مصر: خبراء يتهمون «الآثار» بـ«المماطلة» في تسجيل المقابر التاريخية

رئيس «لجنة جبانة القاهرة» يؤكد عدم اجتماعها منذ تشكيلها

منطقة الإمام الشافعي بعد هدم مقابر بها (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة الإمام الشافعي بعد هدم مقابر بها (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصر: خبراء يتهمون «الآثار» بـ«المماطلة» في تسجيل المقابر التاريخية

منطقة الإمام الشافعي بعد هدم مقابر بها (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة الإمام الشافعي بعد هدم مقابر بها (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أثارت عملية الهدم الجديدة لمدافن بجبانة القاهرة التاريخية، انتقادات واتهامات للمجلس الأعلى للآثار ووزارة السياحة والآثار، بـ«المماطلة» في تسجيل المقابر التاريخية، لـ«إتاحة الفرصة لهدم كثير منها»، من أجل إنشاء جسور بالمنطقة.

وبدأت أزمة هدم المقابر التاريخية بالقاهرة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2021، حيث أزالت الأجهزة التنفيذية بمحافظة القاهرة عدداً من المقابر بحي الإمام الشافعي، لتنفيذ مشروع لتطوير المنطقة يتضمن إنشاء طرق ومحاور مرورية جديدة، وهو ما أثار جدلاً مجتمعياً وانتقادات واسعة.

السلطات المصرية تسعى لإنشاء جسور جديدة بالمنطقة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ورغم وعد بعض المسؤولين الحكوميين بالتوقف عن عمليات الهدم، لحين صدور تقرير من اللجنة المشكلة لدراسة حالة المدافن التراثية العام الماضي، فإن عمليات الهدم استؤنفت مجدداً، ولم يصدر عن اللجنة المشكلة أي جديد.

الدكتور جمال عبد الرحيم، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بجامعة القاهرة، ورئيس اللجنة العلمية الأثرية الفنية الخاصة بتطوير مقابر القاهرة التاريخية، أكد أن «اللجنة لم تجتمع منذ تشكيلها»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «تم تشكيل اللجنة في مارس (آذار) 2024، لمراجعة تقرير كان من المفترض أن يصدر عن لجنة تم تشكيلها قبلها بشهر، عن المقابر التاريخية والحلول الممكنة للحفاظ عليها، لكننا لم نجتمع منذ تشكيل اللجنة، ولم يطلب منا المجلس الأعلى للآثار أي رأي، ولم نتلقَّ أي تقارير».

مدفن عائلة الدرمللي (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وتضم المنطقة عدداً من المقابر التاريخية، منها جبانات الإمام الشافعي، وباب الوزير، والسيدة نفيسة، وتحوي رفات مئات الشخصيات التاريخية، بجانب أسرة محمد علي باشا، والمنطقة مسجلة من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» موقع تراث عالمياً منذ عام 1979، لما تتمتع به من قيمة تاريخية وتراثية وفنون معمارية فريدة.

جسر جديد سوف يشق طريقه بين الجبانة التراثية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الخبير الأثري الدكتور محمد عبد المقصود، أن «الحكومة تتحايل على القانون، وتتقاعس عن تسجيل المقابر التاريخية آثاراً لتمرير هدمها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «كل المسؤولين طوال السنوات الماضية يبررون عمليات هدم المقابر التاريخية بأنها ليست مسجلة بوصفها آثاراً، على الرغم من أن تسجيلها مسؤولية الحكومة نفسها، وقانون الآثار يلزم الدولة بتسجيلها»، مؤكداً أن «دوامة هدم المقابر التاريخية لن تنتهي، فمن الواضح أن الحكومة ماضية في تنفيذ هدمها لصالح إنشاء طرق ومحاور مرورية، بدعوى تطوير المنطقة»، حسب تعبيره.

وحدد قانون «حماية الآثار» رقم 117 لسنة 1983، عدداً من الشروط لتسجيل الآثار، ونصت المادة الأولى من القانون على أنه «يعدّ أثراً كل عقار أو منقول متى توافرت فيه الشروط التالية: أن يكون نتاجاً للحضارة المصرية أو الحضارات المتعاقبة، أو نتاجاً للفنون أو العلوم أو الآداب أو الأديان التي قامت على أرض مصر منذ عصور ما قبل التاريخ، وحتى ما قبل مائة عام»، وعدّ القانون «رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها في حكم الأثر الذي يتم تسجيله».

مسجد الفلكي بشارع الإمام الشافعي قبل هدمه أخيراً (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ومع تصاعد الانتقادات لعمليات هدم المقابر ومناشدات أطلقها أثريون وشخصيات عامة خلال السنوات الماضية، وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في يونيو (حزيران) 2023، بتشكيل لجنة لتقييم ودراسة نقل المقابر التاريخية، كما وجه السيسي، وفق بيان الرئاسة المصرية حينها، بإنشاء ما يسمى «مقبرة الخالدين» في موقع مناسب، «لتكون صرحاً يضم رفات عظماء ورموز مصر». ولاحقاً، حددت الحكومة موقعاً لإنشاء «مقبرة الخالدين» بمدينة العاشر من رمضان (شرق القاهرة).

مدفن تراثي بالعاصمة المصرية القاهرة يتقاطع مع الطريق الجديد (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأعرب خبراء عن استيائهم من طريقة تعامل وزارة السياحة والآثار مع هذا الملف، واتهموها بـ«المماطلة» لامتناعها عن تسجيل المباني الأثرية والتراثية، وقال الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة «الدفاع عن الحضارة المصرية»، إن «الحكومة تتقاعس وتماطل في تسجيل المقابر التاريخية»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «نقل المقابر التاريخية من مكانها لأي مكان آخر سيمحو ذاكرة المكان، فهذه المقابر جزء من النسق التراثي والمعماري للقاهرة التاريخية».

وأكد أن «التطوير والتنمية ليس مبرراً للنقل، فالأثر أهم من الاستثمار والكباري ومحاور الطرق».

ويرى ريحان أن «نقل المقابر العتيقة سيفسد النسق التراثي للقاهرة التاريخية كلها، ويفقدها شخصيتها»، كما أن «الحكومة المصرية ملتزمة بالحفاظ على هذه المقبرة وفق (اتفاقية التراث العالمي) لعام 1972، وهي اتفاقية تتعلق بحماية مواقع التراث العالمي الثقافية والطبيعية».


مقالات ذات صلة

عرض سدادات مقبرة توت عنخ آمون للمرة الأولى في الأقصر

يوميات الشرق مشهد من مقبرة توت عنخ آمون بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)

عرض سدادات مقبرة توت عنخ آمون للمرة الأولى في الأقصر

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن عرض السدّات الطينية الأصلية لمقبرة الملك توت عنخ آمون لأول مرة منذ اكتشافها عام 1922 خلال افتتاح قاعة «الخبيئة» بالأقصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)

«رسوم سماوية»... جداريات لتوثيق «الدير الأحمر» بصعيد مصر

بدا اختيار «بيت السناري» الأثري، الممتد عمره لأربعة قرون، لاستضافة ومناقشة كتاب «رسوم سماوية - الدير الأحمر الأثري» للدكتورة أمنية صلاح، مرتبطاً بالتراث.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)

مصر: افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما في البر الغربي بالأقصر

أعلنت وزارة السياحة المصرية افتتاح مقبرتي أمنحتب المدعو «رابويا» (TT416) وابنه «ساموت» (TT417)، بمنطقة الخوخة بالبر الغربي بمحافظة الأقصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون 3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: وقف إنشاء مبانٍ بمحيط معبد كلابشة بعد اتهامات بـ«تشويهه»

أصدر وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، قراراً بإيقاف أعمال بناء المنشآت الخدمية في محيط معبد كلابشة بأسوان.

محمد الكفراوي (القاهرة )

صيد سمكة قرش بالقُصير يفجّر جدلاً بيئياً في مصر

صورة متداولة لسمكة القرش في القصير (فيسبوك)
صورة متداولة لسمكة القرش في القصير (فيسبوك)
TT

صيد سمكة قرش بالقُصير يفجّر جدلاً بيئياً في مصر

صورة متداولة لسمكة القرش في القصير (فيسبوك)
صورة متداولة لسمكة القرش في القصير (فيسبوك)

أثار ظهور سمكة قرش بالقرب من أحد شواطئ مدينة القصير بمحافظة البحر الأحمر في مصر حالةً من القلق بين الأهالي، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من المواطنين على الشاطئ.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تكشف اقتراب سمكة القرش من شواطئ مدينة القصير، في حين طاردها بعض الصيادين حتى تمكَّنوا من صيدها. وقد تبيَّن أنَّ السمكة التي بلغ طولها نحو 3 أمتار من نوع «الماكو». وأخطر الأهالي الجهات المختصة، التي قرَّرت إخضاع سمكة القرش للفحص الفني والتشريح العلمي للوقوف بدقة على الأسباب التي دفعتها للاقتراب من الشاطئ بهذا الشكل غير المألوف.

وقد تسبَّب الحادث في إثارة حالة من الجدل بين المختصين، وكذلك بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي حين يرى بعض الخبراء أنَّ ظهور القروش قرب الشاطئ في هذا التوقيت من العام يُعدُّ أمراً طبيعياً، وفقاً لعوامل بيولوجية ومناخية، وأنَّ خروجها من المناطق العميقة للشاطئ جاء بحثاً عن الطعام، أو رغبةً في التزاوج أو وضع الأجنة في بيئة آمنة بعيداً عن المفترسات الأخرى وبعيداً عن التيارات المائية القوية في الأعماق، يرى آخرون أنَّ إقدام الأهالي على اصطياد السمكة جاء بسبب خشيتهم من هجومها على مرتادي الشاطئ، خصوصاً أنَّ المنطقة مكتظة بالسكان ويكثر فيها الأطفال الصغار.

وعلق الدكتور محمود حنفي، أستاذ البيئة البحرية بكلية العلوم في جامعة السويس، قائلاً: «إن التنافس بين الإنسان وتلك المفترسات على المخزون الطبيعي من الأسماك البحرية أدى إلى ندرة الفرائس المناسبة»، مشدداً على أن «البحر الأحمر من البحار الفقيرة، حيث تتجاوز معدلات صيد البشر للأسماك قدرة الأسماك على تجديد أنواعها، ما أوصل المخزون السمكي هناك للحدود الحرجة، وبالتالي لا يتوافر لأسماك القرش غذاء كافٍ».

الأهالي اصطادوا سمكة القرش (فيسبوك)

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تقل موارد الغذاء أمام أي كائن مفترس، يلجأ إلى توسيع نطاق بحثه، وربما الذهاب إلى أماكن لم يعتد الذهاب إليها، كما هي الحال الآن مع خروج سمكة القرش للشاطئ، فنقص الموارد الغذائية يجعلها تنجذب لأي مصدر غذاء».

أما الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن مياه البحر الأحمر هي موئل أسماك القرش، والبشر هم الوافدون عليها، وعليهم مراعاة قوانين هذا الموئل، وبالتالي من المهم رفع الوعي بطبيعة هذه البيئات واحترام قوانينها»، مطالباً بإنشاء الأحواض المائية الشبكية ذات العقد الضيقة التي تُؤمِّن مساحةً مناسبةً وآمنةً للمواطنين والمصطافين دون التعدي على موائل وبيئات تلك الحيوانات.

ورداً على ما يقال بأن القروش لا تعيش إلا في الأعماق داخل البحار والمحيطات، قال علام: «هذا فهم خاطئ، فأسماك القرش لها مسارات ورحلات وموائل تعرفها جيداً، وتتعامل مع مَن يتعدَّى عليها كأنه كائن دخيل عليها»، متسائلاً: «لماذا لا نعثر على أسماك قرش في قناة السويس؟» وأجاب: «لأنها ليست موطنها».

وبينما علق حنفي على قيام بعض الصيادين بصيد سمكة القرش في القصير بقوله: «لا أستطيع أن أجزم بصحة أو خطأ تلك الخطوة»، أوضح أنَّه طبقاً للبروتوكولات العالمية فإنَّ القرش الذي يتسبب في حوادث للبشر يُفضَّل صيده، وهناك ما يُعرَف بـ«القرش المشكلة» الذي يُفضَّل صيده خشية أن يتسبب في قتل أي من مرتادي الشاطئ، موضحاً أن «المنطقة التي وُجِدت بها سمكة القرش ضحلة جداً وغير طبيعية لوجودها، كما أنَّها تُستخدَم بكثافة من قبل المواطنين والأطفال لأنَّها منطقة سكنية».

وأضاف: «عند تشريح الخبراء جسم السمكة، وجدوا أن كبدها لا تزيد على 4.5 كيلوغرام مقابل وزن كامل السمكة الذي يبلغ 160 كيلوغراماً، أي أنَّ نسبة الكبد إلى وزن الجسم لا تزيد على 3 في المائة»، موضحاً أن «النسبة الطبيعية هي بين 10 و12 في المائة، ما يعني أنَّ سمكة القرش كانت في حالة جوع شديد، وليس أدل على ذلك من عدم عثور الخبراء على أي طعام في معدتها أو أمعائها، وهو ما قادها إلى أن تتغذى على جزء من محتوى كبدها، وهو مؤشر محتمل على إمكانية هجومها على البشر بغرض سد جوعها، وربما هذا ما دفع الأهالي إلى اتخاذ قرار صيدها»، مشدداً على أن هذه الحادثة وغيرها من الحوادث السابقة بمنزلة ناقوس خطر على أنَّ هذه القروش في خطر كبير، وعليه يجب اتخاذ الخطوات المطلوبة للتصدي لهذا الخطر.


«شارع الفن»... مبادرة لتحويل شوارع القاهرة إلى منصات مفتوحة للإبداع

من بين عروض «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)
من بين عروض «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

«شارع الفن»... مبادرة لتحويل شوارع القاهرة إلى منصات مفتوحة للإبداع

من بين عروض «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)
من بين عروض «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)

كان مثلث منطقة البورصة وشارع الشريفين بوسط القاهرة على موعد مع عدد من العروض الفنية لتدشين خطة حكومية تهدف إلى جعل شوارع العاصمة المصرية وميادينها منصات فنية وإبداعية، ضمن مبادرة «شارع الفن». شهدت هذه الفعاليات حضور رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وتضمنت مزجاً بين الثقافات العالمية والأصالة المصرية، بما في ذلك فقرات من الباليه العالمي الروسي والإيطالي والإسباني، التي عكست دقة الموهبة والتنوع الثقافي.

كما تضمن البرنامج عزفاً منفرداً، وغناءً جماعياً وفردياً، واستعراضات مثل «التحطيب» و«رقصة التنورة»، بالإضافة إلى مشاركة مسرح العرائس، وعرض 50 لوحة فنية امتدت على طول شارع الشريفين، شاركت بها مبادرة «Art Egypt».

لوحات فنية في شارع الشريفين (رئاسة مجلس الوزراء)

وتأتي مبادرة «شارع الفن» بهدف استغلال الإمكانات المعمارية التي تتميز بها العديد من شوارع مصر وميادينها، وما توفره من عناصر تجعلها منصات فنية مفتوحة؛ حيث تتوالى في إطارها عروض أخرى في شوارع القاهرة الفاطمية، مثل «المعز» و«سور القاهرة الشمالي».

وتستعيد المبادرة صورة القاهرة القديمة، وفق ما يوضح الكاتب محمود التميمي، مؤسس مبادرة «أرواح في المدينة»، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العاصمة المصرية كانت منذ إنشائها مكاناً مفتوحاً للفنون والعروض الموسيقية، وما يؤهلها لذلك ما تتمتع به من خصائص معمارية تجعلها مناسبة لهذا النوع من الأنشطة التي تجذب الجمهور. وقد تجلّت هذه الخصائص، على سبيل المثال، في مسرح التلفزيون المقام على الجانب الآخر من النيل، مقابل مبنى ماسبيرو؛ حيث غنى على خشبته محمد فوزي ومحمد عبد المطلب، إلى جانب كثير من المطربين والمطربات في أعياد الربيع واحتفالات النصر».

عرض للأطفال ضمن مبادرة «شارع الفن» في شارع الشريفين (رئاسة مجلس الوزراء)

الفكرة، وفقاً لرأي محمود التميمي، يمكن أن تكون جاذبة لعدد من فرق المسرح، والفنانين، والمطربين لاستعادة تقليد قديم لصورة القاهرة وشوارعها. وأوضح أن العاصمة كانت «تستقبل فعاليات فنية خلال الحقبة الملكية، من بينها حفلات الزواج الملكي في ميدان عابدين، كما شهدت شوارعها استعراضات فنية قبل ذلك خلال فترة الاحتلال الإنجليزي، فيما عرفت، عقب قيام الثورة، حفلات أم كلثوم في ميدان التحرير».

ودعا رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الذي شاهد الفعاليات خلال جولته في شوارع القاهرة يوم السبت، إلى الاستمرار في تنظيم المبادرات التي تُسهم في جذب السياح، وتعزيز الفن ونشره بين المواطنين، والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية، وفق بيان رئاسة مجلس الوزراء.

ومن ضمن أهداف مبادرة «شارع الفن» إنشاء مركز مختص للدعم الفني والتقني، وتأهيل المبدعين الشباب للعمل الفني الاحترافي، بما يُسهم في اكتشاف المواهب ورعايتها، وتحويل الطاقات الإبداعية إلى قوة داعمة للتنمية والوعي المجتمعي.

وأشار الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، إلى أن المبادرة تُعد ثمرة تفعيل بروتوكول التعاون المشترك بين محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون بوزارة الثقافة، والذي وُقِّع تحت عنوان: «التعاون الفني المشترك ضمن استراتيجية جسور الإبداع»، بهدف إتاحة الفنون واحتضان المواهب في ربوع القاهرة، وتنفيذ عدد من المبادرات النوعية.

التحطيب الصعيدي ضمن فقرات المبادرة (رئاسة مجلس الوزراء)

ولم يغب الجهاز القومي للتنسيق الحضاري عن فعاليات «شارع الفن»، حسب قول محمد أبو سعدة، مدير الجهاز؛ حيث قام بالإشراف وتقديم الدعم الفني والتصميم لمراحل المشروع المختلفة. وتضمنت المرحلة الأولى تطوير شارع الشريفين، من خلال ترميم واجهات العقارات المطلة عليه، وتحسين الأرضيات، وتحويل الشارع إلى ممر للمشاة، في حين تشمل المرحلة الثانية ممر القاضي الفاضل.

أما دور أكاديمية الفنون في المبادرة، فيأتي وفق رئيستها الدكتورة نبيلة حسن، في إطار تنفيذ أهداف «رؤية مصر 2030» لتحقيق التنمية المستدامة وبناء الإنسان المصري. وتشمل جهود الأكاديمية إقامة فعاليات فنية وثقافية متنوعة، مثل الرسم، والعزف، والغناء، والرقص، والرسم على الأرض، وفن عرائس الماريونت، والكاريكاتير، بهدف إتاحة الفنون للجمهور في الفضاءات المفتوحة، والارتقاء بالذوق العام، وتنمية المواهب الشابة، وتفعيل التواصل المباشر مع المواطنين.


«شهرزاد» تشرق مجدداً بموسيقى كورساكوف وتابلوهات «الرقص الحديث»

«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)
«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)
TT

«شهرزاد» تشرق مجدداً بموسيقى كورساكوف وتابلوهات «الرقص الحديث»

«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)
«شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)

عاد صدى الموسيقى الملحمية الأشهر للمؤلف الروسي ريمسكي كورساكوف يتردد في المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، من خلال عرض الرقص المسرحي الحديث «شهرزاد»، لتشرق الراوية الخيالية، وتعيد إلى الأذهان عوالم السحر والخيال والجمال الكامن في حكايات «ألف ليلة وليلة»، ولكن هذه المرة تتحدث بلغة الجسد، وتحكي على إيقاع الموسيقى الكورساكوفية.

عرضا الرقص المسرحي الحديث: «شهرزاد كورساكوف» و«بوليرو رافيل» شهدا حضوراً حاشداً في دار الأوبرا المصرية، على مدى يومَي الخميس والجمعة، وقد أقيما بالتعاون بين فرقة الرقص المسرحي الحديث من تصميم وإخراج وليد عوني، وأوركسترا أوبرا القاهرة، بقيادة المايسترو محمد سعد باشا.

«مسرورة» شخصية مبتكرة ضمن العرض (الشرق الأوسط)

منذ بداية العرض، يتجلى سحر الرقص الشرقي الذي استقبل الجمهور في أزياء تراثية، تحيل إلى الليالي العربية التي سحرت كورساكوف، فقدَّم من وحيها سيمفونيته الشهيرة «شهرزاد» عام 1888. وبموازاة الرقص الشرقي تتبدى خطوط أخرى للرقص التعبيري الحركي الخارج من رحم الحكاية، ليمد خيط السرد على آخره، وينتقل من حكاية لأخرى في الدوائر السحرية لليالي العربية.

البطلان الأساسيان للعرض الأول «شهرزاد» هما: حبيبة سيد في دور «شهرزاد»، ونادر جمال في دور «شهريار»، بينما تتوزع الأدوار الأخرى على بقية الراقصين، فهناك «مسرور» الذي يقوم بدوره مينا ثابت، و«مسرورة» وتقوم بدورها رشا الوكيل، و«شهر زاد القصة 3» وتقوم بدورها فاطمة محسن، و«علاء الدين» الذي يقوم بدوره محمد سمير، و«علي بابا» الذي يقوم بدوره كريم أسامة، وشخصية «جلال الدين الرومي» التي يؤديها باسم مجدي.

مشهد من رقصة «شهرزاد وشهريار» (الشرق الأوسط)

وقد ألَّف كورساكوف رائعته «شهرزاد» بوحي من قراءته لكتاب «ألف ليلة وليلة»، فجاءت جُمَله الموسيقية معبرة عن ولعه بالشرق بأسلوب جذاب ورقيق. ووفق المخرج وليد عوني، فإن «كل ما تسمعه الأذن هو تصوير لما نقرأه أو نراه في مخيلتنا، أو نستنشقه عطراً، أو ننفعل به إيقاعاً عندما نقرأ (ألف ليلة وليلة)، فلم يسبق لأحد أن وصل لمثل هذا التعبير الحسي عن أسطورة (شهرزاد) مثلما قدمها كورساكوف في مؤلَّفه الموسيقي البديع».

عرض «شهرزاد» اعتمد على الرقص الجماعي (الشرق الأوسط)

وبدا التناغم واضحاً بين الرقصات والإضاءة والأزياء المبهرة ذات الطابع التراثي أحياناً والأسطوري في أحيان أخرى، والحديث والمعاصر في أحيان ثالثة، ليقدم لنا مزيجاً إنسانياً حيوياً يتجاوز فكرة الزمان والمكان؛ بل يقفز فوق حدود الواقع والخيال.

ومن بين «التابلوهات» أو الرقصات المميزة واللافتة في العرض، رقصة «المولوية»، وحضور جلال الدين الرومي كشخصية حقيقية يصاحبها موسيقى وغناء خفيف، له طابع مختلف عن مقطوعة «شهرزاد»؛ لكنه يكرس أجواءً روحية ونفسية موغلة في عمق النفس البشرية، تعبِّر عن خباياها وهواجسها وحضورها الحيوي، في إطارها الواسع الممتد عبر الزمن.

جانب من العرض بملابس تراثية تشبه «ألف ليلة وليلة» (الشرق الأوسط)

ويقول الموسيقار محمد سعد باشا، قائد أوركسترا أوبرا القاهرة، إن «التعاون بين أوركسترا أوبرا القاهرة وفرقة الرقص المسرحي الحديث، لم تكن مَرَّته الأولى في عرضَي (شهر زاد) و(بوليرو)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التناغم والتنسيق والترتيب لتقديم العرضين جعلتهما يخرجان بصورة رائعة؛ خصوصاً مع عزف موسيقى كورساكوف وتناغم الرقصات مع إيقاعها، والدمج الذي قام به المخرج وليد عوني بين موسيقى (شهرزاد) وبين مقطوعات موسيقية أخرى قريبة من الحس الصوفي والمولوي».

ولفت باشا إلى أن «مقطوعة (بوليرو) للموسيقار موريس رافيل تعد من أصعب المقطوعات الموسيقية، لكونها مبنية على فكرة النمو التدريجي للموسيقى من الخفوت للوضوح للصوت العالي، وكان تصميم رقصات حديثة عليها أمراً صعباً أيضاً، ولكن في النهاية قُدِّمت بطريقة مبهرة».

لقطة ختامية من عرض «شهرزاد» لكورساكوف وفرقة الرقص المسرحي الحديث بمصر (الشرق الأوسط)

وتعكس مقطوعة «بوليرو» لموريس رافيل فلسفة توظيف الصوت في البناء التدريجي للنغمات التي تقوم على تكرار نمط موسيقي يتطور عبر الزمن، داخل نسيج أوركسترالي متعدد الطبقات، حتى يبلغ حالة من الاكتمال، وفق محمد سعد باشا. و«قد يعكس هذا التكوين التدريجي محاكاة لشعور ما بداخل نفس الإنسان، أو لفكرة بسيطة تتسع لعمل عظيم، أو لتطور الحياة الإنسانية من البساطة إلى التعقيد»، على حد تعبيره.

عرض «بوليرو» لرافيل اعتمد على إيقاع تصاعدي (الشرق الأوسط)

وبدا عرض «بوليرو» كتحية لمصمم الرقصات العالمي موريس بيجار. واعتمد العرض على بطلين، هما ياسمين بدوي وعمرو البطريق، مع 10 راقصين قدَّموا تابلوهات متنوعة تتناغم مع الموسيقى ذات الإيقاع المتشابه المتصاعد، للتعبير حركياً عن قوة اللحن وعلاقته بالمشاعر الإنسانية.

وسبق تقديم «شهرزاد» ضمن عروض فن الرقص الحديث أكثر من مرة، من بينها عام 2000 من بطولة كريمة ثابت ومحمد توفيق، وعام 2002 من بطولة وليد عوني ونانسي تونسي، وعام 2003 من بطولة هاني البورسعيدي وكريمة بدير، كما تم تقديم العرض نفسه من قبل في قلعة حلب بسوريا عام 2005.