«مونو» يستحدث مسرحاً لذوي الحاجات الخاصة بمعايير عالمية

جوزيان بولس لـ«الشرق الأوسط»: خطوة تُعدّ الأولى من نوعها في لبنان

تقنيات الوصف الصوتي ولغة الإشارة يُتبعان في العروض المسرحية (مونو)
تقنيات الوصف الصوتي ولغة الإشارة يُتبعان في العروض المسرحية (مونو)
TT

«مونو» يستحدث مسرحاً لذوي الحاجات الخاصة بمعايير عالمية

تقنيات الوصف الصوتي ولغة الإشارة يُتبعان في العروض المسرحية (مونو)
تقنيات الوصف الصوتي ولغة الإشارة يُتبعان في العروض المسرحية (مونو)

تحت عنوان «الوصول والشمولية»، يُطلق مسرح «مونو» في بيروت مشروعاً فنّياً لذوي الحاجات الخاصة؛ من بينهم الصمّ والبكم والمكفوفون، فيوفّر كل التسهيلات التي تسمح لهؤلاء بالتمتّع بالأعمال المسرحية بلغة الإشارة والوصف الصوتي.

الفكرة وُلدت مع مديرة المسرح، جوزيان بولس، خلال مشاركتها في مؤتمر «القيادة للزوار الدوليين» بأميركا، وهو من أبرز برامج وزارة الخارجية الأميركية للتبادل المهني. هناك، وخلال حضورها عرضاً مسرحياً، تناهت إلى مسمعها تمتمة لم تستوعبها بدايةً. تتابع لـ«الشرق الأوسط»: «سألتُ زميلاً لي رافقني في المؤتمر: (لماذا تأتينا هذه التمتمة من الخلف؟). فردَّ بأنها تدخل ضمن تقنية الوصف الصوتي لجمهور يعاني فقدان البصر. عندها قرّرتُ استحداث هذه الخطوة في لبنان، التي تُعدّ الأولى من نوعها في بلدنا».

جوزيان بولس استوحت الفكرة من عرض مسرحي شاهدته في أميركا (حسابها في فيسبوك)

والوصف الصوتي ترجمةٌ كلامية لعناصر العرض المسرحي يؤدّيها التقني المتخصّص. فبعد اطّلاعه على الديكور وحركات الممثّلين والأزياء، ينقلها جميعها بوصف دقيق إلى المكفوف الذي يُزوَّد بسمّاعة لاسلكية بأذنه، توصِل إليه الشرح المطلوب للعمل المسرحي؛ ما يخوّله رسم الصورة الحقيقية لمجرياته، تماماً كما ينقلها المتخصّص.

توضح بولس: «يقترن الوصف الصوتي بجولات على المسرح تسبق العرض؛ نسمّيها جولات اللمس، إذ تسمح للمكفوفين بتكوين فكرة واضحة عمّا يسمعونه من وصف خلال عرض المسرحية».

العروض ستكون متاحة أمام الجمهور العادي وذوي الحاجات الخاصة (مونو)

إضافة إليه، ستُتَّبَع لغة «الترجمة بالإشارة» للصمّ والبكم، فتُكمل: «هنا، نلجأ إلى مجموعة متخصّصين بهذه اللغة ينتشرون في مواقع أساسية على الخشبة؛ مَهمتهم ترجمة حوارات الممثّلين وكلامهم مباشرة خلال العرض. لهذا؛ نتعاون مع ندى سمرا من معهد التأهيل السمعي (IRAP) لتدريب مترجمي لغة الإشارة».

أكثر من 15 مدرّباً للقيام بمَهمّة الوصف الصوتي تستعين بهم جوزيان بولس في مشروعها الجديد. وتوضح: «خضعوا لتدريبات خاصة مع اختصاصية أميركية، وصاروا اليوم جاهزين للقيام بمَهمّتهم على أكمل وجه. ومن المقرّر أن نترجم هذا المشروع على الأرض في مهلة شهر على الأكثر».

الأميركية ماديسون زالوباني هي الاختصاصية بالوصف الصوتي التي اختارتها بولس لتدريب مجموعة من خبراء المسرح في بيروت: «إنها من المتقدّمين في المجال، وأخذت على عاتقها تقديم المعلومات والتدريبات المطلوبة لينجحوا بمَهمتهم. فهي مستشارة إدماج، وممثلة مسرح، وتتمتّع بخلفية غنيّة عن أساليب الوصف الصوتي وتقنياته غير الموجودة في لبنان».

يهدف المشروع إلى توفير متعة المُشاهدة المسرحية للجميع (مونو)

أما للغة الإشارة، فقد جنّدت إدارة المسرح لهذه المَهمّة مجموعة من المتخصّصين: «لن تكون مَهمّتهم شبيهة بتلك التي نراها في نشرات الأخبار التلفزيونية والمؤتمرات. يُتّبع أسلوب خاص لهذه اللغة في فنّ المسرح بمعايير عالمية، وسنستحدثه في مسرحنا ضمن لغة إشارات خاصة».

وعما إذا سيحضر الأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة العروض العامة لأعمال «مونو» مع الجمهور العادي، تجيب بولس: «طبعاً سيتشاركون العمل عينه وبالحماسة والاستيعاب عينهما. ولن يتأثّر باقي الحضور بذلك. بالنسبة إلى الوصف الصوتي، اعتمدنا أماكن خاصة في (ريجيه) المسرح يتموضع فيه المدرّبون. فلا يؤثّرون بشكل أو بآخر على باقي الحضور. فيما يصل الوصف المطلوب للأشخاص المكفوفين عبر سماعات لاسلكية يرتدونها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المتخصّصين بلغة الإشارة. فهم يتواصلون مع الصمّ والبكم في مواقع أساسية بالصالة».

هذه العروض الخاصة يتّبعها مسرح «مونو» أقلّه مرة في الشهر، ضمن فترة تمتدّ من فبراير (شباط) حتى سبتمبر (أيلول) 2025. وتنوي بولس دعوة أكبر عدد من ذوي الحاجات الخاصة إلى «مونو»: «سنحاول تأمين هذه الواحة الفنّية لهواة المسرح بينهم، لا سيما الذين يقطنون خارج بيروت». وتختم: «بهذه الخطوة نكون قد أضفنا إلى (مونو) ميزة تخوّله أن يكون مساحة لقاء لجميع اللبنانيين. فأصحاب الحاجات الخاصة سيحظون بخشبة تُراعي ظروفهم، وتؤمّن لهم مساحة فنّية يتوقون إليها».


مقالات ذات صلة

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.