مهندسون مصريون يحتفلون بـ«المولد النبوي» بمجسّمات تراثية من الخشب

«الحصان» و«العروسة» الأبرز

شخصيات «الليلة الكبيرة» من أعمال الفنانين أسامة عمر ومحمد مسعود (الشرق الأوسط)
شخصيات «الليلة الكبيرة» من أعمال الفنانين أسامة عمر ومحمد مسعود (الشرق الأوسط)
TT

مهندسون مصريون يحتفلون بـ«المولد النبوي» بمجسّمات تراثية من الخشب

شخصيات «الليلة الكبيرة» من أعمال الفنانين أسامة عمر ومحمد مسعود (الشرق الأوسط)
شخصيات «الليلة الكبيرة» من أعمال الفنانين أسامة عمر ومحمد مسعود (الشرق الأوسط)

الفوانيس بأشكالها المختلفة، الأقواس والنجوم والحصان والجَمل، الألعاب والأطعمة الشعبية، الدبابة والعسكري الرافع علامة النصر، هي بعض من نماذج لمجسّمات يدوية مختلفة الأحجام باتت تنتشر في البيوت والشوارع والمراكز التجارية بالقاهرة، في المناسبات والأعياد الدينية والوطنية؛ تعبيراً عن الفرحة وتعزيزاً للأجواء الاحتفالية.

مجسّم لـ«عروسة المولد» بدلاً من الحلوى التي تؤكل (الشرق الأوسط)

وفي «المولد النبوي الشريف» وهو أحد أهم الاحتفالات الإسلامية في مصر، تبرز المجسّمات الخشبية والمنسوجات اليدوية لرموز وأمكنة لطالما ارتبطت بهذه المناسبة، ومنها «عروس المولد» و«الحصان» و«الفارس» والألعاب البهلوانية والمنشدون والمدّاحون، والبيوت المزخرفة، فضلاً عن شخصيات أوبريت «الليلة الكبيرة»، والأرجوحة والألعاب المزدانة بعبارات دينية وألوان مبهجة.

حصان المولد (الشرق الأوسط)

وبسبب الخوف من تلوث الحلوى المصنوعة على شكل حصان أو عروس، بدأت منذ سنوات ظهور «عروسة المولد» وسائر اللعب في صورة جديدة؛ فقد تم صنعها من البلاستيك، وأحياناً يتم استيرادها من الخارج.

ومن هنا استلهم مهندس الديكور أسامة عمر فكرة أحد المشروعات المتخصصة في صنع المجسمات الاحتفالية، وذلك مع شريكه المهندس محمد مسعود؛ حيث يقومان بعمل مجسّمات يدوية من الخشب للعب المولد وغيرها من المناسبات مثل عيدَي الفطر والأضحى، وعيد الأم، ورأس السنة الميلادية، والحج و العمرة، وذكرى انتصار 6 أكتوبر (تشرين الأول)، والاحتفال بمولود جديد، وأعياد الميلاد، أو التخرج.

ويعد عمر المجسّمات الخشبية هي أفضل تطور لصنع العناصر والمفردات الاحتفالية، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كانت اللعب البلاستيكية صناعة الآلة، خالية من الروح والإبداع، كما أنها لا تعكس الهوية المصرية الخالصة، على العكس من المنتجات الخشبية الحرفية المستلهمة من التراث، من حيث العناصر أو التقنيات المستخدمة».

ويتابع: «عندما أقوم بتصميم هذه الأعمال لا أبحث عن مجرد أشكال جمالية مبهجة تسعد الصغار، لكنها رغبة مني في التعبير عن استمرار التزاوج الدائم بين الماضي والحاضر، والتأكيد على حضور التراث واستمرار الجذور بقوة في كل مناحي الحياة، رغم سطوة التكنولوجيا والتطور».

«عروسة المولد» العصرية (الشرق الأوسط)

من جانبهما، قرر الفنانان نقل ذاكرة الماضي إلى وقتنا الحاضر من خلال أعمال فنية مستلهمة من الفلكلور والتراث، واستندا في ذلك إلى دراستهما الأكاديمية في كلية الفنون التطبيقية بالقاهرة، ومعايشتهما بـ«عين الفنان» البيئة المحيطة ومخزونهما البصري وفق المهندس أسامة عمر... «نقدم أعمالاً يدوية بنسبة 100 في المائة ونعتبر أنفسنا قد أسسنا لفن جديد أطلقنا عليه اسم (أرتكاتو)»، بحسب وصف المهندس محمد مسعود الذي يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يتميز هذا الفن باستعادة الفلكلور المصري عبر المزج بين الأساليب التقنية القديمة، والرؤى المعاصرة، والخامات الطبيعية؛ للمحافظة على تراثنا من الاندثار».

مجسّم الأرجوحة من صنع الفنانين أسامة عمر ومحمد مسعود (الشرق الأوسط)

ويستهدف الفنانان مختلف الفئات الاجتماعية في المنطقة العربية، من كل الأعمار، خصوصاً هؤلاء الذين عاصروا الفلكلور أو يتمسكون باستمراره، وهم أيضاً من يحرصون على نقله للأبناء والأحفاد.

ووفق مسعود: «فإنهم يبحثون ويدرسون التصميم بحسب المناسبة، وكيفية ارتباطنا بها عن طريق عاداتنا وتقاليدنا، ومن هنا نبدأ التصميم من البيئة، ثم نكيّفها بخاماتنا وأدواتنا؛ وصولاً إلى شكل وألوان تناسب جميع الأذواق والأعمار، وتكون أصعب مرحلة هي مرحلة وضع اللمسات الأخيرة؛ إذ نعمل عليه بضعة أشهر؛ ليظهر بالصورة المناسبة للجمهور».

تسجل شخصيات أوبريت «الليلة الكبيرة» حضورها دوماً في المناسبات المختلفة، أو هي القاسم المشترك بينها؛ وهو ما يفسره مسعود قائلاً: «المصريون متأثرون بها، ومتعلقون بها للغاية، نستمتع بمشاهدتها من دون ملل؛ لقيمتها الفنية، ولما تثيره من أجواء بهجة وفرحة، وقد اندمجت بصفتها جزءاً سعيداً في الذاكرة الاحتفالية بالمولد النبوي الشريف؛ لذلك نقدم مجسّمات متنوعة مستلهمة منها».

بهجة وفرحة تبثهما شخصيات أوبريت «الليلة الكبيرة» في المولد (الشرق الأوسط)

يستخدم الفنانان في أعمالهما الخشب «الفنلندي»، و«الموسكي»، يقول مسعود: «يقبل الماء على سطحه، وغير ضار عند ملمسه، عكس الخشب المخلط، أو الكارتون المضغوط والطباعة، وغير ذلك»، ويتابع: «كما نستخدم الألوان الأكريليك والفرش من الأنابيب والأقلام، ونضيف طبقة من الورنيش؛ نوعاً من الحماية الكاملة للمنتج».

وفي ورشتها بحي الدرب الأحمر العتيق وسط القاهرة التاريخية، تصنع الفنانة نصرة حسن المجسّمات الخشبية والكليم لرموز احتفالية في المناسبات المختلفة، بأدوات يدوية بسيطة لا تتعدى المقص والمشرط والمسطرة والخيوط والنول والأخشاب، مستلهمة التراث المصري، وتبدو لمن يراها كأنها انتُزعت من قلب البيئة المصرية إلى أرفف العرض في ورشتها.

الفنانة نصرة حسن داخل ورشتها (الشرق الأوسط)

في هذه المجسمات تبرز قدرة الفنانة المصرية على ملامسة التفاصيل العريقة المنسية من تفاصيل فلكلورية ووحدات زخرفية تنضح بعبق الماضي ورائحة التاريخ؛ «حتى تضفي البهجة على الأسرة المصرية على رغم الأزمة الاقتصادية»، على حد تعبيرها.


مقالات ذات صلة

محمد ثروت لـ«الشرق الأوسط»: الغناء الديني في مقدمة أولوياتي

يوميات الشرق ثروت يحيي الجمهور الذي شاركه الغناء بالحفل - (وزارة الثقافة المصرية)

محمد ثروت لـ«الشرق الأوسط»: الغناء الديني في مقدمة أولوياتي

أكد المطرب المصري محمد ثروت أنه تعلق بالمدائح النبوية والإنشاد الديني منذ سنوات نشأته الأولى بمدينة طنطا (دلتا مصر).

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق جلسات ذكر ومدح في المولد النبوي (حساب بوابة الأقصر على «فيسبوك»)

المولد النبوي في مصر... احتفالات شعبية وفلكلورية تقاوم الزمن

ترتبط الكثير من المظاهر الاحتفالية التي يقيمها مصريون في ذكرى المولد النبوي بالمتعة، والبحث عن سبل للفرح والسعادة.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق حلوى المولد تجتذب المصريين بمختلف فئاتهم العمرية ومستوياتهم الاجتماعية (الشرق الأوسط)

 «حلوى المولد»... عادة مصرية تقاوم الغلاء وتداعب «النوستالجيا»

«سمسمية، لوزية، فستقية، حمصية، فولية»... هكذا عدّدت المصرية، نجوى رزق، أصناف «حلوى المولد النبوي»، التي اختارتها ضمن عُلبة تقوم بتجميع مكوناتها بنفسها.

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا ملك المغرب خلال ترؤسه حفلاً دينياً في الرباط (ماب)

ملك المغرب يعفو عن 742 محكوماً بمناسبة ذكرى المولد النبوي

أصدر الملك محمد السادس عفواً عن مجموعة من الأشخاص، منهم المعتقلون والموجودون في حالة سراح بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
يوميات الشرق أضواء تنير القيروان

الأنوار تغمر مدينة القيروان بمناسبة المولد النبوي الشريف

تلألأت الأنوار في مدينة القيروان التونسية في عرض صوتي وضوئي ضخم يحاكي السيرة النبوية العطرة، ليبث مهرجان المولد النبوي الشريف الذي تحتضنه المدينة أجواء روحية راقية بين أكثر من 600 ألف زائر توافدوا من تونس والبلدان العربية المجاورة، وحضروا احتفال هذه السنة بالمولد النبوي. وتواصلت الاحتفالات إلى غاية يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، لتحول المدينة ذات التاريخ الإسلامي العريق إلى عاصمة للمشاعر الدينية والإحساس الروحي الراقي.

المنجي السعيداني (تونس)

فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
TT

فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)

في قلب الطبيعة الساحرة بمدينة العلا، حيث يقام معرض «صحراء X العلا 2026» تتيح تجربة بصرية وفلسفية فريدة لجمهور المتطلعين اكتشاف حكايات الفن والفنانين، وذلك من خلال أعمال 3 فنانين سعوديين مشاركين في نسخة هذا العام، نجحوا في مد جسور بين الماضي والحاضر، وتحويل عناصر البيئة المحلية إلى أيقونات فنية ملهمة.

يقول الفنان السعودي محمد الفرج، الذي يشارك بعمله إلى جانب عملين للراحل محمد السليم والفنانة بسمة فلمبان، إن الفن السعودي امتداد رصين يرسخ الارتباط بين جيل الرواد والشباب من الفنانين السعوديين، من خلال تجاور الأعمال في فضاء طبيعي ملهم مثل العلا، وأضاف الفرج أن جيل البدايات ألهم الأجيال التالية وترك تأثيراً لديهم، كما أن أعمالاً مثل عمل الفنان محمد السليم في معرض «صحراء X العلا 2026» لم يفقد قدرته على الإلهام، رغم مرور عقود على إنجازه، ولا يزال ينطوي على طاقة الإبداع والإلهام.

عمل الفنان الرائد محمد السليم (فنون العلا)

إرث محمد السليم: «الأفقية» تنبثق من الرمال إلى السماء

في لفتة وفاء تاريخية، يحتفي المعرض بإرث الرائد الراحل محمد السليم الذي يعرض لأول مرة مجموعة مختارة من منحوتاته التي صممها لبلدية مدينة الرياض في ثمانينات القرن الماضي وهي من بين مشاريعه الأقل شهرة، التي استوحاها من المناظر الطبيعية الصحراوية، وتتجه كل منحوتة منها نحو السماء، مستخدمةً الهندسة بشكل رمزي، وتُشير الأشواك البلورية في الشوكة الخماسية إلى الحماية والصمود، أما الأوجه الملتوية لوحدة «الشرف»، فترمز إلى المعرفة والفهم والتواصل، بينما تُمثل المثلثات، وهي سلسلة متصاعدة من الأشكال المتشابكة، استعارة للقوة المُجتمعة للثقافات المُتنوعة.

وتحتفي بتلات برعم الزهرة المُتفتحة بالجمال الكامن في الإمكانات الشابة، وقد استُلهمت زخارف النجوم والهلال التي تعلو رمز الأهلّة من خيام البدو وسماء الليل.

وبوصفه أول من أقام معرضاً فنياً في الرياض عام 1967، وأسس دار الفنون السعودية عام 1979، أول دار فنية في الرياض، موفراً بذلك منصة حيوية للفنانين للتجمع وعرض أعمالهم والحصول على مواد كانت نادرة آنذاك، في تجسيد لالتزامه الدائم برعاية الفنانين والمصممين والمهندسين المعماريين، يعود السليم اليوم عبر «صحراء X العلا 2026» ليؤكد أن الرؤية الفنية الأصيلة لا تموت، بل تتجدد مع كل «برعم زهرة» يتفتح في قلب الصحراء.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

بسمة فلمبان: صدى الأنهار القديمة في «همس الحصى»

بلمسة تجريدية ضخمة، تعيد الفنانة بسمة فلمبان قراءة الجيولوجيا التاريخية للعلا، من خلال عملها «همس الحصى» المستوحى من تكليف أصلي لمعرض «صحراء X العلا 2024» بتنسيق مايا الخليل ومارسيلو دانتاس.

وحولت فلمبان الحصى الصغيرة إلى منحوتات جيرية عملاقة تستقر على ألواح فولاذية تعكس أشعة الشمس.

ويسلط العمل الضوء على ظاهرة «التافونية» وتكون التجاويف الصخرية التي تشبه خلايا النحل، تقول بسمة فلمبان: «تحمل هذه الحصى معرفة بأنهارنا القديمة، فهذه الحصى، بشكلها الدائري وأطوالها، تخبرنا عن سرعة تدفق المياه وكيف تحركها الأمواج بعيداً أو بالقرب من أقدامنا، إنها تحمل في طياتها صدىً حيوياً لأرضنا، بتقلباتها وتضاريسها».

واشتهرت الفنانة السعودية فلمبان بأعمالها التركيبية المستوحاة من الهندسة الإسلامية، وقد حوّلت عنصراً جيولوجياً صغيراً إلى تحفة فنية ضخمة. فبينما تستقر حصى عملاقة منحوتة من الحجر الجيري على ألواح فولاذية تشبه أشعة الشمس، تتكون منحدرات العلا الرملية من رواسب غنية بالكوارتز، تراكمت بفعل شبكات الأنهار والدلتا القديمة.

وشكلت هذه المجاري المائية القديمة المشهد الصحراوي الحالي، وتشكلت تجاويف صخرية تشبه خلايا النحل على واجهات الجبال المعروفة باسم «التافونية»، بفعل عوامل التعرية.

وتتسبب عوامل التعرية في سقوط الأجزاء المجوفة، كالحصى، لتشتيت ما كان متماسكاً في السابق.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

محمد الفرج: فلسفة التعايش في «متاهة الحكايات»

ويطل الفنان محمد الفرج بعمل فني يتخذ من الطبيعة شريكاً استراتيجياً. فهو الذي استلهم رؤيته من طفولته في واحات الأحساء، ويرى في النخيل وقنوات الري والتربة أوعية للصمود.

ويقدم الفرج نخلة بديعة وهي ليست مجرد مجسم، بل هي نتاج تلاحم مجموعة أشجار، مستحضراً تقنيات «التطعيم» التي كان يمارسها جده لإطالة عمر الأشجار المحتضرة، من خلال عملية تقليدية تُطيل عمر الجذع، فينمو مُتحداً مع جذعٍ آخر.

يقول الفرج: «هذا التلاحم هو مثال حي على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بوصفه فعلاً أساسياً للبقاء»، ويدعو العمل الزوار للدخول في متاهة تسرد حكايات الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبيئته.

وتقود هذه المتاهة إلى نخلة مميزة مؤلَّفة من أشجار عديدة، ويعكس هذا التلاحم البستاني، بالنسبة إلى الفرج، مثالا حياً على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بشكلٍ طبيعي، وكيف يُعدّ الاعتماد المتبادل فعلاً أساسياً للبقاء.

وبين «تعايش» الفرج، و«ذاكرة» فلمبان، و«أفقية» السليم، يثبت الفن السعودي في العلا أنه ليس مجرد عرض جمالي، بل هو حوار ممتد بين الهوية والأرض، ورسالة للعالم بأن الصحراء كانت ولا تزال مهداً للإبداع والابتكار.


جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.