«أحمد ماطر تذروه الرياح»... 25 عاماً من الفن

قال لـ«الشرق الأوسط»: أقدم في المعرض خلاصة مرحلة وأستعد للمستقبل

أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)
أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)
TT

«أحمد ماطر تذروه الرياح»... 25 عاماً من الفن

أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)
أحمد ماطر أمام أحد أعماله (الفنان)

«أحمد ماطر... تذروه الرياح» في «كريستيز» ليس مجرد معرض لفنان سعودي من أهم فناني جيله، بل هو مراجعة كاملة وسجل لـ25 عاماً مضت من حياة ماطر وعمله، عبّر من خلالها عن نفسه إنساناً وطبيباً، وعبّر عن مجتمع في طور التغير، والأهم من كل ذلك أنه يمكن رؤيته كنظرة على العالم وأحداثه الكبرى من خلال انعكاسها على أعمال الطبيب الشاب الذي بدأ إبداعه في قرية المفتاحة الفنية في مدينة أبها بالسعودية، حيث يكلل السحاب قمم الجبال.

المعرض يفتتح للجمهور يوم 17 من الشهر الحالي، وحالياً تجري استعدادات مكثفة لتحويل جميع مساحات العرض في الدار لتقديم أعمال أحمد ماطر منذ بداياته، حتى الآن، على نحو آخر يقدم العرض مرحلة عمرية لفنان سعودي خرج بفنه من القرية للعالم.

«البرق» (أحمد ماطر)

تذروه الرياح

عند الحديث مع ماطر لا بدَّ من الدخول في ثنايا تفكيره وقراءاته ومشاهداته، كيف يرى العالم، وكيف يعبر عن نفسه لجمهوره أولاً ثم للعالم الخارجي ثانياً.

خلال حوارنا ينساب الحديث، وينتقل من نقطة لأخرى، ومن عمل لعمل، وبحكم أن المعرض يقدم ما يربو على 100 عمل يبدو الحديث وكأنه تسجيل لذاكرة ماطر وممارسته الفنية عبر 25 عاماً. اختار لمعرضه عنوانين، أحدهما بالإنجليزية «Chronicles» يترجم لكلمة سجلات، أما العنوان العربي ففيه الكثير من الطبقات والإيحاءات والمعاني الظاهرة والمبطنة، ويمتد في دلالته المستوحاة من النص الديني ليشمل تغيرات المناخ والطبيعة والنفس البشرية والحضارة.

يقول في بداية حديثه مع «الشرق الأوسط»: «(تذروه الرياح) تعبير جميل أراه قريباً في معناه من العنوان الإنجليزي (Chronicles) ويعني سجلات زمنية. فهو عنوان مرتبط بالزمن وبالتوثيق والتسجيل الثقافي والفني والسياسي وأيضا الديني». تعبير «تذروه الرياح» يذكره أيضاً بكلمات أغنية المغني بوب ديلان «يتطاير مع الريح»، يقول: «أشياء كثيرة تذهب مع الريح، وتذهب مع الزمن، من الذكريات، ومن السجلات، ومن الوثائق، ذهبت مع الزمن، ولكن ما يبقى هو ذاكرة الأشياء. شعرت أن التعبير اللغوي عظيم، فكل شيء سيذهب مع الريح، ومع الوقت».

استوحى عنوانه في الأساس من الآية القرآنية: «وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً» (الكهف، آية 45)، بالنسبة إليه يثير النص فكرة النهاية وأيضاً البداية، «نعم لأني أرى دورة الأشياء، فالهشيم الذي تذروه الرياح ينتقل من مكان لمكان، وقد يكون البداية لشيء جديد».

ثلاثية «مغناطيسية» (الفنان)

كيف يعبر العنوان إذن عن محتويات المعرض والرسالة خلفه؟ يقول: «أرى أنه سيرة زمنية لأعمالي الفنية وقصتي. أردت عرض كل أعمالي السابقة قبل الانتقال لتجربة جديدة».

بشكل ما يعبر المعرض عن الماضي وبتقديمه يكمل ماطر تسجيل وتوثيق مرحلة مهمة من مشواره الفني. يشغله المستقبل بعد ذلك، المستقبل الذي يبدأ الآن.

يتحدث عن مشهد فني متغير في المملكة بتفاؤل وثقة: «هناك متاحف في طور الإنشاء في السعودية، هناك سوق فنية سَتُبْنَى، هناك قصة حوار بين المجتمع والفن». باختصار يرى مرحلة بناء لثقافة جديدة كاملة تشيد حالياً عبر حركة دائبة في مجال الفنون.

لا يرى في عرضه بدار مزادات شهير دلالات تجارية، وهو أمر مهم الإشارة له، فالعرض ليس تجارياً، فهو مجاني ومفتوح للجمهور، وتحت هذا الضوء تصبح «كريستيز» بمقرها بوسط لندن «منصة مهمة»، يضيف: «ليس بالضرورة أن يكون تجارياً، الحديث هذا كان عندما لم يكن لدي مكان لأعرض أعمالي. (كريستيز) بالنسبة إليّ هي منصة تسمح لجمهور من محبي الفن في الشرق والغرب الذي يزور لندن بأن يأتي ويشاهد العرض».

25 عاماً من الفن

المعرض هو الأكبر في تاريخه، وله أهمية خاصة، فهل نرى من خلاله تطور أحمد ماطر وفكره منذ البدايات وحتى الآن؟ وما هو الخط الزمني والبصري لهذا التطور؟

«إضاءات IV» (أحمد ماطر-الهيئة الملكية للعلا)

«هذا التطور يتكلم عن تجربة 25 سنة، فيها رحلة زمنية ورحلة مكانية وجغرافية»، يشير إلى تنقله بين مدن السعودية خلال عمله بالفن «انتقلت من مدينة أبها بمحافظة عسير إلى مكة ثم جدة والمدينة والرياض، حيث أسست مرسماً ضخماً لي بحي جاكس للفنون بالدرعية. هذه رحلة مكانية. وهناك أيضاً رحلة مهنية شهدت الصراع الداخلي بين حياة الطبيب ومستقبلها المالي المضمون وبين حياة الفنان المغامر»، ما يصنع الفرق لأي فنان «مغامر»، حسب ماطر، هو رعاية الدول «الفنون لا تنجح من دون رعاية الدول، يمكن للفن أن يكون مستقلاً في جوهره، ولكنه يجب أن يكون معبراً عن الأمم والحضارات».

الحديث عن عمله طبيباً يأخذنا لنقطة مهمة «يظهر في أعمالك الاعتماد على العلم والتكنولوجيا مثل استخدام الأشعة السينية أو تجربة شذرات الحديد والمغناطيس؟ هل يغلب عليك الجانب العلمي أم الجانب الخلاق والمبتكر؟»، يقول: «التجربة العلمية أعطتني قوة ولغة جديدة في التعبير الفني، أقرب مثال لها هو المغناطيس وهو لغة علمية بحتة لكن النظرة من المتلقين كانت شاعرية جداً، ولهذا أقول إن أعمالي تتناغم بين الشاعرية أو الذاتية وبين الموضوعية العلمية».

من القط العسيري لوادي الفن

ينتقل الحديث عن العرض والقطع المختارة، نعرف أن بعض القطع لم تعرض من قبل منها رسم نفذه أحمد ماطر في مراهقته ورسم من تنفيذ والدته التي اشتهرت بكونها واحدة من أشهر فنانات «القط العسيري»، وهو النقش على الجدران في بيوت منطقة عسير. ولكن يجب القول إن الحديث عن ماطر عادة ما يثير في الذهن صورة أشهر أعماله وهو «مغناطيسية». أشير إلى أن العمل ظل لفترة طويلة مسيطراً على صورة فن أحمد ماطر فهل خرج من دائرة المغناطيسية؟

«كتاب المغناطيسية» (أحمد ماطر)

يقول: «كنت أحاول أن أخرج منها للجديد، والآن وجدت أن الاستمرار هو الحل، في المعرض عمل جديد بعنوان (كتاب المغناطيسية) أعده استمراراً للعمل الأول، وهناك عملان آخران قادمان من السلسلة نفسها».

عمل «كتاب المغناطيسية» يتحدث عن فكرة قداسة الكتاب في تاريخ البشرية، الكتاب كنص مقدس، «بمعنى أعم أرى أن الكتاب أقدم اختراعات تاريخ البشرية لأن الكتاب يحفظ كل الذكريات، وكل القيم من جيل لجيل دائماً، أياً كان. وبالنسبة إلى (كتاب المغناطيسية) الخاص بي فهو يمثل قداسة مختلفة لأي جيل كان ولأي قصة، تأويل العمل مفتوح جداً».

يتحدث عن العمل قائلاً: «كان صعباً جداً رغم أنه يبدو بسيطاً في تكوينه فهو كتاب أبيض وشذرات حديدة مصطفة على الصفحتين المتقابلتين. شذرات الحديد متجهة للأعلى، تعبر عن الإنسان، وكأن الحروف وقفت، تحولت من الشكل الثنائي الأبعاد إلى الثلاثي الأبعاد».

يشير إلى أن العمل ليس الأخير في علاقته بعمل المغناطيسية، ويحضرنا لفيلم قادم يأخذ من شذرات الحديد أبطالاً تتحرك وتتفاعل.

سجل التغيرات والتطور

أقول له: «أعمالك عموماً ارتبطت بالتغيرات في المملكة، فخلال الـ20 سنة الماضية تغيّرت المملكة إلى حد بعيد جداً، لأي أحد يزورها، هل تتبعت ذلك التغيير، وقصدت التعبير عنه؟»، يقول: «في العمل الفني لا يوجد قصد واضح لتتبع شيء معين، صدقيني العمل الفني دائماً فيه جانب شاعري، لكن المهم كيف أتخلص من كل المعطيات، وأعبر عن حياتي على نحو حقيقي، التغيرات جزء كبير من محتوى الحياة اليومية، والفنان مرآة صادقة. والتغيرات في السعودية مهمة جداً لها حضور فكري وثقافي في الوطن العربي، وفي العالم أجمع، في حياتنا المحلية، وبالطبع تسجيلها هو أمر مهم».

أعمال مرتبطة بمشروع «أشهب اللال» ضمن مشروعات «وادي الفن» بالعلا (الهيئة الملكية للعلا)

د. رضا مؤمني منسق المعرض: «ماطر عالمي في محليته»

الدكتور رضا مؤمني، رئيس مجلس إدارة قسم الشرق الأوسط وأفريقيا بـ«كريستيز»، ومنسق العرض، تحدث لـ«الشرق الأوسط» حول تجربة تنسيق عرض يحاول تقديم أحمد ماطر لجمهور متنوع الثقافات في لندن.

بداية أسأله: «كيف استطعت تحديد أولوياتك في هذا العرض والمراحل الأساسية التي أردت إبرازها؟»، يجيب قائلاً: «مبدئياً غصت في أعمال أحمد ماطر لتحديد ما الذي يمكن عرضه. كانت الفكرة أن الجميع يعرفون ماطر عبر أعمال أيقونية مثل (مغناطيسية) و(تطور الإنسان)، لكن بالنسبة إليّ كان الأهم واللافت في أعماله هو قدرته على تطوير أي فكرة بغض النظر عن الحجم والأبعاد، كان دائماً مغامراً، ويجد دائماً حلولاً، وإذا لم يجد حلولاً يقوم بالتعاون مع آخرين للوصول لذلك».

«حدود» (أحمد ماطر)

الهدف الأساسي لمنسق العرض كان، حسب تعبيره، «كيف أنقل وجهة نظر جديدة عن أحمد ماطر للزائر».

يشير إلى أن العرض مقسم على مراحل: «هناك قسم للسنوات الأولى، وفيها عمل له من 1995، وهو رسم منظر طبيعي لأبها. سيكون هناك أيضاً في العرض قسم حول مشروعه المعنون (البقرة الصفراء) الذي يبرز اهتمامه الدائم بفكرة الروحانية التي قادته خلال المراحل المختلفة من أعماله»، يستطرد قائلاً إن خطة العرض تضمنت أيضاً تسجيل اهتمام الفنان بتوثيق «الحالة الإنسانية والتطور الاجتماعي والخريطة الثقافية للمملكة والأحداث الاجتماعية والسياسية في المنطقة، خصوصاً وأنها ولدت لديه ردود فعل فنية، وألهمته بشكل أو بآخر».

يعرج العرض لأعمال شهيرة مثل «مغناطيسية»، ويقدم صوراً فوتوغرافيةً للعمل الأصلي، إضافة إلى آخر إصدارات الفنان في السلسلة نفسها. ويخصص المعرض أيضاً مساحة لمشروع «صحراء فاران». أما الغرفة الكبرى في الدار فستخصص لمجسم ضخم لعمله «أشهب اللال» الذي يقدمه ضمن مشروع «وادي الفن بالعلا».

«هل تتوقع أن يستطيع الزائر الوصول لإحساس بأن الأعمال هنا تدور حول ما هو أبعد من البقعة الجغرافية؟»، يجيب د. مؤمني: «بالفعل فأحمد ماطر يطرح أسئلة عالمية، ولكن يبدأها عبر مكانه المحدد في محليته، كفنان يتحدث عن موضوعات يشعر بها كل فنان في أماكن أخرى في آسيا أو جنوب أميركا أو العالم العربي فهي تتحدث عن الإنسان».


مقالات ذات صلة

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون ليشهدوا على أرضٍ وشعبٍ وذاكرة… ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )

علماء يبحثون عن الصداقة في عالم القروش

سمكة قرش (بيكساباي)
سمكة قرش (بيكساباي)
TT

علماء يبحثون عن الصداقة في عالم القروش

سمكة قرش (بيكساباي)
سمكة قرش (بيكساباي)

اكتسبت القروش البحرية من فصيلة «قرش الثور» سمعة سيئة؛ حيث تنسب إليها مسؤولية مائة هجوم غير مستفز على الأقل ضد البشر، من بينهم 27 ضحية فارقوا الحياة جراء تلك الهجمات، بل وربما تكون مسؤولة عن عدد أكبر من الهجمات التي لم يتم تسجيلها، ولعل الحوادث التي ارتكبتها تلك الفصيلة كانت وراء فكرة الفيلم الشهير «الفك المفترس».

ولكن دراسة أوردتها الدورية العلمية «Animal Behavior» المعنية بدراسة سلوكيات الحيوان وجدت أن هذه القروش، التي يصل طول الواحد منها إلى 12 قدماً، وعادة ما تبدو كما لو كانت تفضل حياة الوحدة، تحرص على تكوين ما يشبه «الصداقة» مع بعض أقرانها، وأنها تختار القروش الأخرى التي تقضي الوقت بصحبتها، بدلاً من مخالطة غيرها بشكل عشوائي.

وتقول ناتاشا ماروسي رئيسة فريق الدراسة مؤسسة مختبر فيجي لدراسة القروش البحرية في بيان: «إننا كبشر نقوم بتكوين سلسلة من العلاقات الاجتماعية المتنوعة، التي تختلف ما بين المعارف إلى الأصدقاء المقربين، كما نتجنب في بعض الأحيان أشخاصاً بأعينهم، وهو ما تفعله القروش من فصيلة قرش الثور».

وعلى مدار ست سنوات، قام الفريق البحثي من جامعتي إكستر ولانكستر في بريطانيا ومختبر فيجي بدراسة سلوكيات انتقاء الأصدقاء لدى القروش، في محمية «شارك ريف مارين» بفيجي.

وتوضح ماروسي أن هذه المحمية «تجتمع فيها أعداد كبيرة من القروش كل عام، مما يتيح الفرصة لدراسة نفس القروش بشكل متكرر على مدار فترة من الوقت».

وراقبت ماروسي وفريق الباحثين 184 قرشاً من فصيلة الثور، في ثلاث فئات عمرية مختلفة، وهي مراحل ما قبل البلوغ ثم البلوغ ثم ما بعد سن التكاثر، مع التركيز على نوعين من السلوكيات، وهي العلاقات واسعة النطاق التي تحافظ فيها القروش على مسافة طول جسم كامل بعضها من بعض، ثم التفاعلات القريبة، حيث يقود أحد القروش مجموعة من القروش خلفه أو عندما تتحرك مجموعة من القروش معاً بشكل متوازٍ.

ووجد الباحثون أن العلاقات الاجتماعية تشيع بين القروش في سن البلوغ، وأن القروش في معظم الأحيان تتفاعل اجتماعياً من أقرانها التي تتماثل معها في الحجم.

ويقول دارين كروفت خبير علم البيئة السلوكي بجامعة إكستر إنه «على خلاف الاعتقاد السائد؛ فقد أظهرت هذه الدراسة أن القروش تعيش حياة اجتماعية ثرية ومركبة، بل إنها تحقق على الأرجح فوائد من خوض حياة اجتماعية مثل اكتساب مهارات جديدة والعثور على موارد الغذاء، وتوسيع فرص التزاوج وتجنب المواجهات مع أقرانها».

واكتشف الفريق البحثي أيضاً أن القروش من الجنسين تفضل مخالطة الإناث على الذكور، وإن كان الذكور أكثر رغبة في التواصل الاجتماعي مقارنة بالإناث في المتوسط. وذكرت ماروسي أن «ذكور قرش الثور تكون أصغر من حيث البنية الجسمانية من الإناث، وبالتالي فمن بين الفوائد التي تحصل عليها من مخالطة الإناث أنها تحمي نفسها من مواجهات مع قروش أخرى أكبر حجما».

أما من حيث الفئات العمرية؛ فقد تبين أن القروش البالغة هي الأكثر حرصاً على إقامة روابط اجتماعية، في حين أن القروش صغيرة السن أو التي تقدَّم بها العمر عادة ما تكون أقل حرصاً على العلاقات الاجتماعية.

وتقول ماروسي في تصريحات للموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» المتخصص في الأبحاث العلمية إن «القروش الأكبر سناً لديها سنوات طويلة من الخبرة، مما أتاح لها أن تصقل مهاراتها في الصيد والتزاوج وغير ذلك. وبالتالي، فإن المخالطة الاجتماعية بالنسبة لها ليست بنفس القدر من الأهمية من أجل بقائها مقارنةً بالقروش التي ما زالت في ريعان الشباب».

وأشارت الباحثة إلى القروش المتقدمة في السن نادراً ما تتردد على المحمية وتفضل الوجود في مناطق قريبة من الشواطئ. أما القروش صغيرة السن، فهي عادة ما توجَد قرب مصبات الأنهار في فيجي.

ويقول الباحثون إنه في مراحل العمر المبكرة، لا تهتم القروش عادة بتجنب الضواري الأخرى أو التهديدات التي تشكلها قروش الثور البالغة الأكبر حجماً.

وتوضح ماروسي أن القروش اليافعة أحياناً تقيم علاقات اجتماعية مع أقران لها أكبر سناً، وتوضح أن القروش الكبيرة ربما تساعد في تسهيل دخول القرش اليافع في إطار شبكة العلاقات الاجتماعية، وتمهِّد لها الطريق لاكتساب مهارات اجتماعية مختلفة. وبمعنى آخر، فإن القروش الكبيرة في السن تمثل البوابة التي تعبر منها القروش اليافعة إلى شبكات العلاقات الاجتماعية في عالم القروش.

ويرى العلماء أن فهم طريقة تكوين العلاقات والروابط الاجتماعية في عالم القروش ربما يساعد في وضع نظم وسياسات تساهم في الحفاظ على هذه الأنواع.

ويعمل مختبر فيجي للقروش حاليا بالتعاون مع وزارة المصايد البحرية في فيجي للاستفادة من المعلومات التي خلصت إليها هذه الدراسة في جهود حماية القروش.

ويقول الباحثون إنه مثلما تحتاج قروش الثور إلى أصدقاء من أجل البقاء والحفاظ على حياتها في عالم البحار، فإنها ربما تحتاج أيضاً إلى أصدقاء من البشر لحماية المواطن التي تعيش فيها.


اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».