لماذا تفترس بعض الحيوانات صغارها؟

بحوث تُبيّن أنّ الظاهرة أوسع انتشاراً مما كان يُعتقد

الأمومة تُدار بقوانين البقاء (شاترستوك)
الأمومة تُدار بقوانين البقاء (شاترستوك)
TT

لماذا تفترس بعض الحيوانات صغارها؟

الأمومة تُدار بقوانين البقاء (شاترستوك)
الأمومة تُدار بقوانين البقاء (شاترستوك)

يؤكد متخصّصون في علوم الحيوان أنّ ظاهرة افتراس بعض الحيوانات لصغارها متفشّية في حقيقة الأمر لدى كثير من أنواع الثدييات والحشرات والأسماك؛ إذ تُوثَّق لدى أكثر من 1500 فصيلة معروفة، مثل أسماك جوبي التي تعيش في الرمال وخنفساء الخنطب، وبعض الحيوانات المنزلية الأليفة. ويتبادر إلى الذهن سؤال مفاده: إذا كانت الحيوانات تمتلك غريزة التكاثر وحماية الصغار من أجل حفظ النوع، فما الذي يدفع تلك الأنواع إلى افتراس صغارها؟ وما هي العوامل التي تقودها إلى الإتيان بمثل هذا السلوك؟ ويقول العلماء إنّ هناك أسباباً كثيرة تفسّر هذه الظاهرة، تصبّ في حقيقة الدافع لمصلحة نجاح عملية التكاثر على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، نقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن خبير علم البيئة السلوكي بالجامعة السويدية للعلوم الزراعية في مدينة أوبسالا، أنيش بوزي، قوله: «افتراس الحيوانات لصغارها ظاهرة منتشرة على نطاق واسع، وهو سلوك متأصل في استراتيجيات التكاثر لديها». ويرى العلماء أنّ هذه الاستراتيجيات تختلف من فصيلة إلى أخرى؛ فالتكاثر هو استثمار، ورعاية الصغار استثمار أكبر؛ إذ تنفق كثير من الحيوانات قدراً كبيراً من الوقت والجهد والموارد على صغارها. وقد أثبتت الدراسات أنّ الحيوانات التي تنجب عدداً أقل من الصغار، مثل الأفيال أو الحيتان على سبيل المثال، هي الأقل عرضة لافتراس صغارها. ويوضح بوزي في تصريح للموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» المتخصّص في البحوث العلمية: «إذا التزم الحيوان برعاية صغيره لمدّة طويلة وبذل في ذلك مجهوداً كبيراً، فمن المستبعد أن يظهر عليه سلوك افتراسي نحو هذا الصغير».

وعلى العكس، فإنّ الأنواع التي لديها دورة تكاثر سريعة، أو تنجب أعداداً كبيرة من الصغار، تتزايد احتمالات ضلوعها في عملية افتراس هؤلاء الصغار، ولو بشكل جزئي على الأقل، مثل أن تلتهم بعضهم من حين إلى آخر. ويشرح بوزي أنّ السبب في ذلك يعود إلى أن «أرواح هؤلاء الصغار تكون أقل أهمية بالنسبة إلى نجاح عملية التكاثر بشكل عام».

ويتّفق العلماء على أنّ هناك اختلافات سلوكية كبيرة بين افتراس الصغار الجزئي والكلي. فالافتراس الجزئي أكثر شيوعاً بين بعض الحشرات والعناكب والأسماك التي تنجب مئات أو حتى آلاف الصغار في المرة الواحدة. وبعض الحيوانات والحشرات تلتهم صغارها عندما لا تجد مصدراً آخر للغذاء، وبعضها يلتهم صغاره لضمان عدم زيادة عددهم عن كمية الغذاء المُتاحة في البيئة التي يعيشون فيها. وقد توصّلت دراسة أُجريت عام 1987 إلى أنّ خنافس الجيف تلتهم بعض صغارها في حالات نقص الغذاء، حتى تضمن توافر كمية كافية من الغذاء للصغار الذين يظلّون على قيد الحياة.

وقد رُصدت ظاهرة افتراس الصغار أيضاً لدى بعض الثدييات مثل القطط والكلاب والخنازير، إذا ما وُجد أنّ الصغار وُلدت ميتة أو مريضة، وبالتالي لا توجد فرصة كبيرة لبقائها على قيد الحياة. وربما تكون هذه السلوكيات في حقيقة الأمر وسيلة غريزية لدى الحيوانات لإعادة امتصاص الطاقة التي أُهدرت على إنجاب هؤلاء الصغار الضعاف، نظراً لأن عملية الإنجاب عادة ما تستهلك طاقة الأم. وحدَّد باحثون أسباباً أخرى كثيرة للافتراس الجزئي للصغار، مثل الحدّ من الكثافة العددية، والاحتفاظ بنسب متساوية بين الجنسين، كما يحدث الافتراس أحياناً بسبب تفشّي عدوى طفيلية بين الصغار.

ويُلاحَظ أيضاً حدوث عمليات الافتراس الجزئي للصغار في حال كان بعضهم لا ينتسب وراثياً إلى الكبار؛ إذ يمكن لبعض ذكور الأسماك، على سبيل المثال، أن تتعرَّف عبر الرائحة إلى ما إذا كان الصغار أبناءها فعلياً أم أبناء ذكر آخر، من خلال المواد الكيميائية التي تُفرز خلال فقس البيض. وقد كشفت دراسة أُجريت عام 2003 أنّ ذكور سمكة الخيشوم الأزرق تبادر إلى التهام الصغار بمجرّد أن تشتم أنهم ينتسبون إلى ذكر غيرها. ويقول بوزي إنّ ذلك «بالطبع يتنافى مع رغبة الأم؛ لأن تلك الصغار تتبعها من الناحية الوراثية، وهي بالتالي تريد بقاءها على قيد الحياة»، مما قد يؤدّي أحياناً إلى نشوب صراع بين الذكر الذي يريد افتراس الصغار الغرباء والأنثى التي تريد الحفاظ على حياتها. ويوضح بوزي أنّ «هذه النوعية من الصراعات تُسوَّى عن طريق إبعاد الأنثى الذكر عن الصغار».

أما افتراس الصغار الكلّي، فيحدث عادة في المواقف التي يختلف فيها حجم الصغار من محاولة إنجاب إلى أخرى. ويقول بوزي: «في بعض الأحيان يكون الصغير أصغر حجماً أو أضعف من الصورة التي ترغبها الأم، وهو ما يدفع الحيوان إلى التخلّص منه والتهامه بدلاً من استهلاك المجهود في محاولة إبقائه على قيد الحياة، وذلك من أجل البدء في محاولة إنجاب جديدة لصغير آخر أكبر حجماً وأكثر قوة، مما يزيد من فرصه في البقاء بشكل عام». ويضيف أنّ مثل هذه السلوكيات تحدث لدى الثدييات الصغيرة مثل القوارض والأرانب.

وأظهرت دراسات أنّ التوتر والقلق قد يدفعان الأم أحياناً إلى التهام صغارها في حالات العيش في بيئات خطيرة تقلّ فيها فرص استمرار حياة الصغار؛ إذ إنّ افتراس الصغار في هذه الحالة يزيد من فرص الأم نفسها في البقاء وإنجاب صغار آخرين في وقت لاحق، عندما تكون الظروف مواتية بشكل أكبر.

وبشكل عام، توصّل العلماء إلى أنّ ظاهرة افتراس الصغار متفشّية ومركّبة بشكل أكبر مما كان يُعتقد من قبل. ويقول بوزي: «أدركنا الآن أنّ هناك عوامل كثيرة تُحفّز عملية افتراس الصغار، وأننا سنكتشف على الأرجح كثيراً من الأسباب الأخرى التي تُفسّر هذه الظاهرة في المستقبل».


مقالات ذات صلة

ذئب هارب يشغل كوريا... والنهاية سعيدة

يوميات الشرق عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)

ذئب هارب يشغل كوريا... والنهاية سعيدة

عمَّت موجة من الفرح منصات الإنترنت في كوريا الجنوبية بعد القبض الآمن على ذئب في الثانية من عمره، كان قد فرَّ من حديقة حيوانات...

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)

طفلة تُحوّل الأشجار إلى شخصيات «ناطقة» تحكي قصصها

خلف هذه اللافتات فتاة لم يتجاوز عمرها 11 عاماً، وقد أمضت العام الماضي في نزهاتها العائلية، بينما ينسج خيالها قصصاً لكلّ شجرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)

فطر نادر يُشبه اللسان يظهر للمرة الأولى في بريطانيا

كشفت محمية طبيعية في جنوب إنجلترا عن فطر نادر يتّخذ هيئة اللسان، في اكتشاف يُنظر إليه على أنه شهادة حيّة على القيمة البيئية الفريدة للمحميات الطبيعية الوطنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق انقلاب في ميزان المفترسات (أ.ف.ب)

ثعلب يتحدَّى الذئاب: افتراسٌ يُوثَّق للمرَّة الأولى

في واقعة تُعدُّ الأولى من نوعها علمياً، وثَّق باحثون سلوكاً غير مسبوق لثعلب أحمر يفترس جروَ ذئب...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق خلف هذه الكائنات الصغيرة قصة تجارة (رويترز)

تهريب «ملكات النمل» يوقع مسافراً في قبضة سلطات كينيا

أوقفت السلطات الكينية مواطناً صينياً في مطار العاصمة نيروبي للاشتباه في محاولته تهريب أكثر من ألفَي «ملكة نمل الحدائق» الحيّة إلى خارج البلاد...

«الشرق الأوسط» (نيروبي - كينيا)

دراسة: ممارسة الأنشطة في الطبيعة تحد من الشعور بالوحدة

المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)
المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)
TT

دراسة: ممارسة الأنشطة في الطبيعة تحد من الشعور بالوحدة

المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)
المشي بجانب البحيرات أو الأنهار يقلل الشعور بالوحدة (جامعة جورج تاون)

كشفت دراسة نرويجية عن أن ممارسة بعض الأنشطة في البيئات الطبيعية يمكن أن تساهم بشكل فعّال في تقليل الشعور بالوحدة، من خلال تعزيز الإحساس بالانتماء إلى المكان والطبيعة، وليس فقط إلى الآخرين.

وأوضح الباحثون بالجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا أن هذه الأنشطة لا تتطلب موارد كبيرة أو تدخلاً طبياً، ما يجعلها وسيلة وقائية بسيطة وقابلة للتطبيق على نطاق واسع، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «Health & Place».

ويُعد الشعور بالوحدة حالة نفسية شائعة تنشأ عندما يفتقد الإنسان الإحساس بالانتماء أو التواصل، سواء مع الآخرين أو مع محيطه الأوسع. ولا يقتصر هذا الشعور على العزلة الاجتماعية، بل قد يظهر حتى في وجود علاقات، نتيجة ضعف الترابط العاطفي أو الشعور بعدم الفهم.

واعتمدت الدراسة على مقابلات مع نحو 2500 شخص ضمن دراسة أُجريت في مدينة غيوفيك النرويجية بالقرب من بحيرة ميوسا. واستهدفت البحث فيما إذا كان قضاء الوقت في الطبيعة يمكن أن يعزز الشعور بالانتماء ويساهم في الحد من الشعور بالوحدة. وأظهرت النتائج أن أكثر من 75 في المائة من المشاركين يزورون البحيرة عدة مرات سنوياً، بينما يزورها نحو 25 في المائة عدة مرات شهرياً.

كما بيّنت النتائج أن 6 في المائة من المشاركين يعانون من وحدة شديدة، و53 في المائة يعانون من بعض الشعور بالوحدة، في حين أفاد 41 في المائة بأنهم لا يشعرون بالوحدة على الإطلاق.

وحسب الباحثين، فإن أكثر الأنشطة الطبيعية ارتباطاً بتقليل الشعور بالوحدة تشمل، المشي الهادئ بجانب البحيرات أو الأنهار، والجلوس والتأمل في الطبيعة، ومراقبة تفاصيل البيئة مثل الأشجار والضوء وتغيرات المشهد الطبيعي، إضافة إلى قضاء الوقت في أماكن مفتوحة بعيداً عن الضوضاء، والاستمتاع بأنشطة بسيطة دون التركيز على الأداء الرياضي.

وأكد الباحثون أن الأنشطة الخارجية في البيئات الطبيعية تمتلك تأثيراً وقائياً مهماً ضد الوحدة، مشيرين إلى أن هذه النتائج تمثل إضافة مهمة لوسائل مواجهة هذه المشكلة المتزايدة.

كما أوضحت الدراسة أن الشعور بالانتماء لا يقتصر على العلاقات الاجتماعية، بل يشمل أيضاً الارتباط بالمكان والطبيعة، فعندما يشعر الإنسان بأنه جزء من الطبيعة، يتولد لديه إحساس بالانتماء إلى مجتمع أوسع، ما يخفف من مشاعر العزلة.

ورغم ذلك، أوضحت الدراسة أن مجرد الوجود في الطبيعة أو ممارسة الرياضة فيها، مثل الجري، لا يحقق التأثير نفسه بالضرورة، إذ يرتبط ذلك بمدى انتباه الشخص لتفاصيل البيئة المحيطة، مثل الأصوات والضوء والأفق وأنماط الأشجار.

وحذّر الباحثون من أن تراجع المساحات الطبيعية أو صعوبة الوصول إليها قد تكون له آثار اجتماعية وصحية سلبية كبيرة، مؤكدين أن الوحدة تُعد من أبرز التحديات الصحية العامة.

وأوصت الدراسة بتشجيع الأفراد على قضاء وقت منتظم في الطبيعة، حتى ولو لفترات قصيرة، مع التركيز على ملاحظة تفاصيلها والاستمتاع بها، باعتبار ذلك وسيلة بسيطة وفعالة لتحسين الحالة النفسية وتقليل الشعور بالوحدة.


ذئب هارب يشغل كوريا... والنهاية سعيدة

عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)
عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)
TT

ذئب هارب يشغل كوريا... والنهاية سعيدة

عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)
عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)

عمَّت موجة من الفرح منصات الإنترنت في كوريا الجنوبية بعد القبض الآمن على ذئب في الثانية من عمره، كان قد فرَّ من حديقة حيوانات، عقب عملية بحث استمرَّت 9 أيام أبقت البلاد في حالة ترقُّب، وجعلت الذئب حديث الرأي العام.

ووفق «أسوشييتد برس»، كان الذئب الذكر، المعروف باسم «نيوكغو»، قد فرَّ من قفصه في حديقة «أو-وورلد» بمدينة دايغون في 8 أبريل (نيسان) الحالي؛ مّا أدى إلى إطلاق عملية بحث واسعة أثارت القلق بشأن مصيره.

وأبدى ناشطون في مجال حقوق الحيوان مخاوفهم من عدم قدرته على التكيُّف خارج بيئته، كما حذَّروا من احتمال تعرُّضه للقتل خلال القبض عليه، على غرار حادثة مماثلة لحيوان هارب من الحديقة سابقاً.

وتصاعدت المخاوف إلى مستوى وطني؛ ما دفع الرئيس لي جاي ميونغ إلى طمأنة المواطنين، مؤكداً أنّ الجهات المعنية تبذل أقصى جهودها لإعادته حياً.

وفي إحدى المحاولات، اقتربت السلطات من الإمساك به بعد رصده على تل قريب من الحديقة، لكنه تمكَّن من الإفلات من الطوق الأمني. كما وثَّق أحد السائقين مشهداً للذئب وهو يركض على طريق جبلية مظلمة، تلاحقه أضواء سيارة، في لقطات أثارت تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي نهاية المطاف، عُثر على «نيوكغو» فجر الجمعة على تل قرب طريق سريعة، حيث خُدِّر بعد عملية مطوّلة شاركت فيها طائرات مسيّرة وفرق إنقاذ وأطباء بيطريون.

وأكد المسؤولون أنّ حالته مستقرّة بعد إعادته إلى الحديقة، حيث أُزيل خطاف صيد من معدته باستخدام منظار، من دون تسجيل أي مشكلات صحية أخرى.

خرج إلى المجهول فعاد إلى الأمان (أ.ف.ب)

ونشرت سلطات دايغون مقاطع تُظهر لحظة إنقاذ الذئب ونقله، إضافة إلى خضوعه لفحوص طبية داخل الحديقة، في حين تدفَّقت رسائل الترحيب على المنصات، من قبيل «مرحباً بعودتك» و«الخارج ليس آمناً لك». كما أعرب عمدة دايغون، لي جانغ وو، عن امتنانه لمساندة المواطنين في تأمين عودة الحيوان سالماً.

ويُذكر أن «نيوكغو» وُلد في الحديقة عام 2024، وينتمي إلى الجيل الثالث لسلالة ذئاب أُحضرت من روسيا عام 2008 ضمن مشروع لإعادة إحياء الذئاب التي اختفت من البرّية الكورية منذ ستينات القرن الماضي.

وأوضح مدير حديقة «أو-وورلد»، لي كوان جونغ، أنّ الذئب سيبقى في منطقة معزولة لتلقّي الرعاية حتى يتعافى بشكل كامل.

وأغلقت إدارة الحديقة، التي واجهت انتقادات بسبب تكرار حوادث هروب الحيوانات، أبوابها عقب الحادثة، مؤكدة أنها لم تحدّد بعد موعد إعادة الافتتاح.

وأشار مدير الحديقة إلى أنه ستجري مراجعة إجراءات السلامة، مع التركيز على تعافي «نيوكغو»، الذي يُتوقَّع أن يصبح أحد أبرز عوامل الجذب عند إعادة فتح الحديقة.


سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
TT

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

من أجل العودة الباريسية المدوّية، لا بدّ من أغنيةٍ ناطقةٍ بالفرنسيّة توقظُ الحنين إلى زمن سيلين ديون وجان جاك غولدمان. وهو، لمَن لا يعرفُه، زمنُ الأحلام الممكنة وقصص الحب التي تصنع المعجزات.

استباقاً لسلسلة حفلاتها المرتقبة في العاصمة الفرنسية، الخريف المقبل، أصدرت الفنانة الكنَديّة العالميّة أغنية «Dansons» (هيّا نرقص) من تأليف الفنان الفرنسي جان جاك غولدمان وإنتاجه. بصوتٍ مكتملِ الإحساس والصلابة، تصدح ديون: «هيّا نرقص فوق الهاويات، على حواف القمم... هيّا نرقص حين يترنّح العالم كي ننسى آلامنا».

يا له من توقيتٍ صائبٍ لهكذا إعلان، في لحظةٍ ينفض العالم عنه ركام الحرب، كما تنفض سيلين ديون عنها أوجاعاً رافقتها خلال السنوات الـ6 الماضية بسبب إصابتها بمتلازمة الشخص المتيبّس.

وفق المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، فإنّ الأغنية كُتبت عام 2020 بالتزامن مع أهوال جائحة «كورونا»، لكنها بقيت في أدراج غولدمان؛ وكأنها كانت تنتظر تَعافي صوت ديون كي ينسكب عليها. أما وقد حان موعد العودة، سحبت ديون الأوراق من الأدراج وغنّت بصوتها القويّ والممتلئ إحساساً، وإن ظَلّلَه طيفُ جُرح.

مع أنّ الأغنية لم تترافق وفيديو كليب، فإنّ أداء ديون وحدَه قادرٌ على رسم ما يكفي من الصور في المخيّلة؛ وكأنّ النجمة الطالعة من مرضها واقفةٌ في أعلى برج إيفل أو على تلّة مونمارتر في باريس، تدعو الناس للرقص معها فرحاً وانتصاراً للحياة والحب.

سيلين ديون في إحدى الصور المواكبة لإصدارها الغنائي الجديد (سوني ميوزيك)

تنتمي «Dansons» إلى خانة الأغاني الشعريّة الرومانسية، وهي لا تختلف كثيراً عن النمط الذي سبق وقدّمه ديون وغولدمان في أعمالهما المشتركة الكثيرة. هو نمطٌ لا يشبه ربّما موسيقى هذا الزمن ولا يتماشى وذوق الجيل الجديد، إلّا أنه أقرب إلى الأغاني الكلاسيكيّة المُفتَقَدة التي تُحيي القصيدة والكلمة الهادفة إنسانياً.

ومن المرتقب أن تستأنف ديون نشاطها الموسيقيّ بدخولها الاستوديو قريباً من أجل تسجيل مجموعة من الأغاني، على أن يكتمل ألبومها الجديد عشيّة سلسلة حفلاتها في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلَين في ميدان «باريس لا ديفانس».

جان جاك غولدمان مؤلّف ومنتج أغنية سيلين ديون الجديدة (أ.ف.ب)

منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، التي تصيب الجهازَين العصبي والمناعي، دخلت سيلين ديون في شبهِ اعتزال. كادت تفقد صوتها وقدرتَها على السير، لكنّ إرادتها الصلبة والعلاج المكثّف سمحا لها بإطلالاتٍ متفرّقة بين الحين والآخر.

عام 2023، وضعت صوتها على مجموعة من أغاني فيلم «Love Again» كما كانت لها مشاركة فيه بشخصيتها الحقيقية. وفي صيف 2024، أبهرت جمهور أولمبياد باريس عندما افتتحت الألعاب الرياضية الصيفيّة بتقديم إعادة لأغنية «Hymne à l’amour» (نشيد الحب) لإديث بياف. كما كانت لها إطلالات غنائية مقتضبة في مناسباتٍ خاصة.

تُعدّ أغنية «Dansons» العودة الغنائية الرسمية لسيلين ديون (58 سنة) بعد آخر إصداراتها الخاصة قبل المرض، أي ألبوم «Courage» (شَجاعة) عام 2019. ويأتي هذا التعاون مع غولدمان، بعد 10 سنوات على ألبومهما المشترك الأخير «Encore un soir» (مساءٌ واحدٌ بعد) الصادر عام 2016.

جان جاك غولدمان (74 سنة) معتادٌ على مواكبة «ديفا الأغنية» في لحظاتٍ مصيريّة عدّة من حياتها. فالألبوم الأخير الذي جمعهما قبل 10 أعوام صدرَ بعد أشهر قليلة على وفاة زوج ديون، المنتج رينيه أنجليل.

بين غولدمان وديون صداقة وشراكة مستمرة منذ 1995 (موقع غولدمان)

مدّ غولدمان يد العون لصديقته عندما أرادت أن تصعد إلى المسرح من جديد، بعد خسارتها الرجل الذي اكتشف موهبتها ثم صار حب حياتها وأب أولادها. تذهب الصحافة الفرنسية إلى درجة وصف العلاقة بين الفنانَين بـ«قصة الحب الفنية». وما أغنية ديون الجديدة سوى دليلٍ إضافي على فرادة تلك العلاقة والخصوصية التي يتعامل بها غولدمان مع ديون.

فهذه العودة الفنية ليست محصورة بالفنانة الكنديّة، إنما هي عودة كذلك بالنسبة إلى غولدمان نفسه الذي اختار الاعتزال والانكفاء عن الأضواء عام 2005. لكنّ كل المستحيلات تصبح ممكنة من أجل سيلين، التي اكتشفها غولدمان يوم كانت بعدُ في بداياتها فانذهل بصوتها. منحَها عام 1995 ألبومَها الفرنسي الأكثر مبيعاً «D’Eux» (مِنهُم)، وهو الذي أدخلَها فعلياً إلى فرنسا من أبوابها العريضة.

سارت الشراكة الفنية جنباً إلى جنب مع العلاقة الإنسانية التي نمت بينهما، وتَكرّر التعاون عام 1998 في ألبوم ناجح آخر باللغة الفرنسية بعنوان «S’il suffisait d’aimer» (لو كان الحب يكفي). وفي 2003، ألّف غولدمان الألبوم الثالث لديون بعنوان «1 fille et 4 types» (فتاة وأربعة أشخاص). لكن مع اعتكافه الفني عام 2005، سكتت أغانيهما إلى أن كسرَ صمته عام 2016 ومنحها أغنية الوداع لزوجها الراحل.

مرةً جديدةً، يكسر غولدمان صمته الكبير من أجل العودة الكبرى لسيلين ديون. فهل يكمل النجم الفرنسي رحلته مع صديقة عُمره ويوقّع لها ألبوماً كاملاً، أم يكتفي بأغنية واحدة؟ والسؤال الأكبر: هل يطلّ معها في إحدى حفلاتها المرتقبة على مسرح «لا ديفانس»، ليشعل الجماهير التائقة إلى ملاقاته من جديد؛ هو الذي اختير خلال 14 سنة متتالية، ورغم بُعدِه وصمته، «الشخصية الأحبّ إلى قلوب الفرنسيين»؟