كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

خطأ يُهدد مزاداً بقيمة نصف مليون دولار

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
TT

كريبتوس... اللغز الذي أفلت من المخابرات وسقط في الأرشيف

 منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)
منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

فتح النحات جيم سانبورن حساب بريده الإلكتروني في أحد أيام الشهر الماضي، متوقعاً الرسائل المعتادة من أشخاص يدّعون حل لغزه الشهير الذي يعود تاريخه إلى عقود. يقع منحوتة كريبتوس، أشهر أعمال سانبورن الفنية، في فناء بمقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا.

ويُجسّد كريبتوس، وهو منحوتة تُثير الأسرار وتُجسّدها، أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة. منذ أن كرّسته الوكالة عام 1990، نجح خبراء التشفير، سواءً كانوا محترفين أو هواة، في حل ثلاثة من هذه المقاطع، المعروفة باسم K1 وK2 وK3. لكن المقطع الرابع، K4، ظلّ صامداً دون فكّ.

كان سانبورن، البالغ من العمر 79 عاماً، في المراحل الأخيرة من بيع حل اللغز في مزاد علني. وقدّرت دار المزادات أن نص هذا المقطع، إلى جانب أوراق وقطع أثرية أخرى متعلقة به، سيُباع بما يتراوح بين 300 ألف و500 ألف دولار. وقال إنه ينوي استخدام العائدات لتغطية نفقاته الطبية في حال تعرضه لأزمات صحية محتملة، ولتمويل برامج للأشخاص ذوي الإعاقة. إلا أن رسالة البريد الإلكتروني التي تلقاها في 3 سبتمبر (أيلول) هددت هذه الخطة. حيث احتوى سطر موضوعها على الكلمات الأولى من المقطع الأخير من K4، وأظهر نص الرسالة بقية النص الذي تم حله.

ما أدى إلى تلك اللحظة هو مزيج من سوء التعامل مع الأوراق ومهارة التجسس المهووسة. وجد خبير تشفير هاوٍ وصديقه الحل أمام أعين كل من يرغب في التنقيب في أرشيفات مؤسسة «سميثسونيان». تم الكشف عن النص المخفي، مع ما قد يترتب على ذلك من آثار ضارة على عملية البيع، فما قيمة سر يعرفه شخص آخر؟ الشخص الذي تتبع الحل، جاريت كوبيك، صحافي وروائي مفتون منذ فترة طويلة بأعمال سانبورن.

في إعلان دار مزادات «آر آر»، الشركة التي تدير عملية البيع، رأى كوبيك إشارة إلى نسخ من «مخططات التشفير» المستخدمة لتشفير الرسالة، وذكر الإعلان أن النسخ الأصلية موجودة في «سميثسونيان». يعيش كوبيك في كاليفورنيا، لذلك طلب من صديقه في منطقة واشنطن، ريتشارد بيرن، وهو صحافي وكاتب مسرحي، طلب أوراق سانبورن من أرشيف «سميثسونيان» للفنون الأميركية.

منحوتة «كريبتوس» في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية في فرجينيا (نيويورك تايمز)

قضى بايرن ساعات في تصوير وثائق في الأرشيف يوم 2 سبتمبر. في ذلك المساء، وبينما كان كوبيك يراجع الصور التي أرسلها صديقه، رأى قصاصات ورق، بعضها مثبت بشريط لاصق مصفر، فصدم قائلاً: «مهلاً - مكتوب عليها (ساعة برلين)!».

كانت هاتان الكلمتان دليلاً على لغز K4 الذي نشره سانبورن عامي 2010 و2014. واحتوت قصاصة أخرى على المزيد مما بدا أنه الرسالة الأصلية غير المشفرة، والمعروفة في علم التشفير باسم النص العادي، بما في ذلك كلمتا «شرق شمال شرق»، وهما دليلان نُشرا عام 2020. بلغ مجموع الأحرف 97 حرفاً، وهو عدد الأحرف في K4، جمعها كوبيك في نص مقروء.

قال كوبيك في مقابلة، مشيراً إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التي تشكل أساس التشفير: «هذه مشكلة لطالما تناولها الجميع باعتبارها مشكلة تتعلق بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات». وجادل بأن علم التشفير لا يستطيع حل لغز كريبتوس، «لكن علم المكتبات يستطيع ذلك». قارن بايرن ما توصلوا إليه بمعلومات استخباراتية مفتوحة المصدر. في 3 سبتمبر (أيلول)، أرسل الرجلان بريدهما الإلكتروني إلى سانبورن، متضمناً تأكيداً بأن «اهتمامهما الرئيسي» هو «المضي قدماً دون تعريض مزادك القادم للخطر». وأجريا مكالمة هاتفية استمرت نصف ساعة أكد فيها سانبورن أن لديهم الحل. ووصف كوبيك تلك المحادثة بأنها «محادثة رائعة».

أرشيف جيم سانبورن المعروض للبيع في المزاد (آر آر للمزادات)

لكن في وقت لاحق من ذلك المساء، استعاد كوبيك ذكرياته مع محادثة ثانية، حيث قال إن سانبورن اقترح عليهما توقيع اتفاقيتي عدم إفصاح، ومن ثم الحصول على جزء من عائدات المزاد. قال كوبيك وبيرن إنهما اضطرا لرفض العرض، جزئياً، خوفاً من أن يجعلهما ذلك «طرفين في عملية احتيال» في المزاد. انتهت المكالمة إلى طريق مسدود: «لم يُرِد سانبورن أن يتحدثا، وشعرا بالإهانة من اقتراحه بتوقيع اتفاق التزام الصمت. كما أثار عرض المال استياءهما». قال بيرن: «إنه خط أحمر تماماً. غير قابل للتنفيذ. لن يحدث».

أوضح سانبورن في مقابلة أنه هو من جهّز قصاصات الورق التي عثر عليها الرجلان لمشاركة النص مع وكالة المخابرات المركزية. أدرجها عن طريق الخطأ في المجلدات التي جمعها قبل نحو عشر سنوات. حدث هذا في أثناء علاجه من مرض السرطان. قال: «لم أكن متأكداً من المدة التي سأبقى فيها على قيد الحياة، فجمعت جميع أوراقي على عجل» للأرشيف. صُدم عندما أدرك، بعد سنوات أن تلك القصاصات قد انتهت في المجموعة. تبادل سانبورن الرسائل منذ ذلك الحين مع كوبيك وبايرن، لكنهما لم يتوصلا إلى حل.

تجسّد منحوتة كريبتوس أربع رسائل مُشفّرة بحروف محفورة عبر صفيحة النحاس المُقوّسة (آر آر للمزادات)

بالتوازي مع ذلك، أثار كتالوج المزاد، على أكبر منتدى إلكتروني لعشاق كريبتوس، نقاشاً حول كنز «سميثسونيان». في 5 سبتمبر، أشار أحد الأعضاء إلى أن الوثائق قد أُغلقت ولم تعد متاحة. كان هذا من عمل سانبورن، الذي نجح، بعد حديثه مع كوبيك وبايرن، في إقناع المؤسسة بحظر الوصول إلى المواد حتى عام 2075.

ولكن دار المزادات لم تقف مكتوفة الأيدي. في الأسبوع الماضي، تلقى كوبيك وبايرن رسالة بريد إلكتروني من محامي دار مزادات «آر آر»، هددوا فيها باتخاذ إجراء قانوني في حال نشرهما النص، مشيرين إلى انتهاك حقوق النشر والتدخل في العقود. بلهجة مختلفة تماماً، ذكرت الرسالة أيضاً أنه إذا لم ينشرا النص، «فسيُنظر إليكما كأبطال في مجتمعات التشفير والاستخبارات»، وهي «قصة» سيسعد موكلهما «بمساعدتكما في الترويج لها».

يرى الرجلان أن المنطق القانوني مشكوك فيه، وقد عيّنا محامين. لكنهما يُقرّان أيضاً بالتكلفة الباهظة للدفاع عن نفسيهما. يقولان إنهما لا يخططان لنشر الحل. لكنهما أيضاً لا يميلان إلى توقيع وثيقة ملزمة قانوناً تتعهد بعدم القيام بذلك. كان من المقرر أن يبدأ المزاد يوم الخميس، وينتهي في 20 نوفمبر (تشرين الثاني). وقد كشفت دار المزادات عن اكتشاف الحل على موقعها الإلكتروني.

جانب من أرشيف سانبورن المعروض للبيع (آر آر للمزادات)

قال توماس سي دانزيغر، المحامي الذي يمثل عملاء في سوق الفن، إنه طالما بقيت الرسالة سرية، فإن هذا الإفصاح هو «أفضل ممارسة».

وبينما «من المفترض أن يؤثر ذلك على قيمة» البيع، «فإنه يبقى أقل تكلفة من مواجهة دعوى قضائية من مشترٍ ساخط في المستقبل». وأضاف دانزيغر أن الكشف عن النص العادي قد يكون له تأثير عميق على المزاد. ولكن بينما قد يُثبط الكشف عن النص العادي حماس المزايدين، قال: «قاعة المزاد مكان غريب». واستشهد بمثال شهير: «عمل فني لبانكسي دمر نفسه بعد بيعه في البداية مقابل 1.4 مليون دولار في دار (سوثبيز) للمزادات في لندن، مما «زاد من قيمته بشكل كبير».

وفي حالة كريبتوس، قال: «يُمزق السر أمام أعين العالم. هل يعني هذا أن قيمته أقل؟ أم أكثر؟ لا أعرف». قالت إيلونكا دونين، مصممة ألعاب تُسهم في قيادة النقاش الأكثر نشاطاً على الإنترنت حول كريبتوس، في مقابلة إنها تأمل ألا يُنشر النص. لكن بالنسبة لعشاق التشفير الحقيقيين، قالت إن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الحل، بل في معرفة كيفية الوصول إليه. وأضافت: «هذا هو الجزء المثير بالنسبة لي»، واقترحت أن يكون «القيمة الحقيقية» في المزاد. وقالت: «إذا لم تكن لديهم الطريقة، فلن يُحل الأمر».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

ثقافة وفنون موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

بيعت لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

في مزاد علني استقطب اهتمام هواة جمع العملات، بيعت قطعة نادرة وُصفت بأنها «أجمل عملة بريطانية» مقابل 110 آلاف جنيه إسترليني...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين

عبير مشخص (لندن)

مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» باستقبال سفينة في بورسعيد

 مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» عالمياً عبر الموقع الاستراتيجي لموانئها (المنطقة الاقتصادية لقناة السويس)
مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» عالمياً عبر الموقع الاستراتيجي لموانئها (المنطقة الاقتصادية لقناة السويس)
TT

مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» باستقبال سفينة في بورسعيد

 مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» عالمياً عبر الموقع الاستراتيجي لموانئها (المنطقة الاقتصادية لقناة السويس)
مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» عالمياً عبر الموقع الاستراتيجي لموانئها (المنطقة الاقتصادية لقناة السويس)

تتجه مصر إلى تعزيز سياحة «اليوم الواحد» عالمياً، والترويج لمعالمها الأثرية والثقافية، عبر استقبال سفن كبرى بموانئها المختلفة، والتابعة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

واستقبل الرصيف السياحي في ميناء غرب بورسعيد، الجمعة، السفينة السياحية «أيدا ستيلا» (AIDA STELLA) قادمة من الإسكندرية، وعلى متنها 2067 سائحاً و648 فرداً من طاقم البحارة من جنسيات مختلفة، وذلك ضمن رحلات سياحة «اليوم الواحد»، حسب بيان للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ومن المقرر تنظيم برامج سياحية لهم تشمل زيارات سريعة إلى مدينة القاهرة لزيارة المعالم الأثرية، إلى جانب تنظيم جولات داخلية بمدينة بورسعيد، للتعرف على معالمها التاريخية، على أن تغادر السفينة الميناء مساء اليوم نفسه، مستكملة رحلتها البحرية إلى ميناء ليماسول القبرصي.

وأكدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في بيانها، أن استقبال السفينة «العملاقة» يأتي في إطار جهودها لتنشيط «السياحة البحرية بموانئها المطلة على البحرَين المتوسط والأحمر، وجاهزيتها لاستقبال مختلف أنواع السفن السياحية بشكل منتظم، وتقديم الخدمات اللوجيستية كافّة»، بما يعكس «ثقة الخطوط الملاحية بموانئ المنطقة، وذلك في ضوء ما تم تنفيذه من أعمال تطوير ورفع كفاءة البنية التحتية وتعميق الغاطس، وفقاً لأحدث المعايير العالمية في تشغيل الموانئ البحرية».

ويتنامى مفهوم سياحة «اليوم الواحد» عالمياً في السنوات الأخيرة، وفق الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة تقوم على «التجول بحرياً في معظم دول العالم من خلال سفن سياحية عملاقة تمتلكها شركات كبرى، ترسو في بعض الموانئ لمدة يوم أو يومَين، حيث يزور السائحون معالم المدينة، ثم تستكمل السفينة رحلتها إلى الميناء التالي».

وفي رأي الشيخ، يُسهم استقبال الموانئ المصرية للسفن السياحية الكبرى في «تعزيز سياحة (اليوم الواحد) بالبلاد، حيث تمتلك مصر مجموعة موانئ مهمة، كما أن المدن التي تقع فيها هذه الموانئ بها معالم أثرية ومزارات مهمة تُغري السائحين».

وأكد أن «مصر لديها المقومات لتنشيط سياحة (اليوم الواحد) الذي يقدم منتجاً سياحياً غير تقليدي، وكذلك الترويج للمنتج السياحي الثقافي بمدن البلاد كافّة، فالسفينة عندما ترسو في الإسكندرية مثلاً، يمكن للسائح أن يزور معالم المدينة ثم يلتحق بالسفينة بميناء بورسعيد لزيارة معالمها، فضلاً عن سهولة الانتقال إلى مدينة القاهرة لزيارة المعالم السياحية الرئيسية».

السفينة «أيدا ستيلا» (AIDA STELLA)، التي رست بميناء غرب بورسعيد المصري، مملوكة لشركة «AIDA Cruises»، وهي واحدة من السفن السياحية التي تجوب العالم ضمن رحلات بحرية منتظمة، ويبلغ طولها 253 متراً، وغاطسها 7 أمتار، وحمولتها الكلية نحو 71 ألف طن. وتتكون من 14 طابقاً وتضم 1097 غرفة.

جولات سريعة لزيارة معالم بورسعيد الأثرية وآثار القاهرة (المنطقة الاقتصادية لقناة السويس)

ووفق بيان المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فإن «الموقع الاستراتيجي لميناء غرب بورسعيد عند المدخل الشمالي لقناة السويس يمنحه ميزة تنافسية فريدة، تجعله محطة جاذبة ونقطة انطلاق مميزة لبرامج السياحة الثقافية والترفيهية داخل مصر»، بجانب تسهيلات دخول السفن وركابها، حيث «اتخذت إدارة الميناء جميع الإجراءات اللازمة لدخول السفينة وإنهاء إجراءات السائحين بسهولة ويسر، بالتعاون مع جميع الجهات المعنية».

ويرى خبير النقل الدولي، الدكتور أسامة عقيل، أن مصر تمتلك ثلاث مميزات تؤهلها لتعزيز وتنشيط سياحة «اليوم الواحد» عالمياً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الميزة الأولى هي الموقع الاستراتيجي للموانئ المصرية، بجانب أنها تقع في القلب من مسار السفن السياحية المتجهة من وإلى أي مكان في العالم، والميزة الثانية هي التطوير الذي شهدته هذه الموانئ، واستيفاء الشروط الدولية المؤهلة، حيث أصبحت لديها القدرات الفنية والتكنولوجية على استقبال السفن بأي حجم، وتقديم أوجه الدعم اللوجيستي كافّة».

وتحدث عقيل عن الميزة الأخيرة، مؤكداً أن «مصر أصبحت تمتلك شبكة نقل عملاقة تسهل الانتقال من أي مدينة إلى العاصمة بسهولة، فالمسافة من بورسعيد إلى القاهرة تستغرق ساعتين، ويمكن أن تصبح أقل بمزيد من التطوير»، وتدعم هذه المميزات، حسب عقيل، «تعزيز سياحة (اليوم الواحد) عالمياً عبر الموانئ المصرية».

ومن بين الموانئ المصرية التي حصلت على تصنيف دولي متقدم، ميناء شرق بورسعيد، المصنف «الثالث عالمياً» و«الأول على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، وفقاً لمؤشر «أداء الموانئ»، الصادر عن «مجموعة البنك الدولي».

وأكدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في بيانها، أنها تواصل جهودها في «تطوير موانئها البحرية للاستفادة من موقعها الجغرافي المتميز، لا سيما موانئ المنطقة الشمالية (شرق وغرب بورسعيد) وميناء العريش البحري، من خلال تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة الأرصفة وتعميق الغاطس وفق أعلى المعايير العالمية، بما يُسهم في جذب الاستثمارات وتعزيز الخدمات اللوجيستية المقدمة إلى السفن.


ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
TT

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

في الماضي القريب، كانت أدوار الشرّ حكراً على مجموعة محدَّدة من الممثلين اللبنانيين، من بينهم علي دياب وجوزيف نانو وميشال ثابت؛ إذ كان حضورهم في أيّ عمل كفيلاً بالإشارة إلى حضور الشرّ بأشكاله المختلفة، ممّا رسّخ صورتهم في ذاكرة الجمهور.

اليوم، تغيَّرت هذه المعادلة، ولم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

وفي هذا السياق، لفت الممثل ميشال حوراني الأنظار أخيراً من خلال تجسيده أدواراً شريرة، لا سيما في برنامج «عاطل عن الحرّية»، وفيه قدَّم شخصية «أنور» الذي يخطف امرأة لبنانية إلى بلد معادٍ لمدّة 23 عاماً.

وفي مسلسل «المحافظة 15» الرمضاني، عاد حوراني ليجسّد شخصية شريرة بأسلوب مختلف، قدَّمها بطبقات درامية متدرِّجة تقودها تصاعدياً نحو الشرّ، ممّا يدفع المشاهد إلى كرهها، وهي نتيجة يسعى إليها أي ممثل لإقناع الجمهور.

ويؤكد حوراني أنه لا يُحبّذ التصنيفات التي تحصر بعض الممثلين في أدوار الشر، موضحاً: «تقييد الممثل بشخصيات محدّدة يُضعفه ويقصّر عمره المهني، خصوصاً إذا كان يمتلك القدرة على أداء متنوِّع». ويضيف: «منذ بداياتي، حرصتُ على تنويع أدواري ورفضت تنميطها ضمن قالب واحد، فتنقّلتُ بين الرومانسي والثوري والشرير».

ميشال حوراني بدور مركّب في مسلسل «المحافظة 15» (بوستر الشخصية)

في «المحافظة 15»، يُجسّد حوراني شخصية «طلال»، زوج بطلة العمل كارين رزق الله، الذي يظهر في البداية رجلاً عاشقاً، قبل أن يكشف تدريجياً عن وجهه الآخر المليء بالحقد والرغبة في الانتقام. وعلى امتداد الحلقات، تتكشَّف طبقات الشخصية، ليتحوَّل من رجل حنون إلى شخصية مُظلمة تنسج المؤامرات.

ويشير إلى أنه يغوص في تفاصيل الشخصيات التي يؤدّيها، لافتاً إلى أنّ أدوار الشرّ تُشكّل تحدّياً خاصاً؛ لأنها غالباً ما تكون مُركّبة. ويقول: «عندما تأخذني الشخصية إلى مكان لا يُشبهني، أشعر بمتعة أكبر. اهتمامي بعلم النفس يساعدني على فهم دوافع الشخصيات، خصوصاً الشريرة».

ويرى حوراني أن على الممثّل تبنّي الشخصية من دون إصدار أحكام مُسبقة، حفاظاً على صدقيتها، مضيفاً: «أبني خلفية للشخصية وأبرّر تصرفاتها، ممّا يساعدني على التماهي معها».

ويصف شخصية «طلال» بأنها قريبة إلى قلبه بجميع تناقضاتها، مشيراً إلى أن حبّه لزوجته كان حقيقياً، لكن خيباته دفعته إلى الانتقام، مؤكداً: «أتعاطف مع كلّ شخصية أؤديها».

ويعترف بأن أدوار الشر سلاح ذو حدين؛ إذ قد تُثير ردود فعل سلبية، لكنه يعدُّ ذلك دليلاً على النجاح: «عندما يكرهني الناس، أدركُ أنني أقنعتهم».

ويتابع أنه تعمَّد تقديم الشخصية بشكل غير تقليدي، مركّزاً على أناقتها وجاذبيتها في البداية، قبل انحدارها نحو الشرّ، قائلاً: «لو بدا مؤذياً منذ البداية، لكانت الشخصية نمطية».

يرفض ميشال حوراني حصر الممثلين في أدوار نمطية (حسابه الشخصي)

وشكَّل «المحافظة 15» محطة جديدة في تعاونه مع كارين رزق الله ويورغو شلهوب، بعد نحو 10 سنوات على مسلسل «قلبي دقّ». ويقول: «شعرنا وكأننا افترقنا بالأمس، وهناك انسجام كبير ونضج فنّي انعكس على العمل».

وتدور أحداث المسلسل حول لبناني اختُطف وسُجِن نحو 30 عاماً، قبل أن يخرج بعد سقوط النظام، في قصة إنسانية مؤلمة. ويُعلّق حوراني: «هي حكاية تحمل جروحاً عميقة، والمشاركة فيها كانت تحية للمفقودين»، مضيفاً أنه يفضّل تناول هذه القضايا بعد مرور وقت كافٍ؛ لأنّ الدراما تحتاج إلى مسافة زمنية لقراءة أكثر نضجاً.

وختم بالتأكيد، بصفته مواطناً يعيش تداعيات الحرب في لبنان، أن ما يجري يؤلمه بشدة، قائلاً: «أنا من بلدة دير ميماس الجنوبية، ويوجعني ما يعانيه أهلي. على الفنان مسؤولية في التقريب بين الناس، لا تعميق الانقسام».


«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».