«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

الرسام التسعيني يواصل الاشتغال على التجريد والهندسة خارج منطق الأعمار

البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)
البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)
TT

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)
البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

يفتتح الفنان اللبناني محمود أمهز معرضه الجديد «خارج الزمن» (Timeless) في فضاء «ريبيرث بيروت» بمنطقة الجمّيزة، مُقدّماً مجموعة من الأعمال الحديثة التي أنجزها خلال المدّة الأخيرة، إلى جانب مختارات من مراحل سابقة من مسيرته. ويأتي المعرض في صيغة عرض متماسك يتيح قراءة تجربة تشكيلية امتدّت لعقود ولا تزال حتى اليوم في حالة اشتغال وإنتاج، بعيداً عن منطق الاستعادة أو الاكتفاء بمحطات مُنجَزة.

الذاكرة تتسلّل إلى التجريد في لوحات التشكيلي التسعيني (الشرق الأوسط)

وهو يضمّ أعمالاً نفَّذها أمهز خلال أقل من عام، في خطوة لافتة لفنان في عامه الحادي والتسعين، تتجاوز الكثافة الإنتاجية إلى طبيعة الاشتغال بذاتها. فالأعمال الجديدة جزء من مسار لم يتوقّف، ويواصل تطوير لغته البصرية ضمن الإطار نفسه الذي اشتغل عليه لسنوات.

تنطلق اللوحات من تجريد هندسي يقوم على بناء صارم للمساحة وعلى تنظيم داخلي يعتمد التكرار والتراكب. الشبكات والتقسيمات والخطوط العمودية والأفقية، تُشكّل الهيكل العام للأعمال، في حين يعمل اللون ضمن منطق محسوب بعيد عن التعبير المباشر أو الانفعال البصري. لا حضور لونياً طاغياً، ولا رغبة في لفت الانتباه عبر التبايُن الحاد. ثمة اشتغال مُتدرِّج على الطبقات وعلى الفروق الدقيقة في الكثافة والملمس، بما يمنح اللوحات عمقها التشكيلي ويؤكّد اعتمادها على التراكم والانضباط.

الطبقات اللونية تتراكب على مهل (لوحات محمود أمهز)

بذلك، يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري. فالطبقات اللونية تتراكب على مهل وتعمل داخل السطح التشكيلي على هيئة عناصر متداخلة تظهر وتختفي من دون أن تفرض حضورها، ممّا يخلق إحساساً بأنّ اللوحة نتاج عملية طويلة من البناء المُتدرّج، تقوم على الإضافة بقدر ما تقوم على المحو. هذا الاشتغال على اللون يمنح الأعمال عمقاً محسوباً يفتحها على تعدُّد القراءة، ويُبقي المساحة التشكيلية في حالة توازن بين الامتلاء والفراغ.

يظهر الحرف العربي في بعض الأعمال من دون أن يؤدّي وظيفة لغوية ورمزية صريحة، لغياب الرغبة في استدعائه على شكل نصّ قابل للقراءة أو علامة دلالية مُسبَقة. حضوره يندرج ضمن البنية التشكيلية للعمل ويتحوّل إلى عنصر بصري يُشارك في تنظيم الفضاء الداخلي للّوحة، ويُسهم في ضبط إيقاعها وتوازنها من دون اكتراث بإنتاج معنى لغوي مُحدّد. بذلك، يخرج الحرف من نطاق الإشارة إلى اللغة ليصبح جزءاً من النظام البنيوي العام، ممّا يُبعده عن الحروفيّة التقليدية ويضعه في سياق تشكيلي صرف يرتبط بالإيقاع والتوزيع والكتلة أكثر من ارتباطه بالدلالة أو المرجع الثقافي المباشر.

هندسة تُنظّم الفراغ وتُبقي اللوحة في حالة توازن (لوحات محمود أمهز)

وتتضمَّن بعض اللوحات إشارات خافتة إلى العمارة أو إلى الحضور الإنساني، من دون أن تتبلور في صور مُكتملة أو مَشاهد قابلة للتحديد. فلا عناصر سردية هنا، ولا شخصيات، ولا بناء مشهدي يقود إلى قراءة قصصية. ما يظهر هو أثر شكل أو كتلة مُبهمة أو فراغ منظَّم داخل التكوين العام، يحضر مثل بقايا حضور. هذه الإشارات تندرج ضمن طبقة من الذاكرة البصرية التي تتسلَّل إلى التجريد وتمنحه امتداداً واقعياً من دون أن تفرض عليه معنى أو تُقحمه في مسار سردي مُحدَّد.

اللون يصنع عمقاً تشكيلياً قائماً على التراكم والانضباط (لوحات محمود أمهز)

اختيار عرض الأعمال الجديدة إلى جانب لوحات أقدم لا يقوم على منطق التتبُّع الزمني ولا يهدف إلى إبراز تطوّر أسلوبي أو تحوّلات حادّة في المسار. فالمعرض يُقدّم التجربة بوصفها كُلاً واحداً متماسكاً، حيث تنحصر الفروق بين المراحل في التفاصيل الدقيقة، من درجة الاختزال إلى طريقة توزيع الكتل والتعامل مع اللون، بينما تبقى البنية العامة للعمل ثابتة. هذا الثبات دليل على استقرار اللغة البصرية ووضوح أدواتها، وهي لغة تُواصل الاشتغال على الأسئلة نفسها مع تغيّر مقاربتها وحِدّة معالجتها عبر الزمن.

أعمال تبحث عن الأثر وتترك للعين إكمال المهمّة (لوحات محمود أمهز)

في هذا السياق، يكتسب عُمر الفنان دلالة خاصة، وذلك من دون طرحه على أنه إنجاز بحدّ ذاته، أو استعماله عنصراً احتفالياً في المشهد. هو مُعطى يُضيء على طبيعة العلاقة مع العمل. فاستمرار الإنتاج وإتاحة الأعمال الحديثة ضمن المعرض، يؤكّدان حضور ممارسة فنّية لا تزال قائمة على الفعل اليومي والانخراط المستمر في اللوحة.

توازن محسوب بين الكتلة والفراغ يمنح اللوحة استقرارها (لوحات محمود أمهز)

هذا المعرض يندرج ضمن حراك ثقافي يسعى إلى ترسيخ ديمومة الفعل الفنّي في المدينة بعيداً عن منطق المناسبات المؤقّتة أو العروض الظرفية. وهو يستمرّ حتى 10 فبراير (شباط) الحالي، بدعم من الدكتور طوني كرم، مُقدّماً للزائر فرصة الاطلاع على تجربة تشكيلية لبنانية امتدّت لعقود ولا تزال حتى اليوم في حالة إنتاج فعلي.


مقالات ذات صلة

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

يوميات الشرق هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

هناك من المعارض ما يجعلك تشعر بأنك أمام فن مختلف. وبالأحرى أمام فن شبابيّ. هذا هو الحال مع النحات الصيني هوانغ يولونغ ومعرضه المقام في باريس حالياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لا أحد يعرف متى يتحوَّل الأثر سيّداً على صانعه (مايا آرت سبيس)

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

القميص كلّما كَبُر، انحسر الجسد. وكلّما تكرَّرت أشكاله وتراكمت، فَقَدَ الفرد موقعه في التكوين...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )