مهرجانات صيدا تعود بـ«لحن كبير»... الفن يصدح من قلب البحر والتاريخ

3 أمسيات تُحيي نبض المدينة وتُنعش ذاكرتها الثقافية والسياحية

تألّف برنامج المهرجان من 3 أمسيات فنية (مهرجانات صيدا)
تألّف برنامج المهرجان من 3 أمسيات فنية (مهرجانات صيدا)
TT

مهرجانات صيدا تعود بـ«لحن كبير»... الفن يصدح من قلب البحر والتاريخ

تألّف برنامج المهرجان من 3 أمسيات فنية (مهرجانات صيدا)
تألّف برنامج المهرجان من 3 أمسيات فنية (مهرجانات صيدا)

في عام 2019، شهدت مدينة صيدا الجنوبية آخر نسخة رسمية من مهرجاناتها الفنية التي تمثلت يومها ببرنامج غني امتد لأكثر من شهر. لكن مع تفاقم الأزمات في البلاد، توقّف تنظيم هذا الحدث السنوي. وفي عام 2023، استطاع الموسيقي غي مانوكيان وحده إحياء حفلة واحدة، شكّلت نسخة خجولة من مهرجان كانت تنتظره صيدا وجوارها عاماً بعد عام.

هذا العام تعود «مهرجانات صيدا الدولية» إلى الواجهة من جديد، لتحجز لها مكاناً على الخريطة السياحية الفنية بعد غياب. ومن قلب المدينة العريقة تحديداً من «خان الإفرنج» المطل على بحر صيدا، أعلنت لجنة مهرجانات المدينة فعاليات الدورة السادسة لها، وذلك برعاية وزارتي السياحة والثقافة وحضور وزيرة السياحة لورا لحود.

نادين كاعين والوزيرة لحود والفنان خليفة خلال إطلاق برنامج المهرجان (مهرجانات صيدا)

يتألّف البرنامج من 3 أمسيات فنية، تبدأ في 6 أغسطس (آب) وتنتهي في 9 منه، حيث يفتتح الفنان غسان صليبا مهرجانات صيدا في 6 أغسطس، بحفل بعنوان «راجعين بلحن كبير». وتطل نانسي عجرم في 7 أغسطس، على أن يختتم الفنان مارسيل خليفة فعاليات المهرجان في 9 من الشهر نفسه.

وتعلّق رئيسة لجنة مهرجانات صيدا، نادين كاعين، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «إنها العودة المنتظرة التي رغبنا في أن تظلّل مدينتنا الجميلة. المهرجان سيزيد من تألق صيدا، ويضفي الفرح والأمل، ويسهم في تحريك العجلة السياحية. فناس صيدا، وتنوعها، ومواقعها الأثرية، وحلوياتها، تستحق منّا خطوة تسهم في تكريمها».

يُقام مهرجان العام الحالي على الواجهة البحرية لمدينة صيدا، وهي جزء من المنطقة التي كانت تشكّل مرفأ المدينة القديم. وتُشكّل قلعة صيدا الأثرية، إلى جانب البحر وجزيرة «الزيرة»، خلفية طبيعية للمهرجان؛ حيث تتعانق العراقة مع نسيم البحر، ويُتوقَّع أن يتّسع المكان لنحو 2000 شخص.

وتوضح نادين كاعين: «نحضّر لهذا الحدث منذ نحو 6 أشهر. اخترنا الموقع بعد دراسات أُجريت على الخرائط، بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة، التي منحتنا الإذن بإقامة المهرجان هناك. بعد ذلك، بدأنا البحث عن الفنانين الذين سيشاركون، فتم التعاون مع (المعهد الوطني العالي للموسيقى)، ممثَّلاً برئيسته، ابنة صيدا، هبة القوّاص. وقد أعجبت بالفكرة، وأسفر اجتماعنا بها عن إنتاج مشترك، يتجلّى بمشاركة الأوركسترا الوطنية الشرقية بقيادة المايسترو أندريه الحاج، وذلك ضمن أمسية لبنانية بامتياز يحييها الفنان غسان صليبا».

لجنة مهرجانات صيدا تعلن برنامج مهرجانها من خان الإفرنج (مهرجانات صيدا)

وعن كيفية اختيار الفنانة نانسي عجرم، توضح كاعين في سياق حديثها: «سبق لنانسي أن شاركت في مهرجانات صيدا (2016). ورأينا أنها اسم مناسب للاحتفاء بعودة المهرجانات إلى المدينة. كانت متعاونة جداً معنا، وكذلك مدير أعمالها جيجي لامارا، الذي لمس إصرارنا على مشاركتها في المهرجان، وعمل على تحقيق ذلك».

أما في الأمسية الأخيرة من المهرجان، التي يحييها الفنان مارسيل خليفة، فستعيش المدينة ليلة لا تُنسى، ينشد خلالها خليفة أجمل أغنياته المعروفة. وتتابع نادين كاعين: «اسم خليفة يرمز إلى الأغنية الأصيلة. وسيصدح صوته على إيقاع أمواج بحر صيدا وعراقة قلعتها، فنمضي معه أمسية غنائية استثنائية يترقّبها أهالي المدينة وجوارها بحماس».

ويواكب فعاليات المهرجان «سوق الأكل»، الذي يُتيح للزوار التمتّع بنكهات المطبخين اللبناني والغربي، ويُخصَّص ركنٌ للأشغال الحرفية المرتبطة بمدينة صيدا، من الصابون البلدي، إلى فن الصدف، والخشبيات، وحياكة القش. ويتضمّن المعرض أيضاً منتجات المونة اللبنانية، وحلويات صيدا المشهورة، منها: «السنيورة» و«الغريبة».

طلاب المعهد الموسيقي الوطني أحيوا حفل الإعلان عن المهرجان (مهرجانات صيدا)

وترى كاعين في هذه الخطوة عودة صيدا إلى الخريطة السياحية اللبنانية. وتوضح في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن المهرجان يستقطب اللبنانيين من مختلف المناطق، ما يُنعش حركة الخدمات السياحية فيها. وتضيف: «سيمضي زوار صيدا أياماً ممتعة في ربوعها، ويتجولون في أزقّتها وشوارعها، كما يمكنهم الإقامة فيها ليلة أو أكثر؛ إذ ستكون بيوت الضيافة والفنادق في المدينة والبلدات المجاورة جاهزة لاستقبالهم. ويمكنهم أيضاً القيام برحلات ضمن إطار السياحة الداخلية، إلى قرى وبلدات ساحلية وجبلية عدّة، من بينها الرميلة وجزين».

«راجعين بلحن كبير» هو الشعار الذي تعتمده كاعين في كل مرة يُسأل فيها عن معنى عودة المهرجان، وتختم حديثها لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «نتمنى أن يكون هذا الحدث جرعة أمل ورجاء لأهلنا في صيدا. فهدفنا لا يقتصر على المحتويين الفني والغنائي، بل نعدّه منصة للقاء ولَمّة لبنانية بامتياز. يأتي اللبنانيون من مختلف المناطق ليشاركوا في هذه الفرحة، وقد تلقيت اتصالات من لبنانيين في كسروان والمتن لحجز أماكنهم في حفل نانسي وغيرها، وهو أمر نعتز به. فصيدا تستقطب الناس من كل لبنان، وبظرف لا يتعدّى 40 دقيقة يمكن الوصول إليها من بيروت، ليقضوا أمسيات فنية مميزة في حضن بحرها المتلألئ بزوارق الصيد، وتحت أنظار قلعتها الأثرية التي يعود تاريخها إلى عام 1228».


مقالات ذات صلة

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

يوميات الشرق فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

خلال حفل الختام الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة انطلاق المسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» بمهرجان «المسرح العربي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)

أساطير عربية وقصص خيالية تنبض بالحياة في الطائف

المهرجان حوّل الأدب إلى تجربة حيَّة تفاعلية، حيث يأخذ الزائر دوراً في عالم الحكاية ويُعايش الشخصيات والقصص بخيالٍ وحواس متعددة.

منى أبو النصر (الطائف)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
يوميات الشرق «فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة.

فيفيان حداد (بيروت)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».