بعد زخم المتحف الكبير... مصر تسابق الزمن للانتهاء من «الآتوني»

استئناف العمل به في المنيا بعد فترات توقف

المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

بعد زخم المتحف الكبير... مصر تسابق الزمن للانتهاء من «الآتوني»

المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المتحف الآتوني يطل على نهر النيل في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

على الضفة الشرقية لنهر النيل في محافظة المنيا (صعيد مصر) يطل مبنى «المتحف الآتوني» الذي يترقب كثيرون افتتاحه ليستكمل الخريطة المتحفية للآثار المصرية، مستفيداً من زخم افتتاح المتحف الكبير والإقبال اللافت على زيارته راهناً.

المشروع الذي بدأ عام 2004 وشهد فترات توقف لأسباب عدة، من بينها التمويل، استؤنف العمل فيه أخيراً، «تمهيداً لافتتاحه في أقرب وقت ممكن»، حسب إفادة رسمية لوزارة السياحة والآثار منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عقب جولة تفقدية قام بها الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، محمد إسماعيل خالد، لمتابعة مستجدات مشروع «المتحف الآتوني»، ونقل القطع الأثرية إلى مواقع عرضها الدائم وفقاً لسيناريو العرض المتحفي المعتمد، واستعراض الأعمال الجارية لتطوير المرسى النيلي المخصص لاستقبال السفن السياحية، وممشى الزوار الممتد على النيل بطول 400 متر، إلى جانب البحيرات الصناعية والمسطحات الخضراء التي يجري تجهيزها لتتكامل مع تصميم المتحف ومحيطه.

وأوضح مؤمن عثمان، رئيس قطاع الترميم ومشروعات الآثار والمتاحف بالمجلس الأعلى للآثار، أن «المتحف سيشكل نقطة جذب سياحي مهمة في المنيا، حيث سيتم ربطه بمواقع الآثار في المحافظة، كما سيشهد إقامة أول حديقة للنباتات التاريخية في مصر القديمة»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المتحف سيكون إضافة للصعيد وسيعد أحد أهم متاحف المنطقة».

ويسلط سيناريو العرض المتحفي في القاعة الرئيسية الضوء على تاريخ محافظة المنيا عبر العصور وأبرز مواقعها الأثرية، بينما تتناول قاعات المتحف الأخرى عصر الملك إخناتون، وبدايات فكر العمارنة، وتاريخ الملك أمنحتب الثالث.

مشروع مهم

وعد الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، «المتحف الآتوني» واحداً من «أهم» المشروعات الأثرية والثقافية في مصر، لأنه «يسلّط الضوء على فترة استثنائية في تاريخ مصر القديمة، وهي فترة حكم إخناتون ونفرتيتي وبناء (عاصمة التوحيد) أخيتاتون في تل العمارنة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الحقبة شهدت ثورة دينية وفنية غير مسبوقة، انعكست في فن العمارنة الذي يمتاز بواقعيته وإنسانيته وتمرده على القوالب الفنية التقليدية».

وأضاف عبد البصير أن «افتتاح المتحف سيغيّر وجه السياحة في محافظة المنيا تغييراً جوهرياً. فالمنيا تمتلك ثروة أثرية هائلة، لكنها لم تستطع عبر سنوات طويلة أن تستفيد منها بالشكل الأمثل لغياب مؤسسة متحفية كبيرة تكون نقطة انطلاق للمسار السياحي».

وتوقع عبد البصير أن «يجعل المتحف محافظة المنيا مقصداً رئيسياً لعشّاق التاريخ المصري القديم، حيث سيربط بين المواقع الأثرية الكبرى مثل بني حسن، وتونا الجبل، وتل العمارنة، وجبل الطير، في منظومة واحدة متكاملة، ما سيُسهم في جذب السياح في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل لأبناء المحافظة».

استئناف العمل في المتحف الآتوني بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وشهدت السنوات الماضية جولات تفقدية عدة لمبنى ومحاولات لاستكمال المشروع الذي تجاوز العشرين عاماً، آملين أن يدفع المتحف حركة الجذب السياحي في المنيا، لكن العمل في المشروع توقف عدة مرات، لأسباب مالية وسياسية.

وأرجع عبد البصير أسباب تأخر إنشاء المتحف إلى «عوامل متعددة، من بينها توقف التمويل في مراحل مختلفة، والتعثر في استكمال الأعمال الإنشائية والتجهيزية، إضافة إلى بعض التحديات الإدارية والبيروقراطية التي طالت المشروع»، مشيراً إلى «تأثر خطط افتتاحه بالظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال العقد الأخير».

كان وزير السياحة والآثار الأسبق الدكتور خالد العناني قال في تصريحات صحافية منتصف عام 2022 إن «إجمالي ما تم إنفاقه من المجلس الأعلى للآثار على مشروع إنشاء المتحف الآتوني بلغ 150 مليون جنيه حتى ذلك الوقت».

وتبلغ مساحة «المتحف الآتوني» حوالي 25 فدان؛ تشمل المبنى الرئيسي الذي يضم قاعات العرض الدائم، ومسرحاً، ومركزاً للمؤتمرات، ومكتبة علمية، بالإضافة إلى منطقة الخدمات السياحية، حيث المطاعم والكافيهات والبازارات، والممشى السياحي على النيل. وتم اختيار أكثر من موقع لبناء المتحف إلى أن تم تخصيص الموقع الحالي على الضفة الشرقية للنيل أمام مدينة المنيا.

ومن بين قاعات المتحف قاعة تحمل اسم «المنيا عبر العصور»، التي من المقرر أن يتم تخصيصها لعرض تاريخ المنيا منذ أقدم العصور وحتى العصر اليوناني الروماني، بالإضافة إلى باقي قاعات العرض التي سوف تخصص لسرد تاريخ فترة ما قبل العمارنة وفترة العمارنة وفلسفة الملك إخناتون في الترسيخ للديانة الآتونية، وفن العمارنة الذي يعتبر من الفترات المتفردة في الفن المصري القديم.


مقالات ذات صلة

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

يوميات الشرق المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

أعلنت البعثة الأثرية الهولندية العاملة في جبانة طيبة عن اكتشاف مقبرة بمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي بمدينة الأقصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)

مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

بدأت مصر إنشاء مدافن مقابر تراثية بشواهدها الأصلية وطرزها المعمارية المميزة، تعويضاً عمّا تمت إزالته ضمن خطط لتوسعة المحاور المرورية.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق المسجد يتميز بمنبره الخشبي الأثري (وزارة السياحة والآثار)

مصر: مسجد محمد بك الصغير الأثري بحُلة جديدة بعد الترميم

اكتسى مسجد محمد بك الصغير الأثري في منطقة مصر القديمة (وسط القاهرة) بحُلة جديدة بعد ترميمه وإعادة افتتاحه لإبراز ما يمثله من نمط معماري مميز.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المتحف المصري بالتحرير من معالم القاهرة المميزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفل بالعيد القومي لـ«مدينة المتاحف»

شهدت العاصمة المصرية القاهرة فعاليات احتفالية متنوعة أبرزت جماليات العاصمة التاريخية في عيدها القومي رقم 1057.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (سانا)

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

سيدعو ماكرون، وفق ما أفاد قصر الإليزيه للصحافيين، إلى «سوريا حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها»، وتضطلع بـ«دور في تهدئة التوترات» في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)

على الرغم من مضي نحو 5 أيام على قبول الحكومة المصرية استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصبها كوزيرة للثقافة على خلفية حكم محكمة النقض بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد؛ إذ صدر الحكم بدفع تعويض لصالح الكاتبة قدره مائة ألف جنيه (الدولار يوازي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، كما قضت المحكمة بسحب كتاب الوزيرة من التداول؛ فإن الجدل تواصل حول هذه الأزمة، وتردد صداها في أوساط ثقافية وصحافية مصرية، وظهرت تداعياتها في ادعاءات بوجود ما يمكن تسميته «كاتب ظل» تدخل في متن الكتاب، وربما تسبب في هذه الأزمة، حسب ما أُشيع.

ونشر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم المخرج خالد يوسف، ما يشير إلى وجود «شخص آخر كان يقوم بمراجعة كتاب الوزيرة، وأن هذا الشخص ربما قام بإضافة فقرات دون علمها أو بعلمها، ولم تقدر حجم المشكلة» وفق ما ذكر عبر حسابه بـ«فيسبوك»، مؤكداً أن «الوزيرة مسؤولة في الحالتين».

في حين نشر الصحافي والناقد بـ«الأهرام» سيد محمود مقالاً بصحيفة «الشروق» بعنوان «الآن أتكلم»، نفى فيه مسؤوليته عن محتوى الكتاب، وقال إنه كتب فقط مقدمته بطلب من الدكتورة جيهان زكي التي كان يعرفها منذ رئاستها الأكاديمية المصرية للفنون بروما، وذكر أنه ركز في مقدمته التي تصدرها اسمه على فكرة المقارنة بين شخصية تنتمي للثقافة الغربية وأخرى تنتمي للثقافة الشرقية، وأنه انتبه بطبيعة الحال إلى ذكر اسم الأستاذة سهير عبد الحميد في أكثر من موضع بكتاب الوزيرة، وكذلك في قائمة المراجع التي جاءت في خاتمة الكتاب، وبالتالي لم يكن لديه شكوك في نسبة الكتاب لمؤلفته، مشدداً على أن مهمته لم تكن تقتضي البحث في مدى مطابقة المحتوى، أو مقارنة نسب الاقتباس، أو كشف عدد الفقرات التي ضمّنتها الدكتورة جيهان في كتابها، ولا سيما أنه لم يطالع كتاب الأستاذة سهير، وهدد محمود بملاحقة كل من يزج باسمه بغير دليل يعزز اتهامه، وفق ما جاء في مقاله.

الصحافية والكاتبة سهير عبد الحميد (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى الناقد الأدبي مصطفى عبد الله أن «هذا الجدل اتسعت دائرته لطبيعة القضية وارتباطها بوزيرة الثقافة، وبحقوق ملكية مؤلفة الكتاب سهير عبد الحميد»، وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «كانت هناك وجهات نظر بين من قاموا بمضاهاة الكتابين وإبداء الرأي بالإدانة، وبين من قالوا إن الفاعل هو فلان بعينه، ومن وقفوا إلى جانب الوزيرة مدافعين عنها».

وتابع عبد الله: «لقد تعلمنا أن نحترم أحكام القضاء، وأرى أن تداول هذا الموضوع بهذا الشكل ستكون له آثار سيئة جداً»، مطالباً بـ«إغلاق هذا الملف؛ لأن حكم القضاء أدان الوزيرة، وقدمت استقالتها احتراماً لهذا الحكم».

وكانت وزيرة الثقافة قد أكدت في تصريحات لها بعد يومين من استقالتها أنها من الآن فصاعداً ستتصدى للدفاع عن حقها كمواطنة وعالمة مصريات ومحاضِرة دولية، وكذلك كأم، مشيرة إلى أنها سترد على ما وصفتها بـ«الافتراءات والمغالطات والأكاذيب» التي تعرضت لها، وأنها ستواصل «جميع السبل التي يكفلها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الأحكام التي صدرت».

وقالت الكاتبة فاطمة المعدول: «لا بد من وقف هذا الجدل والصراع وحالة الانقسام التي نشهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً أن هناك حكماً قضائياً حسم المسألة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «الوزيرة استقالت، والأستاذة سهير عاد لها حقها الأدبي والتعويض المادي، والأستاذ سيد محمود كتب مقالة مؤثرة نفى فيها أنه (كاتب ظل)، وأكد أنه كتب المقدمة فقط، وبذلك يكون كل شيء قد حُسم واتضح للجميع».


مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت البعثة الأثرية الهولندية العاملة في جبانة طيبة عن اكتشاف مقبرة بمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي بمدينة الأقصر، يرجح أنها تعود لعصر الرعامسة، وتتكون المقبرة الموجودة ضمن مقابر طيبة من فناء خارجي، ومقصورة منحوتة في الصخر على شكل حرف (T) مقلوب، بالإضافة إلى حجرات للدفن تحت سطح الأرض، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

وأكد رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن التخطيط المعماري للمقبرة يتوافق مع الطراز المعتاد لمقابر الأفراد في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، موضحاً في البيان أن «فناء المقبرة يضم عدداً من العناصر المعمارية المحفوظة بحالة جيدة، من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فجوة مخصصة لتثبيت لوحة جنائزية إلى جانب سلم تحيط به منحدرات من الجانبين يؤدي إلى مدخل المقبرة».

وأشار إلى أن المقبرة تضم عدداً من المناظر التي تحمل اسم صاحبها ويدعى «باسر»، بينما تغطي طبقة رقيقة من الأتربة أجزاءً من الرسوم الجدارية الملونة، والتي تُظهره وهو يتعبد أمام عدد من المعبودات داخل مقاصير، كما تصوره مع زوجته أمام مائدة للقرابين.

نقوش جنائزية على حائط المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

من جانبه، ثمّن وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، جهود البعثات الأثرية العاملة في مصر، مؤكداً في البيان أنها «تسهم في الكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، بما يعزز من مكانة مصر كوجهة عالمية».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المقبرة المكتشفة تقع إلى الشرق من المقبرة الطيبية رقم (45) حيث ينفذ الفريق مشروعاً بحثياً وميدانياً منذ عام 2018، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، بهدف تنفيذ برامج للحفاظ الوقائي وإدارة المخاطر بالمنطقة، إلى جانب إعداد أول دراسة أثرية متكاملة لها، ولفت إلى أنه من الأسلوب الفني لنقوش المقبرة فمن المرجح أنها تعود لعصر الرعامسة.

مؤكداً أن فريق العمل سيواصل أعمال الدراسة والتوثيق داخل المقبرة، بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين دُفنوا بها وإعادة بناء سيرهم الشخصية، إلى جانب دراسة المقبرة في سياقها التاريخي والأثري، بما يسهم في تقديم فهم أعمق للعلاقة بين مقابر المنطقة والبيئة المحيطة بها، وإلقاء الضوء على التطور التاريخي والثقافي لمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى.

وأكدت الدكتورة كارينا فان دن هوفن، رئيسة البعثة من جامعة لايدن، أن البعثة ستبدأ خلال المواسم المقبلة تنفيذ أعمال التدعيم الإنشائي والصيانة والترميم للزخارف الملونة بالمقبرة، معربة عن تطلعها إلى مواصلة أعمالها بالموقع وتحقيق المزيد من الاكتشافات الأثرية خلال المواسم المقبلة.

لوحات تصور مشاهد تقديم القرابين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويرى عالم المصريات، الدكتور حسين عبد البصير، هذا الكشف «يمثل إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية في البر الغربي بالأقصر، الذي لا يزال يثبت أنه من أغنى المواقع الأثرية في العالم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «العثور على مقبرة تضم مشاهد جنائزية يرجح أنها من عصر الرعامسة يمنح الباحثين فرصة جديدة لدراسة الفن والعقيدة الجنائزية والحياة اليومية في الدولة الحديثة».

وتكمن أهمية مثل هذه المقابر، بحسب عبد البصير، في أن «مناظرها ليست مجرد زخارف، بل هي وثائق تاريخية تسجل أسماء أصحاب المقابر ووظائفهم، وتصور الطقوس الجنائزية والمعتقدات الدينية، وتكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بالمجتمع المصري القديم».

وفي النهاية، يؤكد هذا الاكتشاف أن البر الغربي في الأقصر لا يزال يخفي الكثير من أسراره، وأن العمل الأثري المنهجي يواصل إثراء فهمنا لحضارة مصر القديمة وإبراز مكانتها العالمية.

وتضم الأقصر العديد من الآثار المصرية الشهيرة من بينها معابد الأقصر والكرنك وحتشبسوت ووادي الملوك وجبانة طيبة، وتعمل بالأقصر في مواسم مختلفة، العديد من البعثات الأثرية المصرية والأجنبية والمشتركة وفق بروتوكولات تعاون علمي وبحثي بين مصر وجامعات ومؤسسات علمية متخصصة في علم الآثار.

وترى المتخصصة في في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن هذا الكشف الأثري وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، هذا الكشف الأثري «إضافة علمية مهمة إلى سجل مقابر الأفراد في جبانة طيبة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «قيمته لا تكمن في العثور على مقبرة جديدة فحسب، وإنما فيما تحمله من شواهد قادرة على إعادة قراءة جانب من المجتمع الطيبي خلال عصر الرعامسة»، وأوضحت أن «المقابر الخاصة كانت بمثابة سجل بصري يجمع بين العقيدة، والوظيفة، والمكانة الاجتماعية، وهو ما يجعل كل عنصر معماري أو نقش أو منظر جداري مصدراً تاريخياً قائماً بذاته».

وتكتسب المقبرة أهمية خاصة؛ لأن أسلوبها المعماري ينسجم مع تقاليد مقابر النخبة في الدولة الحديثة، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى، «بينما تعكس مناظرها الجنائزية استمرار المفاهيم الدينية المرتبطة بالبعث والخلود، حيث لم تكن مشاهد التعبد والقرابين مجرد زخارف فنية، بل كانت تؤدي وظيفة عقائدية تضمن لصاحب المقبرة استمرار الحياة في العالم الآخر، وفق التصور المصري القديم».


مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
TT

مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)

بدأت مصر إنشاء مقابر تراثية بشواهدها الأصلية وطرزها المعمارية المميزة، تعويضاً عما تمت إزالته ضمن خطط توسعة المحاور المرورية في مناطق الإمام الشافعي والسيدة عائشة والسيدة نفيسة، وكانت تضم رفات شخصيات ورموز مهمة في تاريخ مصر. ومن بين هذه المقابر مدافن محمد فاضل باشا الدرملي، والسردار راتب باشا، والأمير يوسف كمال. ورآها الباحث في الشؤون التاريخية إبراهيم طايع خطوة مهمة ومُقدَّرة، تُعيد الأمور، بصورة من الصور، إلى نصابها.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن المدافن الجديدة التي بُنيت في منطقة الإباجية حافظت على الطراز المعماري نفسه الذي كانت عليه المدافن الأصلية من حيث البناء، والأجمل من ذلك حرص القائمين على إنشائها على الحفاظ على الشواهد والتراكيب الأصلية والنصوص التأسيسية، باستثناء باب مدفن السردار راتب الذي لم يعد موجوداً، وكان يضم كثيراً من النقوش والتركيبات والمشغولات النحاسية ذات القيمة الفنية الكبيرة. وأشار إلى أن هذا المدفن هو الوحيد الذي قارب على اكتمال إنشائه، أما مدافن الدرملي والأمير يوسف كمال فما زالت تحت الإنشاء.

مدفن الدرملي تحت الإنشاء (الباحث إبراهيم طايع)

وقال الباحث التاريخي، صاحب الكتابات المتخصصة عن القرافات التاريخية، إن التركيبات أُعيد تجميعها بطريقة جيدة تليق بقيمتها التاريخية والأثرية في مدفن راتب باشا. وأضاف أن بناء المدافن الجديدة بجوار مدفن عميد الأدب العربي طه حسين بمنطقة الإباجية، الذي لم تطله معاول الهدم، يجعل من المنطقة مركزاً لإعادة بناء باقي المدافن التي تم هدمها، بالقدر نفسه من الاهتمام والتقدير الذي جرى في حالتي الدرملي وراتب باشا، اللذين كانا موجودين من قبل في شارع عين الحياة بمنطقة الإمام الشافعي، أما الأمير يوسف كمال فكان مدفنه بالقرب من شارع الطحاوية.

وكان محمد راتب باشا القائد العام للجيش المصري في عهد الخديو إسماعيل، وقاد الحملة العسكرية المصرية في حرب الحبشة عام 1875، كما تولّى رئاسة مجلس شورى النواب (البرلمان المصري) لفترتين. أما الأمير يوسف كمال فكان واحداً من أهم رواد الثقافة والفنون في مصر، وقد أسس مدرسة الفنون الجميلة (كلية الفنون الجميلة حالياً) عام 1908، وأسهم كذلك في تأسيس «جمعية محبي الفنون الجميلة». وكان محمد فاضل الدرملي (المتوفى عام 1870) من كبار رجال الدولة، إذ تولّى منصب مفتش عام الصعيد وحاكم (مأمور) قنا لمدة تصل إلى 20 عاماً، ونُسب إليه الإشراف على بناء وتطوير عدد من الموانئ البحرية، وتدشين المنشآت الحيوية في صعيد مصر وساحل الجيزة. وكانت مقبرته ذات طراز معماري مميز وقيمة تاريخية في منطقة الإمام الشافعي (قرافة القاهرة).

مدفن السردار راتب باشا بعد الانتهاء من بنائه (الباحث إبراهيم طايع)

ولم يتوقف دور الحكومة المصرية عند هذا الحد، بل قامت ببناء مقابر أخرى أُعيد إنشاؤها، وفق ما قاله طايع، في متحف الخالدين، وتضم عدداً قليلاً من مقابر رموز وشخصيات مصرية، أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي. وهناك مدافن بُنيت خلف قبة الإمام الشافعي للإمام ورش، أحد أعلام القرّاء السبعة، وصاحب الرواية الشهيرة «ورش عن نافع» المنتشرة في دول المغرب العربي وشمال أفريقيا. والأمر نفسه حدث مع الإمام وكيع، أحد كبار المحدّثين وشيوخ الإمام الشافعي؛ حيث أُنشئت المقبرتان بقبتين حديثتين تختلفان، وفق طايع، عن قبتيهما الأصليتين.