جيهان الكيخيا: «بابا والقذافي» يحمي سيرة والدي من الضياع مرة أخرى

المخرجة الليبية قالت إن فيلمها «لا يرسم صورة ملائكية للمُعارض الراحل»

منصور الكيخيا تولى مناصب وزارية ودبلوماسية في ليبيا (صورة من الفيلم)
منصور الكيخيا تولى مناصب وزارية ودبلوماسية في ليبيا (صورة من الفيلم)
TT

جيهان الكيخيا: «بابا والقذافي» يحمي سيرة والدي من الضياع مرة أخرى

منصور الكيخيا تولى مناصب وزارية ودبلوماسية في ليبيا (صورة من الفيلم)
منصور الكيخيا تولى مناصب وزارية ودبلوماسية في ليبيا (صورة من الفيلم)

قالت المخرجة الليبية، جيهان الكيخيا، إن قرارها توثيق حياة والدها بتقديم فيلمها «بابا والقذافي» جاء في لحظة حاسمة عاشت فيها شعوراً بالخوف على الذاكرة الليبية، مؤكدة أن الصراعات التي عاشتها ليبيا بعد سقوط نظام القذافي جعلتها تشعر بأن ذاكرة وسيرة والدها مهددة بالضياع مرة أخرى.

وأضافت الكيخيا، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخطف الأول لوالدي حدث وأنا طفلة لا أقوى على فعل شيء، لكنّ الخطف الثاني – كما وصفته – كان معنوياً، يتمثل في احتمال اختفاء ذكراه إلى الأبد، وفي تلك اللحظة أدركت أنني لم أعد طفلة، بل أصبحت قادرة على اتخاذ قرار، فاخترت البحث بنفسي عن الحقيقة».

المخرجة الليبية جيهان الكيخيا (الشركة المنتجة)

ولفتت إلى أنها شعرت بأن حياتها وهويتها ومعرفتها بوالدها كلها مهددة بالاختفاء، وأن المعركة الثانية – معركة الذاكرة – هي معركتها الشخصية التي لم تستطع الهرب منها، فاتخذت قرارها: «سأروي القصة، سأحاول أن أفهم حياتي، سأُكرّم أبي، وسأضمن على الأقل أن تبقى ذكراه حيّة».

جزء آخر من دافعها كان مرتبطاً بوالدتها التي بلغت الثمانين من العمر، فجاء تحركها مدفوعاً بالخوف من أن ترحل الأم فتأخذ معها كل التفاصيل والقصص التي عرفتها العائلة عبر السنين، فهي وحدها لا تستطيع أن تحفظها كما تحفظها الأم. لذلك، رأت أن «التوثيق ضرورة إنسانية قبل أن يكون ضرورة فنية»، وفق حديثها.

ويدور فيلم «بابا والقذافي» الذي بدأ رحلته الدولية بالعرض في مهرجان «فينسيا» ويشارك في مهرجان «الدوحة السينمائي» المقام خلال الفترة من 20 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، حول رحلة استعادة حكاية منصور رشيد الكيخيا، السياسي الليبي البارز ووزير الخارجية الليبي الأسبق، وأحد أهم رموز المعارضة السلمية لنظام معمر القذافي، والذي اختُطف في ظروف غامضة بينما لم تكن ابنته جيهان الكيخيا قد تجاوزت السادسة من عمرها.

منصور الكيخيا من أشهر المعارضين لنظام القذافي (الشركة المنتجة)

وتنطلق جيهان من هذا الجرح القديم لتعيد تفكيك لغز اختفاء والدها الذي كان يُنظر إليه باعتباره القائد القادم لليبيا، مستعينة بروايات أمها الفنانة السورية - الأميركية بهاء العمري الكيخيا التي قضت تسعة عشر عاماً في رحلة بحث مضنية، لينسج الفيلم خيطه السردي عبر شهادات العائلة والأصدقاء وشخصيات محورية ارتبطت بالقضية، كاشفاً معلومات كثيرة وروايات متضاربة.

وتقول جيهان إن «العمل على المشروع استمر عدة سنوات، فقد أجريت أكثر من ستين مقابلة فتحت لي الأبواب بمحبة وتقدير لذكرى منصور الكيخيا، فالناس كانوا يمنحونني وقتهم احتراماً له ورغبةً في مساعدتي»، لافتة إلى أن العلاقات التي نشأت بينها وبين الضيوف امتدت لسنوات، وأن معظم جلساتها كانت تستغرق ثلاث أو أربع ساعات، وشعرت باحترام واضح لفكر والدها وشخصه لدى كل من التقتهم.

وأكدت أنها لم تدخل المشروع بنية صناعة شخصية بطولية من سيرة والدها، بل برغبة في التعرف إلى «الإنسان» قبل السياسي والمحامي مما جعلها تسعى لمعرفة تفاصيل صغيرة عنه: «لونه المفضل، طباعه، الأشياء التي أحبّها، منفتحة على سماع الانتقادات أو أي جانب سلبي في شخصيته»، وتستدرك: «إلا أنني لم أجد أحداً يذكر شيئاً سلبياً»، معتبرة أن المثالية التي حولته إليها بالفيلم ليست مسؤوليتها بل مسؤولية المجتمع الذي يحمي صورته.

وأشارت المخرجة الليبية إلى أنها موّلت الفيلم بالكامل عبر منح ومنظمات غير ربحية حول العالم، وتعمّدت أن يكون المشروع مستقلاً تماماً ليبقى بعيداً عن أي تأثير سياسي أو سردية مبسّطة تختزل القصة في «شر مطلق وخير مطلق»، وهو مما جعلها تحافظ على استقلال الفيلم طوال تسع سنوات كي لا يتدخل أحد في قراراته أو يوجّه رسالته، مشيرة إلى أنها ما تزال حتى اليوم تجمع المال لاستكمال حقوق الموسيقى والأرشيف، مؤكدة أن «العمل في جوهره مشروع شخصي شديد الحساسية؛ لأنه يروي قصة بلد لا توجد عنه مواد تاريخية مصوّرة كافية».

منصور الكيخيا مع أسرته ضمن ألبوم العائلة (الشركة المنتجة)

أما عن الصعوبات في جمع المواد الأرشيفية، فأكدت أنها اعتمدت بشكل شبه كامل على مصادر أوروبية وبريطانية؛ لأنها لم تحصل على أي نفاذ إلى الأرشيف الليبي الرسمي، وأن الوصول إلى مواد من الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا أمر شبه مستحيل لغياب القنوات الواضحة لمعرفة من يملك هذه المواد وكيفية الوصول إليه.

وأكدت أنها تحصلت على نحو 400 ساعة من المواد المصوّرة، واستعادت حتى أشرطة طفولتها التي سجّلتها والدتها بحثاً عن أي دليل على علاقتها بوالدها، لكنها لم تجد الكثير، واستمرت في البحث، لافتة إلى أن الفيلم لا يحتوي إلا على جزء صغير جداً من هذا الكم الهائل من التسجيلات، وأنها استبعدت معظم المقابلات؛ إذ لم يبقَ من الستين شخصاً الذين قابلتهم سوى خمسة أو ستة ظهرت شهاداتهم في الفيلم لثوانٍ معدودة، بينما استمرت حواراتها معهم لساعات طويلة، مؤكدة أن عملية الاختيار كانت صعبة ومؤلمة.

وعن إمكانية صنع فيلم آخر من المواد التي امتلكتها، قالت إنها قادرة بسهولة على صنع فيلم جديد، سواء عن ليبيا في السنوات الأخيرة أو عن حياة الليبيين قبل وصول القذافي، خصوصاً أن بعض من قابلتهم وُلدوا في العشرينيات ولديهم ذاكرة تمتد إلى أربعين سنة قبل حكم القذافي، وهذه المواد كنز يمكن أن يُبنى عليه عمل آخر.


مقالات ذات صلة

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

يوميات الشرق فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

عاد فيلم «اعترافات سفاح التجمع» لصالات العرض السينمائية في مصر بعد حصوله على الموافقات الرقابية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أفلام سينمائية مصرية تحقق تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية

حققت أفلام سينمائية مصرية تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية بصورة أكبر مما حققته عند عرضها بالصالات السينمائية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

غَيَب الموت المخرج والناقد المصري أحمد عاطف عن عمر ناهز 55 عاماً، إثر إصابته بمرض السرطان.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

انتقدت شركة «مصر للطيران» الناقل الوطني بمصر مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2» الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية.

أحمد عدلي (القاهرة)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.