«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

عُرضت ضمن فعاليات «مالمو السينمائي»

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
TT

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية تنشغل بأسئلة الهوية والذاكرة والبحث عن الذات في عالمٍ يتسارع إيقاعه ويزداد فيه الشعور بالاغتراب.

الأعمال الخمسة، التي عُرضت ضمن البرنامج، تقاطعت فيها الشخصيات عند لحظات دقيقة من الانكسار أو التردد، حيث يصبح كل منها عالقاً بين ما كان وما يمكن أن يكون، سواء في علاقة عائلية مثقلة بالغياب، أم لقاء عابر يعيد فتح جروح قديمة، أم تجربة فردية تنزلق نحو الخطر، أم حتى في مواجهة قاسية مع فكرة التخلي عن اللغة بوصفها جزءاً من الذات.

ويقدّم فيلم «دوامة»، للمُخرجة سوسي شمّون، قصة تجربة مراهق يجد نفسه منجذباً إلى عالم المقامرة الإلكترونية، في رحلة تبدأ برغبة بريئة في تحقيق حلم صغير، قبل أن تتحول تدريجياً إلى انزلاق داخل دائرة مغلقة من الإغراء والخسارة.

ويرصد الفيلم التحولات النفسية للشخصية، فيتبدل الإحساس الأولي بالانتصار إلى حالة من التورط والإنكار، في بناء درامي يتصاعد بهدوء ليطرح رؤية نقدية لواقعٍ باتت فيه المخاطر الرقمية في متناول المراهقين، دون الوقوع في المباشرة.

أما فيلم «الغسيل»، للمخرج فيلسون علي، فينطلق من موقف بسيط داخل مغسلة شِبه خالية، لكنه سرعان ما يتحول إلى مساحة مشحونة بالمشاعر المتراكمة بين حبيبين سابقين، فيلتقط المنطقة الرمادية بين القطيعة والحنين، مع تسلل المشاعر القديمة عبر مواقف عفوية ومشاغبات خفيفة، لتكشف عما لم يُحسَم بعد.

ويميل المُخرج عاصي كسوحة، في فيلمه «دعني أفتح الباب»، للاعتماد على الإيقاع البطيء، والصمت بوصفه أداة تعبير رئيسية، فيخلق الفيلم حالة من التوتر الهادئ بين شخصيتين تتقاطع طُرقهما في لحظات عابرة، لكنها محمّلة بإحساس ثقيل بالعزلة والرغبة في التواصل.

عرض فيلم «غني أغنيتي» ضمن فعاليات البرنامج (إدارة المهرجان)

ويحمل فيلم «أحضان وقضبان»، للمخرج محمد فارس المجدلاوي، بُعداً إنسانياً عميقاً، مع تناوله علاقة أب بابنته تتشكل على أنقاض سنوات طويلة من الغياب القسري. مع عودة الأب، لا تبدو المصالحة أمراً سهلاً أو مباشراً، بل عملية بطيئة ومؤلمة تستند إلى رسائل قديمة تحاول سدّ فجوة زمنية لا يمكن تعويضها بالكامل.

أما فيلم «غنّي أغنيتي»، للمُخرجة جوليا عموري، فيطرح تصوراً يبدو مستقبلياً، لكنه شديد الارتباط بالواقع، حيث يضع شخصياته أمام خيار حادّ بين الاندماج الكامل والتخلي عن اللغة الأم، ومن خلال هذا الصراع، يتحول السؤال من كونه اجتماعياً إلى وجوديّ، وما يمكن أن يخسره الإنسان حين يساوم على جزء من هويته، لنشاهد توتراً داخلياً بين جيلين في العائلة ينظران إلى المسألة من زاويتين مختلفتين.

وبينما يؤكد مدير المهرجان محمد أبو وطفة أن هذه الأفلام تمثل تجارب سينمائية واعدة تعكس تنوعاً في الرؤى والأساليب، وتحمل أصواتاً جديدة قادرة على التعبير عن رؤيتهم، قائلاً، لـ«الشرق الأوسط»، أن «إتاحة هذه الأعمال على شاشة المهرجان تأتي انطلاقاً من الإيمان بأهمية دعم هذه التجارب ومنحها مساحة للوصول إلى جمهور أوسع»، يرى الناقد المصري محمد عاطف أن المهرجان يواصل، من خلال البرنامج، اهتمامه بعرض أفلام المُخرجين العرب في المهجر، مشيراً، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إلى «بروز جيل من صُنّاع الأفلام السويديين من أصول عربية، الذين يقدّمون أعمالاً تنبع من واقعهم الاجتماعي وتعبّر عن تجاربهم اليومية وتعقيدات اندماجهم في المجتمع الجديد».

وأضاف عاطف أن «إتاحة هذه الأفلام داخل المهرجان تمثل فرصة مهمة لتقديمها إلى صُنّاع السينما العرب، بما يفتح آفاقاً للتلاقي والحوار، كما تمنح صورة أكثر عمقاً لحياة المُهاجر العربي وتحولات هويته»، مؤكداً أن هذا التوجه يعزّز، في الوقت نفسه، هوية المهرجان كمهرجان سويدي يحتفي بالسينما العربية في سياقاتها المختلفة.


مقالات ذات صلة

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
سينما مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون...

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق جانب من فعاليات شاطئ الفن في رأس البر (وزارة الثقافة المصرية)

«شاطئ الفن»... حفلات شعبية لجمهور المصايف التقليدية

أطلقت وزارة الثقافة المصرية مبادرة «شاطئ الفن»، التي تنظم من خلالها الهيئة العامة لقصور الثقافة فعاليات فنية متنوعة، تعتمد بالأساس على الفنون الشعبية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق اختتم مهرجان عمّان السينمائي فعاليات دورته السابعة في قلعة عمّان الأثريّة (إدارة المهرجان)

«عمَّان السينمائي» يتوِّج «نجوم الأمل والألم»... ووثائقي سجن صيدنايا يحصد الإجماع

الفيلم اللبناني «نجوم الأمل والألم» نجم مهرجان عمَّان السينمائي عن فئة الأفلام الروائية، يعادلُه وثائقياً «الجانب الآخر من الشمس» الذي يروي فظائع معتقل صيدنايا.

كريستين حبيب (عمَّان)
يوميات الشرق يكفي أن يبدأ بالغناء حتى تتبدَّل ملامح القاعة (الشرق الأوسط)

وائل كفوري... مسيرة لم يستهلكها الزمن

المحافظة على النجاح امتحان طويل. الوصول قد تصنعه أغنية وقد تؤسِّس له لحظة استثنائية، أما البقاء فيرتبط بما يتجاوز الموهبة. يحتاج إلى شخصية فنّية تعرف ما الذي…

فاطمة عبد الله (بيروت)

موجات الحر تزيد من شعور الكبار بالألم المزمن

ارتبط التعرض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة (شاترستوك)
ارتبط التعرض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة (شاترستوك)
TT

موجات الحر تزيد من شعور الكبار بالألم المزمن

ارتبط التعرض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة (شاترستوك)
ارتبط التعرض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة (شاترستوك)

كشفت دراسة جديدة أن التعرُّض المُطوَّل لدرجات الحرارة القصوى يرتبط بزيادة الإبلاغ عن الألم المزمن الناتج عن الحرارة لدى كبار السن، وأن الخطر لا يكمن في ذروة درجات الحرارة خلال فترة ما بعد الظهر فحسب، بل أيضاً في الليالي الحارة التي لا تنخفض فيها درجات الحرارة، إذ لا تتاح للجسم فرصة للتعافي.

وتابعت الدراسة، المنشورة في مجلة «إنفيرومنتال ريسيرش»، أكثر من 35 ألف شخص بالغ تزيد أعمارهم على 50 عاماً على مدى عقدين، وربطت تقارير كل شخص عن الألم المزمن بسجل درجات الحرارة في منطقته.

وأظهرت النتائج أن سكان المناطق الريفية سجلوا معدلات أعلى للإصابة بالألم عند التعرّض للحرارة الشديدة، في حين يبدو أن الفئات الاجتماعية والاقتصادية المُتميزة أكثر استجابة في الإبلاغ عن الألم عند التعرّض للبرد الشديد المُطوّل، لكنها أكثر تكيفاً مع الحرارة الشديدة. في المقابل، يعاني الفقراء من ارتباطات سلبية أقوى مع التعرّض طويل الأمد للحرارة الشديدة، بما في ذلك ارتفاع معدل الإصابة بالألم وانخفاض معدل التعافي.

وكشفت النتائج أيضاً أنه بين كبار السن الأشد فقراً، ارتبط التعرّض المستمر للحرارة بزيادة احتمالية الإصابة بآلام حادة. أما بين الأثرياء، فلم يكن الأمر كذلك، على الأرجح بسبب سهولة الوصول إلى أجهزة التكييف والرعاية الصحية، وقدرتهم الأكبر على تجنب الحرارة. وكان أولئك الذين تمكنوا من تجنب الحرارة أقل عرضة للإبلاغ عن آلام مزمنة جديدة.

سكان الريف كانوا أكثر ارتفاعاً في معدل الإصابة بالألم عند التعرض للحرارة الشديدة (بكسيلز)

وبالنسبة إلى البالغين فوق سن الخمسين، يُعدُّ هذا الأمر بالغ الأهمية. فالألم الذي يُصعّب الوقوف، أو حمل مشتريات البقالة، أو النوم ليلاً، هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الناس يفقدون القدرة على العيش باستقلالية.

وتقول فينو صن، الأستاذة المساعدة في علم الصحة السكانية بجامعة تكساس الأميركية في أرلينغتون، والمشاركة في تأليف الدراسة: «عندما تضرب موجة حر، تتبع نصائح الصحة العامة نمطاً مألوفاً: شرب الماء، ومراقبة علامات ضربة الشمس، والاطمئنان على صحة مرضى القلب والرئة. هذه القائمة تنقذ الأرواح، لكنها تغفل جانباً يؤثر بشكل كبير في الحياة اليومية لملايين كبار السن، ألا وهو الألم المزمن».

وأضافت، في مقال نُشر على موقع «ميديكال إكسبريس»، نقلاً عن موقع «كونفيرزيشن»، الثلاثاء: «أردنا معرفة ما إذا كان العيش في ظل حرارة أو برد شديدين يؤثر على مدى تأثير الألم المزمن في حياة الناس».

ويستخدم الباحثون مصطلح «الألم المزمن الشديد التأثير» لوصف الألم الذي يستمر لمدة 3 أشهر على الأقل، ويحدُّ من قدرة الشخص على القيام بأنشطة معينة، مثل العمل، والتواصل الاجتماعي، والرعاية الذاتية.

وقالت صن: «نرى أن الألم المزمن لا بدَّ أن يُدرج ضمن قوائم المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة. ومن خلال التنبيه، يُمكن للأشخاص التخطيط مُسبقاً والحصول على المساعدة، مع العلم أن الألم المزمن قد يتفاقم».

وأضافت: «ينبغي إضافة تفاصيل سكن المريض والمناخ المحلي إلى تاريخه المرضي المُوثق للألم في العيادة، إلى جانب التشخيص والأدوية، للمساعدة في توجيه العلاج بشكل أفضل».


مصر: اكتشاف مقابر أثرية من العصر الروماني بالواحات البحرية

جانب من الكشف الأثري في الواحات (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري في الواحات (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف مقابر أثرية من العصر الروماني بالواحات البحرية

جانب من الكشف الأثري في الواحات (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري في الواحات (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة في موقع الشيخ سوبي بالواحات البحرية (غرب الجيزة) عن اكتشاف عدد من المقابر التي تعود إلى العصر الروماني المتأخر وفترات تاريخية مختلفة من التاريخ المصري، إلى جانب مجموعة من اللقى الأثرية.

واكتشفت البعثة 3 مقابر؛ الأولى عبارة عن مقبرة جماعية منحوتة في صخر الحجر الرملي، يُرجح أنها كانت مخصصة لأسرة واحدة مكوَّنة من 5 أفراد، بينما المقبرة الثانية غير منقوشة، ويُرجح أنها تعود إلى العصر الروماني، وتنتمي إلى طراز المقابر ذات السلالم. أما المقبرة الثالثة فهي مقبرة جماعية يُرجح كذلك أنها تعود إلى العصر الروماني، وتنتمي إلى طراز المقابر ذات الآبار، وفق تصريحات الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي.

وتتكون المقبرة الأولى من بئر مربَّعة الشكل يبلغ عمقها نحو 3 أمتار، وفي نهايتها توجد حجرتان للدفن؛ تقع الأولى في الناحية الغربية، وهي حجرة صغيرة مستطيلة الشكل، عُثر في داخلها على تابوت من الحجر الجيري بداخله مومياء مغطاة بلفائف كتانية. ويستقر جسم التابوت في تجويف بأرضية الحجرة، وهو ما يتوافق مع طريقة وضع التوابيت في مقابر العصر المتأخر بالموقع، حسبما أوضح رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

أما الحجرة الثانية، وفق تقوله في بيان للوزارة، فتقع في الناحية الشمالية من البئر، وهي أكبر حجماً ومستطيلة الشكل أيضاً، ويبدو أنها استُخدمت لدفن باقي أفراد الأسرة، حيث عُثر بداخلها على 4 توابيت من الحجر الجيري، يضم كل منها مومياء مغطاة بلفائف كتانية.

وأضاف أن «المقبرة الثانية تتكون من بئر صغيرة تؤدي إلى سلم مكوَّن من 3 درجات، ينتهي بحجرة دفن، ويبدو من الشواهد الأثرية أنها لم تُستخدم للدفن».

أما المقبرة الثالثة، فتتكون من بئر مستطيلة الشكل في نهايتها مدخل يؤدي إلى صالة صغيرة بلا سقف. ويُرجح أن هذه الصالة كانت مخصصة لاستقبال المومياء في أثناء عملية الدفن، قبل نقلها إلى موضعها النهائي داخل إحدى حجرات المقبرة.

مجموعة من التوابيت ضمن الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)

وتؤدي الصالة إلى حجرتين؛ تقع الأولى في الناحية الجنوبية، وعُثر في داخلها على أجزاء من تابوت فخاري. أما الحجرة الثانية فتقع في الناحية الشرقية، وعُثر في داخلها على تابوت من الحجر الجيري، فُقدت أجزاء من غطائه.

وأسفرت الحفائر كذلك عن الكشف عن عدد من اللقى الأثرية، من بينها مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية، والقنينات الصغيرة، والأطباق المختلفة الأشكال والأحجام، بالإضافة إلى عدد من موائد القرابين المصنوعة من الحجر الجيري والحجر الرملي. كما عُثر على عدد من التماثيل النذرية الصغيرة المصنوعة من الطين المحروق «تيراكوتا»، من بينها تماثيل لهيئات أمومية، وأخرى لهيئات حيوانية محوَّرة، وفق تصريحات قطب فوزي، رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة.

وأكد الدكتور صبري فرج، رئيس البعثة الأثرية ومدير عام آثار الواحات البحرية، أن البعثة تواصل أعمالها الأثرية في الموقع خلال المواسم المقبلة، في ضوء أهمية الموقع وما يزخر به من شواهد أثرية، معرباً عن أمله في أن تسفر أعمال الحفائر المستقبلية عن الكشف عن المزيد من المقابر التي قد تكشف عن أجيال متعاقبة من سكان الواحة، وتلقي مزيداً من الضوء على تاريخها.

وأشاد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بجهود البعثات الأثرية العاملة في مصر، سواء المصرية منها أو الأجنبية، التي أسفرت خلال الفترة الأخيرة عن عدد من الاكتشافات الأثرية المهمة في مختلف المحافظات. وأشار، في بيان للوزارة، الأربعاء، إلى أن هذا الكشف يتمتع بأهمية خاصة؛ لما يضيفه من شواهد جديدة إلى تاريخ الواحات البحرية، ويلقي الضوء على جانب من جوانب الحضارة المصرية وأسرارها.

ويضم موقع الشيخ سوبي بالواحات جبانة حكام وكهنة الواحات البحرية خلال العصر المتأخر، وهي جبانة منحوتة في التل الأثري المعروف باسم «الشيخ سوبي»، الذي يُعد أحد أهم المواقع الأثرية بالواحات البحرية، حيث يضم مقابر حكام وكهنة الواحة خلال تلك الفترة.

الكشف الجديد تضمن لقى أثرية متنوعة (وزارة السياحة والآثار)

وترى الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن «أهمية الكشف الجديد تكمن في كونه يضيف حلقة جديدة إلى تاريخ الواحات البحرية بوصفها منطقة عاشت فيها تقاليد مصرية عريقة وتفاعلت، عبر الزمن، مع التحولات السياسية والثقافية التي شهدتها مصر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الكشف الجديد في منطقة الشيخ سوبي بالواحات البحرية يتجاوز حدود العثور على عدد من المقابر واللقى الأثرية؛ فالقيمة الحقيقية لمثل هذه الاكتشافات تكمن في قدرتها على إعادة بناء صورة أكثر اكتمالاً للمجتمع الذي عاش في هذه المنطقة، لا سيما خلال العصر الروماني، وهي فترة شهدت فيها الواحات البحرية نشاطاً عمرانياً واقتصادياً لافتاً، فضلاً عن الطقوس الجنائزية الممتدة عبر التاريخ».

تمائم وأيقونات مختلفة اكتُشفت في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

وتابعت دينا: «أهم ما يستوقفني في هذا الكشف تنوع أنماط المقابر المكتشفة؛ فوجود مقبرة جماعية منحوتة في الحجر الرملي، إلى جانب مقابر ذات سلالم وأخرى ذات آبار، يعكس تعدداً في الحلول المعمارية للدفن، ويمنح الباحث فرصة لدراسة تطور الممارسات الجنائزية وعلاقتها بطبيعة الموقع الجيولوجية وبالتركيب الاجتماعي للسكان. ولا ينبغي النظر إلى هذه الطرز بوصفها مجرد أشكال معمارية مختلفة، وإنما بوصفها جزءاً من منظومة جنائزية متكاملة تعكس تصورات المجتمع عن الموت والدفن والانتقال إلى العالم الآخر».

وقالت إن «اكتشاف مقبرة يُرجَّح أنها كانت مخصصة لأسرة واحدة مكوَّنة من 5 أفراد يفتح مجالاً مهماً أمام الدراسات الأنثروبولوجية والأثرية. كما تكتسب اللقى الجنائزية المصاحبة أهمية خاصة؛ فالتوابيت، وموائد القرابين، والتماثيل النذرية، والمومياوات تشكل معاً منظومة مادية يمكن من خلالها قراءة الممارسات الدينية والجنائزية».


بعد هبوطها 300 قدم... فحص مخدرات يكشف عن تعاطي قائد طائرة هندية القنب

طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية (رويترز)
طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية (رويترز)
TT

بعد هبوطها 300 قدم... فحص مخدرات يكشف عن تعاطي قائد طائرة هندية القنب

طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية (رويترز)
طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية (رويترز)

كشفت نتائج فحص المخدرات الذي خضع له قائد طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية (إير إنديا)، عقب حادثة هبوط مفاجئ للطائرة بنحو 300 قدم (نحو 91 متراً) في وقت سابق من هذا الشهر، عن تعاطيه القنب، في تطور يضيف بُعداً جديداً إلى التحقيقات الجارية بشأن ملابسات الحادث وأسبابه. ووفقاً لصحيفة «إندبندنت»، أكدت نتيجة فحص ثانٍ النتيجة الإيجابية التي ظهرت في الاختبار الأول، في حين يواصل المحققون فحص العوامل البشرية والفنية التي ربما أسهمت في فقدان الطائرة ارتفاعها بصورة مفاجئة.

وأُصيب ما لا يقل عن 24 شخصاً عندما هوت الطائرة، التي كانت متجهة من فوكيت إلى دلهي، نحو 90 متراً من ارتفاعها المعتاد في 4 أغسطس (آب)، قبل أن تتمكن من الهبوط بسلام.

فحصان يؤكدان تعاطي القنب

أكدت وزارة الطيران المدني الهندية أنه طُلب من طاقم الطائرة الخضوع لفحوص للكشف عن المخدرات بعد الحادث، وجاءت نتيجة الفحص الأول لقائد الطائرة إيجابية؛ ما استدعى إجراء فحص تأكيدي.

وأكد مصدر مطلع على التحقيق لوكالة «رويترز» أن نتيجة الفحص الثاني جاءت أيضاً إيجابية، وأكدت تعاطي القنب.

ويجري المحققون كذلك تحقيقاً في سلوك قائد الطائرة أثناء الرحلة، بعد أن تقدم أفراد من طاقم الطائرة بشكوى إلى شركة «طيران الهند»، زعموا فيها أن القائد لم يكن مسيطراً على نفسه بصورة كاملة.

ويتمتع قائد الطائرة بالسلطة النهائية والمسؤولية القانونية الكاملة عن الرحلة؛ ما يجعل سلوكه وقدرته على أداء مهامه من العناصر الأساسية التي ينظر فيها التحقيق.

ووفقاً لتقرير داخلي متعلق بسلامة الطيران في الخطوط الجوية الهندية، لم يكن قائد الطائرة جالساً في مقعده عندما وقع الحادث، بل كان يقف خلف مساعده ويتناقش معه بشأن نظام تكييف الهواء في الطائرة، عندما انطلق جرس الإنذار.

وفي تلك اللحظة، انفصل نظام الطيار الآلي، وارتفعت مقدمة الطائرة. وكان مساعد الطيار هو من يقود الطائرة آنذاك، فاستجاب للتحذير المفاجئ المتعلق بالتوقف، من خلال خفض مقدمة الطائرة.

سقوط مفاجئ وارتباك في قمرة القيادة

أدت هذه المناورة إلى حدوث تسارع سلبي حاد، تسبب في هبوط الطائرة بسرعة، كما أدى إلى تطاير بعض الأغراض داخل قمرة القيادة، إلى جانب ارتفاع قائد الطائرة ومساعده عن مقعديهما بفعل الحركة المفاجئة.

ووصف قائد الطائرة للمحققين كيف شاهد الأغراض ومساعده يتطايران داخل قمرة القيادة، في حين كان هو نفسه يرتفع إلى الأعلى. وبعد ذلك عاد بشكل مائل إلى مقعده، وشغّل إشارة ربط حزام الأمان أثناء عودته إلى مكانه.

وبعد أن ربط حزام الأمان، قال: «أنا أتحكم بالطائرة»، ثم تولى القيادة في وقت كانت الطائرة لا تزال في حالة هبوط. ولتثبيت الطائرة والحد من فقدان السرعة والارتفاع، دفع القبطان ذراع التحكم إلى أقصى قوة دفع مستمرة.

لكن بحلول ذلك الوقت، كانت الطائرة قد هوت بالفعل نحو 300 قدم.

ولا يزال التحقيق يبحث في تسلسل الأحداث داخل قمرة القيادة، وفي مدى مساهمة العوامل البشرية في الحادث، إلى جانب احتمال وجود مشكلات فنية أثرت في أداء الطائرة وأنظمتها.

وبالتوازي مع التحقيق في سلوك قائد الطائرة ونتائج فحوص المخدرات، فحص المحققون أدلة تشير إلى احتمال وجود مشكلات كبيرة في بعض أنظمة الطائرة.

وأظهرت سجلات الصيانة انخفاضاً في ضغط النظام الهيدروليكي للطائرة.

وتستخدم الأنظمة الهيدروليكية سائلاً مضغوطاً لتشغيل عدد من المكونات الأساسية في الطائرة، من بينها أجهزة التحكم في الطيران وعجلات الهبوط والمكابح، إضافة إلى مكونات ميكانيكية ثقيلة أخرى.

كما سجلت الطائرة تعطل نظام الطيار الآلي ووجود عطل في المصعد؛ وهو ما يشير إلى احتمال وجود خلل في نظام التحكم في زاوية ميل الطائرة. ويتيح هذا النظام للطيار رفع مقدمة الطائرة أو خفضها؛ وهو ما يحدد بدوره مسارها، سواء بالارتفاع أو الهبوط أو التحليق في مستوى أفقي.

وفي أعقاب الحادث، أصدرت الخطوط الجوية الهندية بياناً أولياً قالت فيه إن الرحلة «تعرضت لاضطراب جوي قصير أثناء التحليق؛ ما أدى إلى تغير مؤقت في الارتفاع».

لكن التحقيقات اللاحقة توسعت لتشمل جوانب فنية وتشغيلية وطبية وبشرية، في محاولة لتحديد الأسباب الدقيقة التي أدت إلى الهبوط المفاجئ للطائرة.

ويمثل هذا الحادث أحدث ضربة لشركة «طيران الهند»، التي تواجه سلسلة من التحقيقات المرتبطة بالسلامة. وتتعرض شركة الطيران لضغوط متزايدة منذ تحطم إحدى طائراتها من طراز «بوينغ 787 دريملاينر» في عام 2025، في حادث أسفر عن مقتل 260 شخصاً، وأدى إلى فتح تحقيقات في عدد من الثغرات المتعلقة بالسلامة، فضلاً عن زيادة التدقيق في قطاع الطيران الهندي بأكمله.