فيروز أرزة حزينة في وداع ابنها زياد الرحباني

برحيله جمع اللبنانيين على اختلافاتهم حول موهبته الجريئة

TT

فيروز أرزة حزينة في وداع ابنها زياد الرحباني

جنازة شعبية لزياد دون طلب من أحد أو تنظيم مسبق (خاص الشرق الأوسط)
جنازة شعبية لزياد دون طلب من أحد أو تنظيم مسبق (خاص الشرق الأوسط)

يوم حزين وثقيل على اللبنانيين الذين تجمهروا بالآلاف أمام مستشفى خوري منذ الصباح، لإلقاء نظرة الوداع على نعش زياد الرحباني. انتظروه حاملين لافتات ممهورة بعبارات مأخوذة من أغنياته: «بلا ولا شي... بحبك»، و«لأول مرة ما منكون سوا». وما إن أطلت السيارة السوداء التي حملت الجثمان حتى انهمرت الدموع، ونُثرت الزهور وحبّات الأرز، وصدحت الحناجر: «زياد، زياد، زياد». وعلت الأصوات تغني نشيده الشهير: «جاي مع الشعب المسكين، جاي تَأعرِف أرضي لمين، لمين عم بموتوا ولادي بأرض بلادي جوعانين».

فيروز مع أولادها الأربعة... رحل منهم زياد وليال (خاص الشرق الأوسط)

الشعب المسكين، هذه المرة، كان يصطف على الطرقات، ينتظر مرور الموكب في شوارع منطقة الحمرا، التي سكنها زياد وأحبّها، وجلس في مقاهيها. ثم جال الجثمان في أنطلياس، حيث كان منزل العائلة. طوال الجولة، كان الأحبة يصطفّون في استقباله وهم يبكون، يصفّقون، ويبثّون أغنيات زياد، وصولاً إلى «كنيسة رقاد السيدة المحيدثة» في بكفيا بمنطقة المتن، لإقامة الصلوات وتلقي التعازي.

بعد وصول نعش زياد بقليل، وصلت والدته فيروز مع ابنتها المخرجة ريما الرحباني، في سيارة يقودها نائب رئيس مجلس النواب إلياس بوصعب، وبرفقته زوجته الفنانة جوليا بطرس.

تلك إطلالة للسيدة الكبيرة فيروز لن تُنسى: بغطاء أسود على الرأس، ونظّارة سوداء، ووجه متجهّم حزين. ما كان أحد يتمنّى أن تكون الإطلالة الأولى لفيروز، حبيبة الناس جميعاً، بعد غياب، في مناسبة على هذا القدر من المأساوية.

رئيس الوزراء نواف سلام يمنح الفقيد زياد الرحباني وسام الأرز من رتبة كوموندور (خاص الشرق الأوسط)

فيروز، الأم الثكلى، آثرت أن تدخل الكنيسة لتكون إلى جانب النعش هي وابنتها، من دون كاميرات. لحظات حميمة قليلة، قبل أن تعود وتلتحق بالعائلة الرحبانية في صالة تقبّل التعازي.

جمع كبير من المعزّين، من مختلف الأطياف السياسية: موسيقيون، مغنّون، ممثّلون، شعراء، إعلاميون.السيدة الأولى نعمت عون انتظرت وصول فيروز، وكانت أول المعزّين. ووصلت قبل الجميع الممثلة كارمن لبس، صديقة زياد التي عايشته 15 عاماً، وله في قلبها حبّ كبير، كذلك خالته هدى حداد.

أحد المشيّعين يحمل صورة زياد الرحباني (رويترز)

توافد إلى العزاء رئيس الوزراء نواف سلام وزوجته سحر بعاصيري، ووزير الثقافة غسان سلامة، والرئيس الأسبق للجمهورية أمين الجميل وزوجته جويس، كما زوجة رئيس مجلس النواب رندة بري، كذلك إيلي صعب وولداه، وماجدة الرومي التي خرَّت على ركبتيها أمام فيروز، وراغب علامة، وهبة طوجي، وفنانون كثر.

مادونا قالت إن زياد كان بالنسبة لها صديق طفولة، وإنهما كانا مؤخراً يُحضّران معاً لتقديم مسرحية استعراضية، لكن العائق الأساسي دائماً بالنسبة لزياد هو الإنتاج. وهكذا طال الانتظار، ولم تُقدَّم المسرحية. أي خسارة؟! وأين هي المسرحية الآن؟

في هذه الكنيسة تحديداً، حيث سُجِّي زياد الرحباني جثة، كان قد قدّم قبل 41 سنة بالتمام سنة 1974، مسرحيته «سهرية» في الساحة الخارجية. أي مصادفة أن يكون يوم 28 يوليو (تموز) هو يوم تقديم المسرحية ويوم دفنه أيضاً؟

لعب مسرحيته هنا، من أجل أهالي المنطقة التي كانت مصيف بيت الرحباني، وبينهم الصغير زياد الذي ارتبط بعلاقة وطيدة مع السكان.

رجل يحمل صورة زياد الرحباني خلال مراسم الجنازة (أ.ف.ب)

توالى توافد المعزّين، وكان الأكثر تأثيراً وصول الشاعر طلال حيدر، الذي بدا متعباً، برفقة الفنان مارسيل خليفة؛ رفيقي الدرب والشعر والأغنيات والنغم والمسرح.

بكى طلال حيدر، وأجهش أمام النعش، ولوّح بيده مودّعاً. لبنان كله يودّع حقبة كاملة بغياب زياد. ثمة من يقول إن الدنيا قد أظلمت، وذهب من احترف التحدث بلسان الناس، والبوح بما لم يُجيدوا التعبير عنه بأنفسهم.

مع بدء الصلاة، تقدّمت فيروز الصفوف، وجلست أمام النعش مع ابنتها ريما. وقال رئيس الحكومة نواف سلام إنه يقف بخشوع أمام الأم الحزينة والعائلة والأصدقاء، وإن لبنان كله شريك في هذا الحزن. ووصف الراحل بأنه «صرخة جيلنا الصادقة الملتزمة بقضايا الإنسان والوطن»، وبأنه «قال ما لم يجرؤ كثيرون على قوله».

كما أعلن أن رئيس الجمهورية جوزيف عون منح زياد الرحباني وسام الأرز الوطني من رتبة كوموندور، وتشرّف بتسليمه للعائلة.

الممثلة اللبنانية كارمن لبس تحضر مراسم جنازة زياد الرحباني (أ.ف.ب)

وأصدرت لجنة «مهرجانات بعلبك الدولية» بياناً رأت فيه أن زياد «تربّى في بيت يشبه وطناً صغيراً من الفنّ، لكن زياد لم يكن يوماً مجرد امتداد للمدرسة الرحبانية، بل تمايز عنها ليصنع لغته الخاصة: مزيج من الموسيقى، والسياسة، والسخرية، والوجع».

ومن أهم ما ذكّر به البيان، أن زياد شهد صغيراً مشاركات والدته والرحابنة في مهرجانات بعلبك، ولحّن لها أولى أغنياتها التي غنّتها هناك وهو في السابعة عشرة.

من حينها «بدأت شراكة إنسانية وفنية فريدة بين أم وابنها، بين صوت وملحّن، شراكة نحتت ملامح الأغنية اللبنانية الحديثة. وفي الثمانينات والتسعينات، أبدعت فيروز من كلمات وألحان زياد: (كيفك إنتَ)، و(عودك رنّان)، و(إيه في أمل)، أعمال شكّلت انقلاباً فنياً وصوتاً حرّاً تجاوز المألوف، وجسّدت لقاء جيلين ووجعين».

وبخسارة زياد، تكون فيروز، الصامدة الصابرة، قد خسرت 3 من أفراد عائلتها: زوجها عاصي، وابنتها ليال، وأخيراً زياد الذي لم يكن ابناً فقط، بل كان البديل الفني الاستثنائي الذي لا مثيل له بعد غياب عاصي. وهو لم يُكمل جملة عاصي فقط، بل ابتدع لها طريقاً جديداً، وجعلها أكثر شباباً، أعاد لها الصبا والمرح والظرف في أغنيات تنبض بالفرح والحيوية والنكتة.

فيروز والدة زياد الرحباني وابنتها ريما وشقيقتها هدى حداد (إ.ب.أ)

لبنان كله حزين، وخائف من هذا الفقد الموجع الذي يصعب تعويضه. وغضب البعض لأن حداداً رسمياً لم يُعلَن، والأعلام لم تُنكّس، ولأن زياد والإرث الرحباني الذي رفع اسم لبنان، يستحق من الدولة اهتماماً حقيقياً. لكن وزير الثقافة غسان سلامة، الذي قطع إجازته وعاد من باريس جالساً في مقصورة القبطان لأنه لم يجد مقعداً شاغراً، وأصرّ على حضور الجنازة بأي طريقة، قال: «لا يزايدنّ أحد عليّ في حب زياد».

وشرح سلامة أن حداداً رسمياً لم يُعلن سابقاً لرحيل أي فنان لبناني، وبالتالي لم تُتخذ مبادرة استثنائية هذه المرة. وعومل زياد كما كل الكبار الذين رحلوا. لكن الممثلة المسرحية حنان الحاج علي كتبت مستنكرة أن يحتكر الرسميون الحداد الرسمي، دون الفنانين والمبدعين، مذكرة أن زياد، على كل حال، لم يكن يحب هذه الطبقة، ولا طائفيّتها.

صديق زياد، الفنان خالد الهبر، لفت إلى أنه ترك لنا بعد رحيله ذخراً كبيراً: «المهم الآن ما سنفعله بهذا الإرث. لا أعتقد أن فناناً خلّف وراءه فناً بهذا الثراء». وحين سُئل وزير الثقافة عن تدابير الوزارة، قال إن تركة زياد الفنية هي ملك العائلة، وهي تقرر ما تفعل بها. «نحن حصلنا على هبة بمليون دولار، لرقمنة الإرث اللبناني، وسيكون أمراً جيداً أن نبدأ العمل بما تركه زياد، لحفظه وصيانته».


مقالات ذات صلة

فرنسا تدافع عن منح كلوني الجنسية رغم الانتقادات

يوميات الشرق جورج وأمل كلوني يحصلان على الجنسية الفرنسية لإسهاماتهما الثقافية (رويترز)

فرنسا تدافع عن منح كلوني الجنسية رغم الانتقادات

فرنسا دافعت عن منح جورج وأمل كلوني الجنسية رغم الانتقادات واتهامات بتلقيهما «معاملة تفضيلية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جورج وأمل كلوني (رويترز)

وزيرة فرنسية تنتقد منح الجنسية لجورج كلوني وعائلته

اعتبرت الوزيرة المفوّضة لشؤون الداخلية في فرنسا أن منح الجنسية للممثّل الأميركي جورج كلوني وعائلته لا يوجّه «رسالة جيّدة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)

شراكة «الإشعاع»: فيروز والأخوان رحباني مع صبري الشريف

فيروز والأخوان رحباني وصبري الشريف، الأضلاع الثلاثة لمؤسسة فنية أرست لأغنية جديدة سيكون لها ما بعدها، ليس فقط في لبنان، بل في الوطن العربي كله.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق صورة أرشيفية لباردو تقبّل كلبة ضالة خلال زيارتها لمأوى كلاب في بوخارست

رحيل بريجيت باردو... هرم فرنسا المعتزل

لم تكن تحت العين وقيد السمع، لكن بريجيت باردو، الممثلة التي رحلت عن 91 عاماً، كانت هرماً فرنسياً حاضراً في الأذهان رغم اعتزالها وعزلتها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)

البحث عن الحقيقة المتوارية في أفلام داود عبد السيد

عجز المخرج داود عبد السيد منذ 2022 عن تمويل فيلم جديد، وكان «قدرات غير عادية» (2015) آخر أفلامه قبل اعتزاله.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))

بعد أشهر من طلب مشورة «شات جي بي تي»... وفاة مراهق بجرعة زائدة من المخدرات

شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)
TT

بعد أشهر من طلب مشورة «شات جي بي تي»... وفاة مراهق بجرعة زائدة من المخدرات

شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» (رويترز)

توفي مراهق من ولاية كاليفورنيا الأميركية جرّاء جرعة مخدرات زائدة بعد أشهر من طلبه إرشادات حول تعاطي المخدرات من تطبيق «شات جي بي تي»، وفقاً لما صرّحت به والدته.

كان سام نيلسون يبلغ من العمر 18 عاماً فقط، ويستعد للالتحاق بالجامعة، عندما سأل برنامج الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي عن كمية «القرطوم» - وهو مسكن ألم نباتي غير خاضع للرقابة، يُباع عادةً في متاجر بيع التبغ ومحطات الوقود في جميع أنحاء الولايات المتحدة - التي يحتاجها للحصول على تأثير قوي، كما صرّحت والدته، ليلى تيرنر-سكوت، حسب صحيفة «نيويورك بوست».

وكتب المراهق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، حسب سجلات محادثاته: «أريد التأكد حتى لا أتناول جرعة زائدة. لا توجد معلومات كافية على الإنترنت، ولا أريد أن أتناول جرعة زائدة عن طريق الخطأ».

بعد أن زعم ​​برنامج الدردشة الآلي أنه لا يستطيع تقديم إرشادات حول تعاطي المخدرات ووجه نيلسون لطلب المساعدة من أخصائي رعاية صحية، رد نيلسون بعد 11 ثانية فقط، قائلاً: «آمل ألا أتناول جرعة زائدة إذن»، قبل أن ينهي محادثته الأولى حول جرعات المخدرات مع أداة الذكاء الاصطناعي.

استخدم نيلسون برنامج «شات جي بي تي» من «أوبن إيه آي» بانتظام للحصول على المساعدة في واجباته المدرسية والأسئلة العامة على مدار الأشهر الـ18 التالية، ولكنه كان يطرح عليه مراراً وتكراراً أسئلة حول المخدرات.

أوضحت تيرنر-سكوت أن برنامج الدردشة الآلي بدأ مع مرور الوقت بتدريب ابنها ليس فقط على تعاطي المخدرات، بل أيضاً على كيفية إدارة آثارها.

في إحدى المحادثات، كتب البرنامج: «بالتأكيد، هيا بنا إلى عالم الهلوسة!»، قبل أن ينصحه بمضاعفة جرعة شراب السعال لزيادة الهلوسة، بل واقترح عليه قائمة تشغيل موسيقية لتكون خلفية لتعاطيه المخدرات.

إلى جانب التوجيهات المتعلقة بالمخدرات، زعمت تيرنر-سكوت أن برنامج الدردشة الآلي كان يُغدق على نيلسون برسائل حنونة وتشجيع مستمر.

بعد أشهر من لجوء نيلسون إلى مساعد الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح بشأن المخدرات، أدرك أنه ساهم في إدمانه الكامل للمخدرات والكحول، فأخبر والدته بذلك في مايو (أيار) 2025.

وقالت تيرنر-سكوت إنها اصطحبته إلى عيادة لتلقي المساعدة، حيث وضع له المختصون خطة لمواصلة علاجه.

لكن في اليوم التالي، وجدته ميتاً إثر جرعة زائدة في غرفته في سان خوسيه، بعد ساعات من حديثه مع برنامج الدردشة الآلي عن تعاطيه المخدرات في وقت متأخر من الليل.

وقالت تيرنر-سكوت: «كنت أعلم أنه يستخدمه، لكن لم يخطر ببالي أبداً أنه من الممكن أن يصل الأمر إلى هذا الحد».

أفادت بأن ابنها كان طالباً في علم النفس يتمتع بشخصية هادئة، ولديه العديد من الأصدقاء، ويحب ألعاب الفيديو. لكن سجلات محادثاته عبر الذكاء الاصطناعي كشفت عن معاناته من القلق والاكتئاب.

في إحدى المحادثات، تحدث نيلسون عن تدخين الحشيش أثناء تناوله جرعة عالية من زاناكس.

وأوضح قائلاً: «لا أستطيع تدخين الحشيش بشكل طبيعي بسبب القلق»، متسائلاً عما إذا كان الجمع بين المادتين آمناً.

عندما حذره برنامج «شات جي بي تي» من أن هذا المزيج الدوائي غير آمن، غيّر نيلسون صياغته من «جرعة عالية» إلى «كمية معتدلة».

على الرغم من أن نظام الذكاء الاصطناعي كان يخبر نيلسون مراراً وتكراراً أنه لا يستطيع الإجابة على سؤاله لأسباب تتعلق بالسلامة، فإنه كان يعيد صياغة استفساراته حتى يحصل على إجابة.

تحظر بروتوكولات «أوبن إيه آي» المعلنة على «شات جي بي تي» تقديم إرشادات مفصلة حول تعاطي المخدرات غير المشروعة.

قبل وفاته، كان نيلسون يستخدم إصدار 2024 من «شات جي بي تي»، الذي كانت «أوبن إيه آي» تُحدّثه بانتظام لتحسين السلامة والأداء.

مع ذلك، أظهرت المقاييس الداخلية أن الإصدار الذي كان يستخدمه كان أداؤه ضعيفاً في الاستجابات المتعلقة بالصحة.


هل تمنع الملاحقات الأمنية مخالفات مؤدي «المهرجانات» في مصر؟

وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)
وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

هل تمنع الملاحقات الأمنية مخالفات مؤدي «المهرجانات» في مصر؟

وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)
وزارة الداخلية المصرية (صفحتها على «فيسبوك»)

بعد أيام قليلة من واقعة زفاف أحد «البلوغرز»، وما تلاها من أخبار عن وقائع العنف التي وقعت بالحفل ما استدعى القبض على 12 شخصاً، جاء خبر القبض على أحد مؤدي المهرجانات في مصر بتهمة التحريض على العنف ليلقي الضوء على التجاوزات التي يرتكبها هذا اللون من الأداء الغنائي الشعبي، مع تساؤلات حول إمكانية منع هذه التجاوزات بالملاحقات الأمنية.

وألقت الأجهزة الأمنية في الجيزة القبض على مؤدي مهرجانات لاتهامه بالتحريض على ارتكاب الجرائم والعنف والبلطجة من خلال كلمات بعض أغانيه، من بينها «أنا مش ديلر يا حكومة»، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

جاء ذلك بناء على بلاغات قدمها محامون طالبوا فيها باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه مؤدي المهرجانات الذين اعتبروه يقدم أغاني تتضمن تحريضات على ارتكاب الجرائم.

وكانت نقابة الموسيقيين المصريين حذرت مؤدي المهرجانات من استخدام عبارات أو ألفاظ تضر بالقيم الاجتماعية أو تحرض على العنف أو تتجاوز القوانين، وقامت في وقت سابق بإيقاف أكثر من المغنين في مهرجانات ورفض إعطائهم تصريحاً بالغناء، وطالبتهم بتوفيق أوضاعهم والالتزام بقيم المجتمع.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد السماحي، أن «الملاحقات الأمنية يمكن أن تحد من تجاوزات هؤلاء لكنها لن تمنعهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هؤلاء المؤدين موجودون في الوسط الغنائي، ولا نقف ضدهم في المطلق فهو لون غنائي له جمهوره ومحبوه، لكننا نرفض تماماً تجاوزاتهم فيما يمس الأخلاق أو الدين». وشدد على أن هذا اللون الغنائي لا يمكن منعه ولا أحد يوافق على ذلك لكن المطلوب تنظيمه وتهذيبه.

نقابة المهن الموسيقية سبق أن أوقفت مؤديي مهرجانات (فيسبوك)

في حين تؤكد المتخصصة في علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «هناك خطوات تشريعية تم اتخاذها حالياً من باب الردع الاجتماعي والأخلاقي، وهو أمر معروف في كل دول العالم. الانضباط الأخلاقي والقانوني يجب صياغته في صورة تشريعات محددة لوقف هذه التجاوزات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «مطربي المهرجانات و(البلوغرز) وكل من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي حديثاً في الدعاية لنفسه أو لتحقيق مكاسب للأسف لا توجد رقابة كافية عليهم، في حين يمتد تأثيرهم لشرائح اجتماعية ليست قليلة، ومن ثم يجب أن يأخذوا عقاباً رادعاً حتى لا يتم الترويج للانحطاط الأخلاقي».

من المهم تطبيق القوانين الرادعة أخلاقياً على كل ما يمس المجال العام، وفق عالمة الاجتماع، وهو ما سيجعل المجتمع ينضبط. متابعة أن «الانضباط واحترام الدولة والوطن والأسرة وكل القيم الاجتماعية يتطلبان عملاً تقوم به مؤسسات الدولة المختلفة الدينية والتعليمية والإعلامية وحتى مؤسسة الأسرة، ولكن في البداية لا بد من مواجهة هذه الظواهر السلبية بحدة وحزم بغية ترسيخ قيمة الانضباط المجتمعي».

تجدر الإشارة إلى أن نقابة المهن الموسيقية أجبرت مؤدي مهرجانات على تغيير كلمات بعض الأغاني، وهو ما حدث في أغنية «بنت الجيران»، حيث أكد مؤدياها على أنهما غيّرا الجملة التي تعرضت لانتقادات شديدة وهي «وأشرب خمور وحشيش».

ويرى السماحي أن «الدولة كما قضت على الكثير من أنواع المخدرات يجب أن تتدخل لمنع الغناء الفاحش لبعض مؤدي المهرجانات فهم يبثون سموماً في آذان أبناء أجيال جديدة ليس لديهم وعي أو ثقافة ويعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي».

ولا يعتبر الناقد الموسيقى المصري، محمود فوزي السيد، ما يحدث ملاحقات أمنية بل هو تصحيح للمسار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «ننادي منذ سنوات بتقنين هذا اللون الموسيقي، فالمهرجانات شكل موسيقي له تقنياته ومطربوه وجمهوره، لكن طوال الوقت كانت الكلمات محل جدل وتحتاج إلى تقنين».

وأشار إلى أن «الشخص الذي تم القبض عليه كان دائماً يتحدث في أغنياته عن جرائم القتل والسرقة والبلطجة، وقد تم التحقيق معه في نقابة الموسيقيين قبل 6 شهور، وسُحب ترخيصه، فيبدو أن هناك بلاغات كثيرة ضده. وأتمنى على نقابة المهن الموسيقية تفعيل شعبة مؤدي المهرجانات ومراقبة من يتبعون الشعبة ووقف من لا ينتمون إليها، وبالتالي خضوع كلمات أغاني المنتمين للشعبة للرقابة، وفي رأيي هذا هو السبيل للقضاء على ظاهرة الكلمات التي تحض على العنف والبلطجة في الأغاني».


الخط العربي في سياقات فنية جديدة من خلال أعمال مشاركين في «إقامة دار القلم»

المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)
المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)
TT

الخط العربي في سياقات فنية جديدة من خلال أعمال مشاركين في «إقامة دار القلم»

المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)
المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)

يقام في مدرسة الفلاح بجدة التاريخية، في الفترة من 8 إلى 12 يناير (كانون الثاني) 2026، معرض مفتوح لأعمال المقيمين المشاركين في النسخة الثانية من «إقامة دار القلم»، والتي تهدف لدعم الإبداع، وتمكين الفنانين، وإحياء الخط العربي بوصفه رمزاً ثقافياً وحضارياً متجدّداً.

ومن خلال «الاستوديو المفتوح»، يمكن للزوار الاطلاع على نتاج أعمال المُقيمين، والتعرّف على تجاربهم الفنية عن قرب، واستكشاف رؤى معاصرة تُبرز حضور الخط العربي وتحوّلاته في المشهد الفني المحلي والعالمي، إذ خضعت هذه الأعمال للتقييم والمتابعة ضِمن مسار فني من القيّم الفني عبد الرحمن الشاهد، ومساعد القيّم الفني ليال القين.

من أعمال المقيمين في «دار القلم» (خاص)

وتتمحور مشروعات المُقيمين حول موضوعات مختلفة؛ فمِن استلهام العمارة المحلّية للمنطقة الغربية وكسوة الكعبة، إلى استكشاف العلاقة بين الحرف والنور، وإعادة قراءة غرائب المرويات وحكايات التراث المحلّي، والتجريب في الخطوط الطباعية الرقمية، وصولاً إلى مقارباتٍ مفاهيمية تُعيد تقديم الخط العربي ضمن سياقاتٍ بصرية جديدة. وتتنوّع الخامات المستخدمة في مشروعاتهم بين الأقمشة والطبقات النسيجية، والورق اليدوي، والأسطح الشفافة، والطباعة اليدوية، إلى جانب الوسائط الرقمية والتقنيات الحديثة، في تجارب تعكس اتّساع آفاق الخط العربي وقدرته على التفاعل مع الفنون المعاصرة.

إقامة «دار القلم» تهدف لإحياء الخط العربي بوصفه رمزاً ثقافياً وحضارياً متجدّداً (خاص)

وكان مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي (دار القلم) قد أعلن أبرز مشروعات المُقيمين المشاركين في النسخة الثانية من «إقامة دار القلم» بجدة التاريخية، وهم: أم كلثوم العلوي، وبدور اليافعي، وبشرى الكبسي، ورفيق الله خان، وزينب السبّاع، وسمية السيّد، وليلى الكاف، ومصطفى العرب، وهند جعفر، ويمنى البهات، والتي تأتي ضمن برنامجٍ إبداعي يمتد لثمانية أسابيع في هذه النسخة من الإقامة الفنية التي أطلقتها المبادرة خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

المقيمون أمام بوابة مدرسة الفلاح بجدة التاريخية (خاص)

وجمعت الإقامةُ عشرةَ فنانين وفنانات من المملكة ودول أخرى، بتخصّصاتٍ متنوّعة شملت الخط العربي الفنون النسيجية، والفنون البصرية، والفن المفاهيمي، والتصميم الطباعي، والعمارة، والتجريب المعاصر، وتضمّنت ورشَ عملٍ تطبيقيةً مكثّفة، وجلسات تقييمٍ فني، وحوارات، وجولاتٍ ميدانية، ولقاءاتٍ مع خبراء، في بيئةٍ فنية محفّزة تُسهم في تطوير التجارب الفردية والجماعية وتعزيز التبادل المعرفي بين المشاركين، وتدعم مساراتهم الإبداعية، وعمل خلالها المشاركون على تطوير مشروعات فنية تستلهم الحرف العربي بوصفه عنصراً بصرياً وثقافياً حيّاً، وقادراً على التحوّل والتجدّد بخاماتٍ وأساليب متعددة.