احتفاء مصري برفع «أبو مينا» من قائمة التراث المُعرّض للخطر

«اليونيسكو» أكدت اكتمال حالة الصون المطلوبة للموقع

منطقة «أبو مينا» الأثرية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
منطقة «أبو مينا» الأثرية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
TT

احتفاء مصري برفع «أبو مينا» من قائمة التراث المُعرّض للخطر

منطقة «أبو مينا» الأثرية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
منطقة «أبو مينا» الأثرية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

احتفى آثاريون مصريون بقرار رفع موقع دير «أبو مينا» الأثري في مدينة برج العرب بالإسكندرية من قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر بـ«اليونيسكو»، وذلك بعد التأكد من اكتمال حالة الصون المطلوبة للموقع.

ووصفت وزارة السياحة والآثار المصرية قرار «اليونيسكو» الجديد بأنه «إنجاز جديد» في مجال حماية وصون التراث الثقافي.

وخلال اجتماعات الدورة الـ47 للجنة التراث العالمي والمنعقدة حالياً بمقر منظمة «اليونيسكو» في العاصمة الفرنسية باريس، تم استعراض التقرير الصادر عن بعثة الرصد التفاعلي المشتركة بين مركز التراث العالمي والمجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) لعام 2025، الذي أشار إلى ما تحقق من تقدم ملحوظ في أعمال الحفاظ والصون بموقع «أبو مينا» الأثري، من أبرزها إنشاء نظام رصد ومراقبة فعّال لاستقرار منسوب المياه الجوفية، الذي أثبت نجاحه من خلال القياسات الدورية المستمرة.

أطلال المدينة القديمة (الشرق الأوسط)

وكانت منطقة «أبو مينا» تعاني من ارتفاع منسوب المياه الجوفية، فقد أدى التوسع في أنشطة استصلاح الأراضي والاعتماد على أساليب الري بالغمر في محيط الموقع، إلى ارتفاع منسوب المياه الجوفية بشكل كبير، مما أثّر سلباً على البنية الأثرية، ونتج عنه إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر في عام 2001، قبل أن تبدأ مصر العمل على مشروع إنقاذ منطقة «أبو مينا» الأثرية منذ نحو 15 عاماً، وتم الانتهاء منه فعلياً منذ أكثر من عام.

ووفق محمد متولي، مدير آثار منطقة الإسكندرية، فإن تجمعات المياه اختفت من المنطقة تماماً، وذلك بعد إنشاء نحو مائة بئر لتجميع المياه الجوفية بعمق 7 أمتار، وطردها عبر مضخات إلى مجارٍ مائية منخفضة بجوار المنطقة الأثرية.

الوفد المصري خلال اجتماعات «اليونيسكو» (الشرق الأوسط)

وأشاد تقرير بعثة الرصد التفاعلي المشتركة، وفق بيان وزعته وزارة السياحة والآثار المصرية مساء الأربعاء بـ«الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة المصرية في تنفيذ التوصيات المطلوبة كافة من قبل في هذا الإطار، مؤكداً على أن حالة الصون المطلوبة لإزالة الموقع من قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر (DSOCR) قد تحققت بالكامل».

واعتمدت لجنة التراث العالمي قرار رفع موقع «أبو مينا» من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، مهنئة الدولة المصرية على هذا الإنجاز المهم الذي يعكس التزامها بحماية وصون تراثها الثقافي، وفقاً للمعايير الدولية.

اكتمال حالة صون منطقة «أبو مينا» (الشرق الأوسط)

وثمّن شريف فتحي وزير السياحة والآثار الجهود التي تمت بالموقع خلال السنوات الماضية لخفض منسوب المياه الجوفية، وترميم العناصر المعمارية الأثرية، وتطوير بعض الخدمات السياحية بالموقع التي أسهمت في رفع هذا الموقع الاستثنائي من قائمة التراث المعرض للخطر، وضمان استدامة مكوناته الأثرية للأجيال المقبلة، بما يتفق مع المعايير الدولية في مجال الحفظ والترميم.

ووفق محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن جهود حماية الموقع شملت تدعيم العناصر الأثرية بالموقع، وإنشاء نظام مراقبة متخصص لضبط واستقرار منسوب المياه الجوفية، وهو النظام الذي أثبت فاعليته من خلال القياسات الدورية المنتظمة، التي أكدتها بعثة الرصد التفاعلي المشتركة هذا العام بين مركز التراث العالمي ومنظمة «ICOMOS».

جانب من زيارة سابقة لمسؤولين مصريين وأجانب للمنطقة الأثرية (الشرق الأوسط)

وأكد إسماعيل أن الدولة المصرية تولي أهمية بالغة لاستدامة هذا النجاح، من خلال مراجعة وتحديث خطة الحفاظ بالتنسيق مع الهيئات الاستشارية، وضمان توفير الموارد اللازمة والدائمة لصون القيمة العالمية الاستثنائية للموقع، بما يشمل تشغيل وصيانة منشآت إدارة المياه الجوفية، مع الالتزام الكامل بإبلاغ مركز التراث العالمي بالمستجدات كافة المتعلقة بالموقع.

وتعد منطقة دير «أبو مينا» أحد أبرز المواقع الأثرية ذات القيمة التاريخية والثقافية الاستثنائية، إذ كانت تُعد المحطة الثانية للحج المسيحي بعد مدينة القدس، وقد تم إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي بمنظمة «اليونيسكو» منذ عام 1979، تقديراً لأهميته الدينية والمعمارية. بحسب الدكتور جمال مصطفى رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية.

يشار إلى أنه تم البدء الفعلي لمشروع خفض منسوب المياه الجوفية عام 2019 بعد الانتهاء من جميع الدراسات اللازمة لتحديد الأسلوب الأمثل للتصميم والتشغيل لمنظومة خفض منسوب المياه الجوفية، وتم تشغيله تجريبياً في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وافتتحه الدكتور خالد العناني وزير السياحة والآثار السابق عام 2022، كما تم تنفيذ أعمال ترميم شاملة للعناصر المعمارية المتبقية بالدير، في خطوة مهمة أسهمت بشكل مباشر في استيفاء متطلبات رفع الموقع من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.

كما احتفي آثاريون من بينهم عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية بقرار «اليونيسكو» وهنأ المسؤولين المصريين بهذا الإنجاز. وطالب عبر حسابه على «فيسبوك» بتكريم كل من أسهم في هذا الإنجاز منذ 2001 وحتى الآن.

وبُنيت مدينة «أبو مينا» المسيحيّة القديمة على قبر الشهيد السكندري مارمينا المتوفّى عام 296 الميلادي، وحافظت على ما فيها من كنيسة وبيت عماد وبازيليك ومؤسسات عامة وشوارع وأديرة ومنازل ومشاغل، وتعرف المنطقة الأثرية بـ«مدينة الرخام» من فرط الرخام المستخدم في إنشائها.

ورغم أن بقايا المدينة لا تعبر بشكل كامل عن هويتها وأهميتها التاريخية، فإن ثمة شواهد أثرية لا تزال محفوظة بشكل جيد رغم تعرضها سابقاً لخطر الانهيار على غرار قبر مارمينا والمعمودية.

وأضاف فتحي خلال جولته التفقدية للموقع في شهر مايو (أيار) الماضي، أنه سوف يجري العمل على وضع خطة للترويج السياحي لاجتذاب الزوار.

قبر مارمينا داخل المنطقة الأثرية (الشرق الأوسط)

ولا تعد منطقة «أبو مينا» مؤهلة راهناً للزيارات السياحية واستقبال الوفود، فرغم وضع علامات إرشادية جديدة على الطرق المؤدية إلى الدير من مدينة الإسكندرية، فإنها تحتاج إلى بنية تحتية قوية لاستيعاب أفواج السياحة الدينية القبطية على غرار الفنادق، وتمهيد الطرق وتوسعتها، وإنشاء مبانٍ خدمية، ويعد دير مارمينا العجائبي الذي يجاور المنطقة الأثرية التاريخية أحد مقدمي الدعم اللوجيستي للموقع.

وتبلغ مساحة المنطقة الأثرية نحو ألف فدان، تغطي النباتات مساحة واسعة منها، ما دفع مسؤولي الترميم للاستعانة بوزارة الزراعة لمعالجتها، لحفظ بقايا المدينة الأثرية.

وتتكون المنطقة من بقايا الأسوار الخارجية والبوابتين الشمالية والغربية، وبعض الشوارع المحاطة بصفوف من الأعمدة التي كانت تحمل أسقفاً، وتوجد بها منازل وحمامات واستراحات خاصة بالزوّار الآتيين إلى المنطقة.

وأظهرت الحفائر مباني يتكون منها المجمع المعماري الضخم لـ«أبو مينا»، هي: البازيليكا الكبرى، وكنيسة المدفن، والمعمودية، ودور الضيافة، والحمام المزدوج (بازيليكا الحمامات)، والحمام الشمالي، والبازيليكا الشمالية، والكنيسة الشرقية، والكنيسة الغربية.

ويمثل موقع «أبو مينا» الذي تم تسجيله في سجلات الآثار المصرية عام 1956 شكلاً فريداً من نوعه في الفترة التي كانت فيها الإسكندرية عاصمة لمصر، ومركزاً للعلم والفنون، وفق وزارة السياحة والآثار المصرية.


مقالات ذات صلة

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

يوميات الشرق ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق وصف البروفسور هاكان أونيز حطام السفينة بأنه «كبسولة زمنية في قاع البحر» (صورة نشرها هاكان أونيز على إنستغرام)

«كبسولة زمنية في قاع البحر»... اكتشاف أقدم حطام سفينة بالعالم قبالة سواحل تركيا

اكتشف علماء آثار حطام سفينة قبالة سواحل تركيا يرجع تاريخها إلى ما بين 4400 و4700 عام أي للعصر البرونزي المبكر

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق نقوش وكتابات هيروغليفية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

كشف أثري فريد يسلط الضوء على عواصم مصر التاريخية بالدلتا

أعاد كشف أثري فريد من نوعه بدلتا مصر تسليط الضوء على عواصم تاريخية قديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

قاد إبلاغ مواطن مصري عن كتلة حجرية تحمل نقوشاً عُثر عليها في قطعة أرض يمتلكها أمام منزله بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، إلى كشف أثري ضخم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (أثينا)

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.