكون بالنسبة للمصري القديم. ومن هذا المنطلق عبر إلى فكرة البعث والإحياء. ولفت إلى أن المصري القديم كان يخشى من الفوضى، وكان هاجسه المحافظة على الكون، وبالتالي كان حريصاً على أن يكون كل شيء منظماً.

اختار الفنان لمعرضه عنواناً فرعياً دالاً على ارتباطه بالأساطير المصرية القديمة، وهو «من نفس أتوم إلى الوعي - صوت النجوم»، وهو عنوان يمثل محوره المفاهيمي، حيث يُقارب الكون بوصفه سطحاً حياً وحميماً، لا فضاءً بعيداً، بل مجالاً تتردد عليه أولى محاولات الإنسان لفهم الوجود.

وأشارت الكاتبة الروائية الدكتورة منى زكي، أستاذة الفكر الاستراتيجي، إلى أهمية قراءة التاريخ وأساطيره لفهم الحاضر وبناء المستقبل، معتبرة خلال الندوة التي صاحبت المعرض أنه من ضمن وظيفة الفن أن يقدم لنا هذه الفرصة لقراءة التاريخ بأساطيره وأبعاده المختلفة عبر رؤى فنية مميزة، تتوافق مع واقعنا المعاصر، وتجعلنا نخطط للمستقبل.

اعتمدت اللوحات على الأسلوب التأثيري في التعامل مع طاقة الألوان (الشرق الأوسط)

«تقوم فلسفة المعرض على الربط بين المعرفة البصرية والمعرفة الفكرية، فالفن مساحة للتأمل والتعليم وإنتاج المعنى، ولهذا جاء المعرض مصحوباً بندوة فكرية تناقش الخلفيات الفلسفية والمعرفية التي انطلقت منها». على حد تعبيره.

ويستند المعرض إلى ظاهرة «الباريدوليا»، وهي ميل العقل إلى إدراك أنماط مألوفة داخل أشكال غير محددة، ما يتيح للمتلقي، وفق ما ذكره الفنان، إسقاط معانيه الخاصة على العمل، لتصبح اللوحة مجالاً مفتوحاً للتفاعل والتخيّل.