وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

السيرة الفردية تتحوَّل شهادة على جرح جماعي عمَّقه الانتظار

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
TT

وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)

اختار «المعهد العربي للمرأة» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» أن يُكرِّم رمزاً مُلهماً للصمود. امرأة حملت وجعها الخاص وحوّلته إلى نضال جماعي. إنها وداد حلواني، الناشطة والمؤسِّسة لـ«لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»؛ والصوت الذي أصرَّ على أن يبقى حيّاً رغم محاولات الطمس والإسكات. وفي كلمة ألقتها رئيسة المعهد، ميريام صفير، قبل العرض المسرحي، أوضحت أنّ الأمسية تحيّة لنساء أحدثن فرقاً في مسيرة العدالة والمساواة. نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار، يُقدّمهن المعهد المُحتَفل بذكرى 52 عاماً على تأسيسه، عبر أعمال فنّية تُضيء على دروبهن المُكلّلة بالأشواك والرجاء.

ميريام صفير تُكرّم نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار (الشرق الأوسط)

المسرحية التي احتضنها مسرح «الإروين هول» حملت عنوان «وداد: النملة يلّي عم تحفر بالصخر»، من إخراج لينا أبيض وتمثيل كريستين شويري وإبراهيم خليل. جلست وداد نفسها بين المقاعد، تُشاهد بعضاً من قصتها وقد تحوّلت إلى حكاية على الخشبة. لكن الحكاية لم تكن حكايتها وحدها، إذ شكَّلت مرآة لآلاف النساء اللواتي خُطف لهنّ أبٌ أو زوجٌ أو أخٌ أو ابنٌ أو عزيز في الحرب، فوجدن أنفسهن يتقاسمن قدراً جماعياً، بلا وداع ولا قبر يُسكِّن اللوعة.

عدنان، الزوج الغائب، أدّى دوره إبراهيم خليل من وراء الستار، صوتاً بلا جسد وحضوراً عبر الغياب. اختارت لينا أبيض حصره في النبرة لتُكثّف الإحساس بالفقد. تميَّز إخراجها بقدرة واعية على تجنُّب الميلودراما، إذ اختارت الاقتصاد في الوسائل التعبيرية، فتركت للفراغات أن تتكلّم، وللصمت أن يُعلن ثقله، وللمكان أن يروي بعض الحكاية بالملامح والإيحاء: الكراسي المُعلّقة، الأرض المكسوَّة بأوراق ذابلة، المسافة الفاصلة بين وداد وصوت زوجها الغائب؛ كلّها عناصر جسَّدت غياباً أثقل من أيّ حضور. المسرح بدا مثل بيت مشقوق، نصفه قائم ونصفه منهار، كأنّ المُشاهد مدعوّ إلى العيش داخل ذاكرة متصدِّعة لا يمكن ترميمها.

المسرحية تختصر صلابة امرأة تعاند النسيان (الشرق الأوسط)

هذا الاختيار البصري ليس زخرفة أو عنصر ديكور، فهو أداة نقدية تُضيء على المعنى الأعمق: أنّ الفقد لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يُحيط بنا من كلّ جانب. ومن هنا جاء الأثر على المتلقي مُضاعفاً: لم يشاهد حكاية من الخارج، وإنما عاش داخلها، فأحسَّ ببرودة الغياب وبطول الانتظار. فالإخراج تقاسم التجربة الداخلية لوداد مع الجمهور، ليُصبح كل متفرّج شريكاً في حمل ذاكرة جماعية لا تخصّها وحدها لكونها تخصُّ وطناً بأسره.

في هذا المشهد الذي يُشبه بيتاً خلعته الحرب من جذوره، وقفت كريستين شويري لتُجسّد وداد. بدا أداؤها في البداية مُتردّداً، كأنها لم تُمسك تماماً نبض الشخصية، غير أنها مع تصاعد الأحداث راحت تتملّك الدور شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى ذروة الوجع.

الانتظار يلتهم الأعمار ووجعه أبلغ من الموت نفسه (الشرق الأوسط)

قوة المسرحية في انضباطها العاطفي وقدرتها على إظهار التحمُّل والمثابرة، من دون إنكار لحظات الانكسار. جمعت بين العاطفة والوقائع، لتُقدّم صورة شاملة عن مسيرة وداد ومعها مسار نضال ممتدّ لنساء عديدات. تخطَّت القصة كونها شخصية رغم أنها تحكي عن شخص؛ وهذه كانت إحدى نقاط تميُّز العرض. فمن خلال سيرة واحدة، أضاء على قضية وطنية، ومن خلال امرأة واحدة، حمل صرخة جماعة.

المسرحية نبشت في ذاكرة الحرب، فأعادت إلى الخشبة رائحة البارود ونكهة الدم والذعر. بيَّنت الماضي أبعد من كونه خلفية للأحداث، فهو جوهرها وسببها، إذ شكّل غياب الأحبّة جرحاً مفتوحاً لعائلات بأكملها. وفي قلب هذه المأساة، وُضعت وداد حلواني: زوجة خُطِف شريك حياتها ولم يعُد، وأمّ لولدَيْن كبُرا على كذبة مؤقتة تقول إنّ والدهما سيعود، قبل أن تصفعهما الحقيقة ذلك الصَفْع المُدوّي.

وظلَّ شعور الفقد مُخيّماً على المسرحية من بدايتها حتى نهايتها، مؤكداً هدفها المزدوج: التشديد على نُبل القضية، وإظهار قسوة التجربة الإنسانية التي عاشتها عائلات المفقودين. وقدَّمت وداد، على الخشبة كما في الواقع، درساً في الصلابة البشرية التي تولد من الخذلان. لم يعُد وجعها ملكها وحدها، فصار مشتركاً، وشهادتها تحوّلت إلى عزاء جماعي ودعوة للتماسُك ورفع الصوت في وجه النسيان.

ذاكرة تتكلّم بصوت الفنّ (الشرق الأوسط)

حتى الرائحة كان لها دور في العرض، فتجلَّت بكونها أثراً أخيراً للغائبين. رائحة ثيابهم والأماكن التي مرّوا بها، كأنها الحضور الوحيد المُمكن. ومعها، بدت ثيمة الانتظار أكثر وضوحاً: انتظار يأكل الأيام مثل السوس، ينهش العُمر ببطء أقسى من الموت نفسه، لأنه يُبقي الأمل حيّاً ولو كاذباً. الانتظار هنا حالة وجودية وليس وليد الظرف، يختصر مأساة وداد وكلّ مَن شاركها المصير المُشابه.

في النهاية، يخرج المُشاهد بوعي أعمق. تجنَّبت المسرحية التعاطُف العابر أو البكائية، فحوَّلت القصة إلى موقف، والوجع إلى شهادة، والمسرح إلى منبر يُعيد فتح الجرح لئلا يُطمَر بالتراب. ولعلّ إنجازها الأكبر هو أنها، من خلال وداد حلواني، أعادت التأكيد أنّ ذاكرة الحرب ليست صفحات من الماضي، فهي صرخة حاضرة في وجدان بلد لم يُنصف ضحاياه بعد.


مقالات ذات صلة

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

يوميات الشرق جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية بالقاهرة عرض 7 مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ملصق مسرحية «روميو وجولييت»

روميو وجولييت على المسرح: سادي سينك ونوح جوب وروعة الحب الفَتيّ

في مسرحية «روميو وجولييت»، تبدو الأحداث رهناً بسوء التوقيت؛ إذ يواجه عاشقا شكسبير الشابان حظاً عاثراً بقدر ما يواجهان الواقعية السياسية لقبائلهما المتحاربة.

هومن بركت (لندن)
يوميات الشرق دينا وإيمي سمير غانم تستعدان للعمل معاً مجدداً (إنستغرام)

«ديو» دنيا وإيمي سمير غانم لأول مرة في المسرح يخطف الاهتمام

فور الإعلان عن اجتماع الفنانتين دنيا وإيمي سمير غانم في عمل مسرحي قريباً، تصدرت تفاصيل العرض «الترند».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق عروض المسرح بمصر شهدت إقبالاً لافتاً في العيد (وزارة الثقافة)

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

تحتفل مصر بـ«اليوم العالمي للمسرح» عبر فعاليات متنوعة وتكريمات، واستعادة لتاريخ المسرح المصري والعالمي، وسط حالة من الانتعاش التي يشهدها المسرح حالياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.