بعد زخم المتحف الكبير... مصر تسابق الزمن للانتهاء من «الآتوني»

استئناف العمل به في المنيا بعد فترات توقف

المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

بعد زخم المتحف الكبير... مصر تسابق الزمن للانتهاء من «الآتوني»

المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

على الضفة الشرقية لنهر النيل في محافظة المنيا (صعيد مصر) يطل مبنى «المتحف الآتوني» الذي يترقب كثيرون افتتاحه ليستكمل الخريطة المتحفية للآثار المصرية، مستفيداً من زخم افتتاح المتحف الكبير والإقبال اللافت على زيارته راهناً.

المشروع الذي بدأ عام 2004 وشهد فترات توقف لأسباب عدة، من بينها التمويل، استؤنف العمل فيه أخيراً، «تمهيداً لافتتاحه في أقرب وقت ممكن»، حسب إفادة رسمية لوزارة السياحة والآثار منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عقب جولة تفقدية قام بها الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، محمد إسماعيل خالد، لمتابعة مستجدات مشروع «المتحف الآتوني»، ونقل القطع الأثرية إلى مواقع عرضها الدائم وفقاً لسيناريو العرض المتحفي المعتمد، واستعراض الأعمال الجارية لتطوير المرسى النيلي المخصص لاستقبال السفن السياحية، وممشى الزوار الممتد على النيل بطول 400 متر، إلى جانب البحيرات الصناعية والمسطحات الخضراء التي يجري تجهيزها لتتكامل مع تصميم المتحف ومحيطه.

وأوضح مؤمن عثمان، رئيس قطاع الترميم ومشروعات الآثار والمتاحف بالمجلس الأعلى للآثار، أن «المتحف سيشكل نقطة جذب سياحي مهمة في المنيا، حيث سيتم ربطه بمواقع الآثار في المحافظة، كما سيشهد إقامة أول حديقة للنباتات التاريخية في مصر القديمة»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المتحف سيكون إضافة للصعيد وسيعد أحد أهم متاحف المنطقة».

ويسلط سيناريو العرض المتحفي في القاعة الرئيسية الضوء على تاريخ محافظة المنيا عبر العصور وأبرز مواقعها الأثرية، بينما تتناول قاعات المتحف الأخرى عصر الملك إخناتون، وبدايات فكر العمارنة، وتاريخ الملك أمنحتب الثالث.

مشروع مهم

وعد الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، «المتحف الآتوني» واحداً من «أهم» المشروعات الأثرية والثقافية في مصر، لأنه «يسلّط الضوء على فترة استثنائية في تاريخ مصر القديمة، وهي فترة حكم إخناتون ونفرتيتي وبناء (عاصمة التوحيد) أخيتاتون في تل العمارنة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الحقبة شهدت ثورة دينية وفنية غير مسبوقة، انعكست في فن العمارنة الذي يمتاز بواقعيته وإنسانيته وتمرده على القوالب الفنية التقليدية».

وأضاف عبد البصير أن «افتتاح المتحف سيغيّر وجه السياحة في محافظة المنيا تغييراً جوهرياً. فالمنيا تمتلك ثروة أثرية هائلة، لكنها لم تستطع عبر سنوات طويلة أن تستفيد منها بالشكل الأمثل لغياب مؤسسة متحفية كبيرة تكون نقطة انطلاق للمسار السياحي».

وتوقع عبد البصير أن «يجعل المتحف محافظة المنيا مقصداً رئيسياً لعشّاق التاريخ المصري القديم، حيث سيربط بين المواقع الأثرية الكبرى مثل بني حسن، وتونا الجبل، وتل العمارنة، وجبل الطير، في منظومة واحدة متكاملة، ما سيُسهم في جذب السياح في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل لأبناء المحافظة».

استئناف العمل في المتحف الآتوني بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وشهدت السنوات الماضية جولات تفقدية عدة لمبنى ومحاولات لاستكمال المشروع الذي تجاوز العشرين عاماً، آملين أن يدفع المتحف حركة الجذب السياحي في المنيا، لكن العمل في المشروع توقف عدة مرات، لأسباب مالية وسياسية.

وأرجع عبد البصير أسباب تأخر إنشاء المتحف إلى «عوامل متعددة، من بينها توقف التمويل في مراحل مختلفة، والتعثر في استكمال الأعمال الإنشائية والتجهيزية، إضافة إلى بعض التحديات الإدارية والبيروقراطية التي طالت المشروع»، مشيراً إلى «تأثر خطط افتتاحه بالظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال العقد الأخير».

كان وزير السياحة والآثار الأسبق الدكتور خالد العناني قال في تصريحات صحافية منتصف عام 2022 إن «إجمالي ما تم إنفاقه من المجلس الأعلى للآثار على مشروع إنشاء المتحف الآتوني بلغ 150 مليون جنيه حتى ذلك الوقت».

وتبلغ مساحة «المتحف الآتوني» حوالي 25 فدان؛ تشمل المبنى الرئيسي الذي يضم قاعات العرض الدائم، ومسرحاً، ومركزاً للمؤتمرات، ومكتبة علمية، بالإضافة إلى منطقة الخدمات السياحية، حيث المطاعم والكافيهات والبازارات، والممشى السياحي على النيل. وتم اختيار أكثر من موقع لبناء المتحف إلى أن تم تخصيص الموقع الحالي على الضفة الشرقية للنيل أمام مدينة المنيا.

ومن بين قاعات المتحف قاعة تحمل اسم «المنيا عبر العصور»، التي من المقرر أن يتم تخصيصها لعرض تاريخ المنيا منذ أقدم العصور وحتى العصر اليوناني الروماني، بالإضافة إلى باقي قاعات العرض التي سوف تخصص لسرد تاريخ فترة ما قبل العمارنة وفترة العمارنة وفلسفة الملك إخناتون في الترسيخ للديانة الآتونية، وفن العمارنة الذي يعتبر من الفترات المتفردة في الفن المصري القديم.


مقالات ذات صلة

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

يوميات الشرق دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)

مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

تعمل محافظة القاهرة على تحسين الصورة البصرية بمحيط قلعة صلاح الدين التاريخية بتدشين عدد من الجداريات واللوحات الفسيفسائية لأشهر معالم القاهرة التاريخية.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)

سور تحت مستشفى في باريس قد يحسم سرّ نشأة المدينة!

قد يُعيد سور قديم اكتُشف في باريس رسم خريطة البدايات الأولى للعاصمة الفرنسية، بعدما أعلنت السلطات أنّ العثور عليه يمثّل «إنجازاً كبيراً»...

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي من موقع تدمر الأثري في وسط سوريا (أ.ف.ب)

بقيمة 5 ملايين دولار... أميركا تعيد 36 قطعة أثرية إلى سوريا

أعلن مسؤولون أميركيون، الأربعاء، إعادة 36 قطعة أثرية مسروقة إلى سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.


حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
TT

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

من موقع المُراقب الذي يكتفي بالنظر ولا يتدخَّل، ظلَّ الفنان التشكيلي حسني أبو بكر، لسنوات طويلة، يتابع تفاصيل الحياة المصرية في الشوارع والحارات والنجوع والميادين. يرصد حركة الناس وعلاقاتهم وطرائق احتفالهم ومظاهر حزنهم، من دون أن يعرف في البداية أنّ تلك المشاهد العابرة ستتحوّل يوماً ما إلى مخزون بصري واسع يستعيده في لوحاته.

ومن هذه المَشاهد تشكّل معرضه «دراما مصرية»، المُقام حالياً في «غاليري سماح» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، والمستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

لوحة لأبو بكر تستعيد أجواء الاحتفاء بالعائدين من الحج (الشرق الأوسط)

يقدّم الفنان نحو 20 لوحة تنشغل بالحياة المصرية في تنوّعها، وتضع الإنسان وتفاصيل يومه العادي في قلب المشهد.

يقول حسني أبو بكر: «اهتمامي بالناس في بلدي بدأ منذ طفولتي، فكنت أراقبهم، وأحتفي بمعرفة أحوالهم، وأتجوّل في أماكن مختلفة متابعاً الحياة من بعيد. وخلال ذلك، كنت أستمتع بالأجواء المصرية وحبّ الناس للحياة».

ومع اكتشاف حبّه للفنّ والرسم، أدرك أن ما اختزنته ذاكرته البصرية كان أكثر ثراءً مما يتصوَّر؛ فالبيئة المصرية تمنح الفنان مادة لا تنضب، وفق ما يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية، والضحك والترفيه، والطقوس الاجتماعية، والحِرف، وأساليب البيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بما تحمله من حبّ وجفاء ومودّة ومصالح، هي قلب أعمالي».

من هنا، وجد الفنان أنّ أمامه «قماشة واسعة» يستطيع من خلالها الاقتراب من المجتمع المصري بكلّ تناقضاته وتفاصيله، وأنّ تجسيدها بات شديد الأهمية. ويوضح: «أعمالي في المعرض محاولة لحفظ جانب من الذاكرة المصرية في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدَّل الصور والمعلومات باستمرار».

الفنان التشكيلي المصري حسني أبو بكر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: «مَن يستطيع حفظ شكل الحياة المصرية للأجيال المقبلة؟». ويجيب: «أرى أنّ ذلك دوري، ودور كلّ فنان مصري عاشق لبلده. ولذلك قرّرتُ أن أكون بمنزلة الموثّق أو المؤرّخ لها، لكن عبر أدوات الفنّ التشكيلي».

ويفسّر ذلك كيف يمكن للمتلقّي أن يعيش عبر لوحات المعرض تفاصيل الحياة المصرية من قرب، فيشاهد حِرفاً مهدّدة بالاندثار، وطرائق متنوّعة للاحتفال والحزن، فضلاً عن العلاقات بين الناس وإيقاع الحياة اليومية.

يقول أبو بكر: «لوحاتي كأنها سرديات اجتماعية لمصر؛ إذ يستطيع مَن يأتي بعد سنوات أن يعود إليها ليرى كيف كانت تعيش وتتحرّك».

ويبدو أنه، خلال ذلك كلّه، لم يتخلَّ عن موقعه مراقباً من بعيد، ما يساعده على إثراء مخزونه البصري. ويُعلّق: «صحيح، تمسّكت بالمراقبة فقط؛ لأن الابتعاد قليلاً عن الحدث يسمح برؤية الصورة كاملة، بينما يؤدّي الدخول في تفاصيل المشهد إلى رؤية أجزاء منه فقط؛ لذلك أراقبُ ولا أتدخّل، وأترك للمتلقّي أيضاً حقّ التفاعل مع اللوحة».

اختار أبو بكر لمشروعه عنوان «دراما مصرية» تأثّراً بعمله في التمثيل مدّةً، وانطلاقاً من مفهوم الدراما، بوصفها مساحة تتّسع لمختلف أنماط الحياة والسلوك الإنساني؛ فالحياة ليست مساراً واحداً، وإنما مزيج من الكوميديا والتراجيديا والحركة والفرح والحزن، وفق قوله.

لوحات أبو بكر تغوص في تفاصيل الحياة المصرية (الشرق الأوسط)

ومن هذا المنظور، يتعامل الفنان مع اللوحة كما لو كانت مشهداً سينمائياً، ويتقمّص دور المخرج الذي يوزّع أدوار الشخصيات داخل الكادر. في لوحاته أبطال وكومبارس، وإضاءة وديكور وملابس وإكسسوارات، وحوار صامت بين الشخصيات، لكنّ المخرج هنا لا يكتب الحوار، بل يترك الحياة نفسها تتولَّى أداء المشهد.

وتتجاوز هذه الرؤية الزمن الراهن لتصل إلى الماضي البعيد؛ فقد وجد أبو بكر، خلال دراسته للحياة في مصر القديمة، تشابهاً لافتاً بين كثير من أنماط السلوك آنذاك وبعض تفاصيل الحياة المصرية المعاصرة. ويقول: «تغيّرت الأشكال الخارجية، وتطوّرت الوسائل، لكن لا يزال الإنسان المصري يبحث عن الفرح، ويتعامل مع قسوة الحياة، ويمارس البيع والشراء، ويحتفي بالفنون والثقافة والعمران. باختصار، الحياة في مصر هي الحياة».

لوحة «بناء الأهرامات» تتخيّل تفاصيل الحياة اليومية حول ورشة تشييدها (الشرق الأوسط)

أمام لوحة «بناء الأهرامات»، وقف الفنان طويلاً يتأمّلها وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال مشيراً إليها: «هذا العمل أعتزّ به كثيراً؛ لأنه يلخّص جانباً مهماً من الحضارة المصرية». وتابع: «الجميع ينبهر بالأهرامات، لكن تفاصيل الحياة التي أحاطت ببنائها تظلّ أقل حضوراً في الصورة الشائعة عنها. وفي هذا العمل، تخيّلت ذلك المشروع الضخم من الداخل: كيف كان المصريون يبنون، وكيف كانت الحياة تدور في محيط تشييد أحد أعظم الإنجازات في التاريخ الإنساني».

لوحاته ترصد الشخصيات وتفاصيل العلاقات الإنسانية في المجتمع المصري (الشرق الأوسط)

ولا يحصر أبو بكر اهتمامه في المحلّي والتراثي؛ فالفنان، في رأيه، «ابن زمنه» أيضاً؛ ولذلك لا يعزل نفسه عن الأحداث العالمية.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لوحة «سوق ديانا» التي يستعيد فيها أجواء مرتبطة بالتوتر بين إيران وأميركا وقضية مضيق هرمز، في إشارة إلى أنّ الفنان، مهما انشغل بالتراث والماضي، يظلّ جزءاً من عالم متشابك تفرض أحداثه نفسها عليه. يقول: «لا ينبغي للفنان أن يعيش داخل شرنقة منفصلة عن الواقع، فمواكبة الأحداث جزء من صدقيته تجاه زمنه».

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها؛ لأنها تمنحه القدرة على التركيز في الشخصيات والأحداث والتفاعلات، من دون إضافة عناصر قد تشتّت المتلقّي، كما يعتمد على مجموعة لونية تحافظ على بصمته الخاصة، حتى مع اختلاف الموضوعات.

لوحة «سوق ديانا» بألوانها الزاهية وطابعها الكرنفالي (الشرق الأوسط)

فاللون الصارخ أو المُبهج ذو الطابع الكرنفالي ليس هدفاً في حد ذاته، «وإنما ينبغي أن يوضع في المكان الذي يخدم فكرة العمل»، وفق قوله.

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه أبو بكر في «دراما مصرية» هو البساطة، وأن يجد المثقّف والمتلقّي العادي على السواء مدخلاً إلى العمل. ويرتبط ذلك، كما يقول، بشخصيته نفسها؛ فهو يحتفي بالبساطة، ويرى أنها أقصر الطرق للوصول إلى الناس، ولذلك يفضّل أن تظلّ لوحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.