بيروت تتألّق بحفلات عيد الحب الرومانسية

من نجومها دي بلازيو وهاني شاكر وعاصي الحلاني

عاصي الحلاني يحيي حفل العيد في منطقة البيال (إنستغرام)
عاصي الحلاني يحيي حفل العيد في منطقة البيال (إنستغرام)
TT

بيروت تتألّق بحفلات عيد الحب الرومانسية

عاصي الحلاني يحيي حفل العيد في منطقة البيال (إنستغرام)
عاصي الحلاني يحيي حفل العيد في منطقة البيال (إنستغرام)

منذ سنوات طويلة تبدّل مشهد الاحتفال بعيد الحب في لبنان. في الماضي القريب كان الأمر يقتصر على موعده في 14 فبراير (شباط) من كل عام، وأحياناً في اليوم الذي يليه، أي في 15 منه. أما اليوم فبات يُحضّر لهذه المناسبة على مدى أسبوع كامل. صار متعارفاً عليه بعبارة «أسبوع الحب» أو «شهر الحب».

وتُطبّق هذه القاعدة حالياً، في لبنان، بحيث تبدأ سهرات هذا العيد في 13 فبراير لتتجاوز 22 منه. وهذا الإجراء من قبل المقاهي والمطاعم يوفّر للبنانيين سهرات بتكلفة أقل. فالاحتفاء بالعيد قبل موعد وصوله، أو بعده بأيام، ينعكس إيجاباً على أسعار البطاقات. ويشير فايز نصر، أحد المسؤولين في مقهى بمنطقة أنطلياس، لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الأسعار عندها تشهد تخفيضاً. «في الأيام التي تسبق عشية العيد تتراوح تكلفة تناول العشاء ضمن سهرة غنائية ما بين 30 و50 دولاراً. في حين ترتفع إلى الضعف وأحياناً أكثر يوم العيد والذي يليه».

لارا حافظ (إنستغرام)

ويُعدّ كازينو لبنان هذه السنة من أماكن السهر التي درست بدقة موضوع أسعار بطاقات السّهر للحفلات. وتقول لارا حافظ، مديرة التسويق في الكازينو: إن الأسعار التي اتبعتها هذه السنة منافسة ومدروسة جيداً. وتتابع : «يُشكّل هذا المكان رمزاً سياحياً مشهوراً في لبنان. لذلك ندأب على استقطاب شرائح لبنانية مختلفة ليتسنّى لها التزود بجرعات فرح بتكلفة مقبولة».

وتوضح لارا حافظ أن إدارة كازينو لبنان تستبعد حالياً تكثيف حفلات النجوم العالميين «إن تكلفة استقدامهم باتت مرتفعة جداً. ولذلك نركّز على إقامة سهرات لفنانين محليين. فهم يتمتعون بجمهورٍ لبناني كبير، وبالتالي فإن استضافتهم لا تكبدنا تكلفة مرتفعة مثل الفنان الأجنبي».

الفنان العالمي دي بلازيو يحيي حفلين في عيد الحب (إنستغرام)

وعلى روزنامة الحفلات التي يشهدها لبنان بمناسبة عيد الحب هذه السنة يحتل كازينو لبنان قسماً كبيراً منها. واختار مجموعة عروض فنية ترضي جميع الأذواق.

ابتداءً من 13 فبراير يستطيع العشاق الاحتفال بالمناسبة مع الفنانَين برونو طبال وألين لحود. يقدّمان أجمل الأغنيات الغربية واللبنانية في كازينو لبنان.

وفي 14 و15 من الشهر نفسه سيكون لمحبي الموسيقي العالمي راوول دي بلازيو فرصة السّهر معه. ويُقدَّم الحفلان بشكلين مختلفين بحيث يمكن لرواد الحفل الأول تناول العشاء خلاله في صالة السفراء في كازينو لبنان. أما أسعار بطاقات حفله الثاني على مسرح الكازينو فتتراوح ما بين 60 و150 دولاراً.

وفي المقابل قررّت إدارة كازينو لبنان تكريم هذا الفنان ضمن حفل خاص تقيمه له في بيروت. وتقول لارا حافظ: «هو من الفنانين العالميين الذين لم يتمسكوا بإحياء الحفلات في لبنان. ورغبنا في تكريمه تقديراً لحبه لبلدنا وحرصه على إحياء سهرات موسيقية فيه».

مروان خوري يمضي المناسبة مع جمهوره في كازينو لبنان (إنستغرام)

ومن الأمسيات الفنية العابقة بالرومانسية يُنظِّم كازينو لبنان حفلاً يحييه كل من مروان خوري وميشال فاضل في 15 فبراير. وتتراوح أسعار البطاقة الواحدة ما بين 125و200 دولار.

وهناك أمسية موسيقية لعازف البيانو بسام شليطا في 18 فبراير. وفي 21 من الشهر نفسه يحيي الفنان كريم الشاعر حفله لتليه كارلا شمعون في 22 منه.

وتشير لارا حافظ إلى أن حفلاً ضخماً لألعاب السِّحر سيشهده كازينو لبنان في 27 و28 فبراير. وتضيف: «كان من المفروض تقديمه في العام الماضي، بيد أن اندلاع الحرب تسبّب في تأجيله. وهو عرض أجنبي يشارك فيه 5 من لاعبي السحر العالميين».

هاني شاكر يلتقي جمهوره في لبنان في 15 فبراير (إنستغرام)

ولأن المناسبة رومانسية بامتياز، فإن أجواء العيد لن تغيب عن أي مكان سهر في العاصمة. ولذلك أطلقت معظم الأماكن برامجها الخاصة لاستقطاب عددٍ كبير من المحتفلين بالعيد.

أما أبرز نجوم هذه الحفلات فيتقدّمها المطرب المصري هاني شاكر. فصاحب لقب «أمير الغناء العربي» ينضمُّ إلى جمهوره اللبناني في عيد الحبّ. ويحيي حفله في 15 فبراير في فندق الحبتور. وتتراوح أسعار بطاقات الدخول ما بين 125 و300 دولار مع تكلفة العشاء. فيما يسبقه الفنان غسان صليبا في ليلة 14 فبراير بحفل غنائي في المكان نفسه.

وسيكون اللبنانيون على موعد مع الفنان عاصي الحلاني بمناسبة عيد الحب في 15 فبراير في «بالمس بيروت» بمنطقة البيال وسط العاصمة. وتتراوح أسعار بطاقات الحفل ما بين 100 و200 دولار. وفي المكان نفسه سيغنِّي كل من جو أشقر في حفل يقيمه في 13 فبراير. وتبلغ تكلفة السهرة للشخص الواحد ما بين 30 و80 دولاراً. وفي حفل ماجد موصللي في 14 فبراير في المكان نفسه، تبلغ تكلفة السَّهرة للشخص الواحد بين 40 و100 دولار. فيما تتراوح أسعار حفل وديع الشيخ في 16 منه بين 30 و100 دولار.

جو أشقر يغني للحب في حفل يقام في منطقة البيال (إنستغرام)

وفي «ضبية فيلادج» تنظّم 10 مقاهٍ ومطاعم حفل عيد الحب مع الفنان هادي ضو في 14 فبراير.

أما مطرب القدود الحلبية محمد خيري فيحيي حفل العيد في 14 فبراير في «أو بيروت». ولمحبي الأصوات الأوبرالية، يمكنهم تمضية سهرة العيد مع الفنان بافو ليلة 14 فبراير في (سيكادا) في جونية.

ولهواة موسيقى الكمان، فهم على موعد مع العازف جهاد عقل الذي يحيي المناسبة في 15 الحالي في فندق «إيقاع» بمنطقة الربوة. ويشاركه كل من الفنانين نقولا الأسطا وكريم الشاعر.


مقالات ذات صلة

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا «قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)

هدية عيد الحب... انهيار «قوس العشاق» في إيطاليا

انهار هيكل صخري شهير على ساحل إيطاليا المطل على البحر الأدرياتيكي كان معروفاً باسم «قوس العشاق»، وذلك في يوم عيد الحب بعد أحوال جوية سيئة استمرت لأيام.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق الالتزام والتقارب عادة ما يصبحان جزءاً أساسياً من العلاقة الزوجية (بكسباي)

ما جوهر الحب... وكيف نحافظ عليه؟

يطل علينا اليوم (السبت) 14 فبراير (شباط) الحالي، عيد الحب. ومع تكرار هذه المناسبة من كل عام، تُطرح العديد من الأسئلة عن جوهر الحب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تكنولوجيا يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)

كيف يصبح «عيد الحب» اختباراً حقيقياً للذكاء الاصطناعي على فهم العملاء؟

«عيد الحب» يختبر دقة خوارزميات التخصيص حيث يكشف تكامل البيانات ضعف أو قوة الذكاء الاصطناعي في فهم العملاء

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق موسيقى فبراير... النصف الأول حبّ والثاني تترات مسلسلات

موسيقى فبراير... النصف الأول حبّ والثاني تترات مسلسلات

تنوّعت إصدارات الشهر ما بين أغانٍ عاطفية احتفت بعيد الحب، وتترات مسلسلات واكبت انطلاقة دراما رمضان 2025.

كريستين حبيب (بيروت)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
TT

المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة اللبنانية رانية الرافعي إن فكرة فيلمها الوثائقي «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» لم تبدأ من قصة محددة، وإنما انطلقت من أسئلة طويلة رافقتها لسنوات حول العلاقة بين الفرد والتاريخ والسياسة، موضحة أن اهتمامها الأساسي كان دائماً منصباً على فهم كيفية تشكّل الإنسان داخل سياقه السياسي والاجتماعي، وكيف تؤثر الأحداث الكبرى في حياة الأفراد ومساراتهم الشخصية.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الإحساس بالانتماء دفعها دائماً إلى التساؤل عن دور الفرد في مواجهة التاريخ، وعن معنى أن يكون الإنسان جزءاً من جماعة تتعرض لتحولات وصدمات متتالية، مشيرة إلى أن سؤال «الممكن» ظل يلاحقها باستمرار، خصوصاً أن جيلها عاش لحظات أمل وتغيير سرعان ما أعقبتها كوارث وانتكاسات، وهو ما جعل فكرة الثورة والتغيير موضوعاً شخصياً بالنسبة إليها، وليس مجرد موضوع سياسي أو نظري.

يقدّم فيلم «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» قراءة سينمائية مركبة لتاريخ مدينة طرابلس اللبنانية، من خلال استعادة خمس محطات مفصلية تمتد من لحظة الاستقلال عام 1943 وصولاً إلى احتجاجات عام 2019. ولا يكتفي الفيلم بتوثيق هذه الأحداث بوصفها وقائع تاريخية متفرقة، بل يحاول تفكيك تداخلاتها وتأثيرها العميق في هوية المدينة وسكانها.

وعُرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وهو حاصل على دعم من «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي»، وينتمي إلى السينما الوثائقية التجريبية التي تبتعد عن السرد التقليدي.

المخرجة اللبنانية خلال عرض الفيلم في برلين (إدارة المهرجان)

وقالت المخرجة اللبنانية إن عودتها إلى مدينة طرابلس شكّلت نقطة تحول مهمة في هذه الرحلة، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية التي شهدها لبنان عام 2019، إذ دفعتها الظروف الاقتصادية والوجودية إلى العودة للعيش في المدينة بعد سنوات طويلة في بيروت وخارج لبنان، مؤكدة أن هذه العودة جعلتها تشعر بالحاجة إلى إعادة اكتشاف المدينة التي كانت قد غادرتها سابقاً، والتي شعرت في مراحل سابقة بأنها كانت تضيق عليها بصفتها امرأة وبصفتها فنانة تحمل أفكاراً تقدمية.

وأوضحت أن عودتها إلى طرابلس أعادت طرح سؤال الهوية والانتماء لديها، وبدأت تبحث من خلال الفيلم عن موقعها الشخصي داخل هذه المدينة، وعن علاقتها بها في هذا الوقت تحديداً، وأدركت بعد إنجاز الفيلم أن طرابلس أصبحت بالنسبة إليها فضاءً أساسياً لصناعة أفلامها المقبلة، سواء كانت وثائقية أو روائية.

وتطرقت رانية إلى تجربة الاحتجاجات اللبنانية عام 2019، مؤكدة أنها عاشت تلك اللحظة عن قرب، ونزلت إلى الشارع مثل كثيرين غيرها، لكنها في الوقت نفسه كانت تفكر في دورها بصفتها مخرجة، وهذا الواقع دفعها بشكل طبيعي إلى العودة للتفكير في تاريخ المدينة ومراحلها المختلفة، خصوصاً أنها تنتمي إلى عائلة ذات خلفية قومية عربية، وكان والدها من المتأثرين بالفكر الناصري.

وأكدت أن علاقتها بوالدها الذي رحل خلال تصويرها الفيلم كانت من أكثر العناصر الشخصية تأثيراً في الفيلم، لأنها كانت تشعر دائماً بأن جيل والدها حمل أحلاماً كبرى، خصوصاً حلم القومية العربية، لكنه تعرّض لاحقاً لسلسلة من الانكسارات السياسية والتاريخية، فوالدها عاش الحرب الأهلية اللبنانية بكل ما حملته من صدمات، لكنه نادراً ما كان يتحدث عن تلك التجارب؛ إذ كان منشغلاً أكثر بتأمين حياة أفضل لأسرته وتعليم أبنائه.

تناول الفيلم مراحل مختلفة في تاريخ طرابلس (الشركة المنتجة)

وأوضحت المخرجة اللبنانية أن هذا الصمت الذي ميّز جيل والدها أثار لديها الكثير من الأسئلة، مؤكدة أنها كانت تشعر دائماً بأن هناك وجعاً كبيراً لم يتم التعبير عنه بالكلمات، لأن الفيلم يحاول الاقتراب من هذه المساحة الصامتة، ومن التساؤل الذي ظل يلاحقها وهو: «ماذا حدث لنا؟ وماذا حدث لذلك الجيل؟».

وأكدت أن الفيلم يتناول أيضاً مسألة الفجوة بين الأجيال؛ لأن هذا التواصل في كثير من الأحيان يبدو مستحيلاً، لكون الأسئلة التي يحملها الجيل الجديد لا تجد دائماً مساحة للحوار مع الجيل السابق، لافتة إلى أن الرسالة الطويلة التي تكتبها لوالدها داخل الفيلم جاءت بعد وفاته، لأن بعض الأسئلة لم يكن من الممكن طرحها عليه في أثناء حياته.

وحول البعد السياسي للفيلم، قالت رانية إن «العمل ليس محايداً»، مؤكدة أنها لا تؤمن أصلاً بفكرة الحياد في السينما؛ لأن أفكارها تميل بوضوح إلى اليسار، لكنها ترى اليسار قبل كل شيء بوصفه «موقفاً أخلاقياً يقوم على الانشغال بالآخرين والسعي لبناء مجتمع يهتم فيه الناس بعضهم ببعض»، على حد تعبيرها.

حصل الفيلم الوثائقي على دعم من إدارة «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وأكدت أن هدفها الأساسي من صناعة الأفلام هو فتح مساحة للتفكير المشترك، فالسينما بالنسبة إليها ليست مجرد وسيلة للتعبير الشخصي، بل محاولة لمدّ اليد إلى الآخرين والدعوة إلى الحوار والتساؤل الجماعي، لافتة إلى أنها تشعر أحياناً بالانزعاج حين تنحصر أفلامها في دائرة المهرجانات السينمائية فقط، لأنها تتمنى أن يشاهدها أيضاً الأشخاص الذين صُوِّرت قصصهم داخل الفيلم.

وعن صعوبة مرحلة المونتاج، أكدت المخرجة اللبنانية أنها كانت المرحلة الأكثر تعقيداً في إنجاز الفيلم، لأن العمل كان يحاول الجمع بين طبقات زمنية متعددة تمتد من أربعينات القرن الماضي حتى اليوم، فالتحدي الأكبر كان يتمثّل في كيفية تركيب هذه الأزمنة المختلفة داخل بنية واحدة تجمع بين التاريخَين الشخصي والعام.

وأوضحت أنها عملت على المونتاج بمفردها، لأنها عادة ما تنتج أفلامها بشكل مستقل، مشيرة إلى أن هذه العملية استغرقت وقتاً طويلاً قبل أن تتمكّن من اكتشاف الخيط الذي يربط بين مختلف عناصر الفيلم، فالعمل الوثائقي غالباً ما يُكتب فعلياً على طاولة المونتاج، حيث تتشكّل المعاني النهائية من خلال ترتيب المواد المصورة وإعادة بنائها.