معرض «حوارات مناظر طبيعية» في بيروت يحتفي بالأرض والسكينة

يتضمَّن لوحات لـ6 فنانين تشكيليين

لوحة من توقيع الرسام التشكيلي عماد فخري (الشرق الأوسط)
لوحة من توقيع الرسام التشكيلي عماد فخري (الشرق الأوسط)
TT

معرض «حوارات مناظر طبيعية» في بيروت يحتفي بالأرض والسكينة

لوحة من توقيع الرسام التشكيلي عماد فخري (الشرق الأوسط)
لوحة من توقيع الرسام التشكيلي عماد فخري (الشرق الأوسط)

لعلَّ أجمل الأحاديث التي يمكن أن يستمتع بها الإنسان هي تلك التي يُجريها مع الطبيعة، فتولّد لديه مساحة التقاء مع الذات. ومع رائحة التراب وحفيف أوراق الشجر يعود إلى الجذور.

وبمناسبة الذكرى الـ13 لتأسيس غاليري «آرت أون 56» في بيروت، يُقام معرض «حوارات مناظر طبيعية (Landscape Conversations)»، فيُدعى من خلاله هواة التشكيل لملاقاة 6 فنانين هم: وسام بيضون، وليلى داغر، وعماد فخري، ومنصور الهبر، وغادة جمال، وإدغار مازجي. يقدّمون من وحي عنوان المعرض مجموعة من أعمالهم التي تُحاكي الطبيعة بكلّ أبعادها.

غادة جمال إحدى المُشاركات في المعرض (الشرق الأوسط)

وغاليري «آرت أون 56» لصاحبته نهى محرم أضاء على مدى 13 عاماً على وجه لبنان الثقافي العريق، فلم يستسلم أمام حروب ونكسات وأزمات شهدتها البلاد، بل قاوم الاستسلام بفعل الاجتهاد والمثابرة، واستمر في تنظيم المعارض لأهم الفنانين التشكيليين. وبرأي صاحبته، فإنّ الفنّ التشكيلي هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع وتمدّنا بالأمل.

«مررنا بأوقات حلوة ومرّة»، تقول محرم لـ«الشرق الأوسط». وتتابع: «لكن طعم المرّ لم يثنِنا عن القيام بواجبنا تجاه بلدنا، بل زوّدتنا الأيام الصعبة بالقوة والصلابة. وأردتُ في هذا المعرض الإشارة إلى الطاقات الإيجابية التي يحتضنها لبنان رغم كلّ شيء. فكلّ فنان مُشارك فيه أبدع بطريقته وأسلوبه، وترجم علاقته بالأرض والطبيعة بريشة تحمل جمال لبنان. وسنكمل هذا المشوار ونرسم له الأفضل على مدار الأيام المقبلة».

الرسامة غادة جمال اختارت مناطق مختلفة من لبنان لتنقل خصوصية طبيعتها بريشة دافئة، فتتنقل بين بلدة بشامون، ومناطق الشوف والمتن والبقاع، مُستخدمة مجموعة ألوان تتدرَّج بين الأخضر والأزرق الليلي. رسمت مَشاهد شروق الشمس كما غروبها، وأسدلت معها الستارة على الطبيعة الخلابة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الغاليري يعني لي كثيراً... أعادني إلى ممارسة فنّ الرسم بعد غياب 8 سنوات. واليوم أصوّر جمال لبنان بريشتي وأحوّله إلى لوحات تشكيلية».

«حوارات المناظر الطبيعية» ووقفة مع لوحات إدغار مازجي (الشرق الأوسط)

تُكمل زيارة المعرض لتستوقفك أعمال إدغار مازجي، وقد نفَّذها في مدة لم تتجاوز الشهرين ليتمكّن من المشاركة في الاحتفالية. وبين مجموعة رسمها بالفحم وأخرى بتقنية «الأكليريك»، يقدّم مجموعته بعنوان «طبيعتي المبتكرة».

وفي إحداها، تحضر زهرة بيضاء عملاقة تشرح تَعلُّق الفنان بتفاصيل طبيعة لبنان. ويستطرد لـ«الشرق الأوسط»: «عندما أبدأ الرسم، لا فكرة مسبقة تسكنني. كلّ شيء يبدأ بغموض، ومن باب الفنّ التجريدي. ثم تأخذ الفكرة بتكوين عناصرها لتتحوّل إلى لوحة مُتكاملة. ومجموعتي بالأبيض والأسود بدأتها جميعها بلحظة واحدة. وكانت فرشاة الرسم تتنقل بينها لتترك الأثر الموحَّد عليها كلّها. فهذه الطريقة تولّد الانسجام ونوعاً من الاتحاد بين لوحاتي». ويقدّم مازجي في أعماله لحظات مباشرة أمضاها مع الطبيعة، لذلك تتميّز بالتلقائية والعفوية الجذابة.

من ناحيتها، تسرق الفنانة التشكيلية ليلى داغر انتباه رواد المعرض بأعمالها المرتكزة على فن «الميكسد ميديا»... فهي تحيكها وتغزلها بدقة، مستخدمة مجموعة أدوات لتنفيذها. وكما الصوف و«الجوت» والورق والكرتون، تُطرّز لوحاتها بالخيط والإبرة، وتتوّجها بريشة مغموسة بـ«الأكليريك» لتضفي عليها بريقاً فنياً. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «اتباعي تقنية (الميكسد ميديا) يسمح للوحاتي بأن تخاطب ناظرها، وهي تنقل مساحات حقيقية من طبيعة أرضنا، وتروي القصة تلو الأخرى في رحلة حالمة متعدّدة البُعد».

الرسامة ليلى داغر أمام مجموعة من لوحاتها في المعرض (الشرق الأوسط)

ازدحام المعرض بلوحات مستوحاة من أصوات الطبيعة وأجوائها يضع زائره في تماس مباشر مع مناطق جبلية من لبنان. هنا يستريح تحت ظلال شجر السرو، وهناك يتفيّأ تحت قرميد منزل قديم يفتح شبابيكه الخشبية لاستقبال أشعة الشمس.

وعندما تصل إلى قسم لوحات الرسام عماد فخري، فلا بد من أن تغمرك نفحة الجبل اللبناني الأصيل. ففي أعماله مرآة حقيقية لصخور وجبال وطبيعة هذه الأرض، اختارها من منطقة البقاع وبلدة دير الأحمر. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه اللوحات كانت علاجاً نقلني من مرحلة إلى أخرى أكبر هدوءاً. وقد رسمت 9 لوحات شكّلت المجموعة كاملة. فرسمُ الطبيعة يتطلّب الراحة والسكينة، وهو ما نفتقده في بلادنا». ويتابع: «شعرتُ كأنّ يداً ثالثة تشاركني الرسم، فخضتُ تجربة فنّية جديدة خطفتني من الواقع».

في لوحات منصور الهبر نكتشف الطبيعة بقالب مختلف عن باقي الأعمال المعروضة، وقد اختار الفحم ليُصوّر مناظر طبيعية في بلدتَي حمانا والقبّيع. وتتضمَّن لوحاته خطوطاً ورسومات تشكيلية يُعبّر من خلالها عن ريشة حرّة لا تخضع للتصوير العادي. ويستطرد لـ«الشرق الأوسط»: «تقنيتي تتألّف من الفحم والباستيل والأكليريك. ولا يهمني نقل الطبيعة نسخة طبق الأصل. فبعد أن أُشبّع نظري بمشهد ما، أخلد إلى ترجمته ورسمه على طريقتي».

ويردّد دائماً الفنان وسام بيضون أن أفضل لقاء يجمعه بالطبيعة هو في الصباح الباكر. وفي لوحاته المُشارِكة يستحضر صوراً من الفجر والصباح، ويزوّدها بريشة عاطفية تدور في أجواء ألوان فاهية تغمر المتأمل بالراحة والهدوء. الزهري كما الأزرق والأخضر والأصفر تولّد في أعماله التناسق، فتنعكس لحظات سعادة وفرح. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بساطة التقنية التي أستخدمها ساحرة، فهي تتألّف من اللون المذوّب في الماء. العمل بها دقيق جداً، لكن الأشكال التي تولد منها في لحظات قليلة تبدو رائعة».


مقالات ذات صلة

«دويتو»... معرض يجدد ظاهرة الثنائيات الفنية بمصر

يوميات الشرق جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«دويتو»... معرض يجدد ظاهرة الثنائيات الفنية بمصر

يستعيد معرض «دويتو» للثنائي الفني المصريين لينا أسامة ومهنى ياؤد فكرة الثنائيات الفنية عبر تجربة متفردة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق علي خليفة أمام مجموعة من لوحاته (أرت ديستريكت)

علي خليفة يروي بريشته حكايات من غزَّة مسقط رأس والدته

أنجز علي خليفة لوحات معرضه خلال الحرب الأخيرة في لبنان، مستلهماً حكايات والدته وصوراً شاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

قد تبدو أعمال التشكيلي المصري الراحل عبد الوهاب مرسي في النظرة الأولى شديدة الانشغال بعالم قديم يعرفه المصريون عبر جدران المعابد والبرديات والزخارف الإسلامية.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

«مراحل»... معرض قاهري يراهن على التجريب وطاقة الألوان

تتعدد رهانات الفنان التشكيلي المصري مجدي عثمان في معرضه الأحدث «مراحل».

محمد الكفراوي (القاهرة)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».