فيروز أرزة حزينة في وداع ابنها زياد الرحباني

برحيله جمع اللبنانيين على اختلافاتهم حول موهبته الجريئة

TT

فيروز أرزة حزينة في وداع ابنها زياد الرحباني

جنازة شعبية لزياد دون طلب من أحد أو تنظيم مسبق (خاص الشرق الأوسط)
جنازة شعبية لزياد دون طلب من أحد أو تنظيم مسبق (خاص الشرق الأوسط)

يوم حزين وثقيل على اللبنانيين الذين تجمهروا بالآلاف أمام مستشفى خوري منذ الصباح، لإلقاء نظرة الوداع على نعش زياد الرحباني. انتظروه حاملين لافتات ممهورة بعبارات مأخوذة من أغنياته: «بلا ولا شي... بحبك»، و«لأول مرة ما منكون سوا». وما إن أطلت السيارة السوداء التي حملت الجثمان حتى انهمرت الدموع، ونُثرت الزهور وحبّات الأرز، وصدحت الحناجر: «زياد، زياد، زياد». وعلت الأصوات تغني نشيده الشهير: «جاي مع الشعب المسكين، جاي تَأعرِف أرضي لمين، لمين عم بموتوا ولادي بأرض بلادي جوعانين».

فيروز مع أولادها الأربعة... رحل منهم زياد وليال (خاص الشرق الأوسط)

الشعب المسكين، هذه المرة، كان يصطف على الطرقات، ينتظر مرور الموكب في شوارع منطقة الحمرا، التي سكنها زياد وأحبّها، وجلس في مقاهيها. ثم جال الجثمان في أنطلياس، حيث كان منزل العائلة. طوال الجولة، كان الأحبة يصطفّون في استقباله وهم يبكون، يصفّقون، ويبثّون أغنيات زياد، وصولاً إلى «كنيسة رقاد السيدة المحيدثة» في بكفيا بمنطقة المتن، لإقامة الصلوات وتلقي التعازي.

بعد وصول نعش زياد بقليل، وصلت والدته فيروز مع ابنتها المخرجة ريما الرحباني، في سيارة يقودها نائب رئيس مجلس النواب إلياس بوصعب، وبرفقته زوجته الفنانة جوليا بطرس.

تلك إطلالة للسيدة الكبيرة فيروز لن تُنسى: بغطاء أسود على الرأس، ونظّارة سوداء، ووجه متجهّم حزين. ما كان أحد يتمنّى أن تكون الإطلالة الأولى لفيروز، حبيبة الناس جميعاً، بعد غياب، في مناسبة على هذا القدر من المأساوية.

رئيس الوزراء نواف سلام يمنح الفقيد زياد الرحباني وسام الأرز من رتبة كوموندور (خاص الشرق الأوسط)

فيروز، الأم الثكلى، آثرت أن تدخل الكنيسة لتكون إلى جانب النعش هي وابنتها، من دون كاميرات. لحظات حميمة قليلة، قبل أن تعود وتلتحق بالعائلة الرحبانية في صالة تقبّل التعازي.

جمع كبير من المعزّين، من مختلف الأطياف السياسية: موسيقيون، مغنّون، ممثّلون، شعراء، إعلاميون.السيدة الأولى نعمت عون انتظرت وصول فيروز، وكانت أول المعزّين. ووصلت قبل الجميع الممثلة كارمن لبس، صديقة زياد التي عايشته 15 عاماً، وله في قلبها حبّ كبير، كذلك خالته هدى حداد.

أحد المشيّعين يحمل صورة زياد الرحباني (رويترز)

توافد إلى العزاء رئيس الوزراء نواف سلام وزوجته سحر بعاصيري، ووزير الثقافة غسان سلامة، والرئيس الأسبق للجمهورية أمين الجميل وزوجته جويس، كما زوجة رئيس مجلس النواب رندة بري، كذلك إيلي صعب وولداه، وماجدة الرومي التي خرَّت على ركبتيها أمام فيروز، وراغب علامة، وهبة طوجي، وفنانون كثر.

مادونا قالت إن زياد كان بالنسبة لها صديق طفولة، وإنهما كانا مؤخراً يُحضّران معاً لتقديم مسرحية استعراضية، لكن العائق الأساسي دائماً بالنسبة لزياد هو الإنتاج. وهكذا طال الانتظار، ولم تُقدَّم المسرحية. أي خسارة؟! وأين هي المسرحية الآن؟

في هذه الكنيسة تحديداً، حيث سُجِّي زياد الرحباني جثة، كان قد قدّم قبل 41 سنة بالتمام سنة 1974، مسرحيته «سهرية» في الساحة الخارجية. أي مصادفة أن يكون يوم 28 يوليو (تموز) هو يوم تقديم المسرحية ويوم دفنه أيضاً؟

لعب مسرحيته هنا، من أجل أهالي المنطقة التي كانت مصيف بيت الرحباني، وبينهم الصغير زياد الذي ارتبط بعلاقة وطيدة مع السكان.

رجل يحمل صورة زياد الرحباني خلال مراسم الجنازة (أ.ف.ب)

توالى توافد المعزّين، وكان الأكثر تأثيراً وصول الشاعر طلال حيدر، الذي بدا متعباً، برفقة الفنان مارسيل خليفة؛ رفيقي الدرب والشعر والأغنيات والنغم والمسرح.

بكى طلال حيدر، وأجهش أمام النعش، ولوّح بيده مودّعاً. لبنان كله يودّع حقبة كاملة بغياب زياد. ثمة من يقول إن الدنيا قد أظلمت، وذهب من احترف التحدث بلسان الناس، والبوح بما لم يُجيدوا التعبير عنه بأنفسهم.

مع بدء الصلاة، تقدّمت فيروز الصفوف، وجلست أمام النعش مع ابنتها ريما. وقال رئيس الحكومة نواف سلام إنه يقف بخشوع أمام الأم الحزينة والعائلة والأصدقاء، وإن لبنان كله شريك في هذا الحزن. ووصف الراحل بأنه «صرخة جيلنا الصادقة الملتزمة بقضايا الإنسان والوطن»، وبأنه «قال ما لم يجرؤ كثيرون على قوله».

كما أعلن أن رئيس الجمهورية جوزيف عون منح زياد الرحباني وسام الأرز الوطني من رتبة كوموندور، وتشرّف بتسليمه للعائلة.

الممثلة اللبنانية كارمن لبس تحضر مراسم جنازة زياد الرحباني (أ.ف.ب)

وأصدرت لجنة «مهرجانات بعلبك الدولية» بياناً رأت فيه أن زياد «تربّى في بيت يشبه وطناً صغيراً من الفنّ، لكن زياد لم يكن يوماً مجرد امتداد للمدرسة الرحبانية، بل تمايز عنها ليصنع لغته الخاصة: مزيج من الموسيقى، والسياسة، والسخرية، والوجع».

ومن أهم ما ذكّر به البيان، أن زياد شهد صغيراً مشاركات والدته والرحابنة في مهرجانات بعلبك، ولحّن لها أولى أغنياتها التي غنّتها هناك وهو في السابعة عشرة.

من حينها «بدأت شراكة إنسانية وفنية فريدة بين أم وابنها، بين صوت وملحّن، شراكة نحتت ملامح الأغنية اللبنانية الحديثة. وفي الثمانينات والتسعينات، أبدعت فيروز من كلمات وألحان زياد: (كيفك إنتَ)، و(عودك رنّان)، و(إيه في أمل)، أعمال شكّلت انقلاباً فنياً وصوتاً حرّاً تجاوز المألوف، وجسّدت لقاء جيلين ووجعين».

وبخسارة زياد، تكون فيروز، الصامدة الصابرة، قد خسرت 3 من أفراد عائلتها: زوجها عاصي، وابنتها ليال، وأخيراً زياد الذي لم يكن ابناً فقط، بل كان البديل الفني الاستثنائي الذي لا مثيل له بعد غياب عاصي. وهو لم يُكمل جملة عاصي فقط، بل ابتدع لها طريقاً جديداً، وجعلها أكثر شباباً، أعاد لها الصبا والمرح والظرف في أغنيات تنبض بالفرح والحيوية والنكتة.

فيروز والدة زياد الرحباني وابنتها ريما وشقيقتها هدى حداد (إ.ب.أ)

لبنان كله حزين، وخائف من هذا الفقد الموجع الذي يصعب تعويضه. وغضب البعض لأن حداداً رسمياً لم يُعلَن، والأعلام لم تُنكّس، ولأن زياد والإرث الرحباني الذي رفع اسم لبنان، يستحق من الدولة اهتماماً حقيقياً. لكن وزير الثقافة غسان سلامة، الذي قطع إجازته وعاد من باريس جالساً في مقصورة القبطان لأنه لم يجد مقعداً شاغراً، وأصرّ على حضور الجنازة بأي طريقة، قال: «لا يزايدنّ أحد عليّ في حب زياد».

وشرح سلامة أن حداداً رسمياً لم يُعلن سابقاً لرحيل أي فنان لبناني، وبالتالي لم تُتخذ مبادرة استثنائية هذه المرة. وعومل زياد كما كل الكبار الذين رحلوا. لكن الممثلة المسرحية حنان الحاج علي كتبت مستنكرة أن يحتكر الرسميون الحداد الرسمي، دون الفنانين والمبدعين، مذكرة أن زياد، على كل حال، لم يكن يحب هذه الطبقة، ولا طائفيّتها.

صديق زياد، الفنان خالد الهبر، لفت إلى أنه ترك لنا بعد رحيله ذخراً كبيراً: «المهم الآن ما سنفعله بهذا الإرث. لا أعتقد أن فناناً خلّف وراءه فناً بهذا الثراء». وحين سُئل وزير الثقافة عن تدابير الوزارة، قال إن تركة زياد الفنية هي ملك العائلة، وهي تقرر ما تفعل بها. «نحن حصلنا على هبة بمليون دولار، لرقمنة الإرث اللبناني، وسيكون أمراً جيداً أن نبدأ العمل بما تركه زياد، لحفظه وصيانته».


مقالات ذات صلة

في عصر البوتوكس وشَدّ الوجه... نجمات يفضّلن التجاعيد

يوميات الشرق مجموعة من نجمات هوليوود الرافضات للتجميل (رويترز)

في عصر البوتوكس وشَدّ الوجه... نجمات يفضّلن التجاعيد

تعارض مجموعة من نجمات الصف الأول في هوليوود الخضوع لأي إجراء تجميلي، حفاظاً على التعابير الطبيعية الضرورية في التمثيل.

كريستين حبيب (بيروت)
خاص الممثلة أندريا طايع تطلّ قريباً كمقدّمة برنامج «ذا فويس كيدز» (صور طايع)

خاص أندريا طايع من «مدرسة الروابي» إلى «ذا فويس كيدز»... رحلةٌ بأحلامٍ كثيرة

هي (مريم) في «مدرسة الروابي» و(لارا) في «مش مهم الإسم» وأندريا طايع في «ذا فويس كيدز». حوار خاص مع الممثلة التي تخوض التقديم ولا تتنازل عن طموح السينما والدراما

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جورج وأمل كلوني يحصلان على الجنسية الفرنسية لإسهاماتهما الثقافية (رويترز)

فرنسا تدافع عن منح كلوني الجنسية رغم الانتقادات

فرنسا دافعت عن منح جورج وأمل كلوني الجنسية رغم الانتقادات واتهامات بتلقيهما «معاملة تفضيلية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جورج وأمل كلوني (رويترز)

وزيرة فرنسية تنتقد منح الجنسية لجورج كلوني وعائلته

اعتبرت الوزيرة المفوّضة لشؤون الداخلية في فرنسا أن منح الجنسية للممثّل الأميركي جورج كلوني وعائلته لا يوجّه «رسالة جيّدة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)

شراكة «الإشعاع»: فيروز والأخوان رحباني مع صبري الشريف

فيروز والأخوان رحباني وصبري الشريف، الأضلاع الثلاثة لمؤسسة فنية أرست لأغنية جديدة سيكون لها ما بعدها، ليس فقط في لبنان، بل في الوطن العربي كله.

سوسن الأبطح (بيروت)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
TT

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، وتستمر حتى الثلاثاء 3 فبراير (شباط) المقبل، زوّاره بمبادرة تستهدف نشر القراءة في المجتمع، تتمثل في مشروع «مكتبة لكل بيت»، وهي المبادرة التي أعلن عنها وزير الثقافة، أحمد فؤاد هنو، خلال المؤتمر الصحافي لإطلاق المعرض.

وتهدف المبادرة إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية، وفق تصريحات الوزير. إذ تتضمَّن إتاحة 20 كتاباً متنوعاً من أهم إصدارات قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أعماله بسعر رمزي، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع. ومن المقرر إتاحة هذه الحقيبة داخل كل قاعات المعرض.

وقال الشاعر أحمد الشهاوي، عضو اللجنة العليا لتنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب: «من أبرز مميزات المعرض هذا العام مبادرة (مكتبة لكل بيت) وحقيبة نجيب محفوظ»، ووصفها بأنها «مبادرة طموحة، تهدف إلى توسيع دائرة القراءة وجعل الكتاب في متناول جميع فئات المجتمع. فالحقيبة ليست مجرد مجموعة من الكتب، بل مشروع ثقافي متكامل يسعى إلى ترسيخ عادة القراءة داخل الأسرة المصرية، وتحويل الكتاب إلى رفيق يومي في البيوت، بعيداً عن النخبوية أو التعقيد».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تتضمَّن هذه المبادرة حقائب متخصصة، من بينها حقيبة تضم الكتب التي صدرت عن نجيب محفوظ، والتي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال السنوات الماضية، ومنها كتب مهمة للقارئ العام والمتخصص معاً. وتكتسب هذه الحقيبة أهميةً خاصةً، إذ تتيح للقارئ فرصة الاقتراب من عالم محفوظ السردي الغني، والتعرف إلى أبرز أعماله التي شكَّلت وجدان أجيال متعاقبة. كما تمثل هذه الإصدارات جهداً مؤسسياً للحفاظ على تراثه الأدبي وتقديمه في صورة تليق بقيمته، وبأسعار مناسبة تشجِّع على الاقتناء والقراءة».

معرض القاهرة للكتاب يخصص حقيبة لكتب عن نجيب محفوظ (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

ويحتفي المعرض هذا العام بأديب نوبل، نجيب محفوظ، (1911 - 2006) واختياره شخصية المعرض، بعد مرور 20 عاماً على رحيله، كما تم اختيار الفنان الكبير محيي الدين اللباد (1940 - 2010) شخصيةً لمعرض كتاب الطفل، بينما تحل دولة رومانيا ضيف شرف الدورة.

وعدّ أن الجمع بين شخصية نجيب محفوظ، وشعار يدعو إلى القراءة، ومبادرة «مكتبة لكل بيت»، يعكس رؤية ثقافية واعية تسعى إلى بناء إنسان قارئ، ومجتمع يقدِّر المعرفة ويحتفي بالمبدعين. «مما يجعل من معرض الكتاب هذا العام ليس مجرد حدث ثقافي، بل يصبح مشروعاً تنويرياً متكامل الأبعاد، يؤكد أن الكتاب ما زال قادراً على صناعة الأمل وبناء المستقبل».

في السياق ذاته؛ يشهد المعرض فعاليات متنوعة للاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، ويضم 40 لوحة لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير، وفق ما ذكره المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الدكتور أحمد مجاهد، في بيان صحافي سابق.

معرض القاهرة للكتاب يستقبل الملايين سنوياً (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

وأعلن القائم بأعمال رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب إصدارات جديدة للهيئة عن شخصيتي المعرض هذا العام، الأديب نجيب محفوظ، والفنان محيي الدين اللباد.

ويشارك في معرض هذا العام 80 دولة و1300 دار نشر، ويحتفي البرنامج الثقافي بمجموعة من الكتب في حفلات توقيع وندوات حول الأدب والفكر والفلسفة وغيرها من المجالات، فضلاً عن برنامج للأمسيات الشعرية، والفعاليات الفنية التي تواكب المعرض.


وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.