«بين الأرض والشاهد»... ريشة مرهفة تنبثق من الجذور لتواجه الواقع

في لوحات موقعة من الفنانتين التشكيليتين لونا معلوف وجنيفر حداد

تواجه جنيفر حداد لونا معلوف بلغة فنية سينمائية (الشرق الأوسط)
تواجه جنيفر حداد لونا معلوف بلغة فنية سينمائية (الشرق الأوسط)
TT

«بين الأرض والشاهد»... ريشة مرهفة تنبثق من الجذور لتواجه الواقع

تواجه جنيفر حداد لونا معلوف بلغة فنية سينمائية (الشرق الأوسط)
تواجه جنيفر حداد لونا معلوف بلغة فنية سينمائية (الشرق الأوسط)

بريشة شفافة ورؤيتين متباينتين، تبرز أعمال الفنانتين التشكيليتين لونا معلوف وجنيفر حداد في معرض «بين الأرض والشاهد». تتواجهان عبر تجربتين بصريتين مختلفتين، تجمعان بين الطبيعة وتقنية الصورة السينمائية. وفي فضاء غاليري «آرت أون 56»، تتقاطع أعمالهما ضمن حوار بصري قائم على التناقض والتكامل في آنٍ واحد.

تنسج لونا معلوف أعمالها انطلاقاً من علاقة عضوية بين الطبيعة والنسيج الحضري، باحثة عن توازن هشٍّ بين الجذور والتحوّلات.

في المقابل، تعتمد جنيفر حداد على وسائط فنية متعددة لتقديم واقعية قاسية تنبثق من نظام بالٍ يرزح شعبه تحت وطأة أزمات متراكمة وضاغطة.

لوحة «بين الظلام والأفق» للونا معلوف (الشرق الأوسط)

وفي حين تتوزّع عناوين لونا بين «من الظلام إلى الأفق»، و«ذاكرة الحركة»، و«بين الظل والمسار»، تدخل حداد في حوار موازٍ بعناوين أكثر حدَّة، مثل «الجانب المظلم من بيروت»، و«الولادة تحت الحصار»، و«المنفى بالزهري»، لتُكمل بذلك مشهداً بصرياً متعدد الطبقات والدلالات.

منذ طفولتها، نسجت لونا علاقة حميمة مع الطبيعة، تراها اليوم مساحة علاجية قادرة على مداواة جروحها الداخلية. وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أن اعتمادها تقنية الـ«ميكسد ميديا» أتاح لها الغوص الأعمق في أفكارها وترجمتها بصرياً، معدّة أن هذه المقاربة الفنية بما تحمله من غنى تُوسِّع أفق الفكرة وتمنح اللوحة كثافتها التعبيرية.

وترفض لونا توصيف لجوئها إلى الطبيعة كونه هروباً من الواقع، وتؤكد أنّه أشبه ببحث عن توازن مفقود في إيقاع حياة متقلّب ومثقل بالضغوط. فخلال ممارستها اليومية للمشي، وجدت في الطبيعة متنفساً دائماً. وتقول: «جميع المشاهد الطبيعية التي تظهر في لوحاتي مستوحاة من طبيعة لبنان، وتحديداً من الغابات المحيطة بمنزلي. أحياناً ألتقطها بعدستي، وأحياناً أختزنها في الذاكرة لتولد لاحقاً من رحم الأحلام».

أما حضور الأنثى في أعمالها، فتراه انعكاساً للطبيعة الأم والأنثى المتكاملة، بما تحمله من استمرارية وخصوبة. وتشرح: «هذا الدمج مقصود، أردت من خلاله التأكيد على الدور الجوهري الذي تؤديه المرأة والطبيعة في الحياة».

وبصفتها أستاذة جامعية، تحرص لونا على نقل لغتها الفنية إلى طلابها، معتمدة على مبدأ التناقض بوصفه عنصراً بنيوياً في الرسم. فهي تتنقّل بين الأسود والأبيض، والأزرق والأصفر، وتترك مساحات واسعة من اللون الأبيض باعتباره إشارة إلى حاجتنا الماسة للنور في حياتنا. وتعلّق في هذا السياق: «نعيش في بلد مليء بالتناقضات، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أعمالنا. أحياناً يطغى الأصفر لأنه لون القوة في عالم الألوان، ويمنح اللوحة ذلك البريق الذي أبحث عنه».

تعتمد لونا معلوف تقنية الـ«ميكسد ميديا» الغنية بطبقاتها المتراكمة (الشرق الأوسط)

تستمد لونا تفاصيل أعمالها من الظلال المتجذّرة في الأرض، وفي مجموعتها «بين الظل والمسار» تعتمد توليفات لونية مشبعة بأحاسيس دافئة. ومن خلال عنوان آخر، «جذور خفية، خطوط ظاهرة»، توجّه دعوة ضمنية إلى المشاهد للتحلّي بالرجاء. وتقول: «حين أرسم، أفتّش عن الضوء بوصفه رمزاً للأمل. أركّز على الجذور لأنها تشدّنا إلى الأرض وتمنحنا الإحساس بالأمان. كما أحرص على ربط الحضارة بالطبيعة، ساعية إلى السير في خطّين متوازيين، وأنقل ذلك الفاصل الشفّاف بينهما كما أراه في مخيّلتي».

وتصف لونا مشاركتها في المعرض إلى جانب جنيفر حداد بأنها حلقة متكاملة. وتوضح: «نتشارك مفاهيم متشابهة عن الحياة، نابعة من خبرات عشناها كما معظم اللبنانيين. كل واحدة منا عبَّرت عنها بطريقتها. جنيفر اختارت المجتمعات المهمَّشة والنظام الضاغط على حياة الناس، وأنا اخترت الطبيعة ملاذاً شافياً. هكذا اكتمل المعنى بالصورتين».

في المقابل، تكشف جولة في أعمال جنيفر حداد عن تأثّر واضح باللغة السينمائية. وتبدو لوحاتها أشبه بلقطات مأخوذة من فيلم، سواء في التكوين أو زاوية الرؤية. أما الألوان، فتؤدي دوراً مزدوجاً بين الإغواء وكشف الحقيقة. فمن بعيد، تخدع العين تدرُّجات الزهري المتلألئة على أطراف الأزرق الهادئ، لكن الاقتراب من اللوحة يفضح مشاهد الركام والتشرُّد والضياع. وتقول جنيفر لـ«الشرق الأوسط»: «أرسم بعقلية سينمائية من دون قصد مباشر. أتعامل مع الريشة كأنها عدسة كاميرا تلتقط المشهد من الأسفل إلى الأعلى، ما يمنح الصورة ضخامة ودلالات مختلفة».

تُبرز لوحات جنيفر حداد صوراً مؤثرة اختزلتها في عملها الاجتماعي (الشرق الأوسط)

وتتوقف جنيفر عند الحالات النفسية التي صادفتها وتركت أثراً عميقاً في ذاكرتها. ففي لوحة «المنفى بالزهري»، تروي قصة شابين كانا ينامان في العراء تحت صخور الروشة. وتقول: «حملت هذا المشهد في داخلي لخمس سنوات، لم أستطع نسيانه، واليوم أترجمه في لوحة تُعبِّر عن فقداننا لمساحة الأمان، بعدما خسرنا أحلامنا وذكرياتنا وبيوتنا».

وفي لوحة «الغمزة»، يظهر صبي واجه الحياة مبكراً، لا يخشى الخسارة لأنه ابن الشارع، فيتعامل مع الواقع كما هو، بوعي يتجاوز سنَّه. أما لوحة «دلالات مشؤومة»، الأقرب إلى قلبها، فتتناول موضوعاً بالغ الحساسية. وتشرح: «العمل يصوِّر طفلتين معلَّقتين على حبل غسيل، يراقبهما رجل غامض الملامح. هنا أتطرَّق إلى قضايا دقيقة مثل الزواج المبكر الذي تلجأ إليه بعض العائلات خوفاً من الأسوأ».

وتعزو جنيفر اختيار موضوعاتها إلى تجربتها الميدانية بصفتها ناشطة اجتماعية. إذ زارت مخيمات اللاجئين من البقاع إلى صيدا وبيروت. وتضيف: «كنت أختزن هذه الوجوه والمشاهد في ذاكرتي، خصوصاً خلال عملي في اختيار ممثلين لفيلم (كفرناحوم) لنادين لبكي، فهي تُفضّل دائماً الاستعانة بشخصيات واقعية من الشارع. هناك تعرَّفت إلى هذه الوجوه التي رسمتها لاحقاً بريشة مثقلة بالألم والمعاناة».


مقالات ذات صلة

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

ها هي الفنانة الشهيرة، مستلقية على السرير الذي أمضت فيه وقتاً طويلاً تتعافى من وعكة صحية وحوادث مروعة. ترتدي زياً مكسيكياً تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم،…

إميلي لابارج
يوميات الشرق النسيج في متحفه بفرنسا قبل نقله إلى بريطانيا (رويترز)

«نسيج بايو» الأشهر في التاريخ يعود إلى إنجلترا بعد قرون

رغم اسمه، فإنّ «نسيج بايو» ليس نسيجاً بالمعنى التقليدي، بل قطعة من الكتان مطرَّزة بخيوط صوفية ملوّنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره ولا يمكن تخطيه فلوحاته تنظر للعالم عبر عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة.

عبير مشخص (لندن)

وفاة سام نيل نجم فيلم «جوراسيك بارك» عن عمر 78 عاماً

نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرنسيسكو 2012 (أرشيفية-رويترز)
نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرنسيسكو 2012 (أرشيفية-رويترز)
TT

وفاة سام نيل نجم فيلم «جوراسيك بارك» عن عمر 78 عاماً

نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرنسيسكو 2012 (أرشيفية-رويترز)
نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في فرنسيسكو 2012 (أرشيفية-رويترز)

تُوفي نجم فيلم «جوراسيك بارك» سام نيل في أستراليا، اليوم الاثنين، عن عمر يناهز 78 عاماً، وفقاً لبيان صادر عن عائلته وصَف وفاته بأنها «مفاجئة وغير متوقعة».

وجاء في البيان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان سام محاطاً بأفراد عائلته، ورحل بكرامة طبعت حياته»، مضيفاً أنه كان خالياً من السرطان.

كان ممثل فيلم «جوراسيك بارك» قد أعلن، في أبريل (نيسان) الماضي، أنه تعافى من السرطان بعد خضوعه للعلاج من سرطان الدم في المرحلة الثالثة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.


«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
TT

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)

إنها أميركا القرن التاسع عشر في ربعه الأخير، أو «الأرض الموعودة»؛ تلك التي قصدَها كلُ باحثٍ عن حلم أو ثروة أو مغامرة بدءاً من سنة 1870. هذه هي البلاد التي يصوّرها مسلسل «نتفليكس» الجديد Little House on the Prairie (بيت صغير على المرج)، حيث تتكاثر الشخصيات الوافدة من كل حدبٍ وصوب لتحطّ رحالها في ولاية كانساس. معظمهم غرباء عن بعضهم، تجمعهم تلك الأرضُ البِكر وأحلامٌ شخصية ووطنية كبيرة.

في قلب الحكاية المقتبسة من سلسلة الروائية لورا إنغالز، عائلتُها المؤلّفة من والدها تشارلز إنغالز ووالدتها كارولين وشقيقتيها ماري وكاري. بعد طريقٍ عاثر ورحلةٍ محفوفة بالمخاطر، حطّت لورا وعائلتها الرحال في بلدة إنديبندنس حيث يتطلّعون إلى بناء بيتهم على أرضٍ مجانية. وهناك، تجمعهم الغربة بغرباء مثلهم لكلٍّ منهم حكاية تضيف حبكاتٍ ثانويّة لافتة، إلى الحبكة الأساسية للمسلسل.

منذ العثرة الأولى أي نجاة العائلة من غرقٍ محتومٍ في النهر أثناء رحلة العبور، يتّضح المزاج العام للمسلسل. يمكن اختصاره بالقناعة التي يسير وفقها تشارلز إنغالز، والتي تقول: «الأمل هو كل شيء. هو الشيء الوحيد». كل الأزمات، مهما صعُبت، تجد الحل المناسب لها. وغالباً ما ينتهي عراكٌ أو وباءٌ جماعي أو حريق أو اختناقٌ في قعرِ بئر، برقصةٍ وأغنية على ألحان الكمان.

أرادت «نتفليكس» للمسلسل ولادةً جديدة تتميّز عن النسخة التي اشتُهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعرضتها شبكة «إن بي سي» الأميركية، مع العلم بأنّ تلك النسخة التلفزيونية القديمة ما زالت تلاقي رواجاً حتى الآن.

غالباً ما تنتهي أي أزمةٍ في المسلسل برقصة وأغنية برفقة الكمان (نتفليكس)

يمكن القول إن المنصة العالمية نجحت في الرهان، ففي الشكل المسلسل متعةٌ للعين لما فيه من ثراءٍ تصويريّ يحوّل حقول كانساس الشاسعة ومغيبَ شمسِها إلى لوحاتٍ ساحرة. أما مضموناً، فالعمل عائليٌ بامتياز كما ينخفض فيه منسوب التراجيديا فاتحاً الباب أمام التفاؤل والطمأنينة، ما يمنح مُشاهَدةً مريحة.

يطرح المسلسل قضايا سجاليّة شائكة، لكن من دون التعمّق فيها ولا تشريحها على طاولة السياسة، في تجنّبٍ متعمّد للتعقيدات والتزامٍ اختياريّ بمنطقة الأمان. فروايات إنغالز كانت تتوجّه أساساً إلى قرّاء الجيل الصاعد وليس البالغين. إلّا أنّ قضية السكّان الأصليين على سبيل المثال، يُفرَد لها ما يكفي من مساحة. فبموازاة عائلة إنغالز، يتعرّف الجمهور إلى قبيلة «أوساج» من خلال عائلة ميتشل الناطقة بإحدى لهجات الهنود الحمر.

يفرد المسلسل مساحة لقضية السكّان الأصليين وحقوقهم (نتفليكس)

بعد لقاءٍ فاتر بين المستوطنين الجدد والسكّان الأصليين، تتوطّد العلاقة بين تشارلز إنغالز وويليام ميتشل. ويذوب حذر ابنة الأخير «غود إيغل» من لورا، فتصبحان صديقتَين تجسّدان بدفءٍ وبراءة التنوّع الأميركي.

الطفلة لورا إنغالز، التي تؤدّي شخصيتها ببراعة فائقة الممثلة أليس هالسي (11 سنة)، هي هديّة المسلسل وقلبُه النابض. تجسّد الخيال والإحساس والتمرّد والفطنة في آنٍ معاً. وكأنها البذرة التي سيثمر التغيير على يدِها. ترفض لورا التفرقة بين البشر على أساسِ عرقٍ أو لونٍ أو ثروة، وتذهب إلى آخر الطريق بحثاً عمّن تحب حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتها.

أداء آسر للممثلة أليس هالسي بشخصية لورا إنغالز (نتفليكس)

من بين مَن تُصادِقُهم لورا كذلك «السيّد إدواردز» الذي يحاول ترميم نفسه والخروج من عزلته بعد خسارة زوجته وبناته جرّاء داء الكوليرا. رغم بعض العثرات، ينتهي به الأمر بإعادة اكتشاف الدفء والحنان إلى جانب عائلة إنغالز، وهو يساعدهم في بناء بيتهم الموعود.

كل شخصيات المسلسل تقريباً مسكونةٌ بماضٍ يأتيها أحلاماً وكوابيس ثم يوقظها مذعورة. لورا مشتاقة إلى جدّتها وأقربائها الذين تركتهم في ويسكونسن. أما والدُها فلا يفارقه طيف شقيقه جورج الذي انتحر شاباً، وهو يحمّل نفسه ذنب تلك الفاجعة. الوالدة كارولين مسكونةٌ هي الأخرى بصورتَي أمها وشقيقتها غير الراضيتَين عن زواجها، ولا عن تركها كل شيء والسير خلف تشارلز إلى ولايةٍ بعيدة.

كل شخصيات المسلسل مسكونة بماضٍ لا يفارقها (نتفليكس)

ليست لورا إنغالز وحدها مَن تخدم الصورة غير التقليدية التي يحاول المسلسل الجديد إظهارها. فصوت الأنثى الثائرة على واقعها وعلى مصيرها المحصور بإنجاب الأطفال والاهتمام ببيتها وعائلتها، ترفعه شخصياتٌ مثل الفرنسية لايسي أوبير الآتية إلى أميركا بكامل حريتها لتُديرَ حانةً وترتدي السراويل الرجّاليّة وتحمل السلاح.

تنضمّ إليهما صاحبة متجر البلدة، إميلي هندرسون، والتي تجسّد ببشرتها السمراء تنوّع المجتمع الأميركي. تفرض هويّتها رغم ما يظهره البعض من انعزاليّة وعنصريّةٍ تجاهها.

أما طبيب البلدة المحبوب فهو كذلك من أصحاب البشرة السمراء، أو الأميركيين الأفارقة، الذين يضعهم مسلسل «نتفليكس» في الواجهة كجزءٍ لا يتجزّأ من الصورة المسالمة والنموذجيّة لأميركا تلك الحقبة.

يرفع المسلسل صوت الأميركيين من أصحاب البشرة السمراء (نتفليكس)

رغم الحرفة الإخراجية والحبكات الجذّابة، يعاني المسلسل من مثاليّةٍ طافحة حيث يجري التغلّب على كل التحدّيات بالاتّحاد والحب والتكاتف الاجتماعي. إنها صورة بعيدة عن الواقع بعض الشيء، أو على الأقلّ غريبة عن اللحظة الحالية في الولايات المتحدة والعالم أجمع.

في «بيت المرج» ولدى جيرانه، يتصاعد التوتّر لينتهي دائماً بضحكةٍ وعناق. ثم يأتي وباءٌ جماعيّ مهدّداً عائلاتٍ بأكملها فينجو الجميع من دون أضرار. في عالم إنغالز النموذجي، تُشفى الكسور الحَرِجة بسِحر ساحر. حتى الكلاب والأحصنة الضائعة تجد طريقها إلى البيت ولو بعد شهور من التيه.

في Little House on the Prairie لا تتحوّل أي مشكلة إلى تراجيديا (نتفليكس)

لا تعكس هذه الحكاية حتماً حقيقة الصعوبات التي واجهها الأميركيون المؤسسون، لكنها تفتح باباً شاسعاً أمام المشاهدين كي يهربوا عبره من الواقع. هي استراحةٌ بصريّة من كل ما هو اصطناعيّ ومركّب، وفسحةٌ نفسيّة لضخّ الإيجابية والتفاؤل.

ويتجدّد الموعد مع مغامرات عائلة إنغالز قريباً، إذ أعلنت «نتفليكس» أنها في طور إنتاج الموسم الثاني، الذي من المرجّح أن تليَه مواسم أخرى بما أنّ سلسلة لورا إنغالز مكوّنة من 9 فصول.


تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)

على الرغم من مضي نحو 5 أيام على قبول الحكومة المصرية استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصبها كوزيرة للثقافة على خلفية حكم محكمة النقض بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد؛ إذ صدر الحكم بدفع تعويض لصالح الكاتبة قدره مائة ألف جنيه (الدولار يوازي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، كما قضت المحكمة بسحب كتاب الوزيرة من التداول؛ فإن الجدل تواصل حول هذه الأزمة، وتردد صداها في أوساط ثقافية وصحافية مصرية، وظهرت تداعياتها في ادعاءات بوجود ما يمكن تسميته «كاتب ظل» تدخل في متن الكتاب، وربما تسبب في هذه الأزمة، حسب ما أُشيع.

ونشر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم المخرج خالد يوسف، ما يشير إلى وجود «شخص آخر كان يقوم بمراجعة كتاب الوزيرة، وأن هذا الشخص ربما قام بإضافة فقرات دون علمها أو بعلمها، ولم تقدر حجم المشكلة» وفق ما ذكر عبر حسابه بـ«فيسبوك»، مؤكداً أن «الوزيرة مسؤولة في الحالتين».

في حين نشر الصحافي والناقد بـ«الأهرام» سيد محمود مقالاً بصحيفة «الشروق» بعنوان «الآن أتكلم»، نفى فيه مسؤوليته عن محتوى الكتاب، وقال إنه كتب فقط مقدمته بطلب من الدكتورة جيهان زكي التي كان يعرفها منذ رئاستها الأكاديمية المصرية للفنون بروما، وذكر أنه ركز في مقدمته التي تصدرها اسمه على فكرة المقارنة بين شخصية تنتمي للثقافة الغربية وأخرى تنتمي للثقافة الشرقية، وأنه انتبه بطبيعة الحال إلى ذكر اسم الأستاذة سهير عبد الحميد في أكثر من موضع بكتاب الوزيرة، وكذلك في قائمة المراجع التي جاءت في خاتمة الكتاب، وبالتالي لم يكن لديه شكوك في نسبة الكتاب لمؤلفته، مشدداً على أن مهمته لم تكن تقتضي البحث في مدى مطابقة المحتوى، أو مقارنة نسب الاقتباس، أو كشف عدد الفقرات التي ضمّنتها الدكتورة جيهان في كتابها، ولا سيما أنه لم يطالع كتاب الأستاذة سهير، وهدد محمود بملاحقة كل من يزج باسمه بغير دليل يعزز اتهامه، وفق ما جاء في مقاله.

الصحافية والكاتبة سهير عبد الحميد (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى الناقد الأدبي مصطفى عبد الله أن «هذا الجدل اتسعت دائرته لطبيعة القضية وارتباطها بوزيرة الثقافة، وبحقوق ملكية مؤلفة الكتاب سهير عبد الحميد»، وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «كانت هناك وجهات نظر بين من قاموا بمضاهاة الكتابين وإبداء الرأي بالإدانة، وبين من قالوا إن الفاعل هو فلان بعينه، ومن وقفوا إلى جانب الوزيرة مدافعين عنها».

وتابع عبد الله: «لقد تعلمنا أن نحترم أحكام القضاء، وأرى أن تداول هذا الموضوع بهذا الشكل ستكون له آثار سيئة جداً»، مطالباً بـ«إغلاق هذا الملف؛ لأن حكم القضاء أدان الوزيرة، وقدمت استقالتها احتراماً لهذا الحكم».

وكانت وزيرة الثقافة قد أكدت في تصريحات لها بعد يومين من استقالتها أنها من الآن فصاعداً ستتصدى للدفاع عن حقها كمواطنة وعالمة مصريات ومحاضِرة دولية، وكذلك كأم، مشيرة إلى أنها سترد على ما وصفتها بـ«الافتراءات والمغالطات والأكاذيب» التي تعرضت لها، وأنها ستواصل «جميع السبل التي يكفلها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الأحكام التي صدرت».

وقالت الكاتبة فاطمة المعدول: «لا بد من وقف هذا الجدل والصراع وحالة الانقسام التي نشهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً أن هناك حكماً قضائياً حسم المسألة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «الوزيرة استقالت، والأستاذة سهير عاد لها حقها الأدبي والتعويض المادي، والأستاذ سيد محمود كتب مقالة مؤثرة نفى فيها أنه (كاتب ظل)، وأكد أنه كتب المقدمة فقط، وبذلك يكون كل شيء قد حُسم واتضح للجميع».