تصميم غاليري توت عنخ آمون... درة التاج في المتحف المصري الكبير

أتيلييه بروكنر وسردية متحفية لكنوز الفرعون الذهبي

تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)
تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)
TT

تصميم غاليري توت عنخ آمون... درة التاج في المتحف المصري الكبير

تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)
تانيا زولنر وخبراء مركز الترميم الخاص بالمتحف المصري الكبير (أتيلييه بروكنر)

​مع بدء العد التنازلي لافتتاح المتحف المصري الكبير تتجه أنظار العالم إلى صحراء الجيزة حيث تقبع الأهرامات وأبو الهول شهوداً على الزمن وأيضاً على المجهودات الضخمة الجارية حولها لإنهاء الأعمال في المتحف المصري الكبير الذي سيعرض للعالم كنوز الحضارة المصرية القديمة في مبنى يعد الأضخم في العالم من حيث الحجم، وأيضاً من حيث قيمة الآثار التي يحتضنها.

ورغم الافتتاح التجريبي للمتحف وإتاحة الفرصة للجمهور بزيارة قاعاته لا يزال جزء مهم من المتحف محجوباً عن النظر، وهو غاليري توت عنخ آمون الذي سيقدم وللمرة الأولى قطعاً لم تعرض من قبل من كنوز الفرعون الشاب، ما يجعل الغاليري بمكانة جوهرة التاج ضمن أقسام المتحف.

أتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة الحديث مع رئيسة فريق تصميم الغاليري من مكتب أتيلييه بروكنر في شتوتغارت. ما الذي يمكن أن يفصح عنه فريق المصممين، وهل يمكننا تكوين صورة ذهنية عن غاليري توت عنخ آمون؟

رواية القصة

في الفترة الماضية نشر أتيلييه بروكنر عدداً من الفيديوهات على الصفحة الخاصة به على مواقع «لينكد إن» و«إنستغرام» و«يوتيوب» تحدث فيها بعض أعضاء فريق المكتب عن تجربتهم مع العمل على الغاليري، وأوردوا تفاصيل بسيطة عن تصميم العرض وطريقة السرد التي تقدم للزائر عالم الفرعون الشاب بطريقة حديثة ومبتكرة تختلف عن طرق العرض المتحفية التقليدية، يصفها الغاليري في منشور على «إنستغرام»: «تعاملنا مع كل عنصر - من الإضاءة إلى اختيار المواد - بهدف واحد: إتاحة المجال لسرد القصة على نحو طبيعي. تتناغم فيه ألوان الصحراء الدافئة، وإيقاع المكان، والانتقالات بين لحظات التركيز والهدوء، لاستحضار دورة الحياة والموت والبعث في مصر القديمة».

في مقطع آخر تقول شيرين فرانغول بروكنر مديرة أتيلييه بروكنر إن تصميم غاليري توت عنخ آمون كان «فرصة نادرة من ناحية المحتوى والتصميم»، تمضي في حديثها قائلة: «نروي هنا قصة الملك برواية مكانية، من الحياة إلى الموت، وصولاً إلى الآخرة. إن السماح لنا بتصميم عرض هذا الكنز بكامله لأول مرة يُعد إنجازاً عاطفياً ومهنياً بارزاً».

نعرف من المقاطع المتفرقة أن مساحة الغاليري تبلغ 7500 متر مربع في الطابق الثاني من المتحف، وقد كلف أتيلييه بروكنر بتصميم الغاليري في عام 2017، واعتمدت استراتيجية العرض التي نفذها المكتب على أن تكون سردية غامرة. وحيث إن المتحف يتوقع أن يزوره الآلاف في اليوم الواحد، (يقدر الخبراء العدد بـ15 ألف زائر في اليوم) فكان التحدي أمام المصممين بإنشاء نظام ذكي لتوجيه الزوار يُنظّم المساحات الأثرية، ويمنح حتى القطع الصغيرة حضوراً قوياً. في جناحين متوازيين - يبلغ طول كل منهما 180 متراً، ويصل ارتفاعه إلى 16 متراً - تُعرض نحو 5600 قطعة أثرية من مقبرة الفرعون، بما في ذلك قرابة 3000 قطعة لم تُعرض للجمهور من قبل.

قطعة عرضت في معرض «توت عنخ آمون» في لندن عام 2019 (الشرق الأوسط)

تُقدّم الجولة عبر المعرض رحلة درامية مكانية عبر حياة الملك الإله، وتتويجه، ووفاته، وما بعده، وتنتهي بنموذج تجريدي كامل الحجم للمقبرة، مُعدّ من خلال الوسائط. تتداخل الهندسة المعمارية، والسينوغرافيا، والإضاءة، والمواد، والرسومات، والوسائط التفاعلية لخلق تجربة عاطفية شاملة.

لكن ليس معرض توت عنخ آمون وحده ما يحمل بصمة أتيليه بروكنر، بل صمم الاستوديو الألماني أيضاً مساحات رئيسة في المتحف، مثل البهو الذي يضم تمثال رمسيس الثاني الذي يزيد ارتفاعه على أحد عشر متراً، والدرج الكبير المذهل، وساحة المتحف. كما كان متحف الأطفال، بمساحة عرض تبلغ 3465 متراً مربعاً، جزءاً من تكليفهم.

واجهات عرض مضادة للرصاص

في أحد المقاطع يتحدث بيرند مولر، مصمم ديكور داخلي والشريك المشارك في أتيلييه بروكنر: «كانت مهمتنا هي العثور على أفضل عرض وأفضل مفهوم مع اختيار الأشياء، كل شيء يتعلق بالقصة التي تريد إظهارها للزائر، أشياء توت عنخ آمون ثمينة للغاية، لذلك كان لا بدَّ أن تكون هذه الواجهة مضادة للرصاص، انتهى بنا الأمر بتصميم خزانة عرض مصنوعة من زجاج بسمك 40 ملليمتراً، لم يُسمح لنا بلمس الأشياء، فقط النظر إليها لتطوير أفكارنا، عندما ترى كيف يتعامل الأشخاص في مركز الترميم مع الأمر تكتشف مدى أهمية عملك في المشروع بأكمله».

تانيا زولنر في أثناء مرحلة التحضير لغاليري توت عنخ آمون (أتيلييه بروكنر)

أما يينغ لو مديرة المشروع فتقول إنَّ فريق العمل ضم ما يقارب 30 شخصاً يعملون على تصميم المعرض والـ100 واجهة عرض داخله. أما اللحظة الأهم بالنسبة إليها التي تسميها «لحظة الانبهار» فكانت عندما أدرك الفريق حجم المهمة الواقعة على عاتقهم، تقول لو: «عندما وضعنا لفافة ورقية تحمل تفاصيل كل القطع على الأرض والتففنا حولها وقتها أحسسنا بحجم المهمة، كل هذه المعلومات استخدمت لتصميم 100 خزانة عرض. كانت لدينا هذه المهمة الضخمة، ولهذا كونا فرق عمل للتصور الخلاق وأيضاً للتنظيم، حيث كان أمامنا مهمة عرض 5600 قطعة أثرية».

رحلة الزائر مع الفرعون الذهبي

تواصلت «الشرق الأوسط» مع تانيا زولنر، الشريك المشارك في أتيلييه بروكنر ورئيسة فريق التصميم لغاليري توت عنخ آمون للحديث عن تفاصيل المشروع وأهم المراحل فيه. تختار زولنر أن تؤكد الأسلوب الذي اعتمده الفريق: «عملنا تركز في الغالب حول تصميم تجربة رواية الحكايات والقصص المرتبطة بالمعروضات وبمنظور أوسع على قصة مصر القديمة». تعتز باختيار المكتب لتصميم غاليري توت عنخ آمون، وتقول: «بالنسبة إلينا لم يكن هناك تكليف أرفع من هذا». «وهو ما يقودنا للسؤال: هل كانت تجربة مهيبة أن تكون عليكم مسؤولية تصميم خزانات وأسلوب عرض كل هذه القطع الفائقة الأهمية والجمال؟ هل كان لديكم استراتيجية معينة للتعامل معها؟». تجيب: «أعتقد أن المسؤولية كانت مضاعفة فمن جانب كان علينا الاهتمام بالحفاظ على المعروضات وأمنها وسلامتها، حتى يستطيع الناس بعد مائة عام من الآن الاستمتاع برؤيتها، أعتقد أيضاً أن مسؤوليتنا تضمنت توفير تجربة ممتعة للزوار».

تضيف: «ما أعجبني جداً هو حديث مدير المتحف معنا فقد حرص على تأكيد أن المتحف يتجه إلى المصريين وضيوفهم، وأن طريقة العرض يجب أن تأخذ ذلك في الحسبان، أراد أيضاً أن تعرض القطع الأثرية بطريقة جديدة، فكما تعرفين في المتاحف العالمية تعرض مثل هذه القطع بوصفها أعمالاً فنية تنسق على نحو جمالي، ولكن من دون السياق اللازم، وقد تتفرق عن بعضها ما يفقدها السياق التاريخي والموضوعي. أعتقد أن الاختيار وقع علينا لأننا نهتم برواية القصص الكامنة في القطع، وهو بالفعل ما حرصنا على إبرازه عبر رواية قصة الفرعون الشاب. بالتأكيد هي قطع فائقة الجمال، وستظل كذلك دائماً، وفي الغاليري تعرض بأسلوب وتنسيق جميلين بحيث تتحاور القطع فيما بينها لتحكي للزائر قصة حياة الفرعون الشاب في ذلك الزمن».

تانيا زولنر في أثناء مرحلة التحضير لغاليري توت عنخ آمون (أتيلييه بروكنر)

مسارات الزيارة

ولكن ما الطريقة المثلي لعرض قصة الفرعون الذهبي؟ هل التسلسل الزمني مهم للسرد المتحفي؟ تقول: «أمام زائر غاليري توت عنخ آمون أكثر من طريقة ليبدأ رحلته مع الفرعون الذهبي. من الناحية العملية يتوقع المتحف أعداداً هائلة من الزوار؛ لهذا اقترحنا مسارين للزيارة باتجاه عقارب الساعة وآخر بعكس عقارب الساعة بحيث نمنحهم فرصة أكبر للتجول. على سبيل المثال، يمكن للزوار اتباع مسار يستكشف قصة اكتشاف قبر الملك وتفقد الغرف المختلفة التي تعرض تلك القصة. أما الاتجاه الثاني فيأخذ الزائر داخل قصة تتويج توت عنخ آمون وحياته القصيرة ووفاته ومقبرته والكنوز التي أودعت فيها».

أتساءل: «عند الحديث عن العرض المتحفي، وكما تقولين إنَّ العرض هنا غير تقليدي، فهل لجأتم إلى استخدام التقنيات الرقمية؟».

تجيب قائلة: «هناك بعض الوسائل الرقمية، ولكن ليست كثيرة فالقطع هنا جميلة في حد ذاتها، نحن بصدد العرض الذي يدوم فالتكنولوجيا لها نقاط ضعفها. ولكن المهم في الأمر هو كيفية ترتيب القطع في المساحات الموجودة واختيار القطعة المناسبة في المكان المناسب. أعطيك مثالاً عن قسم يدور حول البعث حيث كان هناك عدد ضخم من القطع التي عثر عليها في المقبرة منها، 30 حذاءً وآنية طعام كالخبز والبط واللحوم وجرار للنبيذ، الجميل أن تلك القطع تحمل رسومات ونقوشاً ترتبط بها مثل صندوق يحمل تصويراً للفرعون وهو في رحلة صيد وإلى جانبه نرى الحراب والسهام والعربات التي تستخدم في الصيد وكل هذه القطع تصبح عناصر في الرواية التي يحكيها العرض للزائر».

قطعة عرضت في معرض «توت عنخ آمون» في لندن عام 2019 (الشرق الأوسط)

تتحدث عن خبراء ومسؤولي المتحف، وعن المناقشات التي دارت بينهم حول طرق العرض: «هناك خبراء ممتازون في المتحف تحدثوا معنا عن الجوانب المختلفة للعرض مثل ضرورة وجود سرد لأسلوب حياة الفرعون وسرد لوفاته، وهكذا وإن كانت بعض التغييرات حدثت هنا أو هناك، بسبب اقتراح فكرة جديدة أفضل. كنا نجتمع كل شهر لمناقشة الأماكن المقترحة لعرض القطع بطريقة تناسب القصص المرتبطة بها». تشير إلى نقطة مهمة: «من الأشياء التي سهلت عملنا هو العلم منذ البداية بأن كل القطع المرتبطة بتوت عنخ آمون ستكون موجودة في العرض فلم نقع في حيرة الاختيار بين القطع».

القناع الذهبي

نتحدث عن عدد القطع المعدة للعرض في الغاليري، 5600 قطعة، وهو رقم هائل، تقول إنَّ عملية الإعداد للعرض كشفت عن قطع لم تكن محسوبة، لقد تغير العدد أيضاً قليلاً بمرور الوقت لأن بعضها لم يتم إخراجها من الصناديق منذ العثور عليها، فحتى فريق الترميم كان يفاجأ أحياناً بوجود صندوق داخل صندوق لم يعرفوا عنه من قبل، أعتقد أن الزوار أيضاً سيكونون أمام مفاجآت كثيرة، خاصة مع العلم بأن ما عرض من كنوز الفرعون الشاب يمثل نحو الثلث من القطع المكتشفة، عندما سنحت لنا الفرصة برؤية الوثائق التي تفصل القطع كاملة شعرنا بالفخر والاعتزاز بأن سمح لنا بالاشتراك في رواية القصص المرتبطة بها.

قناع الفرعون الذهبي (أ.ف.ب)

أختتم حواري معها بسؤالها: «ما اللحظات التي التصقت بذاكرتك، ما القطع المفضلة لك؟». تقول: «القناع الذهبي بلا شك، عندما زرنا القاهرة للمرة الأولى كان الجميع يدرك أهمية القناع وفرادته. لم أمر بمشروع في حياتي المهنية بمثله، حيث يقول لي منسق العرض: كل قطعة هنا من الذهب، في مشاريع أخرى قد نرى بعض القطع الذهبية، ولكن في معرض الفرعون هنا القطع إما ذهبية وإمّا مطلية بالذهب».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

مراهناً على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حي الزمالك الراقي بقلب القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا خلال العمل على تحصين النافذة التي استُخدمت لسرقة مجوهرات من متحف اللوفر (أ.ب)

«اللوفر» يحصّن نافذة استُخدمت في سرقة مجوهرات

عزّز متحف اللوفر في باريس إجراءات الأمن عبر تركيب شبكة حماية على نافذة زجاجية استُخدمت في عملية سرقة مجوهرات في 19 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (باريس )

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.


«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
TT

«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)
ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)

يحتفي الفنان المصري أحمد رجب صقر في معرضه «ألف وجه ووجه» -المُقام في غاليري «المشهد»- بالقصص والمشاعر العميقة التي ينقلها الوجه البشري، ما دفع المتلقي إلى التساؤل: من هؤلاء الأشخاص؟ ماذا يريد الفنان أن نعرف عنهم؟ إلى أي مدى تكشف عن رؤى الفنان تجاه الوجه الإنساني بوصفه حقلاً للذاكرة والهوية والتعبير الوجودي؟

تزخر لوحاته بوجوه تنبض بتعبيرات متعددة ومشحونة بالحياة، وتحدّق إلينا عيونها، متسعة كانت أم ضيقة، مستديرة أم مربعة أم مستطيلة، مسالمة أم حادة، غائرة أم جاحظة؛ إذ تبدو العيون في أعماله قادرة على التحدّي والتأمل، وعلى الإخفاء والبوح.

جانب من معرض (ألف وجه ووجه)

من هنا تبدو أعماله التي تبلغ نحو 50 عملاً، وكأنها استكشاف بصري لمرونة الإنسان، تلك القوة الهادئة التي تظهر في لحظات الضعف والشجاعة والتحول العاطفي.

ولا تلتقط كل لوحة مجرد تعبير، أو إحساس عابر، بل قصة إنسان يواجه تحديات الحياة بطريقته الخاصة، لكنها في جوهرها تبقى وجوهاً تحتفي بالروح الإنسانية.

ويقول صقر لـ«الشرق الأوسط»: «المعرض ليس مجرد معرض للوجوه، بل هو بمثابة جوقة من الأصوات البصرية التي تُلامس أعماق النفس وتترك أثراً عميقاً في الذاكرة».

ويتشابه مفهوم الوجه عند صقر مع مفهومه عند المفكر وعالم الاجتماع الألماني جورج زيمل؛ الذي رأى أن الوجه هو كيان اجتماعي بالغ الأهمية، ولكنه غامض في الوقت نفسه، فهو كشف لحظي وإخفاء مُتعمد، يقدم لنا لمحة عن تقلبات اللحظة الراهنة، ودواخل الشخص الدائمة؛ ما يجعله محوراً لفهم الفردية وسط غموض الحياة الحضرية.

الفنان المصري أحمد رجب صقر (إدارة الغاليري)

ويقول صقر: «نعم، إن مفهوم الوجه بالنسبة لي يقترب من تصور زيمل؛ إذ يُعدّ الوجه نقطة تماس بين الفرد والمجتمع، فهو ليس مجرد ملامح، بل مرآة للروح ومسرح للتبادل الإنساني، وعنصر لفهم الفرد وتأثير البُنى الثقافية فيه. وقد شكّلت هذه العلاقة الجدلية محفزاً ومحركاً لهذه التجربة الفنية».

ويتابع: «خلال السنوات القليلة الأخيرة نفذت مجموعات من الوجوه بتقنية لصق الرمال البيضاء على خلفيات بلون واحد، تزيد على الألف وجه وقناع، وذات يوم تأملت طويلاً هذه الأعمال، وقارنت البدايات والنهايات؛ فإذا بي أجد أنني قد اتجهت تدريجياً من رسم الوجوه إلى رسم الأقنعة».

دعوة للتأمل في تعددية الوجوه (إدارة الغاليري)

وسمِّ هذه اللوحات ما شئت، وجوهاً أو أقنعة، لكنها في النهاية تُمثل مرايا لشخصيات متعددة؛ إذ إن كل تفصيلة تشريحية فيها، من العينين إلى الأنف والشفتين، تروي الكثير عن شخوص نعرفهم أو لا نعرفهم.

كما أنها تُعد مساحات مكثّفة تختزل الفكرة عبر تركيزه على الجوهر والتكثيف، وتزخر في الوقت ذاته بالنقوش والحروف والرموز والطلاسم والأشكال، التي توحي أحياناً بالغموض وإثارة التساؤلات، وأحياناً أخرى بالتماهي مع التراث والحضارات والرسوم البدائية على جدران الكهوف؛ وهو ما يزوّد المتلقي بطاقات تعبيرية وشحنات وجدانية تولّدها صياغات تشكيلية مجردة وألوان صريحة.

وفي أعماله لا يمكن إغفال البناء المعماري ذي السمة الهندسية الواضحة، والتكوينات التي تجمع في سياقها بين النحت والعمارة، وهنا تكتشف تأثر الفنان بالصروح المعمارية للمعابد والأهرامات.

لقد استوعبها جيداً، واستحضرها وأعادها بإيقاع آخر جديد يجمع بين الخط الصريح المتعامد والمسطح الغني بالتفاصيل والمعالجة العصرية المحملة بالشفرات التي لا يسع المتلقي أمامها سوى محاولة فك أسرارها.

البورتريه في تداخل مع الحروفية (إدارة الغاليري)

وتحمل بعض اللوحات دعوة من الفنان للتأمل في تعددية الوجوه بوصفها انعكاساً لتنوع التجارب الإنسانية، وكأن كل وجه مرآة لوجه آخر. ففي العمل الواحد يقدّم عدة وجوه متكررة، لكل منها حكايتها وانفعالاتها الخاصة، لكنها تلتقي جميعاً في تجسيد روح الإنسانية وجوهرها، من دون أن تقع في رتابة التكرار أو ملل النسخة الواحدة.


مهرجان «شراع» في جدة يستحضر ذاكرة البحر ويحولها إلى تجربة معاصرة

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)
تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)
TT

مهرجان «شراع» في جدة يستحضر ذاكرة البحر ويحولها إلى تجربة معاصرة

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)
تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)

في خطوة لترسيخ حضور التراث البحري بوصفه أحد أعمدة السرد الوطني، قدمت هيئة التراث في السعودية مهرجان السفن الخشبية «شراع» على شاطئ «الحمراء» في مدينة جدة غرب البلاد.

ويأتي مهرجان السفن الخشبية كحدث ثقافي يتجاوز العرض إلى إعادة قراءة التاريخ البحري للمملكة، واستحضار أدوار الموانئ، والحرف والرحلات، ضمن برنامج متكامل يربط الماضي بالحاضر، ويضع التراث في قلب المشهد الثقافي المعاصر.

وأكدت هيئة التراث أن المهرجان يأتي ضمن جهودها لتعزيز الوعي بالتراث الثقافي غير المادي، وتسليط الضوء على علاقة الإنسان السعودي بالبحر عبر العصور، من خلال برنامج يعكس حياة البحّارة، وصناعة السفن الخشبية، والدور المحوري الذي لعبته الموانئ التاريخية في حركة التجارة والتواصل الحضاري

المهرجان حظي بحضور كبير (هيئة التراث)

وما إن تطأ قدم الزائر أرض الحدث حتى يبدأ في استكشاف علاقة الإنسان السعودي بالبحر من خلال برنامج ثقافي متكامل، يسلط من خلاله المهرجان الضوء على حياة البحّارة بكل تفاصيلها من خلال العديد من التقنيات والأدوات المساندة لإيصال الفكرة للمتلقي.

يتنقل الزائر داخل المهرجان عبر مسار منظم يضم أربع مناطق رئيسية، حملت تسميات مستمدة من البيئة البحرية المحلية؛ ففي منطقة «القلافة» يطلع الزوار على معارض وحرف مرتبطة بصناعة السفن، أما منطقة «القفال» فخُصصت للعروض المسرحية، وأما منطقة «الدانة» فتتعلق بالفنون، وحملت منطقة السوق اسم «الطواشين».

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)

السفن الخشبية

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان؛ إذ حُولت إلى منصات عرض حية مدعومة بعروض ضوئية وأنشطة تفاعلية تحاكي رحلات الإبحار القديمة، ويهدف هذا التوظيف البصري إلى تقديم السفينة بوصفها رمزاً للرحلة الإنسانية، وأداة تاريخية لعبت دوراً محورياً في ربط الموانئ والأسواق عبر العصور، وخاصة أن هذه السفن شُيدت بالشكل التقليدي من خشب وأقمشة ومواد كالصمغ في صناعتها.

ويعيش الزائر تجربة تفاعلية مع صنّاع هذا النوع من السفن في إحدى زوايا المهرجان، ويتلمس حجم المجهود المبذول مع معرفة المواد المستخدمة في صناعة مثل هذه السفن التي ترتكز على أجود أنواع الخشب لضمان استمرارية عملها لفترات طويلة.

جانب من التعريف بكيفية صناعة السفن (هيئة التراث)

الفنون البحرية

شكلت الفنون الغنائية البحرية بأبعادها وإيقاعاتها المختلفة نقطة مهمة لفهم تجربة الإبحار على متن السفينة ولحظة وصولها، وكيف تستخدم خلالها الآلات الموسيقية للترفيه مثل «المرواس، والطار، والسمسمية».

بهذه الأدوات شهد المسرح المخصص العديد من الأهازيج البحرية، ومنها «الدانة، والنهمة، والفجري، والعرضة البحرية، والفن الينبعاوي»، والتي استحضرت البيئة البحرية ومفرداتها، ولقيت تفاعلاً ملحوظاً من الجمهور.

المسرح تجسيد الذاكرة

ويبرز في مهرجان «شراع» المسرح الذي يقدم عروضاً تفاعلية، وأخرى لتجسيد شخصيات بحرية شكلت جزءاً من الذاكرة الجمعية، مثل القلاف، والنوخذة، والغاص، والسيب، إلى جانب حضور رمزي للأم والطفل والراوي، وقد أسهم هذا التناول الدرامي في تبسيط الحكاية البحرية وتقديمها بأسلوب قريب من مختلف الفئات العمرية.

المهرجان فتح نافذة على كيفية صناعة السفن الشراعية (هيئة التراث)

الرؤية والشركاء

يضم المهرجان أجنحة مخصصة لهيئة التراث، والتي تستعرض جهود الهيئة في صون التراث البحري وتوثيق الحرف المرتبطة بصناعة الفن، كذلك جناح المشاركات الدولية، والذي يقدم عروضاً لحرف البحر وثقافات السواحل من دول مختلفة، في حين يبرز جناح الحرفيين، وهو منصة حية تعرف بالمهن الساحلية وتقدم عروضاً مباشرة للزوار لمعايشتهم هذه الحرف بشكل مباشر.

تكتمل تجربة «شراع» بالعروض الضوئية، وورش العمل في شاطئ الحرف والأنشطة التفاعلية، والمناطق المخصصة للعائلات والأطفال، في إطار يوازن بين المعرفة والترفيه.

تكتمل تجربة «شراع» بالعروض الضوئية

تفاعل جماهيري

شهدت أيام مهرجان «شراع» حضوراً جماهيرياً لافتاً، عكس اهتمام المجتمع بالتجارب الثقافية المرتبطة بالتراث، وعمّق لدى الزوار بمختلف أعمارهم حضور التراث البحري غير المادي وفهم أبعاد التجارب السابقة وحكايات البحر، وذلك من خلال عروض حية جسدت حياة البحّارة، ودقة صناعة السفن، والدور التاريخي للموانئ كمراكز للتبادل التجاري والتواصل الحضاري.