قرد يتخيَّل عصيراً غير موجود... والعلم يُراجع أفكاره

نتائج بحثية تُعيد طرح سؤال الخيال بكونه قدرة غير بشرية حصراً

شرخٌ في فكرة أنّ الخيال إنسانيّ خالص (أ.ب)
شرخٌ في فكرة أنّ الخيال إنسانيّ خالص (أ.ب)
TT

قرد يتخيَّل عصيراً غير موجود... والعلم يُراجع أفكاره

شرخٌ في فكرة أنّ الخيال إنسانيّ خالص (أ.ب)
شرخٌ في فكرة أنّ الخيال إنسانيّ خالص (أ.ب)

لطالما عُدَّ الخيال حجر زاوية في الإبداع الإنساني، إذ يتيح للأطفال تحويل غرف النوم إلى قلاع، وإقامة حفلات شاي من نسج الخيال. وإنما هذه القدرة قد لا تكون حكراً على البشر وحدهم، وفق ما تشير إليه نتائج تجربة حديثة.

فللمرة الأولى، تقدّم تجربة علمية دلائل قوية على أن أحد القردة التي تعيش في الأَسر يمتلك هذه القدرة. وقال الباحث المُشارك في الدراسة من جامعة «جونز هوبكنز»، كريستوفر كروبينيه: «ما يبعث على الحماسة حقاً في هذا العمل هو أنه يشير إلى أنّ جذور هذه القدرة على الخيال ليست حكراً على نوعنا البشري».

وتساءل العلماء عمّا إذا كان البونوبو «كانزي» يمتلك القدرة على اللعب التخيّلي، أي التصرُّف كما لو أن شيئاً ما حقيقي، مع إدراك أنه ليس كذلك. وكانوا قد سمعوا تقارير عن إناث الشمبانزي في البرّية وهي تحمل عصياً كما لو كانت أطفالاً، وعن شمبانزي في الأسر تجرّ مكعّبات متخيّلة على الأرض بعد اللعب بمكعّبات حقيقية.

لكن الخيال مفهوم مجرّد، ممّا يجعل من الصعب معرفة ما يدور في أذهان القردة. فقد يكون هذا السلوك مجرّد تقليد للباحثين، أو نتيجة خلط بين الأشياء المُتخيّلة والحقيقية.

بين الكأس الفارغة والخيال الممتلئ بدأ سؤال العلم (أ.ب)

وللتغلّب على هذه الإشكالية، استعان الباحثون بأساليب تُستخدم في دراسة الأطفال الصغار، ونظّموا «حفلة عصير» لـ«كانزي»، إذ سكبوا عصيراً مُتخيّلاً من إبريق إلى كوبين، ثم تظاهروا بإفراغ أحدهما فقط. وسألوا «كانزي» أيّ الكوبين يريده، فأشار إلى الكوب الذي لا يزال يحتوي على العصير المُتخيّل في 68 في المائة من المحاولات.

وللتأكّد من أنّ «كانزي» لا يخلط بين الحقيقي والخيالي، أجرى الباحثون اختباراً آخر باستخدام عصير حقيقي. واختار «كانزي» العصير الحقيقي بدلاً من المُتخيّل في نحو 80 في المائة من المرات، وهو ما «يشير إلى أنه قادر فعلاً على التمييز بين العصير الحقيقي والعصير المُتخيّل»، وفق أماليا باستوس، الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة «سانت أندروز» في اسكوتلندا.

كما أظهرت تجربة ثالثة، وُضعت فيها عناقيد عنب زائفة داخل جرّتين، نتائج إيجابية مماثلة.

وإنما جميع العلماء لم يقتنعوا بأنّ «كانزي» يمارس اللعب التخيّلي بالطريقة نفسها التي يفعلها البشر. وقال أستاذ علم النفس المقارن في جامعة ديوك، مايكل توماسيلو، إن هناك فرقاً بين تصوّر سكب العصير في كوب، والحفاظ على الادّعاء بأنه حقيقي. وأضاف في رسالة بالبريد الإلكتروني: «لكي أقتنع بذلك، أحتاج إلى أن أرى (كانزي) يتظاهر بنفسه بسكب الماء في وعاء». ولم يكن لتوماسيلو أي دور في الدراسة التي نُشرت في مجلة «ساينس» ونقلتها «الإندبندنت».

ونشأ «كانزي» بين البشر، ممّا يجعل من الصعب الجزم بما إذا كانت قدراته تنطبق على جميع القردة، أم أنها نتيجة تنشئته الخاصة. وقد نفق العام الماضي عن 44 عاماً.

ويواجه عدد من أنواع القردة العليا في البرّية خطر الانقراض الشديد، وسيكون من الضروري إجراء مزيد من البحوث لفهم ما تستطيع عقولها القيام به. وقالت باستوس: «لقد فتح (كانزي) هذا المسار أمام كثير من الدراسات المستقبلية».


مقالات ذات صلة

رصدُ قنديل البحر الشبح العملاق قبالة سواحل الأرجنتين

يوميات الشرق في عمق لا تبلغه الشمس تكشف الحياة عن وجوه غير متوقَّعة (معهد شميدت للمحيطات)

رصدُ قنديل البحر الشبح العملاق قبالة سواحل الأرجنتين

باستخدام مركبة تُدار عن بُعد تُعرف باسم «ROV سوبيستيان»، عثر العلماء على قنديل البحر الشبح العملاق النادر...

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)
يوميات الشرق حياة جديدة تتعثَّر في خطواتها الأولى (حديقة حيوان سميثسونيان)

ضيف غير متوقَّع في واشنطن بعد غياب 25 عاماً

وصف مسؤولو الحديقة الولادة بأنها حدث نادر ومبهج، ليس فقط بالنسبة إلى الحديقة الوطنية، وإنما بالنسبة إلى حماية الأفيال الآسيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق البياض أخفى معركة من أجل البقاء (مركز «نيو إنغلاند للحياة البرّية» على «إنستغرام»)

دُفنت تحت الثلوج ولم تنتهِ قصتها... سحلية تتحدَّى التجمُّد وتنجو

الزاحف ذا الدم البارد، المعروف باسم «فرانكي»، كان لا يزال على قيد الحياة، ونُقل على الفور إلى داخل أحد المنازل للمساعدة في الحفاظ على حرارة جسده.

«الشرق الأوسط» (رود آيلاند - الولايات المتحدة)
يوميات الشرق احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)

أحفورة تكشف عن شكل مجهول من الحياة

من المقرَّر عرض أحفورة «البروتوتاكسيتس»، وهو شكل من أشكال الحياة الضخمة التي كانت تهيمن ذات يوم فوق المناظر الطبيعية القديمة، في المتحف الوطني في اسكوتلندا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الفقمة «كولد كول» تبدأ حياة ثانية بعيداً عن الأمواج (الجمعية الملكية لمنع القسوة على الحيوانات)

العثور على فقمة يتيمة في مكان غير متوقَّع

تبدأ جرو فقمة أنثى «نشيطة وحيوية» مرحلة إعادة تأهيل تستمر أشهراً في مركز «الجمعية الملكية لمنع القسوة على الحيوانات»، بعد العثور عليها في نورفولك.

«الشرق الأوسط» (لندن)

زيت الزيتون ومرق العظام… هل تفي صيحات «صحة الأمعاء» بوعودها؟

هل تفي صيحات «صحة الأمعاء» بوعودها؟
هل تفي صيحات «صحة الأمعاء» بوعودها؟
TT

زيت الزيتون ومرق العظام… هل تفي صيحات «صحة الأمعاء» بوعودها؟

هل تفي صيحات «صحة الأمعاء» بوعودها؟
هل تفي صيحات «صحة الأمعاء» بوعودها؟

تحولت «صحة الأمعاء» في السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر المصطلحات رواجاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتصدر مشاهد شرب ماء بذور الشيا مع ساعات الصباح الأولى، وإضافة جل طحلب البحر إلى العصائر، واحتساء مرق العظام بدعوى «شفاء» الأمعاء، قائمة النصائح الصحية المتداولة على نطاق واسع.

وتُنسب إلى هذه الممارسات فوائد متعددة، تتراوح بين تحسين المزاج وزيادة الطاقة وتعزيز المناعة. غير أن علماء وباحثين يؤكدون أن الصورة أكثر تعقيداً مما تروّجه هذه الصيحات، لا سيما أن علم ميكروبيوم الأمعاء لا يزال مجالاً حديثاً نسبياً، تتطور معارفه العلمية بوتيرة شبه يومية.

ورغم الإجماع على الدور المحوري الذي يلعبه ميكروبيوم الأمعاء في الصحة العامة، يشير الخبراء إلى أن الأدلة الداعمة لكثير من الحلول السريعة المتداولة تبقى محدودة، وأن التركيز المفرط على علاج الأمعاء قد يكون غير ضروري بالنسبة لمعظم الأشخاص الأصحاء.

الثوم وزيت السمك يحتويان على مركّبات فعّالة مضادة للأكسدة والالتهابات ما يجعلهما مفيدَين في خفض ضغط الدم وتقليل الكوليسترول والوقاية من أمراض القلب والأوعية (بيكسلز)

ما هو ميكروبيوم الأمعاء؟

توضح مذيعة العلوم في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، كارولاين ستيل، أن الأمعاء لا تقتصر على المعدة فقط، بل تشمل الجهاز الهضمي كاملاً، من الفم إلى الشرج. ويعيش داخل هذا النظام المعقد ما يُعرف بميكروبيوم الأمعاء، وهو مجتمع هائل يضم تريليونات من البكتيريا والفيروسات والفطريات.

وتصف ستيل هذا الميكروبيوم بأنه «أكثر تفرّداً من بصمة الإصبع»؛ إذ يؤثر بشكل مباشر في كيفية عمل الجسم، ويسهم في امتصاص الطاقة من الطعام، وتنظيم مستويات السكر في الدم، ودعم الجهاز المناعي. كما تشير دراسات متزايدة إلى وجود ارتباط وثيق بين صحة الأمعاء والصحة النفسية، بما في ذلك خفض مستويات القلق وتحسين المزاج.

بين الحقيقة والمبالغة

يرى عالم الأحياء الدقيقة آلان ووكر، وعالمة صحة الأمعاء الدكتورة ميغان روسي، أن معظم الأطعمة الرائجة تقوم على «نواة صغيرة من الحقيقة»، لكنها غالباً ما تُسوَّق على أنها حلول شبه سحرية، مع تضخيم فوائدها الصحية.

بذور الشيا صغيرة الحجم لكنها تحتوي على كمية كبيرة من الألياف (بيكسلز)

ماء بذور الشيا:

تحتوي بذور الشيا على نسبة مرتفعة من الألياف، التي تُعد عنصراً أساسياً لتغذية البكتيريا النافعة والمساعدة على انتظام الهضم. إلا أن ووكر يشدد على أن الاعتماد على مصدر واحد للألياف لا يكفي؛ لأن تنوع الميكروبات يتطلب تنوعاً غذائياً أوسع. ويخلص إلى أن «شرب ماء بذور الشيا ليس ضاراً، لكنه وحده لا يُحدث فرقاً كبيراً».

جرعات زيت الزيتون:

يُعرف زيت الزيتون بخصائصه المضادة للالتهاب وفوائده لصحة القلب، كما قد يساعد في تخفيف الإمساك. غير أن الأدلة العلمية لا تدعم فكرة أن تناوله على شكل «جرعة مركزة» يقدم فائدة إضافية لميكروبيوم الأمعاء مقارنة باستخدامه ضمن الطعام اليومي.

جل طحلب البحر (سي موس):

اكتسب هذا المنتج شعبية واسعة لاحتوائه على ألياف وبعض الفيتامينات والمعادن، إلا أن روسي تؤكد أن الأدلة العلمية التي تثبت تأثيره الإيجابي على صحة الأمعاء «محدودة جداً». كما تحذر من الإفراط في تناوله، خصوصاً لدى المصابين بأمراض الأمعاء الالتهابية، مشيرة إلى احتمال احتوائه على معادن ثقيلة أو نسب مرتفعة من اليود.

مرق العظام:

يُحضَّر مرق العظام بغلي عظام الحيوانات لفترات طويلة لاستخلاص البروتينات والمعادن. ورغم كونه غنياً بالعناصر الغذائية ويُعد طعاماً مريحاً، يوضح ووكر أن معظم هذه العناصر تُمتص في الأمعاء الدقيقة، بينما تعيش غالبية الميكروبات في القولون، ما يقلل من تأثيره المباشر عليها. كما تحذر روسي من احتمال تأثيره السلبي على مستويات الكوليسترول إذا لم تُزَل الدهون المشبعة.

بعض أنواع الكومبوتشا تحتوي على معادن مضافة (بيكسلز)

الكومبوتشا:

تحظى الكومبوتشا، وهي شاي مُخمَّر، بتقدير بعض الخبراء، لاحتوائها على أحماض طبيعية ومركبات نباتية مضادة للأكسدة. غير أن روسي تؤكد أن جودتها تختلف من منتج إلى آخر، وتنصح بتجنب الأنواع الصناعية التي يُضاف إليها الخل أو المحليات الصناعية.

هل نحتاج فعلاً إلى «شفاء» الأمعاء؟

تشير ستيل إلى أن أعراضاً مثل الإمساك المزمن، أو الإسهال المستمر، أو آلام البطن المتواصلة قد تستدعي تقييماً طبياً، مؤكدة أن اللجوء إلى أنظمة غذائية قاسية أو إقصائية دون استشارة مختصين قد يكون غير مجدٍ.

وتخلص إلى أن «الغالبية لا تحتاج إلى شفاء الأمعاء»، موضحة أن الأمعاء السليمة لن تستفيد كثيراً من هذه الصيحات. وبدلاً من ملاحقة الترندات الصحية، ينصح الخبراء باتباع قواعد بسيطة ومستدامة، مثل الإكثار من تناول النباتات، وزيادة الألياف الغذائية، وتقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة.


«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)
يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)
TT

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)
يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

يمضي الفيلم الوثائقي السوري-البريطاني «حلفاء في المنفى» إلى ما هو أبعد من كونه شهادة على الحرب أو سرداً لتجربة لجوء، ليغدو تأملاً ممتداً في الزمن، وفي الصداقة بوصفها أحد أشكال النجاة، وفي الكاميرا بوصفها أداة للبقاء حين يتعطّل كل شيء آخر. فالفيلم، الذي تبلغ مدته 39 دقيقة، يتتبع على مدى أكثر من 14 عاماً المسار المشترك لصانعي الأفلام السوريين حسن قطّان، وفادي الحلبي، منذ بدايات الثورة السورية، مروراً بتجربة التوثيق تحت القصف، وصولاً إلى المنفى واللجوء، حيث يتبدّل شكل العنف، لكن أثره لا يختفي.

عُرض «حلفاء في المنفى» للمرة الأولى عالمياً ضمن مهرجان «روتردام السينمائي الدولي» في دورته الحالية، ليُقدَّم بوصفه فيلماً شخصياً بالغ الخصوصية، لكنه في الوقت نفسه مفتوح على تجربة إنسانية أوسع، تتقاطع فيها سيرة فردين مع حكاية جيل كامل تشكّل وعيه في لحظة تاريخية استثنائية.

ينطلق الفيلم من علاقة صداقة تشكّلت في قلب الخطر. فلم يكن حسن قطّان وفادي الحلبي مجرد زميلين في العمل، بل شريكين في تجربة عيش كاملة بدأت في مدينة حلب، حيث أسّسا، إلى جانب مجموعة من الصحافيين والناشطين، «مركز حلب الإعلامي» عام 2012، في محاولة لنقل ما يجري في المدينة إلى العالم، وتوثيق القصف والانتهاكات اليومية، في ظل شعور طاغٍ بانسداد الأفق وغياب العدالة. وفي تلك المرحلة، لم تكن الكاميرا أداة فنية بقدر ما كانت وسيلة للدفاع عن الحق، وفق تصريحات مخرج الفيلم.

وثق الفيلم جانباً من الدمار في سوريا وقت الثورة (الشركة المنتجة)

لكن الفيلم لا يقف طويلاً عند مشاهد الحرب، بل ينتقل إلى مساحة تبدو أكثر هدوءاً في ظاهرها، وأكثر قسوة على المستوى النفسي. ففي فندق مخصّص لطالبي اللجوء في بريطانيا، يواجه الصديقان شكلاً آخر من الانتظار، حيث يصبح الزمن نفسه عبئاً ثقيلاً. هنا تتبدّل الأسئلة، ويغدو الماضي حاضراً بإلحاح، فيما يبدو المستقبل مؤجلاً إلى أجل غير مسمّى.

تفاصيل الحياة اليومية، من الجلوس الطويل في الغرف، إلى المحادثات العابرة، وصولاً إلى الصمت الثقيل، تتحوّل إلى مادة سينمائية تكشف عن هشاشة الإنسان حين يُجبر على التوقّف.

ويقول المخرج السوري حسن قطّان لـ«الشرق الأوسط» إن «أكثر المراحل صعوبة في صناعة الفيلم لم تكن التصوير، بل مرحلة التفريغ والمشاهدة المتكررة للمادة المصوّرة»، واصفاً تلك اللحظات بأنها «مواجهة مباشرة مع الذاكرة، ومع صور لأحداث عشتها في وقت لم أكن أملك فيه رفاهية التأمّل».

خلال عملية التفريغ، اضطر قطّان إلى مشاهدة نفسه وصديقه في حالات ضعف وتعب وانكسار، وهي لحظات لم تُصوَّر بقصد العرض، بل بوصفها جزءاً من الحياة اليومية. وهو ما يجعله يؤكد أن «العودة إلى هذه المواد بعد سنوات كانت مؤلمة، لأنها أعادت فتح أسئلة لم تُحسم، وذكريات حاولت تجاوزها بالانغماس في العمل».

الفيلم الوثائقي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

ويضيف أن «الصعوبة لم تكن تقنية، بل نفسية بامتياز، فعملية الاختيار والحذف كانت تعني اتخاذ قرار بشأن ما يمكن تحمّله، وما يجب تركه خارج الفيلم». بعض اللحظات، كما يقول: «كانت ثقيلة إلى حد اضطررت معه إلى التوقف عن العمل أياماً كاملة قبل أن أتمكّن من العودة إليها». ويتابع: «التفريغ، في هذه الحالة، لم يكن مجرد خطوة إنتاجية، بل تجربة علاجية قاسية، أعادت ترتيب العلاقة مع الذاكرة، ومع فكرة اللجوء نفسها».

وعن اختيار عنوان الفيلم «حلفاء في المنفى»، يوضح قطّان أن «الاسم نابع من شعور داخلي بأن المنفى ليس حالة فردية، بل تجربة تُعاش جماعياً، وأن الصداقة تتحوّل في هذا السياق إلى نوع من التحالف غير المعلن ضد العزلة وضد التفكك». فالمنفى، كما يراه، «ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات».

ويؤكد المخرج السوري أن «الفيلم، رغم جذوره السورية الواضحة، لا يخص السوريين وحدهم، بل يفتح باباً للتفكير في معنى الاقتلاع الإنساني عموماً، وفي الكيفية التي يمكن للإنسان أن يعيد بها بناء علاقته بنفسه وبالعالم حين يُنتزع من سياقه الأول». وبالنسبة له، لم تكن صناعة «حلفاء في المنفى» محاولة لإنجاز فيلم فحسب، بل مساراً لفهم ما حدث، ومحاولة للتصالح مع تجربة لم يخترها، لكنها شكّلته على نحو لا يمكن تجاهله.


تقاطع الحداثة والتاريخ… «طويق للنحت» يستنطق الذاكرة والمسؤولية

تأتي الأعمال ضمن رؤية شاملة لـ«الرياض آرت» (طويق للنحت)
تأتي الأعمال ضمن رؤية شاملة لـ«الرياض آرت» (طويق للنحت)
TT

تقاطع الحداثة والتاريخ… «طويق للنحت» يستنطق الذاكرة والمسؤولية

تأتي الأعمال ضمن رؤية شاملة لـ«الرياض آرت» (طويق للنحت)
تأتي الأعمال ضمن رؤية شاملة لـ«الرياض آرت» (طويق للنحت)

تحت سماء الرياض، تتقاطع الحداثة المتسارعة مع عبق التاريخ عبر «ملتقى طويق للنحت»، الذي حوّل أحد أهم شوارع العاصمة السعودية إلى منصة عالمية لا تكتفي باستعراض المهارة التقنية، بل تغوص في عمق الأسئلة الوجودية حول علاقة الإنسان بالمكان.

قحماوي يخرج كواليس المدينة إلى الضوء في العمل الأطول بالملتقى (طويق للنحت)

وفي النسخة الحالية من الملتقى، التي توشك على الاختتام مطلع الأسبوع المقبل، تبرز تجربتان فنيتان استثنائيتان لكل من الفنان السعودي سعيد قمحاوي والفنانة العراقية مريم تركي، حيث يلتقي الماء بوصفه عصب الحياة، مع الأرض بوصفها مسرحاً مفتوحاً للتجارب والاكتشاف.

المدن تختنق بتكلّس المعنى وغياب الفن

سعيد قمحاوي يستند إلى 25 عاماً من الخبرة في التعليم الفني (طويق للنحت)

في عمله الضخم «شرايين الحياة»، لا يقدّم سعيد قمحاوي (مواليد الباحة، 1972) مجرد منحوتة، بل يخرج كواليس المدينة إلى الضوء. ففي هذا العمل، الذي يُعد الأطول في تاريخ الملتقى بارتفاع يصل إلى 7 أمتار، ينجز قمحاوي تركيباً نحتياً قائماً على شبكة معقّدة من الأنابيب المتقاطعة في الفضاء، محاكياً الشرايين التي تضخ الحياة في جسد المدينة الصامت.

قمحاوي، الذي يستند إلى خبرة تمتد 25 عاماً في مجال التعليم الفني، انتقل من اللوحة إلى الفضاء الرحب بحثاً عن لغة تلامس الجسد والمكان معاً، انطلاقاً من قناعته بأن المدن لا تختنق بالعمران وحده، بل أيضاً «بتكلّس المعنى» وغياب الفن.

الفنان السعودي سعيد قمحاوي يتابع إنجاز عمله (طويق للنحت)

ويقول قمحاوي عن عمله: «المدينة كائن حي يعيش بما لا نراه، بما يجري تحتها من تمديدات تعمل بلا ضجيج». ويكتسب اختياره شارع «التحلية» موقعاً للعمل دلالة رمزية عميقة، ترتبط بتاريخ الرياض مع مشاريع تحلية المياه، محوّلاً البنية الوظيفية إلى تجربة حسية يسير الجمهور داخلها، ليتأملوا في تلك «القوة الأولى» التي تحفظ توازن حياتنا اليومية.

شهود صامتة على عمارة الأرض

وعلى مقربة من تساؤلات قمحاوي في تأثير تفاصيل الأرض في أفكارنا، تقف الفنانة العراقية المقيمة في نيويورك، مريم تركي، لتطرح سؤالاً موازياً عن الفضاء الذي يظلّ الأرض. فمن خلال عملها «الكواكب تراقبنا»، تجسّد مريم صراعاً بصرياً وأخلاقياً وُلد من رحم تجربتين متناقضتين: مشاهدة دمار التراث في بغداد بعد أحداث عام 2003، ومراقبة البناء المتسارع في الغرب حيث تقيم.

وفي عمل يمزج بين صلابة الغرانيت ولمعان الفولاذ المقاوم للصدأ، تتكوّن المنحوتة من قواعد حجرية تمثل الذاكرة الجيولوجية، تنبثق منها أفرع تحمل كرات عاكسة. وتمثل هذه الكرات، وفق رؤية مريم تركي، «مراكز أخلاقية» تراقب سلوك الإنسان تجاه كوكبه.

مريم تركي صُنفت فنانة جديرة بالمتابعة (طويق للنحت)

ومريم تركي، التي صنّفتها مجلة «Architectural Digest» فنانة جديرة بالمتابعة، لا تنظر إلى النحت بوصفه فعلاً تجميلياً، بل أداة للمساءلة. ويطرح عملها معادلة صعبة عن قدرة الابتكار البشري على أن يكون فعلاً من أفعال المواءمة مع الأرض، لا استنزافاً لها. ومن خلال الربط بين الحجر الراسخ والكرات اليقِظة، تذكّرنا بأن «ما نبنيه اليوم، تراقبه الأرض غداً».

الفن بوصفه ضرورة حضارية

خلال الربط بين الحجر الراسخ والكرات اليقظة (طويق للنحت)

تأتي هذه الأعمال ضمن رؤية شاملة لمبادرة «الرياض آرت»، التي تهدف إلى تحويل العاصمة السعودية إلى معرض مفتوح يدمج الفن في النسيج اليومي للسكان. وبذلك لا يُنظر إلى أعمال سعيد قمحاوي ومريم تركي، وبقية الفنانين المشاركين في ملتقى طويق، بوصفها قطعاً فنية عابرة، بل بوصفها أجزاءً أصيلة من هوية المدينة المستقبلية، حيث يصبح الفن مساحة تنفّس تمنع المدن من التصلّب، وتمنح الإنسان قدرة جديدة على قراءة الفضاء الذي يسكنه.