الانفصال العاطفيّ... حزنٌ لا مفرّ منه وشفاءٌ لا بدّ منه

المعالجة النفسية ريف رومانوس: الأهمّ عدم تحويل الحزن إلى تعذيب للذات

وفق علم النفس فإنّ الشفاء من الانفصال العاطفي قد يستغرق سنتَين أحياناً (رويترز)
وفق علم النفس فإنّ الشفاء من الانفصال العاطفي قد يستغرق سنتَين أحياناً (رويترز)
TT

الانفصال العاطفيّ... حزنٌ لا مفرّ منه وشفاءٌ لا بدّ منه

وفق علم النفس فإنّ الشفاء من الانفصال العاطفي قد يستغرق سنتَين أحياناً (رويترز)
وفق علم النفس فإنّ الشفاء من الانفصال العاطفي قد يستغرق سنتَين أحياناً (رويترز)

خاضت النجمة العالمية جنيفر لوبيز 8 علاقاتٍ عاطفية جدّيّة حتى اليوم، كان آخرها فصلاً ثانياً جمعها بالممثل بن أفليك. رغم انفصالهما الأليم، فإنّ لوبيز تواصل حياتها وتطلّ بكامل إشراقتها. ربما تخفي تحت هذا البريق حزناً، لكنّ الفنانة الأميركية خرجت من تلك العلاقات الكثيرة بحكمةٍ مفادها: «يجب أن تحب نفسك وتقدّرها وأن تقتنع بأنك تستحق الأفضل. إن لم يحصل ذلك، فلا يمكنك خوض علاقة عاطفية صحية».

قد يبدو الانفصال العاطفي في عالم المشاهير أسهل ممّا هو عليه بالنسبة لمَن ليسوا نجوماً، لكن وفق علم النفس فإنّ «ألم الفراق عابرٌ للبشر، على اختلاف هويّاتهم، ولا مفرّ من أن يصيبهم». هذا ما تؤكّده المعالجة النفسية الدكتورة ريف رومانوس في حوار مع «الشرق الأوسط».

علاقات عاطفية كثيرة خاضتها النجمة جنيفر لوبيز وخرجت منها بقناعة أن حب الذات يأتي قبل حب الآخر (رويترز)

لا تُحوّل الحزن إلى عذاب

ما إن يحصل الانفصال بين شخصَين جمعتهما علاقة عاطفية، حتى تنهمر النصائح من كل حدبٍ وصَوب؛ «احظريه على وسائل التواصل»، «تعرّف إلى فتاةٍ أخرى»، و«اخرجي من المنزل وموّهي عن نفسك»... تتنوّع آراء المقرّبين فيما يؤكد علم النفس «ألّا وصفة سحرية تساعد في التخفيف من الألم».

بعد انفصال المغنية ريهانا عن حبيبها السابق كريس براون، صرّحت في حديث صحافي بأنها شعرت بالضياع وفقدت التماس مع نفسها. وفي نصيحة إلى متابعيها كتبت: «ابكوا إن شئتم لكن اعرفوا أنّ البكاء لن يدوم إلى الأبد».

تتلاقى رومانوس مع هذا التصريح إذ تقول: «من الطبيعي أن نبكي بعد الفراق، غير أنّ هذا لا يعني قضاء اليوم بكامله ونحن نبكي. لا يمكن الهروب من المشاعر والادّعاء بأن كل شيء على ما يرام، لكن الأهم ألّا يتحوّل الوجع إلى عذاب». ويتّخذ تعذيب الذات أشكالاً عدة في هذه الحالات، كأن يتعمّد الشخص تتبّع أخبار شريكه السابق لا سيّما العاطفية منها، أو أن يصرّ على التواصل معه ويُواجَه بالصدّ.

الحزن طبيعي بعد الانفصال لكن لا يجب أن يتحوّل إلى عذاب (رويترز)

متى ينتهي الحِداد؟

التأثّر الذي تتسبّب به نهاية العلاقة العاطفية شبيهٌ بالحِداد على شخصٍ عزيزٍ تُوفّي. لذلك، يجب العبور في مراحل الحِداد الخمس وهي: النكران، والغضب، والمساومة، والحزن، والتقبّل. توضح رومانوس أنّ تلك المراحل النفسية يمكن أن تتداخل وليس ضرورياً أن تسير بالترتيب المتعارف عليه.

يحدث كذلك أن يكون الحِداد قد بدأ قبل الانفصال، أي أن يكون الشريك قد حسم أمره بعدم الاستمرار في العلاقة قبل الانتقال إلى الخطوة العمليّة. وفي هذه الحالة، تخفّ وطأة الحزن. تضيف رومانوس: «أما إذا حصل الانفصال فجأةً، فتكون الصدمة أقسى ويصبح الحداد أصعب».

وفق الدراسات، غالباً ما يستغرق الحداد سنتَين وتكون الأشهر الـ3 الأولى هي الأكثر صعوبةً، ثم يبدأ الشفاء العاطفي التدريجيّ. «أما إذا بدأ الحزن يؤثّر على حياتنا اليومية وأدائنا الوظيفي وصحتنا الجسدية، فيجب طلب المساعدة النفسية»، تنصح رومانوس. وعندما يأتي هذا اليوم الذي نشعر فيه بأن «لا موقف من الشريك السابق سوى الحياد، نكون قد وصلنا إلى مرحلة الاستيعاب والتقبّل، وبالتالي إلى نهاية الحداد».

كيف يختلف ألم الانفصال بين النساء والرجال؟

تلاحظ رومانوس من خلال خبرتها العياديّة أنّ الرجال يشغّلون المنطق في الانفصال، فيما تسيطر العاطفة على النساء، حتى وإن كنّ هنّ من اتّخذن قرار الانفصال. تشرح أنّ ذلك الأمر يعود إلى التربية، «لأنّ الذكور يكبرون على عقلنة المشاعر، في وقتٍ لا تُلام الإناث إن عبّرن عنها أو بكين».

يترافق تشغيل المنطق لدى الرجال مع مَيلٍ إلى التمويه عن الذات، فينتقلون مباشرةً إلى التسلية من دون العبور في الحزن. «لكن لا بدّ من أن يحلّ الحزن لاحقاً وقد يحاول الرجل العودة إلى المرأة، التي تكون قد تخطّت الأمر ودخلت بدورها مرحلة المنطق».

في الانفصال يغلّب الرجال المنطق فيما تغرق النساء في العواطف (رويترز)

نصائح للمساعدة في تخطّي حزن الانفصال

بعد السماح للحزن بالتعبير عن نفسه حسرةً وبكاءً، يمكن البدء بمساعدة الذات على التخطّي. وأوّل ما تنصح به المعالجة النفسية في هذا الإطار هو «العودة إلى الاهتمامات التي تُسعدُنا والقيَم التي تشبهنا، والتي كنا قد تخلّينا عنها خلال العلاقة تماشياً مع اهتمامات الشريك»؛ توضح رومانوس: «إذا كنت قد تخلّيت عن نشاط رياضي أو اجتماعي معيّن، فإنه الوقت المناسب للعودة إليه».

ومما قد يساعد في تخطّي ألم الانفصال عن الحبيب، عدم السعي للتواصل معه، وترتيب لقاءات مع الأصدقاء أو رحلةٍ ما، والتواصل مع أفراد العائلة والأصدقاء، والتعامل مع الذات بلطف واهتمام.

ممّا قد يساعد في تخطّي ألم الانفصال عن الحبيب عدم السعي للتواصل معه (رويترز)

لماذا تقصّ النساء شعرهنّ بعد الانفصال؟

الرجل الأول الذي تلجأ إليه المرأة بعد الانفصال هو في معظم الأحيان مصفف الشَّعر. ففي سلوكٍ مشترك بين الإناث المتعرّضات لصدمة عاطفية، هنّ يعمدن إلى قصّ شعرهنّ. وتكثر الأمثلة عن ذلك حتى في أوساط المشاهير، فهكذا فعلت كلٌّ من سيلينا غوميز بعد انفصالها عن جاستن بيبر عام 2018. أما ديمي لوفاتو، وكيتي بيري، وغوين ستيفاني ففعلن أكثر من ذلك، إذ لم يكتفين بتقصير شعرهنّ بل غيّرن لونه جذرياً.

من بين ردود الفعل النسائية على الانفصال اللجوء إلى قص شعرهنّ

تفسّر رومانوس تلك الظاهرة على أنها ردّة فعل تلقائيّة ومتسرّعة، أوّلاً من أجل أن تثبت الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً لأن جرأة التغيير تمنح جرعة من الثقة بالنفس والطاقة خلال المحنة العاطفية والنفسية. «لكن يبقى الأهم أن يكون الشعر القصير جزءاً من هوية المرأة وألّا تفعل ذلك لمجرّد أن حبيبها السابق كان يحبّه قصيراً».


مقالات ذات صلة

التسويف ليس علامة على «الكسل أو ضعف الإرادة»… كيف تحاربه؟

يوميات الشرق الأسلوب الأمثل للتغلب على التسويف هو استكشاف جذور هذه العادة (بيكسلز)

التسويف ليس علامة على «الكسل أو ضعف الإرادة»… كيف تحاربه؟

كشفت عالمة الأعصاب الدكتورة آن لور لو كونف أن التسويف يُثقل كاهل الكثيرين منا بأعباء عاطفية ونفسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك عندما يترافق الإرهاق مع التشاؤم وانعدام الجدوى يصبح الاكتئاب أمراً متوقعاً (بيكسلز)

من التشاؤم إلى آلام المعدة... علامات خفية تكشف عن إصابتك بالإرهاق

لا يقتصر الإرهاق على الشعور بالتعب الجسدي فقط، بل قد يمتد ليشمل الحالة النفسية، والتركيز، وحتى الصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الممارسة المنتظمة لليوغا تُنمّي اليقظة الذهنية (جامعة ستانفورد)

9 هوايات ممتعة ستعزز ثقتك بنفسك

هل ترغب في الشعور بمزيد من الثقة؟ يقول الخبراء إن هذه الهوايات أثبتت فعاليتها في بناء الثقة مع مرور الوقت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يتعب الأبناء نفسياً فيدفع الآباء الثمن (رويترز)

كسل الأبناء ينعكس اكتئاباً على الآباء

تُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأدلة التي تُشير إلى أنّ أنماط حياة الأطفال قد تؤثّر في الصحة النفسية للآباء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الدراسة الجديدة تؤكد وجود روابط جينية عميقة بين اضطرابات الصحة النفسية (بيكسلز)

دراسة: الاكتئاب والقلق واضطرابات نفسية أخرى قد تشترك في عوامل وراثية واحدة

كشفت دراسة حديثة أن عدداً من الاضطرابات النفسية قد يشترك في عوامل وراثية واحدة، ما يشير إلى أن أجزاء من الحمض النووي قد تمثل السبب الجذري لأكثر من حالة نفسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
TT

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية، الجمعة، شراكةً مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA)، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لكُلّيتَي «التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي» بـ«جامعة الرياض للفنون»، وذلك لتطوير المواهب الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي.

وجرت مراسم التوقيع خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، التي تحمل عنوان «في الحِلّ والترحال»، بحي جاكس في الدرعية؛ إذ مثَّلت الوزارة نهى قطّان، وكيلة الشراكات الوطنية وتنمية القدرات، فيما مثّل الكلية رئيسُها ونائب المستشار البروفسور كريستوف ليندنر.

وستتعاون الكلية مع الجامعة في التصميم المشترك، وتقديم برامج أكاديمية لمرحلتَي البكالوريوس والدراسات العليا، وأخرى تأسيسية، تغطي مجالات العمارة، والتصميم، والتخطيط الحضري.

وتمثّل هذه البرامج جسراً يربط بين الإرث والابتكار، وتسهم في تنمية المواهب الوطنية وتمكينها من أداء دورٍ فاعل في تشكيل البيئات العمرانية ومجالات التصميم، وبناء الكفاءات في الفنون البصرية التقليدية والمعاصرة، ضمن رؤية إبداعية عالمية تنطلق من الهوية الثقافية الفريدة للسعودية.

وتأسست الكلية في لندن عام 1837، وجاءت كأفضل جامعة للفنون والتصميم عالمياً لمدة 11 عاماً متتالية وفق تصنيف «كيو إس» للجامعات حسب التخصص، للأعوام من 2015 حتى 2025، وتُعد من أكثر الجامعات المتخصصة كثافةً في البحث العلمي بالمملكة المتحدة.

وتقدّم الكلية مجموعة واسعة من البرامج في الفنون البصرية، والتصميم، والعمارة، والاتصال، والعلوم الإنسانية عبر كلياتها المختلفة، مع تركيزها على تطوير الكفاءة المهنية، ودفع حدود الممارسة الإبداعية من خلال التعليم والبحث والتعاون العابر للتخصصات.

وتأتي هذه الشراكة ضمن سلسلةٍ من شراكات أكاديمية ومذكرات تفاهم توقّعها «جامعة الرياض للفنون» وكليّاتها مع مؤسساتٍ دولية رائدة، بهدف تصميم البرامج الأكاديمية، وتعزيز التعاون البحثي، وتقديم برامج تعليمية إثرائية في مجالات الثقافة والتنمية.

كان الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، أعلن خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025 عن إطلاق «جامعة الرياض للفنون» في كلمته الافتتاحية بـ«مؤتمر الاستثمار الثقافي»، بوصفها حجر الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي في المملكة.

وتهدف الجامعة إلى تأهيل طلابها بالمعرفة والمهارات والرؤية اللازمة للإسهام في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإبداعي في السعودية، ويُنتظر أن تُعلِن عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بها وكلياتها وشراكاتها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الذي سيُطلق خلال الربع الحالي.


«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.


جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
TT

جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)

مَن يتابع مسلسل «ليل» المُعرّب، لا بد أن يلفته دور «نورس» الذي يؤدّيه الممثّل جو طراد، حاملاً في ملامح وجهه ولغة جسده كل ما يمكن أن يجسّده الشرّ من معانٍ.

ويزيد من تألّقه في هذا الدور، الذي بناه خصيصاً للشخصية، إطلالته بشَعر معقوص وملامح جامدة أقرب إلى «بوكر فايس»، ممّا يرسّخ لدى المتابع صورة الشرير منذ اللحظة الأولى. ويخبر جو طراد «الشرق الأوسط» أنه أدرك، من خلال موقف صادفه أخيراً، مدى تأثُّر الناس بهذا الدور، قائلاً: «كنتُ أسير في شوارع إسطنبول، ولاحظت طفلاً عربياً يحاول الاختباء مني خلف والديه. اقتربتُ منه وتحدّثتُ إليه بلطف، لكنه بقي متسمّراً في مكانه يحدّق بي مردّداً اسم (نورس). وعندما نادت والدته بالاسم نفسه، متفاجئة بلقائي، ضحكت قائلة: (إنك تثير فينا الرعب ونحن نتابعك في مسلسل ليل). وتبيّن لاحقاً أنّ العائلة كويتية في زيارة خاصة إلى إسطنبول».

وبالفعل، يعكس جو طراد أبعاد هذه الشخصية بأداء تمثيلي مُتقن، فيستمتع المُشاهد بكل حلقة يشارك فيها، إذ يتحوَّل «نورس» إلى محور أساسي للأحداث، ويتحكّم بصورة غير مباشرة بمسارها، جاذباً المُشاهد العربي بأسلوبه التمثيلي.

ويعلّق: «لم يسبق أن لعبتُ دوراً يسكنه الشرّ تماماً. قُدّمتُ شخصيات تنزلق نحو الشرّ لأسباب نفسية، لكن مع نورس كان الأمر مختلفاً. هو شخصية تتنقّل بين طباع متناقضة، وتقدّم أكثر من وجه. يُخفي حقيقته المُرّة بمرونة لافتة؛ يكون لطيفاً مع مَن يحتاج إليهم، وقاسياً وظالماً مع آخرين للوصول إلى أهدافه، ممّا يتطلّب الغوص في أعماق هذه الشخصية».

في مسلسل «ليل» يجسّد طراد شخصية «نورس» الشرير (صور الممثل)

ويشير إلى أنّ شخصية «نورس»، رغم عدم ظهورها في جميع حلقات المسلسل، تبقى المحور الأساسي للأحداث، واصفاً إياها بـ«الجوكر» القادر على إقناع الآخرين بأي وجه يتقمّصه.

ويُجسّد جو طراد دوره مستخدماً أدوات تمثيلية متعدّدة، من نبرة صوته إلى حضوره ونظراته، مُسخّراً إياها لخدمة الشخصية. ويقول: «تكمن صعوبة الدور في تقديمه من دون مبالغة، وهو خطأ شائع يقع فيه عدد كبير من الممثلين. لكنني استطعت أخذه إلى مساحة مختلفة، لا تشبه حتى الشخصية الأصلية في المسلسل التركي (ابنة السفير)». ويضيف: «اطّلعتُ سريعاً على بعض حلقات النسخة التركية، وكنتُ مقتنعاً بقدرتي على تقديم (نورس) بشكل أفضل، فقرّرتُ بناء الشخصية بأسلوبي الخاص. أضفت إليها الغموض والقوة، ممّا جعلها أكثر إثارة، وأظهرتُ جانبها العاطفي الخالي من أي مشاعر أو أحاسيس. ومع ضيق الوقت وسرعة التصوير، كان عليَّ تقديم أفضل ما لدي من دون إعادات، اختصاراً للوقت».

يعتب على عدم تقديره من بلده لبنان (صور الممثل)

وعن الحلقات المقبلة، يعد طراد المشاهدين بمفاجآت، مؤكداً أنّ التصوير لا يزال جارياً، وأنّ أحداثاً مفصلية ستتخلّل بقية العمل مُحمَّلة بجرعات عالية من التشويق. أمّا عن نهاية مسلسل «ليل»، وما إذا كانت ستُحدث صدمة شبيهة بتلك التي رافقت نهاية «سلمى»، فيُجيب: «بعد خبرة طويلة في الأعمال المعرّبة، أستطيع القول إنّ (ليل) يسير بإيقاع سريع لا يبعث على الملل. أتابعه شخصياً بحماسة لأنّ إيقاعه جديد ومختلف، وينتمي إلى مدرسة درامية مغايرة. وأنا واثق بأنّ الحلقات المقبلة ستحافظ على هذا المنحى، ممّا سيقود إلى نهاية تشبه العمل وتنسجم مع روحيته وطريقة تنفيذه».

اليوم، ينظر جو طراد إلى الساحة الدرامية اللبنانية من موقع المُراقب، في ظلّ غيابه عنها منذ فترة بسبب إقامته الدائمة في تركيا. وعن ملاحظاته، يقول: «أصفّق للتطوّر الذي تحقّقه الدراما اللبنانية، لا سيما أنني أنتمي إلى هذه العائلة منذ بداياتي. ابتعدتُ أخيراً لانشغالي بعملي في إسطنبول، وصرتُ أرى الأمور من منظور إقليمي أكثر منه محلّياً. لكن عندما أشارك في عمل معرَّب، أكون في موقع تمثيل بلدي لبنان، وانتشار اسمي اليوم يشمل مختلف الدول العربية، حيث يُشار إليّ على أنني ممثل لبناني».

عمَّر طراد شخصية «نورس» بأدواته التمثيلية (صور الممثل)

حتى الآن، صوَّر جو طراد نحو 500 حلقة معرّبة، عبر أدوار متنوّعة. ويقول: «تعبتُ واجتهدت للوصول إلى ما أنا عليه اليوم، وأعتقد أنّ هذا الجهد يستحق التقدير». وعن غياب تكريمه، يوضح: «لا أملك علاقات عامة مع الجهات المنظمة للجوائز تسهم في حضوري لديها، ولديّ عتب على عدم تقديري من بلدي».

وعن استعداده للمشاركة في أعمال درامية محلية، يختم: «سبق أن تعاونت مع شركة (الصبّاح)، ولم تُتح لي الفرصة بعد للعمل مع (إيغل فيلمز). لكن إذا تواصلت معي أي شركة إنتاج لبنانية، فلن أتأخر عن تلبية هذه الرغبة».