«شكوى 713317»... فيلم مصري يعالج القضايا الاجتماعية بالسخرية

ينافس على جوائز «آفاق السينما العربية» بمهرجان القاهرة

مشهد من الفيلم للزوجين وبينهما الثلاجة (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم للزوجين وبينهما الثلاجة (الشركة المنتجة)
TT

«شكوى 713317»... فيلم مصري يعالج القضايا الاجتماعية بالسخرية

مشهد من الفيلم للزوجين وبينهما الثلاجة (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم للزوجين وبينهما الثلاجة (الشركة المنتجة)

موجات متواصلة من الضحك تتابعت خلال عرض الفيلم المصري «شكوى 713317» ضمن أفلام مسابقة «آفاق السينما العربية»، وهو العمل الروائي الطويل الأول للمخرج ياسر شفيعي، بعد أن أخرج عدداً من الأفلام القصيرة من بينها «حلم المشهد»، و«التدريبات القصوى لتحسين الأداء»، و«الراجل اللي بلع الراديو».

وتنطلق أحداث الفيلم عبر مواقف كوميدية ساخرة، منتقداً أوضاعاً اجتماعية من خلال موقف بسيط يواجهه زوجان متقاعدان هما «مجدي» و«سما»، اللذان يؤدي دورهما محمود حميدة وشيرين، ويعيشان حياة هادئة تماثل هدوء حي المعادي الذي يقطنان به، لكن يحدث أن تتعطل ثلاجتهما العتيقة بعد محاولة الزوج إزالة الثلج الذي تراكم عليها، حيث تثير هذه المشكلة البسيطة أزمة كبيرة في حياتهما ويواجهان كثيراً من البيروقراطية مع شركة صيانة مشبوهة، مما يؤدي لتوتر الأجواء بينهما، لتشهد حياتهما تصدعات تهدد استقرارها.

ويبدأ الفيلم باحتفال بلوغ الزوجة سن التقاعد، تدعو فيه صديقاتها وجيرانها وتعد لهم الحلوى التي تجيد صنعها، وتفكر صاحباتها في كيفية استثمار مكافأة التقاعد، ويقترحن عليها إنشاء مشروع لإعداد الأطعمة في المنزل وتسويقها، ويغيب الابن الوحيد لهما ويكتفي بإرسال مقطع فيديو، ويعتقد الجميع أنه مسافر خارج مصر، لكن الأم تسخر قائلة: «مسافر في الشيخ زايد»، فهو يسكن بعيداً عنهما وينشغل بحياته ويتعلل بانشغاله الدائم.

جانب من فريق عمل الفيلم على «الرد كاربت» (مهرجان القاهرة السينمائي)

ويأتي تعطل الثلاجة العتيقة ليقلب حياتهما رأساً على عقب مع تلاعب شركة الصيانة، حيث يكتشف الزوج تعرضه لعملية نصب فمع كل مرة يستدعيهم يكتشف تلاعبهم واستمرار تعطلها، فيتقدم بشكوى لـ«جهاز حماية المستهلك»، الذي يسجل شكوته ويعطيه رقمها، وهي التي يحمل الفيلم عنوانها «شكوى 713317» ليواجه البيروقرطية، إذ تمر الأيام والشهور دون حل، بينما يتعارك وزوجته ويتبادلان الاتهامات وتصل علاقتهما إلى حافة الانهيار.

وتطل الفنانة الكبيرة إنعام سالوسة عبر مشاهد معدودة مؤدية شخصية صاحبة شركة الصيانة التي تراوغ الزوجين، وتؤدي مشاهد كوميدية مع الفنان محمد رضوان الذي يؤدي دور عامل الصيانة عديم الأمانة، فيما تلعب هنا شيحة شخصية جارة الزوجين التي تواجه أزمة مع زوجها تدفعها لإقامة قضية خلع.

وأهدى المخرج فيلمه إلي المخرج داوود عبد السيد، مؤكداً أن المخرج الكبير يمثل له الكثير، وقد عمل معه في فيلم «قدرات غير عادية» وتعلَّم منه الكثير، كما وجّه شكراً في مقدمة الفيلم للفنان أنسي أبو سيف المدير الفني للفيلم.

وكشف المخرج الشاب خلال ندوة عقب عرض الفيلم عن أنه كان صاحب الشكوى في الواقع، حيث تعرض لموقف مماثل وظل محتفظاً برقم الشكوى حتى بنى عليه سيناريو الفيلم، وتحدث عن التصوير في مكان واحد، مشيراً إلى أنهم ظلّوا يعملون على تفاصيل المكان لأربعة أشهر حتى يكون مناسباً للكادرات، وأنه تعمد عدم الخروج من الموقع ليظل المتفرج منشغلاً بعالم أبطال القصة.

وعدّ الفنان محمود حميدة العمل بالفيلم تجربة مثيرة بالنسبة له، وقال إن «أجواء الفيلم اتسمت بروح التعاون»، مشيداً بجهود المخرج، فيما روت الفنانة شيرين أنه طوال عملها السينمائي لم تقم ببروفات بهذا الشكل حيث حرص المخرج على إجراء بروفات متعددة لكل المشاهد، وتحدثت عن تعرضها لإصابة كبيرة في قدمها وأنها اعتذرت عن العمل، لكن الفنان محمود حميدة أكد لها أنهم سينتظرونها حتى تشفى، وذكرت هنا شيحة أنها أعجبت بالقصة والعمل مع الفنان محمود حميدة، وأشار محمد رضوان إلى أن الشخصية التي أداها كانت محملة بكل أزمات الفيلم.

الملصق الدعائي للفيلم (مهرجان القاهرة السينمائي)

فيما أشادت الفنانة إلهام شاهين بالفيلم، ووصفته بأنه «عمل رائع»، وأن الممثلين أجادوا تأدية أدوارهم، ووصفت محمود حميدة بأنه ممثل عالمي، مؤكدة على رسالة الفيلم لأن يتمسك كل منا بحقه، وقالت المخرجة ليالي بدر إن «الفيلم يعمل على تفاصيل مهمة في ظل الضغط اليومي الذي يواجهه كل منا»، مشيدة بعمل المخرج وحماس شركات الإنتاج، والفيلم من إنتاج كل من «ريد ستار» و«أفلام مصر العالمية» و«فيلم سكوير» و«فيلمولوجي».

فيما وصف الناقد المصري، أندرو محسن، الفيلم بأنه «لطيف وذكي ومصري جداً، وبه قوة من المخرج الذي استطاع التحكم في موقع تصوير واحد واستغلاله للمساحات بشكل جيد، وفي ظل عدد محدود من الشخصيات»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم به أكثر من مستوى منها كيف تصنع كوميديا ذكية ومختلفة من موقف بسيط جداً، ومن ناحية أخرى ممكن التحدث عن نظرة الرجل لنفسه أو فكرة الذكورة التي تجعله يقوم بعمل ما يرضيه وليس الحل الأفضل».

وأشاد محسن بالممثلين، مؤكداً أنهم «برعوا في أدوارهم»، وعدّ «محمد رضوان إضافة كبيرة للفيلم، كما أن اختيار إنعام سالوسة بحضورها القوي حتى بصوتها فقط إضافة مهمة للفيلم، كما أن موسيقى خالد كمار تشبه كوميديا الفيلم»، على حد تعبيره.


مقالات ذات صلة

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.