كنوز «الملك الذهبي» تستقر في المتحف المصري الكبير

تتضمَّن كرسي الاحتفالات ومجموعة من المجوهرات والحلي والقلائد

القطع الأثرية الخاصة بالملك الذهبي تصل إلى المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
القطع الأثرية الخاصة بالملك الذهبي تصل إلى المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز «الملك الذهبي» تستقر في المتحف المصري الكبير

القطع الأثرية الخاصة بالملك الذهبي تصل إلى المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
القطع الأثرية الخاصة بالملك الذهبي تصل إلى المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

استعداداً لافتتاحه الرسمي المقرر في 3 يوليو (تموز) 2025، استقبل المتحف المصري الكبير بالجيزة (غرب القاهرة) 163 قطعة من كنوز توت عنخ آمون قادمة من المتحف المصري بالتحرير، ضمن خطة نقل وعرض المجموعة الكاملة لـ«الملك الذهبي» لأول مرة في مكان واحد.

وقال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، إن هذه الخطوة تأتي ضمن الاستعدادات النهائية للافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير المقرر يوم 3 يوليو المقبل، لافتاً، في بيان، الجمعة، إلى أن عمليات نقل باقي القطع الخاصة بالملك ستتواصل خلال الفترة المقبلة، وفق جدول زمني محدد لتُعرض في القاعات الخاصة بها في المتحف.

ونُقلت أعمال القطع الأثرية وفقاً لأعلى المعايير العلمية والفنية الدولية؛ إذ أعدّ فريق العمل المتخصص في المتحف المصري الكبير تقارير حالة تفصيلية لكل قطعة أثرية، إلى جانب تنفيذ أعمال التغليف والنقل بعناية فائقة، وفق تصريحات الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف الكبير الدكتور أحمد غنيم. وأوضح أن «فريق الترميم في المتحف سيقوم بأعمال الصيانة والترميم اللازمة، تمهيداً لوضع القطع داخل فتارين العرض الدائم المخصصة لها، مما يضمن عرضاً متكاملاً يليق بمكانة هذا الملك الشاب وتاريخه».

استعدادات لعرض كنوز «الملك الذهبي» بالمتحف الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ومن أهم القطع التي نُقلت، حسب الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر، «كرسي الاحتفالات الشهير الخاص بالملك توت عنخ آمون الذي عُثر عليه في الممر المؤدي إلى المقبرة، بالإضافة إلى المقصورة الخشبية المذهبة الخاصة بالأواني الكانوبية، ومجموعة من الحلي والمجوهرات والقلادات المصنوعة من الذهب والعقيق».

ويُعدُّ كرسي الاحتفالات من أروع نماذج الفن في الدولة الحديثة، الذي يتميز بتطعيمه بالعاج والأبانوس والفيانس والذهب، ويظهر في وسط ظهره قرص الشمس تعلوه الإلهة «نخبت» وهي تبسط جناحَيْها، في حين أن مسند القدمين مُزيّن بزخارف ورقائق ذهبية مرسوم عليها أعداء مصر التسعة، وفق بيان الوزارة.

كنوز توت عنخ آمون تنتقل إلى المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

وينتمي توت عنخ آمون (1336 -1327 قبل الميلاد) إلى الأسرة الـ18، وتُمثل محتويات مقبرته أهمية خاصة لعلماء الآثار؛ لأنه الفرعون الوحيد الذي اكتُشفت مقبرته سليمة وكاملة نسبياً في وادي الملوك، وتصدّر هذا الاكتشاف على يد هوارد كارتر عام 1922 حينها، عناوين الصحف العالمية، وفق وزارة السياحة والآثار المصرية.

وعدّ عالم الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، استقبال المتحف المصري الكبير لـ163 قطعة من كنوز توت عنخ آمون «لحظة فارقة في مسيرة المشروع الثقافي الأضخم في القرن الـ21، وخطوة نوعية في طريق الافتتاح الرسمي المنتظر لهذا الصرح الحضاري الذي يُعيد كتابة علاقة مصر بتراثها الفرعوني، ويجعل من القاهرة الكبرى مركزاً عالمياً للتاريخ والآثار».

الكنوز تتضمن تمائم وحلياً من الذهب والعقيق (وزارة السياحة والآثار)

وقال عبد البصير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إن تجميع المجموعة الكاملة لكنوز الملك توت عنخ آمون وعرضها لأول مرة في مكان واحد هو إنجاز غير مسبوق في تاريخ علم المتاحف، ويضع مصر في مصافّ الدول التي تقدم تراثها القديم بأعلى المعايير المتبعة عالمياً في الحفظ والعرض والبحث العلمي»، مؤكداً حرص الدولة على أن يكون المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى، بل منظومة متكاملة تعكس فهماً عميقاً للتاريخ، وحواراً متواصلاً بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وعن القطع المنقولة يقول: «يبرز كرسي الاحتفالات الشهير الذي يُعد تحفة فنية فريدة من العصر الذهبي للدولة الحديثة. تطعيماته بالعاج والأبانوس والذهب، ونقوشه الرمزية التي تُجسّد انتصارات مصر».

كرسي الاحتفالات في مجموعة «الملك الذهبي» (وزارة السياحة والآثار)

عاداً المتحف المصري الكبير، بتلك الكنوز، ليس فقط مكاناً للعرض، بل يتحول إلى منصة دولية للحوار الثقافي، ونقطة جذب استثنائية ستُعيد رسم خريطة السياحة الثقافية في المنطقة والعالم.

وبدأت فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير في تسعينات القرن الماضي، وفي عام 2002 وُضع حجر الأساس له ليشيد في موقع متميز يطل على أهرامات الجيزة، واكتمل تشييده عام 2021 في مساحة تزيد على 300 ألف متر مربع، ومن المقرر أن يعرض ما يزيد على 50 ألف قطعة أثرية، تمثّل نماذج من الحضارة المصرية على مر العصور.

وقال خبير الآثار المصري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار في المجلس الأعلى للثقافة: «خصّص المتحف الكبير قاعتَيْن لمجموعة توت عنخ آمون، مساحة كلٍّ منهما 7 آلاف متر مربع، وتضم المجموعة 5389 قطعة، تُعرض لأول مرة في مكان واحد جاءت من المتحف المصري في التحرير، ومتحف الأقصر، والمتحف الحربي». وأضاف: «من أهم القطع التي تضمُّها المجموعة الكاملة المقرر عرضها في المتحف الكبير، قناع توت عنخ آمون الذي يُعدّ أهم وأعظم وأثمن قطعة أثرية في العالم، و4 مقاصير ذهبية، و3 أسِرّة، و4 عجلات حربية، مع عروض افتراضية عن قصة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون».


مقالات ذات صلة

متحف التاريخ الطبيعي بلندن يعيد فتح قاعة مغلقة منذ 83 عاماً

يوميات الشرق هيكل حوت أزرق معلَّق في قاعة «هينتز» (موقع متحف التاريخ الطبيعي)

متحف التاريخ الطبيعي بلندن يعيد فتح قاعة مغلقة منذ 83 عاماً

يضم معرض «نحن والطبيعة» 50 قطعة تُسلِّط الضوء على التحولات التي شهدتها علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي، وتكشف كيف تغيَّرت نظرتنا إلى الطبيعة عبر الزمن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق صورة مركبة لسارق الموناليزا

هل كانت الموناليزا لتشتهر لولا سارقها؟

سرقة القرن الفنية... كيف تحولت «الموناليزا» من لوحة عادية إلى أيقونة عالمية بفضل لص؟

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق مصر تحتفل بعيد وفاء النيل (وزارة السياحة)

معارض وورش وعروض فنية تروي قصة النيل من مصر القديمة إلى الحاضر

في 15 أغسطس من كل عام، تحيي مصر ذكرى عيد وفاء النيل، أحد أقدم الاحتفالات المرتبطة بنهر النيل، مصدر الحياة والازدهار في مصر القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المتاحف المصرية في «متاحف»

حكاية مجلة عربية تحرس ذاكرة المتاحف

لم تصدر من مجلة «متاحف» سوى أربعة أعداد حتى الآن، لكنها نجحت في فتح نافذة واسعة على عالم المتاحف العربية، مقدمةً للقارئ خريطة ثقافية تتجاوز الحدود الجغرافية…

عبير مشخص (لندن)
أوروبا صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

منزل بريطاني للتنصت على جنرالات نازيين يتحوّل إلى متحف يروي أسراراً من الحرب

افتُتح متحف في منزل بريطاني استُخدم خلال الحرب العالمية الثانية للتنصت سراً على جنرالات نازيين، وكشف معلومات عسكرية ساعدت بريطانيا وأخّرت تطوير صواريخ «في-2».

«الشرق الأوسط» (لندن)

أحمد الرافعي: الأدوار ذات الأبعاد النفسية تحتاج إلى ممثل «أولمبي»

الفنان أحمد الرافعي قدم أدوارا درامية عدة (حسابه على فيسبوك)
الفنان أحمد الرافعي قدم أدوارا درامية عدة (حسابه على فيسبوك)
TT

أحمد الرافعي: الأدوار ذات الأبعاد النفسية تحتاج إلى ممثل «أولمبي»

الفنان أحمد الرافعي قدم أدوارا درامية عدة (حسابه على فيسبوك)
الفنان أحمد الرافعي قدم أدوارا درامية عدة (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري أحمد الرافعي إن الأدوار ذات الأبعاد النفسية المعقدة تحتاج إلى ممثل «أولمبي» متمكّن من أدواته، ويتمتع بقدرات خاصة، مؤكداً أنه يراهن على وعي الجمهور عند تقديمه هذه الشخصيات التي قد يكرهها بعضهم. وأوضح أنه لن يظل حبيساً لها، بل سيقدم أعمالاً اجتماعية وكوميدية، ويتنقل بين مختلف الأدوار.

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا يهتم بمساحة ظهوره السينمائي؛ إذ يشارك في فيلمي «شمشون ودليلة» و«خلي بالك من نفسك» ضيفَ شرف، لافتاً إلى أن ما يهمه هو الشخصية ومدى حضورها، ولو عبر مشهد واحد.

واعتاد الرافعي أن يفاجئ الجمهور بأدواره ذات الأبعاد النفسية المعقدة؛ إذ تبدو شخصياته هادئة وعقلانية في البداية، قبل أن يكتشف المشاهد أنها تخفي تناقضات نفسية كبيرة، وأنها اللغز الكامن وراء الأزمات التي يشهدها العمل الدرامي. ويقدم الرافعي هذه الشخصيات بأداء نفسي مركَّب يتسم بالتشويق والإثارة والتحولات غير المتوقعة، مثلما فعل أخيراً في مسلسل «تحت السن»، وقبله في حكاية «ديفاجو»، ضمن حكايات مسلسل «ما تراه ليس كما يبدو»، كما قدمها بتنويعات أخرى في مسرحية «خيال مريض».

وأدى الرافعي في مسلسل «تحت السن» شخصية المدرس «شاكر»، الذي تربطه علاقات طيبة بتلميذاته ويتعامل معهن بروح الأب، لكن الأحداث تكشف، بعد اختفاء إحدى الطالبات والعثور على جثتها، أنه كان وراء ما حدث لها.

الرافعي في مشهد من مسلسل «تحت السن» (الشركة المنتجة)

ويقول الرافعي عن الشخصية التي بدت صادمة للجمهور: «قد يغضب مني بعضهم ويشعر بالكراهية تجاه الشخصية، وربما تجاهي، وهذه طريقة بعض المشاهدين في تلقي العمل الفني. لكن حين يراني المشاهد نفسه في نوعية مغايرة من الأدوار الطيبة، كما في مسلسلي (نون النسوة) و(حرب الجبالي)، وغيرهما من الأعمال المختلفة، يغيّر رأيه، وأنا أراهن على وعي الجمهور في كل الأحوال».

وعن تحضيره لشخصية المدرس «شاكر»، يقول: «هذا العمل تحديداً لم أواجه فيه أي مشكلة، بفضل مخرجه يحيى إسماعيل؛ فهو مخرج هادئ، ويتسم العمل معه بالسلاسة، ومهما بذلتُ من جهد فإنني أنسى بعده كل متاعبي».

وفي مسرحية «خيال مريض»، يجسد أحمد الرافعي شخصية «عابدين»، نزيل إحدى المصحات، الذي يعاني اضطراب الشخصية النرجسية وعدداً من الاضطرابات النفسية الأخرى.

وعن سبب اختيار المخرجين له لأداء هذه الأدوار، يقول الرافعي: «هذا أمر جيد؛ لأن طبيعة هذه الأدوار ذات الأبعاد النفسية تحتاج إلى ممثل أولمبي، يكون على درجة عالية من التمكن ويتمتع بقدرات خاصة، حتى يستطيع تقديمها بشكل مقنع؛ لذا تظل دائرة الممثلين المرشحين لها محدودة. وبالنسبة إليّ، يشاهد المخرجون ما أقدمه والمعالجات التي ألجأ إليها، بوصفـي ممثلاً، للتعبير عن أبعاد الشخصية، فيرشحونني لهذه الأدوار».

لكن الرافعي، الذي تخرج في معهد الفنون المسرحية، لا يخشى أن يحبسه المخرجون في الشخصيات غير المتزنة نفسياً التي برع في أدائها، كما في حكاية «ديفاجو»، التي جسّد فيها شخصية طبيب تموت زوجته التي كان يحبها، ولديه منها طفلة. وحين يرى فتاة تشبه زوجته في ملامحها، يدفعها إلى الحلول محلها وحمل اسمها، ويتورط، في سبيل ذلك، في جرائم عدّة.

ويعلّق على ذلك قائلاً: «عملي ممثلاً يحتّم علي تنويع أدواري؛ فحتى إذا كنت أقدم شخصية المريض النفسي في أعمال مختلفة، فإن ذلك لا يُعدّ تكراراً. قد تبدو الشخصيات متشابهة ظاهرياً، لكنها تختلف في أعماقها وظروفها، ويتباين أدائي لها في كل مرة. كما أن لدي أعمالاً متنوعة في الكوميديا والدراما الاجتماعية».

وبدأت علاقة أحمد الرافعي بالمسرح مبكراً، خلال دراسته في معهد الفنون المسرحية، من خلال أستاذه المخرج جلال الشرقاوي، الذي أسّس فرقة مسرحية أطلق عليها «شباب الفن»، واستعان فيها بطلاب المعهد المتميزين. وقدّمهم في مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير، التي أدى فيها الرافعي شخصية التاجر اليهودي «شايلوك». ويقول إن «هذه المسرحية أفادتني كثيراً، وكانت باللغة العربية الفصحى».

مع أبطال مسرحية «خيال مريض» (الشركة المنتجة)

وشارك الرافعي في مسرحية «بني آدم»، مع الفنان أحمد حلمي ومن إخراج هشام عطوة، التي عُرضت في السعودية، ثم شارك في «خيال مريض»، وهو عرض كوميدي تجاري.

ويلفت إلى أن حماسه للعرض الأخير يعود إلى تميز جميع عناصره، بدءاً من بطل المسرحية الفنان هشام ماجد، الذي عمل معه في الجزء الثاني من مسلسل «أشغال شقة»، ومسلسل «عامل ميت». ويضيف: «قدّم مؤلف العمل ومخرجه محمد محمدي تجربة مهمة في القطاع الخاص، ستُحسب له، سواء من حيث الفكرة التي طرحها أو الصورة التي حققها، إلى جانب فريق العمل المتجانس»، عادّاً العمل معهم «فرصة وجائزة كبيرتين».

وفي السينما، شارك الرافعي في أفلام عدّة، ويُعرض له حالياً فيلما «شمشون ودليلة»، الذي يجسد فيه شخصية رجل يعمل في جهة أمنية، و«خلي بالك من نفسك»، الذي يؤدي فيه شخصية تاجر سلاح. ولا يجد غضاضة في الظهور ضيفَ شرف، مبرراً ذلك بقوله: «ما يحكمني في الاختيار هو القصة وطبيعة الدور والمخرج الذي أتطلع إلى العمل معه، لكن عدد مشاهدي في الفيلم لا يشغلني؛ فقد يفوق تأثير مشهد واحد تأثير 10 مشاهد».

ويواصل: «شاركت أيضاً في أفلام أخرى بأدوار ثانية، مثل فيلم (فاميلي بيزنس) مع الفنان محمد سعد، وعُرضت علي أدوار بطولة، لكنني اعتذرت عنها؛ إذ لا بد من توافر عناصر جاذبة في الفيلم. فالبطولة ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما هدفي هو العمل الجيد الذي يمثّل إضافة حقيقية إلى رصيدي. ولا شك في أن البطولة خطوة مغرية، لكنني لا أتعجّلها، وأظهر في اختيارات تناسبني خلال هذه المرحلة، كما أقدم أدوار بطولة في الدراما التلفزيونية».


دوللي بارتون... نجمة خرجت من الفقر وتركت وراءها إرثاً من الموسيقى والعطاء

المغنية والممثلة الأميركية الراحلة دوللي بارتون (أ.ف.ب)
المغنية والممثلة الأميركية الراحلة دوللي بارتون (أ.ف.ب)
TT

دوللي بارتون... نجمة خرجت من الفقر وتركت وراءها إرثاً من الموسيقى والعطاء

المغنية والممثلة الأميركية الراحلة دوللي بارتون (أ.ف.ب)
المغنية والممثلة الأميركية الراحلة دوللي بارتون (أ.ف.ب)

رحلت دوللي بارتون، إحدى أشهر المغنيات وكاتبات الأغاني في تاريخ الموسيقى الأميركية، عن 80 عاماً، بعد مسيرة فنية امتدت أكثر من ستة عقود، تحولت خلالها من طفلة نشأت في الفقر بين جبال تينيسي إلى نجمة عالمية جمعت بين الموسيقى والسينما والتلفزيون والأعمال والعمل الخيري. وتوفيت بارتون في ناشفيل في 25 أغسطس (آب) 2026، بعد معركة قصيرة مع السرطان، وفق ما أعلنت عائلتها وفريق إدارتها.

المغنية والممثلة الأميركية دوللي بارتون تظهر على مسرح في لندن (أ.ف.ب)

وأثار رحيلها صدمة واسعة في أنحاء العالم. وقالت تايلور سويفت إن عالماً من دون بارتون «لا يبدو ممكناً أو حقيقياً أو صائباً»، فيما وصفها بول مكارتني بأنها شخصية «مفعمة بالحيوية»، مشيداً بغنائها وكتاباتها التي قال إنها «بلا منافس في عالم موسيقى الكانتري». أما كاتي بيري فقالت عنها: «كانت دوللي براقة، ومضحكة، وطيبة».

كانت بارتون أكثر من مجرد نجمة كانتري. بشعرها الأشقر الضخم، وملابسها المرصعة بالترتر، وشخصيتها المرحة ولهجتها الجنوبية المميزة، أصبحت ظاهرة ثقافية أميركية. لكنها كانت تقول دائماً إن وراء الصورة البراقة كاتبة وموسيقية وقلباً شديد التعاطف.

وُلدت دوللي ريبيكا بارتون في 19 يناير (كانون الثاني) 1946، رابعة 12 ابناً، في عائلة فقيرة عاشت في كوخ صغير قرب جبال سموكي في تينيسي. كان والدها مزارعاً مستأجراً، بينما كانت والدتها تغني الأغاني الدينية والشعبية القديمة. وكان الفقر جزءاً من طفولتها، لكنه تحول لاحقاً إلى مصدر رئيسي لإلهامها.

تعلمت الغناء والعزف في سن مبكرة، وظهرت في الإذاعة والتلفزيون وهي في العاشرة. وفي 1967 جاءت فرصتها الكبرى عندما انضمت إلى برنامج المغني بورتر واغونر، لتصبح خلال سنوات قليلة واحدة من أبرز أصوات موسيقى الكانتري.

من الصور النادرة التي تجمع المغنية دوللي بارتون بزوجها كارل دين (إنستغرام)

وكان انفصالها عن واغونر عام 1974 نقطة تحول في حياتها. ولتوديعه كتبت «I Will Always Love You»، الأغنية التي أصبحت لاحقاً من أشهر الأغنيات في العالم، خصوصاً بعد أن سجلتها ويتني هيوستن لفيلم «The Bodyguard» عام 1992. أما بارتون، فكانت قد حققت بها نجاحاً كبيراً قبل ذلك بسنوات.

كتبت بارتون أكثر من 3000 أغنية، بينها «Jolene» و«Coat of Many Colors» و«9to 5»، وبيعت أعمالها بأكثر من 100 مليون نسخة حول العالم. ولم يتوقف تأثيرها عند الموسيقى، بل امتد إلى السينما والتلفزيون والأعمال، فيما أصبحت أغنياتها مصدر إلهام لأجيال من الفنانين.

ولكن الجانب الأكثر عمقاً في إرثها ربما لم يكن على خشبة المسرح، بل في أعمالها الخيرية.

دوللي بارتون تتفاعل مع الجمهور خلال حفل في كنتاكي (أ.ب)

ففي عام 1995، أطلقت بارتون «مكتبة الخيال» (Imagination Library)، وهي مبادرة بدأت في مسقط رأسها بتينيسي لمنح الأطفال كتباً مجانية وتشجيعهم على القراءة. استوحت الفكرة من والدها، الذي لم يكن يستطيع القراءة والكتابة، رغم أنها كانت تعده من أذكى الأشخاص الذين عرفتهم.

بدأ المشروع محلياً، ثم تحول إلى مبادرة دولية تعمل في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا وآيرلندا. ويحصل الأطفال المسجلون، من الولادة حتى سن الخامسة، على كتاب مناسب لأعمارهم كل شهر من دون أي تكلفة على أسرهم. وبحلول نهاية 2025، كانت المبادرة قد وزعت أكثر من 304 ملايين كتاب.

وقبل ذلك، أسَّست بارتون عام 1988 «مؤسسة دوليوود»، لمساعدة الأطفال على مواصلة تعليمهم. وفي أوائل التسعينات قدمت برنامجاً يمنح طلاب الصفين السابع والثامن 500 دولار إذا واصلوا تعليمهم حتى التخرج من المدرسة الثانوية. وانخفض معدل التسرب بين الطلاب المستهدفين، وفق المؤسسة، من 35 في المائة إلى 6 في المائة.

وعندما ضربت الكوارث موطنها، كانت بارتون حاضرة أيضاً. ففي 2016، بعد حرائق مدمرة في شرق تينيسي، أطلقت «صندوقاً شعبياً» لمساعدة الأسر التي فقدت منازلها، وقدم دعماً شهرياً للأسر المتضررة، بلغ إجماليه نحو 12 مليون دولار. وفي 2024 تبرعت بمليون دولار لمساعدة المتضررين من الفيضانات في أبالاتشيا.

كما دعمت المستشفيات والبحوث الطبية، وتبرعت بمليون دولار لمستشفى الأطفال في جامعة فاندربيلت عام 2017، ثم بمليون دولار عام 2020 للمساعدة في تمويل أبحاث لقاح «موديرنا» ضد «كوفيد-19».

وقبل رحيلها بوقت قصير، واصلت الجمع بين الفن والعطاء، فطرحت في 2026 نسخة جديدة من أغنيتها «Light of a Clear Blue Morning» بمشاركة عدد من الفنانين، وخصصت عائداتها لدعم أبحاث سرطان الأطفال في مستشفى فاندربيلت.

لم يكن العطاء بالنسبة إلى بارتون نشاطاً جانبياً تقوم به نجمة ناجحة، بل كان جزءاً من فلسفتها في الحياة. فقد عرفت منذ طفولتها معنى أن يفتقر الطفل إلى الكتب والموارد والفرص، وعندما أصبحت قادرة على العطاء، اختارت أن تعيد جزءاً من نجاحها إلى الأطفال والعائلات والمجتمع الذي خرجت منه.

تركت في الموسيقى أكثر من 3000 أغنية، وفي السينما أدواراً لا تُنسى، وفي عالم الأعمال علامة تجارية عالمية و«دوليوود» التي تحولت إلى وجهة سياحية رئيسية. لكن خلف كل ذلك بقيت صورة المرأة التي لم تنسَ الجبال التي جاءت منها.

من طفلة نشأت في عائلة «فقيرة إلى حد لا يُصدق» إلى واحدة من أكثر الشخصيات المحبوبة في أميركا، بقيت بارتون، رغم الشهرة والثروة، قريبة من الناس. نجمة ترتدي الترتر وتملأ المسارح، لكنها في الوقت نفسه ظلت، بالنسبة إلى ملايين الأطفال، «سيدة الكتب» التي آمنت بأن الكتاب يمكن أن يفتح باباً إلى عالم أفضل.


غريغور براندلي: «الفيلة والسناجب» ينبش آثار التاريخ الاستعماري

عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدَّة (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدَّة (الشركة المنتجة)
TT

غريغور براندلي: «الفيلة والسناجب» ينبش آثار التاريخ الاستعماري

عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدَّة (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدَّة (الشركة المنتجة)

قال المخرج السويسري غريغور براندلي إن فكرة فيلمه الوثائقي «الفيلة والسناجب» (Elephants & Squirrels) وُلدت مصادفةً عام 2020، بعدما قرأ كتاب «Tropenliebe» للمؤرخ السويسري برنهارد سي شير، موضحاً أن الكتاب يتناول ما وصفه بالتشابك الاستعماري بين مدينة بازل السويسرية وسريلانكا.

وأضاف، في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أنه نشأ في بازل على رواية شائعة مفادها أن سويسرا لم تكن لديها مستعمرات، ومن ثم لم تكن جزءاً من التاريخ الاستعماري، لكنه بدأ يعيد النظر في هذه الفكرة بعدما اكتشف، من خلال الكتاب، تاريخاً أكثر تعقيداً لعلاقة بازل بسريلانكا.

وأكد براندلي أن خلفيته العائلية ساعدته على النظر إلى هذه القضية من زاوية مختلفة؛ إذ إن جدته برازيلية، وهو ما منحه، منذ البداية، منظوراً مغايراً إلى حد ما للرواية التي تلقّاها أثناء نشأته. وأشار إلى أن الكتاب لفت انتباهه إلى إعادة المؤرخ برنهارد شير بناء تاريخ بازل، وكشفه أوجه تشابك المدينة مع النظام الاستعماري، إلى جانب الممارسات التي أسهمت في نقل مقتنيات ثقافية ورفات بشرية من سريلانكا إليها.

ويروي فيلم «الفيلة والسناجب» قصة الفنانة السريلانكية دينيث بيومكشي فيدا أراتشيغي وزعيم مجتمع «وانيالا-آيتو»، أحد مجتمعات السكان الأصليين في سريلانكا، ومساعيهما لاستعادة رفات أجدادهما ومقتنيات ثقافية سريلانكية محفوظة في متاحف سويسرية. وتفتح هذه الرحلة ملف علاقة سويسرا بتاريخ الاستعمار، وتضع مؤسساتها أمام أسئلة تتعلق بمصدر هذه المجموعات والظروف التي خرجت فيها من سريلانكا. وعُرض الفيلم في مهرجانات عدّة، كان أحدثها «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

المخرج السويسري غريغور براندلي (الشركة المنتجة)

وذكر براندلي أن المؤرخ برنهارد شير كان حلقة الوصل التي قادته إلى الفنانة دينيث بيومكشي فيدا أراتشيغي، موضحاً أنه تواصل معه عام 2020، بعد قراءته الكتاب، وأن شير أخبره بضرورة التحدث إليها.

وأردف: «كانت الفنانة قد بدأت، منذ عام 2018، إجراء أبحاث في بازل، واكتشفت وجود مجموعة كبيرة من مقتنيات التراث الثقافي السريلانكي والرفات البشرية داخل المتاحف. ونقلت هذه المعلومات إلى مجتمع الأديفاسي في سريلانكا، ومن هناك بدأ حوار مفتوح حول القضية، تحوّل لاحقاً إلى مشروع سينمائي».

وأكد المخرج أن «الفيلم نشأ، منذ البداية، بطريقة تعاونية؛ فالعمل لم يكن قائماً على وصول المخرج إلى الشخصيات، ثم تحديد الطريقة التي ينبغي أن تروي بها قصصها، وإنما تطوّر عبر نقاشات طويلة بشأن ما يمكن تصويره وما يرغب أصحاب القضية في إظهاره».

ولفت إلى أن «هذه الطريقة جعلت المشروع أكثر تعقيداً، لكنها كانت، في الوقت نفسه، ضرورية بالنسبة إليه، حتى لا يفرض رؤيته الخاصة على قضية تخص مجتمعاً من السكان الأصليين».

وتحدث المخرج عن الصعوبات التي واجهها في إقناع المشاركين بالظهور أمام الكاميرا، خصوصاً في سويسرا، موضحاً أن «الفيلم يتناول عملية لا تزال جارية، أكثر مما يقدّم رواية مغلقة عن الماضي؛ الأمر الذي اضطر فريق العمل إلى إجراء كثير من المحادثات لإقناع بعض الأشخاص بالمشاركة في المشروع». وعدّ هذه المرحلة «جزءاً مهماً من صناعة الفيلم».

وكشف براندلي أن فريقه صوّر ما بين 60 و70 ساعة من المواد، وقال: «ربما لا تبدو هذه الكمية كبيرة مقارنة ببعض الأفلام الوثائقية الأخرى، لكنها كانت كافية لتوفير مجموعة واسعة من المشاهد والحوارات، التي احتاجت لاحقاً إلى تنظيم داخل غرفة المونتاج».

استغرق المخرج سنوات عدَّة للانتهاء من الفيلم (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «مرحلة المونتاج كانت من أكثر مراحل الفيلم صعوبة، واستغرقت نحو عام كامل»، موضحاً أن السبب يعود إلى طبيعة المشروع، التي لم تسمح باتباع أسلوب تقليدي في بناء الفيلم؛ إذ لم يكن الفريق يتعامل مع المشاركين بمنطق: «قل هذا» أو «افعل ذلك»، وإنما كان يطرح أسئلة مفتوحة بشأن ما يمكن تصويره، وما يرغب المشاركون في عرضه، وما يعدّونه مهماً لقضيتهم.

وتابع أن «المواد المصوَّرة كانت أشبه بأجزاء متناثرة من أحجية كبيرة، وكان على فريق المونتاج إيجاد الطريقة المناسبة لجمعها في فيلم واحد، مع توفير السياق التاريخي اللازم، وإظهار شخصيات ووجهات نظر لا تظهر عادة في الأفلام التي تتناول قضية الاسترداد». وأكد أن «الهدف كان تقديم أكبر عدد ممكن من الأصوات المختلفة المرتبطة بموضوع استرداد المقتنيات والرفات».

وقال إن الفريق حاول جمع الطبقات المختلفة للنقاش بشأن قضية الاسترداد بين سويسرا وسريلانكا، وترك المشاعر تنشأ بصورة طبيعية من الأحداث والشخصيات، من دون إخضاعها لمعالجة عاطفية إضافية.

استغرق المخرج عاماً في مونتاج الفيلم قبل خروجه للنور (الشركة المنتجة)

وأوضح براندلي أن «الفيلم ظل مشروعاً مستمراً حتى بعد إنجاز نسخته النهائية»، مشيراً إلى أنه عاد، قبل فترة قصيرة، إلى قرية «دامبانا»، حيث صُوّر جزء كبير من مواد الفيلم. ولفت إلى أن الفريق لم يكتفِ بالتنقُّل بالفيلم بين مهرجان وآخر، وإنما كان يعرضه ويناقشه مع الجمهور والمجتمعات المختلفة، وهو ما أبقى المشروع مستمراً بالنسبة إليه حتى وقت قريب.

ويرى براندلي أن «التجربة لم تكن مجرد محاولة لصناعة فيلم عن قضية استرداد مقتنيات، وإنما كانت عملية طويلة لإعادة النظر في الطريقة التي تُروى بها علاقة سويسرا بالتاريخ الاستعماري؛ فمن خلال قصة المقتنيات والرفات السريلانكية، برزت أسئلة أوسع بشأن المتاحف والذاكرة والملكية».