تصميم غاليري توت عنخ آمون... درة التاج في المتحف المصري الكبير

أتيلييه بروكنر وسردية متحفية لكنوز الفرعون الذهبي

تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)
تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)
TT

تصميم غاليري توت عنخ آمون... درة التاج في المتحف المصري الكبير

تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)
تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)

​مع بدء العد التنازلي لافتتاح المتحف المصري الكبير تتجه أنظار العالم إلى صحراء الجيزة حيث تقبع الأهرامات وأبو الهول شهوداً على الزمن وأيضاً على المجهودات الضخمة الجارية حولها لإنهاء الأعمال في المتحف المصري الكبير الذي سيعرض للعالم كنوز الحضارة المصرية القديمة في مبنى يعد الأضخم في العالم من حيث الحجم، وأيضاً من حيث قيمة الآثار التي يحتضنها.

ورغم الافتتاح التجريبي للمتحف وإتاحة الفرصة للجمهور بزيارة قاعاته لا يزال جزء مهم من المتحف محجوباً عن النظر، وهو غاليري توت عنخ آمون الذي سيقدم وللمرة الأولى قطعاً لم تعرض من قبل من كنوز الفرعون الشاب، ما يجعل الغاليري بمكانة جوهرة التاج ضمن أقسام المتحف.

أتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة الحديث مع رئيسة فريق تصميم الغاليري من مكتب أتيلييه بروكنر في شتوتغارت. ما الذي يمكن أن يفصح عنه فريق المصممين، وهل يمكننا تكوين صورة ذهنية عن غاليري توت عنخ آمون؟

رواية القصة

في الفترة الماضية نشر أتيلييه بروكنر عدداً من الفيديوهات على الصفحة الخاصة به على مواقع «لينكد إن» و«إنستغرام» و«يوتيوب» تحدث فيها بعض أعضاء فريق المكتب عن تجربتهم مع العمل على الغاليري، وأوردوا تفاصيل بسيطة عن تصميم العرض وطريقة السرد التي تقدم للزائر عالم الفرعون الشاب بطريقة حديثة ومبتكرة تختلف عن طرق العرض المتحفية التقليدية، يصفها الغاليري في منشور على «إنستغرام»: «تعاملنا مع كل عنصر - من الإضاءة إلى اختيار المواد - بهدف واحد: إتاحة المجال لسرد القصة على نحو طبيعي. تتناغم فيه ألوان الصحراء الدافئة، وإيقاع المكان، والانتقالات بين لحظات التركيز والهدوء، لاستحضار دورة الحياة والموت والبعث في مصر القديمة».

في مقطع آخر تقول شيرين فرانغول بروكنر مديرة أتيلييه بروكنر إن تصميم غاليري توت عنخ آمون كان «فرصة نادرة من ناحية المحتوى والتصميم»، تمضي في حديثها قائلة: «نروي هنا قصة الملك برواية مكانية، من الحياة إلى الموت، وصولاً إلى الآخرة. إن السماح لنا بتصميم عرض هذا الكنز بكامله لأول مرة يُعد إنجازاً عاطفياً ومهنياً بارزاً».

نعرف من المقاطع المتفرقة أن مساحة الغاليري تبلغ 7500 متر مربع في الطابق الثاني من المتحف، وقد كلف أتيلييه بروكنر بتصميم الغاليري في عام 2017، واعتمدت استراتيجية العرض التي نفذها المكتب على أن تكون سردية غامرة. وحيث إن المتحف يتوقع أن يزوره الآلاف في اليوم الواحد، (يقدر الخبراء العدد بـ15 ألف زائر في اليوم) فكان التحدي أمام المصممين بإنشاء نظام ذكي لتوجيه الزوار يُنظّم المساحات الأثرية، ويمنح حتى القطع الصغيرة حضوراً قوياً. في جناحين متوازيين - يبلغ طول كل منهما 180 متراً، ويصل ارتفاعه إلى 16 متراً - تُعرض نحو 5600 قطعة أثرية من مقبرة الفرعون، بما في ذلك قرابة 3000 قطعة لم تُعرض للجمهور من قبل.

قطعة عرضت في معرض «توت عنخ آمون» في لندن عام 2019 (الشرق الأوسط)

تُقدّم الجولة عبر المعرض رحلة درامية مكانية عبر حياة الملك الإله، وتتويجه، ووفاته، وما بعده، وتنتهي بنموذج تجريدي كامل الحجم للمقبرة، مُعدّ من خلال الوسائط. تتداخل الهندسة المعمارية، والسينوغرافيا، والإضاءة، والمواد، والرسومات، والوسائط التفاعلية لخلق تجربة عاطفية شاملة.

لكن ليس معرض توت عنخ آمون وحده ما يحمل بصمة أتيليه بروكنر، بل صمم الاستوديو الألماني أيضاً مساحات رئيسة في المتحف، مثل البهو الذي يضم تمثال رمسيس الثاني الذي يزيد ارتفاعه على أحد عشر متراً، والدرج الكبير المذهل، وساحة المتحف. كما كان متحف الأطفال، بمساحة عرض تبلغ 3465 متراً مربعاً، جزءاً من تكليفهم.

واجهات عرض مضادة للرصاص

في أحد المقاطع يتحدث بيرند مولر، مصمم ديكور داخلي والشريك المشارك في أتيلييه بروكنر: «كانت مهمتنا هي العثور على أفضل عرض وأفضل مفهوم مع اختيار الأشياء، كل شيء يتعلق بالقصة التي تريد إظهارها للزائر، أشياء توت عنخ آمون ثمينة للغاية، لذلك كان لا بدَّ أن تكون هذه الواجهة مضادة للرصاص، انتهى بنا الأمر بتصميم خزانة عرض مصنوعة من زجاج بسمك 40 ملليمتراً، لم يُسمح لنا بلمس الأشياء، فقط النظر إليها لتطوير أفكارنا، عندما ترى كيف يتعامل الأشخاص في مركز الترميم مع الأمر تكتشف مدى أهمية عملك في المشروع بأكمله».

تانيا زولنر في أثناء مرحلة التحضير لغاليري توت عنخ آمون (أتيلييه بروكنر)

أما يينغ لو مديرة المشروع فتقول إنَّ فريق العمل ضم ما يقارب 30 شخصاً يعملون على تصميم المعرض والـ100 واجهة عرض داخله. أما اللحظة الأهم بالنسبة إليها التي تسميها «لحظة الانبهار» فكانت عندما أدرك الفريق حجم المهمة الواقعة على عاتقهم، تقول لو: «عندما وضعنا لفافة ورقية تحمل تفاصيل كل القطع على الأرض والتففنا حولها وقتها أحسسنا بحجم المهمة، كل هذه المعلومات استخدمت لتصميم 100 خزانة عرض. كانت لدينا هذه المهمة الضخمة، ولهذا كونا فرق عمل للتصور الخلاق وأيضاً للتنظيم، حيث كان أمامنا مهمة عرض 5600 قطعة أثرية».

رحلة الزائر مع الفرعون الذهبي

تواصلت «الشرق الأوسط» مع تانيا زولنر، الشريك المشارك في أتيلييه بروكنر ورئيسة فريق التصميم لغاليري توت عنخ آمون للحديث عن تفاصيل المشروع وأهم المراحل فيه. تختار زولنر أن تؤكد الأسلوب الذي اعتمده الفريق: «عملنا تركز في الغالب حول تصميم تجربة رواية الحكايات والقصص المرتبطة بالمعروضات وبمنظور أوسع على قصة مصر القديمة». تعتز باختيار المكتب لتصميم غاليري توت عنخ آمون، وتقول: «بالنسبة إلينا لم يكن هناك تكليف أرفع من هذا». «وهو ما يقودنا للسؤال: هل كانت تجربة مهيبة أن تكون عليكم مسؤولية تصميم خزانات وأسلوب عرض كل هذه القطع الفائقة الأهمية والجمال؟ هل كان لديكم استراتيجية معينة للتعامل معها؟». تجيب: «أعتقد أن المسؤولية كانت مضاعفة فمن جانب كان علينا الاهتمام بالحفاظ على المعروضات وأمنها وسلامتها، حتى يستطيع الناس بعد مائة عام من الآن الاستمتاع برؤيتها، أعتقد أيضاً أن مسؤوليتنا تضمنت توفير تجربة ممتعة للزوار».

تضيف: «ما أعجبني جداً هو حديث مدير المتحف معنا فقد حرص على تأكيد أن المتحف يتجه إلى المصريين وضيوفهم، وأن طريقة العرض يجب أن تأخذ ذلك في الحسبان، أراد أيضاً أن تعرض القطع الأثرية بطريقة جديدة، فكما تعرفين في المتاحف العالمية تعرض مثل هذه القطع بوصفها أعمالاً فنية تنسق على نحو جمالي، ولكن من دون السياق اللازم، وقد تتفرق عن بعضها ما يفقدها السياق التاريخي والموضوعي. أعتقد أن الاختيار وقع علينا لأننا نهتم برواية القصص الكامنة في القطع، وهو بالفعل ما حرصنا على إبرازه عبر رواية قصة الفرعون الشاب. بالتأكيد هي قطع فائقة الجمال، وستظل كذلك دائماً، وفي الغاليري تعرض بأسلوب وتنسيق جميلين بحيث تتحاور القطع فيما بينها لتحكي للزائر قصة حياة الفرعون الشاب في ذلك الزمن».

تانيا زولنر في أثناء مرحلة التحضير لغاليري توت عنخ آمون (أتيلييه بروكنر)

مسارات الزيارة

ولكن ما الطريقة المثلي لعرض قصة الفرعون الذهبي؟ هل التسلسل الزمني مهم للسرد المتحفي؟ تقول: «أمام زائر غاليري توت عنخ آمون أكثر من طريقة ليبدأ رحلته مع الفرعون الذهبي. من الناحية العملية يتوقع المتحف أعداداً هائلة من الزوار؛ لهذا اقترحنا مسارين للزيارة باتجاه عقارب الساعة وآخر بعكس عقارب الساعة بحيث نمنحهم فرصة أكبر للتجول. على سبيل المثال، يمكن للزوار اتباع مسار يستكشف قصة اكتشاف قبر الملك وتفقد الغرف المختلفة التي تعرض تلك القصة. أما الاتجاه الثاني فيأخذ الزائر داخل قصة تتويج توت عنخ آمون وحياته القصيرة ووفاته ومقبرته والكنوز التي أودعت فيها».

أتساءل: «عند الحديث عن العرض المتحفي، وكما تقولين إنَّ العرض هنا غير تقليدي، فهل لجأتم إلى استخدام التقنيات الرقمية؟».

تجيب قائلة: «هناك بعض الوسائل الرقمية، ولكن ليست كثيرة فالقطع هنا جميلة في حد ذاتها، نحن بصدد العرض الذي يدوم فالتكنولوجيا لها نقاط ضعفها. ولكن المهم في الأمر هو كيفية ترتيب القطع في المساحات الموجودة واختيار القطعة المناسبة في المكان المناسب. أعطيك مثالاً عن قسم يدور حول البعث حيث كان هناك عدد ضخم من القطع التي عثر عليها في المقبرة منها، 30 حذاءً وآنية طعام كالخبز والبط واللحوم وجرار للنبيذ، الجميل أن تلك القطع تحمل رسومات ونقوشاً ترتبط بها مثل صندوق يحمل تصويراً للفرعون وهو في رحلة صيد وإلى جانبه نرى الحراب والسهام والعربات التي تستخدم في الصيد وكل هذه القطع تصبح عناصر في الرواية التي يحكيها العرض للزائر».

قطعة عرضت في معرض «توت عنخ آمون» في لندن عام 2019 (الشرق الأوسط)

تتحدث عن خبراء ومسؤولي المتحف، وعن المناقشات التي دارت بينهم حول طرق العرض: «هناك خبراء ممتازون في المتحف تحدثوا معنا عن الجوانب المختلفة للعرض مثل ضرورة وجود سرد لأسلوب حياة الفرعون وسرد لوفاته، وهكذا وإن كانت بعض التغييرات حدثت هنا أو هناك، بسبب اقتراح فكرة جديدة أفضل. كنا نجتمع كل شهر لمناقشة الأماكن المقترحة لعرض القطع بطريقة تناسب القصص المرتبطة بها». تشير إلى نقطة مهمة: «من الأشياء التي سهلت عملنا هو العلم منذ البداية بأن كل القطع المرتبطة بتوت عنخ آمون ستكون موجودة في العرض فلم نقع في حيرة الاختيار بين القطع».

القناع الذهبي

نتحدث عن عدد القطع المعدة للعرض في الغاليري، 5600 قطعة، وهو رقم هائل، تقول إنَّ عملية الإعداد للعرض كشفت عن قطع لم تكن محسوبة، لقد تغير العدد أيضاً قليلاً بمرور الوقت لأن بعضها لم يتم إخراجها من الصناديق منذ العثور عليها، فحتى فريق الترميم كان يفاجأ أحياناً بوجود صندوق داخل صندوق لم يعرفوا عنه من قبل، أعتقد أن الزوار أيضاً سيكونون أمام مفاجآت كثيرة، خاصة مع العلم بأن ما عرض من كنوز الفرعون الشاب يمثل نحو الثلث من القطع المكتشفة، عندما سنحت لنا الفرصة برؤية الوثائق التي تفصل القطع كاملة شعرنا بالفخر والاعتزاز بأن سمح لنا بالاشتراك في رواية القصص المرتبطة بها.

قناع الفرعون الذهبي (أ.ف.ب)

أختتم حواري معها بسؤالها: «ما اللحظات التي التصقت بذاكرتك، ما القطع المفضلة لك؟». تقول: «القناع الذهبي بلا شك، عندما زرنا القاهرة للمرة الأولى كان الجميع يدرك أهمية القناع وفرادته. لم أمر بمشروع في حياتي المهنية بمثله، حيث يقول لي منسق العرض: كل قطعة هنا من الذهب، في مشاريع أخرى قد نرى بعض القطع الذهبية، ولكن في معرض الفرعون هنا القطع إما ذهبية وإمّا مطلية بالذهب».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن... تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

يوميات الشرق قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)

سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن... تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

خلص مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن السرقة كانت من تنفيذ مجموعة عشوائية من رجال العصابات في بوسطن، دون أدلة كافية للمحاكمة.

توم ماشبرغ (بوسطن)
رياضة عالمية لاندو نوريس قال إن شعوره سيريالي (أ.ب)

نوريس: لا أصدق انضمامي إلى مشاهير متحف توسو

قال بطل العالم للفورمولا 1، البريطاني لاندو نوريس، إن شعوره «سريالي» مع اقتراب موعد كشف تمثال شمعي يجسّده في متحف مدام توسو في لندن، لينضم إلى نجوم الرياضة.

«الشرق الأوسط»
يوميات الشرق اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين...

«الشرق الأوسط» (نابولي - إيطاليا)
يوميات الشرق مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)

كنوز قرآنية من العصور الأولى تستعرض تاريخ تدوين المصحف الشريف

على مقربة من جبل النور؛ حيث انبثقت أنوار الوحي الأولى، يقف «حي حراء الثقافي» بمكة المكرمة شاهداً على رحلة تدوين القرآن الكريم عبر العصور.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام في مصر عن أن تطبيق إذاعة القرآن الكريم اجتذب ما يزيد على 50 مليون طلب تحميل التطبيق، في وقت قياسي خلال الأيام الخمسة الأولى لإطلاق التطبيق، وهو ما عدّته الهيئة «رقماً تاريخياً مقارنة بالتطبيقات المماثلة».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعطى إشارة البدء لإطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم في الاحتفالات بليلة القدر.

ويتيح التطبيق والموقع الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في كل أنحاء العالم، وإتاحة تراثها منذ نشأتها في ستينات القرن العشرين وحتى اليوم. كما يضم الموقع جميع التلاوات ترتيلاً وتجويداً، وجميع البرامج والابتهالات على مدى زمني يمتد لأكثر من ستين عاماً.

ووجهت الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب أحمد المسلماني الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي على منحه إشارة البدء لانطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.

وقال المسلماني، في بيان للهيئة، إن الرئيس وجّه بحماية تراث الإذاعة والتليفزيون وفي المقدمة تراث إذاعة القرآن الكريم، موضحاً: «تلقينا في أغسطس (آب) 2025 توجيهاً من الرئيس بالعمل على إنهاء الموقع والتطبيق استعداداً لإطلاقه»، ووفق تصريحاته فقد بذل فريق عمل إذاعة القرآن الكريم والموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام بالتعاون مع وزير الاتصالات والمستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية جهوداً متواصلة، حتى تم إطلاق الموقع والتطبيق في ذكرى الاحتفال بليلة القدر.

وأرجع رئيس إذاعة القرآن الكريم، إسماعيل دويدار، الطلب الكبير على استخدام التطبيق والموقع الخاص بالإذاعة إلى المكانة الكبرى التي حظي بها التطبيق بعد افتتاحه من قبل رئيس الجمهورية، وفي الوقت نفسه فإن مكانة إذاعة القرآن الكريم مترسخة في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المستمعين كانوا يتمنون الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في جميع البلدان العربية والإسلامية، فلما انطلق هذا التطبيق تحقق الغرض والهدف، فمن الطبيعي أن يصل العدد إلى أكثر من 50 و60 مليوناً، ونتوقع أن يصل إلى 100 مليون خلال الأيام المقبلة إن شاء الله».

بيانات حول عدد مستخدمي التطبيق (الهيئة الوطنية للإعلام)

واحتل موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة المركز الأول وتصدر «#Top App Store» في الأكثر بحثاً ومطالعة وتحميلاً على «غوغل بلاي» ليصبح الأعلى بحثاً في مصر لخمسة أيام متواصلة منذ انطلاق الموقع والتطبيق في احتفالات ليلة القدر.

ولفت دويدار إلى أن التطبيق والموقع بهما كل أرشيف إذاعة القرآن الكريم، موضحاً أن «الأمر لا يقتصر على وقت افتتاح إذاعة القرآن الكريم عام 1964، وإنما هناك تلاوات وقراءات وبرامج دينية منذ انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934، كل البرامج والقراءات منذ ذلك الوقت متاحة على التطبيق».

ووفق بيان سابق للهيئة، ارتفع الطلب على الموقع والتطبيق بشكل كبير في أول 24 ساعة من افتتاحه وتصدرت مصر المنحنى الصاعد بأكثر من 15 مليون طلب، تلتها المملكة العربية السعودية بنحو 2 مليون طلب، ثم الإمارات العربية المتحدة بأكثر من 500 ألف طلب دخول للموقع والتطبيق، وفي المركز الرابع الكويت بأكثر من 400 ألف، وفي المركز الخامس جاءت الولايات المتحدة بأكثر من 200 ألف طلب، وفي المركز السادس جاءت دولة قطر بـ150 ألف طلب تقريباً، ثم إيطاليا بنحو 100 ألف، تليها بريطانيا ثم عمان بالعدد نفسه، وفي المركز العاشر جاءت ألمانيا بما يقرب من 100 ألف طلب تقريباً، وفق تقرير للهيئة.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن خلال احتفالية ليلة القدر التي أقيمت في 16 مارس (آذار) إطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم ليكون رسالة محبة وسلام من مصر إلى كل مسلمي العالم.

ويرى أستاذ الفقه والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، أن مصر على مدى تاريخها دائماً كانت في خدمة الإنسانية وفي نفع البشرية بعلومها وأزهرها الذي يقارب عمره 1083 عاماً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العام وفي شهر رمضان المبارك يأتي العطاء المصري من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، لنقل البث الإعلامي لإذاعة القرآن الكريم من المحلية إلى العالمية، وهي من أعظم المهمات في خدمة القرآن الكريم ونفع الناس على اختلاف مستويات ثقافتهم ومشاربهم، فلا عجب أن يصل عدد من انضموا إلى التطبيق إلى 50 مليوناً، فالمسلمون متعطشون لمثل هذه الجهود التي تبذل لخدمة القرآن ونشره في أنحاء الأرض».


أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله، إذ توفي في 30 مارس (آذار)، 1977، بعد حياة فنية حافلة، ومعاناة طويلة مع المرض.

وانتقدت أسرة عبد الحليم حافظ، في بيان نشرته على حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك»، الجمعة، «الطبيب الذي ظهر في فيديو مصور وأساء للعندليب وأعماله الفنية»، مؤكدة أن «إساءته غير مبررة، والرد عليها سيكون بالقانون، وأن الفيديو تمت صناعته من أجل جذب المشاهدات، وتصدر (الترند)».

وقال الطبيب، ويدعى ضياء العوضي، في الفيديو، «إن عبد الحليم حافظ أفسد أجيالاً بسبب أغنياته الرومانسية، مستنكراً حزن البعض عليه وقت رحيله، كما ذكر بعض الأمور زعم أنها من حياة عبد الحليم الخاصة على الملأ».

وأشادت الأسرة في بيانها بجمهور «العندليب الأسمر»، وكيف تصدوا له عبر تعليقات «سوشيالية»، واستنكروا ما يردده، لافتة إلى «أن المستشار ياسر قنطوش محامي العائلة، بدأ في اتخاذ إجراءات قانونية بالفعل، ومقاضاة الطبيب».

وأكَّدت الأسرة، في بيان آخر أن «جهات رسمية بدول عدة تداوم على الاحتفاء بالفنان المصري الراحل، من خلال إقامة حفلات غنائية، والحرص على عرض مقتنياته، والاهتمام باسمه الفني، لمعرفتهم الجيدة بقيمة فنه وقوته الناعمة، وتأثيره على وجدان الشعوب، إلى جانب حرص جمهوره من كل دول العالم على زيارة منزله ومقبرته بشكل خاص».

«العندليب الأسمر» تحل ذكراه خلال أيام (فيسبوك)

ويؤكِّد الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن الإساءة للفنان الراحل عبد الحليم حافظ بأي شكل من الأشكال غير مقبولة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فناناً كبيراً بحجم وموهبة وأهمية عبد الحليم حافظ، أكبر من أي تشويه، بل يستحق الثناء والإشادة، بعد سيرة كبيرة ومهمة وحافلة».

وتساءل شوقي: «هل يصح في الوقت الذي يهتم باسمه الناس في كل أنحاء العالم ويحرصون على الاحتفاء به في كل مناسبة، أن نجد هذه الإساءة؟».

ولفت شوقي إلى أن «عبد الحليم حافظ ليس الفنان الأول ولن يكون الأخير، فهناك فئات حريصة على الإساءة للرموز الفنية بين الحين والآخر، إذ تعرض نخبة منهم لمغالطات، وأخبار كاذبة وتشويه متعمد، لكنهم برغم ذلك ما زالوا في قلوب وعقول محبيهم، ولن يستطيع أحد هز عرشهم الفني».

ونوَّه بأن الجمهور له دور كبير مع الأسرة، والجهات المعنية في التصدي للإساءة، والتعبير بأكثر من طريقة عن رفضه لما يدور من خلال التفاعل السريع على «السوشيال ميديا»، «من أجل الحفاظ على تاريخنا الفني، وتراثنا من العبث والاستباحة من معدومي الموهبة والفن والثقافة»، حسب تعبيره.

وقبل أزمة إساءة الطبيب، تعرَّض اسم الفنان عبد الحليم حافظ لإساءات متكررة خلال الآونة الأخيرة، إذ أكَّدت الأسرة تصديها لما يحدث بشكل قانوني، مثل أزمة «العندليب الأبيض»، وانتهاك «حقوق الملكية الفكرية» لاسمه وصورته من قبل إحدى الشركات الفنية، وكذلك أزمة «الخطاب» الذي نشرته الأسرة على موقع «فيسبوك»، ويشير إلى عدم زواج «العندليب»، من «السندريلا»، سعاد حسني، وشائعة بيع منزله لثري مصري، وغير ذلك.

وفنياً، قدَّم عبد الحليم حافظ والملقب بـ«العندليب الأسمر»، خلال مشواره حفلات، وأغنيات كثيرة، من بينها «على قد الشوق»، و«توبة»، و«موعود»، و«رسالة من تحت الماء»، و«قارئة الفنجان»، و«جانا الهوى»، و«صورة»، و«عدى النهار»، و«أحلف بسماها»، إلى جانب أفلام سينمائية غنائية، من بينها، «معبودة الجماهير»، و«لحن الوفاء»، مع شادية، و«الوسادة الخالية»، مع لبنى عبد العزيز، و«شارع الحب»، مع صباح، و«أبي فوق الشجرة»، و«الخطايا»، مع نادية لطفي، و«أيامنا الحلوة،» مع فاتن حمامة، و«يوم من عمري» مع زبيدة ثروت.


أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
TT

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة، بدأت بصورة عابرة؛ لكنها ظلت تطارده سنوات، موضحاً أن الشرارة الأولى جاءت من جدِّه الذي قضى عمره مُدرساً، قبل أن يجد نفسه بعد التقاعد في حالة من الفراغ القاسي، كأن حياته فقدت معناها فجأة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جده، رغم مكانته الكبيرة واحترام الجميع له؛ إذ كان مدرّساً للغة الإنجليزية ومدير مدرسة لسنوات طويلة، لم يكن يرى نفسه إلا مزارعاً مرتبطاً بالأرض والمواشي، وهو ما جعله يعيش صدمة حقيقية حين اضطر للتخلي عن هذا العالم تدريجياً، تحت ضغط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

زحف المدن

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت بمنزلة «لحظة انفصال عن الهوية»، وكانت مدخله الأساسي لصناعة الفيلم؛ حيث بدأ يتساءل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الشيء الذي عرفه طوال حياته؟ مشيراً إلى أن فيلمه لا يروي حكاية تقليدية؛ بل يستند إلى إعادة تمثيل لوقائع حقيقية عاشها مع عائلته في الريف، في منطقة هاريانا؛ حيث تتآكل أنماط الحياة القديمة أمام زحف المدن.

تدور أحداث فيلم «العِجل البديل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» حول أستاذ متقاعد يعيش في قرية ريفية تختنق تدريجياً تحت وطأة التمدد الحضري؛ حيث يواجه لحظة قاسية عندما تلد بقرته عجلاً ميتاً، فيجد نفسه أمام أزمة تتجاوز الخسارة المادية إلى صدمة إنسانية تمس علاقته بالمكان والهوية، مع غياب مَن يساعده، وتفكك نمط الحياة الذي اعتاده.

وأشار إلى أن من الحوادث المفصلية التي أثَّرت فيه، حادثة موت عِجل حديث الولادة داخل المزرعة، وقد أعادت طرح طقوس قديمة كانت تمارس في القرى، من بينها صنع «دمية العِجل» كبديل رمزي للحفاظ على سلوك أُم العجل، وهي طقوس تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية تتجاوز ظاهرها.

المخرج الهندي أنكور هودا (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم يسير على هذا الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي؛ حيث شارك أفراد عائلته الحقيقيون في العمل، عبر حضورهم أشخاصاً حقيقيين يعيدون تمثيل ذواتهم، وهو ما أضفى على الفيلم طابعاً شديد الخصوصية والصدق، لافتاً إلى أن هذا المزج بين الحقيقة والخيال كان ضرورياً للتعبير عن طبيعة القصة نفسها التي تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع التأويل؛ لأن هدفه لم يكن تقديم حكاية عن عائلة بعينها؛ بل التقاط حالة إنسانية أوسع تعيشها المجتمعات الريفية التي تواجه التحولات الحديثة.

تحولات عميقة

وأوضح أن الفيلم يعكس أيضاً التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها القرى؛ حيث يهاجر الشباب إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل، تاركين خلفهم كبار السن يواجهون مصيراً غامضاً، وهو ما يخلق فجوة بين الأجيال، ويضع من تبقوا في حالة من التيه، بين ماضٍ يتلاشى وحاضر لا ينتمون إليه كاملاً.

وعن التحديات الإنتاجية، قال هودا إن فيلم «العِجل البديل» تم تنفيذه بإمكانات محدودة للغاية؛ حيث لم يتمكن من الحصول على تمويل تقليدي؛ مشيراً إلى أن العمل خرج إلى النور بفضل دعم الأصدقاء والعائلة الذين آمنوا بالفكرة وساعدوه في تنفيذها.

وأضاف أنه اشترى كاميرا بسيطة، وصوَّر الفيلم في مواقع حقيقية داخل القرية، مؤكداً أن التكلفة الإجمالية لم تتجاوز 500 دولار، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه، ولكنه في الوقت نفسه منح الفيلم صدقاً بصرياً وحرية إبداعية كبيرة. وتابع بأن غياب التمويل لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً للبحث عن حلول بديلة؛ مشيراً إلى أن العمل بروح جماعية صغيرة جعله أكثر قرباً من موضوعه.

قدَّم المخرج جانباً من حياة جدِّه (الشركة المنتجة)

وأشار هودا إلى أن عرض فيلم «العِجل البديل» في قريته كان تجربة مختلفة تماماً؛ حيث لم تكن هناك إمكانات تقنية أو تجهيزات احترافية، ولكن الحضور الإنساني كان طاغياً، مؤكداً أن مشاهدة أهل القرية أنفسهم على الشاشة كانت لحظة مؤثرة، أعادت ربطهم بقصتهم وبالتحولات التي يعيشونها، معتبراً أن هذا التفاعل المباشر مع الجمهور كان من أهم مكاسب الفيلم؛ لأنه جعله يدرك أن السينما يمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات، قبل أن تكون وسيلة للعرض أو الترفيه.

مشروع طويل

وأكد المخرج الهندي أن فيلمه ليس مجرد فيلم مستقل؛ بل بداية مشروع سينمائي أطول يسعى من خلاله إلى توثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات الريفية في الهند؛ مشيراً إلى أنه مهتم باستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على هذه العلاقة، وما يهمه في النهاية ليس فقط الحكايات نفسها؛ بل تلك المساحات الصامتة التي تتشكل فيها الهوية، أو التي يشعر فيها الإنسان بأنه يفقد جزءاً من نفسه، دون أن يدرك تماماً كيف أو لماذا.