«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

يستضيفه معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية حتى 23 أغسطس

قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)
قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)
TT

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)
قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

كان لبنان حاضراً، الاثنين، بقوة في باريس. واللبنانيون، أكانوا رسميين أو غير رسميين، تواعدوا في معهد العالم العربي. والمناسبة: افتتاح معرض «بيبلوس (جبيل) مدينة لبنانية عريقة منذ آلاف السنوات».

وزاد من الضغوط البروتوكولية والأمنية حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في تدشين المعرض، مع وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، ورئيسة المعهد الجديدة آن كلير لو جاندر، ووزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، الذي زار لبنان الأسبوع الماضي، ووزيرة الثقافة الفرنسية كاترين بيغارد، وسفير لبنان في فرنسا ربيع الشاعر، ومندوبة لبنان لدى «اليونيسكو» هند درويش، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، ورئيسي بلدية جبيل الحالي والسابق جوزيف الشامي وزياد حواط، ومدير عام «اليونيسكو» خالد العناني، ومندوب الجامعة العربية في باريس ناجي أبي عاصي، إلى جانب غالبية السفراء العرب لدى فرنسا، والمندوبين لدى «اليونيسكو»، وممثلي المتاحف والمعاهد الثقافية، فضلاً عن حضور إعلامي استثنائي وكثير من المدعوات والمدعوين الذين ضاقت بهم قاعة المجلس الأعلى في المعهد وشرفه وساحاته... وتُعدّ إقامة المعرض، في هذا الوقت تحديداً، فعل تضامن فرنسي مع لبنان، وهو ما أشار إليه ماكرون وأكّده في كلمته. وبعد انتهائها، أمضى وقتاً طويلاً في مصافحة العشرات من المسؤولين والشخصيات اللبنانية التي يعرفها ولا يعرفها.

ماكرون يصافح لو جاندر بحضور غسان سلامة (أ.ب)

وإذا كان هذا الجمع الغفير قد تجمهر في المعهد، فليس فقط لأن معرضاً مخصّصاً لإحدى أقدم مدن العالم رأى أخيراً النور وسط تحديات لا تُقارن، بل خصوصاً لأنه يُشكّل نقطة ضوء في نفق مظلم يجتازه لبنان.

وكم كانت المفارقة لافتة بين حالة وطن هُجِّر أكثر من مليون شخص من أبنائه من منازلهم، وهُدم عدد منها، وأعداد ضحاياه بالآلاف، وبين هذه الجمهرة الثقافية - الفنية التي تعيد إلى الذاكرة أنّ للبنان فضلاً على الحضارة البشرية، وأنه قدَّم لها الحرف والكتابة، وأنّ مدناً مثل بيبلوس وصور وصيدا (صيدون)، والشاطئ الفينيقي بشكل عام، أسهمت في دفع هذه البشرية إلى الأمام، بفضل تاريخها الذي يعود إلى نحو 7000 عام قبل الميلاد، وكانت على تواصل مع العالم المتوسّطي والأفريقي والآسيوي، وأنّ بواخرها لم تكن فقط للتجارة، وإنما لنشر الحرف ودفع التقدُّم والمعرفة إلى الأمام.

لافتة «أعمال فنية حُجبت بسبب الحرب» ضمن المعرض (رويترز)

في هذا السياق، لخَّصت رئيسة المعهد آن كلير لو جاندر أهمية المعرض بقولها إنه «يحمل شحنة رمزية عميقة»، وهو «صرخة مقاومة في وجه الدمار، وكذلك في وجه النسيان، إذ يذكّر بأنّ لبنان لا يُختزل في صراعاته، بل هو وريث أحد أقدم تواريخ البشرية وأغناها».

بدورها، تقول المديرة المسؤولة عن موقع بيبلوس (جبيل) الأثري، تانيا زافن، خلال سردها تاريخية المعرض وأهميته، إنّ لبنان لا يستحق ما يحدث له: «هناك محاولة لاقتلاعنا وتدمير تراثنا الثقافي والطبيعي.

نخشى أن نصبح مثل غزة. الصمت الذي يحيط بلبنان قاسٍ ومدوٍّ». وإزاء المعروض في الطابقين الأول والثاني من معهد العالم العربي، من الجرار والتعاويذ والفؤوس المزخرفة بزخارف حيوانية والحُليّ الذهبية المعروضة، فإن ذلك كلّه، وفق المسؤولة الثقافية اللبنانية، «لم يعد مجرّد بقايا أثرية. إنها تروي الماضي والحاضر معاً، وتحمل رسالة بلد صغير بعظمة تاريخه، يرزح تحت القصف، لكنه يتمسَّك بعناد بذاكرته وهويته». وتؤكد تانيا زافن: «بالنسبة إلينا، هذا المعرض مقاومة ثقافية».

الرئيس ماكرون يصافح عدداً كبيراً من الحاضرين بينهم لبنانيون (أ.ف.ب)

ويضمّ المعرض المستمرّ حتى 23 أغسطس (آب) المقبل، نحو 400 قطعة أثرية، غالبيتها جاءت من المتحف الوطني اللبناني، وبعضها يخرج من لبنان للمرة الأولى، تُضاف إليها مجموعة من القطع المعارة من متحف اللوفر في باريس.

وقال المدير العام للآثار في وزارة الثقافة اللبنانية، سركيس الخوري، الذي أشرف على نقل شحنتين من الأعمال الفنية من بيروت إلى باريس في شباط (فبراير) الماضي، إنّ «الاستعدادات كانت مليئة بالتحدّيات».

وقد أُلغيت شحنة ثالثة في أوائل آذار (مارس)، بسبب الأوضاع الأمنية التي تسبَّبت بتأجيل المعرض من عام 2024 إلى الشهر الحالي. كذلك، فإن نحو 20 مرساة حجرية ولوحة فسيفساء كبيرة وصلت بسلام قبل أيام من افتتاحه. وأشادت آن كلير لو جاندر، التي خلفت جاك لانغ في هذا المنصب الشهر الماضي، بالمعرض المُقام «بشجاعة كبيرة رغم القصف»

ووفق سركيس الخوري، فإنّ وضع ثروة الآثار في لبنان مقلق جداً، إذ إنّ مواقع عدّة مُدرَجة على قائمة «اليونيسكو» باتت اليوم في خطر، خصوصاً في جنوب لبنان حيث دُمِّرت قرى بأكملها حاملة معها ليس فقط المباني، وإنما أيضاً المشاهد الثقافية التي تشكّلت عبر آلاف السنوات.

ويُنبّه الخوري إلى أنّ المواقع الأثرية التي لا يزال بعضها مدفوناً قد تختفي قبل حتى أن تُدرس، ممّا يجعل الحفاظ على هذا التراث مهمّة عاجلة تكاد تكون يائسة. ورغم أنّ معظم القطع وصلت، فضَّل لبنان الاحتفاظ بسبع قطع شديدة القيمة، من بينها مسلّة منقوشة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.

وقد جرى التعبير عن هذا الغياب بطريقة رمزية، فتُركت المنصة المخصَّصة لها فارغة، مع عرض صورة فوتوغرافية قديمة لها بدلاً منها. بالمقابل، وصلت القطعة الكبرى، وهي فسيفساء رومانية يزيد طولها على مترين تمثّل «اختطاف أوروبا»، إذ شُحنت بحراً ووصلت إلى لوهافر قبل أن تُنقل إلى المعهد.

ماكرون يلقي كلمته في افتتاح معرض «بيبلوس» بمعهد العالم العربي (أ.ف.ب)

ومنذ بدء التنقيبات فيها عام 1860، لم تتوقَّف بيبلوس، المُشتقّ اسمها من اليونانية «بيب لوس» التي تعني ورق البردي (بابيروس)، الواقعة على مسافة 38 كيلومتراً شمال بيروت، عن إدهاش العالم بفضل اكتشافات كبرى، كان آخرها عام 2019، حين عُثر على مقبرة واسعة تعود إلى 4 آلاف عام.

وكان لبيبلوس، تاريخياً، إلى جانب دورها الثقافي، دور محوري في تاريخ البحر المتوسّط. فمنذ العصور القديمة، ربطت سواحل المشرق بمصر وبلاد الرافدين بالعالم الإيجي، وأسهمت بشكل حاسم في انتشار الأبجدية الفينيقية.

وتوضح مسؤولة المعارض في المعهد إلودي بوفار: «كانت بيبلوس أقوى مدينة ساحلية في العصر البرونزي. ومن هناك انطلقت تجارة خشب الأرز، الضروري للسفن الجنائزية كما للقصور والمعابد».

كما كانت أيضاً على تواصل وثيق مع مصر الفرعونية، ويضمّ المعرض مجموعة من المراسلات المنحوتة على الحجر التي تُبيّن قوة هذه العلاقة.

وفي الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»، إذ إنه «ضدّ الحرب» التي عقَّدت وصول عدد كبير من الأعمال المعروضة في باريس.

وأضاف أنه «في زمن الشقاق الديني، وفيما يسعى البعض لدفعنا نحو حروب متصاعدة، وفي وقت يحاول آخرون إقناعنا بأنّ الأمن لا يتحقق إلا بغزو الجار الذي نخشاه، يذكّرنا لبنان بأمر واحد: قوة العالمية. أي قوة القانون الدولي».


مقالات ذات صلة

منحوتات عصام درويش تعيد تشكيل جماليات الريف المصري

يوميات الشرق معرض «أصلي مصري» يرصد حياة القرية (الشرق الأوسط)

منحوتات عصام درويش تعيد تشكيل جماليات الريف المصري

يضم معرض «أصلي مصري» للفنان عصام درويش 55 عملاً تستعيد حياة الفلاحين والفلاحات في الريف المصري.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق تُخفي الموجة في زرقتها سيرةَ احتراق (الشرق الأوسط)

جان بوغوصيان يرسم بالنار ما يبقى بعد الاحتراق

الخشب الذي احتاج إلى سنوات طويلة لينمو، يستطيع الفنان تغيير مظهره خلال وقت قصير...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق معرض ويليام موريس ببلدية والتام فورست في لندن (معرض ويليام موريس)

كيت فولكنر... فنانة بريطانية تخرج من ظل ويليام موريس بعد أكثر من قرن

معرض في كامبردج يسلِّط الضوء على إسهاماتها في تصميم ورق الجدران والأقمشة، ويعيد الاعتبار إلى دورها في نجاح شركة «موريس وشركاه».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

في معرضه الأحدث الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
TT

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)

بعد مواعدة شخص ما لفترة من الوقت، قد تصل إلى نقطة تشعر فيها أن الأمور مختلفة. ربما تشعر بمزيد من عدم الأمان أو القلق، أو أنك لم تعد تنظر إلى المستقبل بأي ثقة، وتعد هذه الأمور دلائل على أن العلاقة الرومانسية تقترب من نهايتها، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية.

فما علامات فتور العلاقة الرومانسية وفقاً للأبحاث؟

اكتشاف الانفصال عن العلاقة

استكشفت دراسة أجريت عام 2025 كيفية اكتشاف الانفصال العاطفي من خلال دراسة نماذج التعلم الآلي التي تمكنت من تحديد المؤشرات السلوكية والنفسية المتعلقة بالتواصل بدقة.

ومن خلال دراسة 156 زوجاً كندياً، وجدوا أن أفضل مؤشر للانفصال العاطفي هو الانسحاب العاطفي، يليه اندثار السلوكيات الداعمة اليومية، وانخفاض الاستجابة للتواصل، وتجنب الارتباط، وتكرار الصراع.

ويشير اكتشاف الانفصال عن العلاقة العاطفية، أو ما يُعرف بـ«الانفصال النفسي والعاطفي»، إلى المرحلة التي يبدأ فيها أحد الشريكين أو كلاهما بالانسحاب تدريجياً من العلاقة قبل حدوث الانفصال الفعلي.

وغالباً ما تبدأ هذه العملية بشكل غير واعٍ، وتظهر على شكل علامات سلوكية ونفسية واضحة. ومن أبرز علامات الانفصال العاطفي: التباعد في التواصل وتناقص الحديث اليومي، البرود العاطفي وغياب مظاهر المودة، زيادة المشاحنات أو الصمت التام، قضاء وقت أطول خارج العلاقة، غياب الخطط المستقبلية.

الاعتراف بتلاشي العلاقة

الاعتراف بتلاشي العلاقة هو أحد أصعب مراحل العلاقة العاطفية. وهناك عدة علامات تدل على تلاشي العلاقة بالفعل، منها: غياب التواصل الحقيقي والتحول من الأحاديث العميقة إلى الإجابات المقتضبة والروتينية، تلاشي الشغف والاهتمام واختفاء الرغبة في قضاء الوقت معاً، انخفاض الدعم اليومي، كثرة الخلافات التافهة أو الصمت التام، وأخيراً، التخطيط للمستقبل من دون الطرف الآخر.

ووفق «سيكولوجي توادي»، فإن الانفصال يحدث تدريجياً، حيث يمكن رصد العلامات المبكرة من خلال تراجع التعبير عن التعاطف، وزيادة التجنب، وانخفاض الحضور والانخراط في العلاقة.

ويشير الموقع إلى أهمية إدراك علامات قرب انهيار العلاقة في وقت مبكر، بما يتيح الوقت الكافي لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت العلاقة تستحق الإنقاذ أم لا.


نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
TT

نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)

كانت رحلة عادية بالقطار إلى العمل عندما ارتكب الموظف الحكومي البريطاني ريتشارد جاكسون أكبر خطأ في حياته. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه خطأه، كان الأوان قد فات. لقد نسي وثائق حكومية سرية للغاية في القطار.

وأصبح الخطأ الذي وقع في جزء من الثانية «خبراً وطنياً»، ودخلت حياة جاكسون في حالة من الاضطراب. «لقد نهشه العار والذل»، وفق ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وبعد مرور ما يقرب من 20 عاماً، روى جاكسون تفاصيل هذا اليوم المشؤوم وتداعياته، وتحدث إلى إذاعة «بي بي سي 4»، مؤكداً أن ما حدث له يعد دليلاً على أنه حتى عندما ترتكب أسوأ خطأ، يمكنك إعادة بناء حياتك.

قبل أن تنهار حياته، كان جاكسون يبلغ من العمر 37 عاماً ويعيش في هامبشاير مع زوجته مادي وابنة زوجته شارلوت (15 عاماً). وكانت ابنة زوجته الأخرى بيكي (20 عاماً) في الجامعة. يقول: «كنا سعداء للغاية، لكنني كنت أركز بشدة على مسيرتي المهنية». ويضيف: «لقد وجدت نفسي أعمل لمدة 100 ساعة في الأسبوع لفترة من الوقت».

تم انتداب جاكسون من وزارة الدفاع إلى مكتب مجلس الوزراء لوظيفة في مجال الإرهاب العالمي، حيث يتعامل مع المعلومات الاستخبارية المباشرة من أهم أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.

وفي أثناء مغادرته مكتبه في أحد الأيام، أخذ كومة من الأوراق التي تخصه إلى المنزل، وبعدها أدرك أن هناك «ورقتين مدفونتين داخل الحزمة حول موضوعين سريين للغاية».

اتهامات وتغريم وإفلات من السجن

وضع جاكسون الأوراق السرية للغاية في مجلد من الورق المقوى وجلس في القطار في صباح اليوم التالي وهو يفكر مراراً وتكراراً «لا تنس هذا». لكنه نزل من القطار وسار نحو المكتب، ثم أدرك أنه نسي المجلد وشعر للحظة و«كأن العالم قد توقف».

ذهب جاكسون إلى كل محطة توقف فيها القطار، وسأل عما إذا كان شخص ما قد قام بتسليم الملف. وكانت النتيجة «لا شيء». ولم ينهر ظاهرياً حتى رأى مادي. يقول: «أخبرتها أنني دمرت حياتنا. لقد احتضنتني فحسب. وأخبرتني أن الأمر سيكون على ما يرام وسنتجاوز هذا الأمر».

وفي العمل في اليوم التالي، اكتشف جاكسون أنه تم العثور على الوثائق وتم تسليمها إلى «بي بي سي». يقول إن شعوره الأول كان «الارتياح لأن الأوراق عادت إلى مكان آمن» قبل أن يدرك «أنها الآن ستصبح علنية». ويضيف: «كنت القصة الرئيسية في نشرة أخبار الساعة السادسة تلك الليلة. وقد أوقفوني عن العمل على ذمة التحقيق».

اختبأ جاكسون في المنزل ووجدته مادي جالساً يبكي. يقول: «لقد أمضيت الصباح محاولاً العثور على طريقة غير مؤلمة للموت». ويضيف: «لقد أمضينا فترة ما بعد الظهر نتحدث... وأعتقد أن هذه كانت المرة الأولى التي فكرت فيها، إذا كنت سأتجاوز هذا الأمر، فلن أستطيع القيام بذلك بمفردي».

وجد مكتب مجلس الوزراء أن ذلك كان عملاً من أعمال سوء السلوك الجسيم، وقام بخفض رتبة جاكسون ثلاث درجات. وتم اتهامه بموجب «قانون الأسرار الرسمية»، وتجنب السجن، لكن تم تغريمه.

على الورق انتهى الأمر. لكن جاكسون لم يستطع أن يهزم مشاعر الخجل والندم والمهانة بسهولة. وهو ينسب الفضل إلى العديد من الأشخاص الذين اهتموا به.

وبعد عودته إلى وزارة الدفاع، ثم انتقاله إلى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة، ترك جاكسون العمل في الخدمة المدنية، ثم تولى بعد ذلك دوراً في إدارة فريق من المحللين الذين يبحثون في مخاطر الإرهاب العالمي، وبدأ التدريب كمدرب للحياة في أوقات فراغه، كما أنشأ شركة تدريب تساعد الأشخاص على التغلب على الضغط الناتج عن التعامل مع المواقف المؤلمة.

فكيف تغلب جاكسون على ذلك؟

يريد جاكسون أن يعرف الناس أن هناك طريقاً للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك. ويقول: «يمكن أن تكون في مكان سيئ حقاً، لكن، لا يزال بإمكانك الوقوف، ويمكنك التغلب على ذلك، وهناك طرق لمساعدة نفسك على القيام بذلك والحصول على المساعدة».

وشارك جاكسون الخطوات التي ساعدته على تجاوز نوبة الصدمة التي تعرض لها، وهي:

أخرج أفكارك من رأسك

في مكان مظلم، يقفز عقلك من «لقد ارتكبت خطأ فادحاً» إلى «أنا شخص لا قيمة له». إن تدوين هذه الأفكار أو التحدث إلى شخص ما قد يؤدي إلى إبطاء الأمور ويمنحك فرصة لملاحظة القفزات غير المنطقية.

استمر في الأنشطة التي تستمتع بها

عندما تشعر بأنك لا تستحق، تتوقف عن فعل الأشياء التي تبهجك. اكتشف ماهية هذه الأنشطة، سواء كانت صالة الألعاب الرياضية، أو كتاباً، أو المشي لمسافات طويلة، واجعلها أجزاء غير قابلة للتفاوض في روتينك.

تذكر قيمتك ونجاحك

احتفظ بورقة تحتوي على ملاحظات عن الأشياء التي حققتها والأشياء الطيبة التي قالها الناس عنك. إنه تذكير ملموس بأنك لست ذلك الخطأ، بل أنت أكبر من ذلك بكثير.

ابحث عن صديقك الناقد

أنت بحاجة إلى شخص يكون بمثابة المشجع لك، ولكنه سيتصل بك أيضاً عندما تتخلى عن العادات الجيدة.

اكتشف ما يمكنك إصلاحه وما لا يمكنك إصلاحه

إذا تسببت في ضرر، تحمل المسؤولية. اعتذر وَأَعِد الأمور إلى نصابها الصحيح حيثما أمكنك ذلك. لكن لا تتحمل مسؤولية الأشياء التي لم يكن من حقك أن تحملها.

لا تخلط بين أسوأ لحظاتك وقصة حياتك بأكملها

أنت لست هذا الخطأ. أنت لا تزال الشخص الذي كان موجوداً قبل ذلك، ولا يزال هناك شخص بعده لم تقابله.


«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

أثار بكاء السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر خلال حفل افتتاح مهرجان ومؤتمر «الموسيقى العربية» الـ34، الثلاثاء، الذي احتفي باسم هاني شاكر رداً للجميل، «تعاطفاً واسعاً»، وكان لظهورها العلني عقب مرور 6 أشهر على رحليه وقْع مختلف على الحضور؛ كونها المرة الأولى التي تظهر فيها دون «شريك العمر»، بعدما كانت رفيقته الدائمة في جولاته وحفلاته، متصدرة الصفوف الأمامية لتستمع إليه وهو يغني «هو أنتِ لسه بتسألي».

وأضفى الظهور الأول لأرملة «أمير الغناء العربي» الذي اعتاد الوقوف على خشبات مسارح «الأوبرا المصرية» على الحفل شجناً عميقاً ومؤثراً بعدما وقفت مكانه لأول مرة، حيث سبقتها دموعها على استحياء؛ حرصاً على عدم إفساد أجواء الاحتفالية الأهم والأعرق بالدار.

أنوشكا في افتتاح المهرجان (دار الأوبرا المصرية)

لم تتحدث أرملة هاني شاكر باستفاضة لكنها تسلمت تكريمه، واكتفت بالشكر والثناء والإشارة لرغبته في ترك ذكرى طيبة لدى جمهوره ومحبيه، فتحولت أجواء الحفل لشعور موجع بالفقد، بعكس طبيعة حفلات هاني شاكر المليئة بالبهجة وأسلوبه الذي جسده في «علّي الضحكاية» كما اعتاد على ممازحة جمهوره حتى بات أسلوبه «ماركة مسجلة».

وبالتزامن مع إقامة أولى حفلات «الموسيقى العربية» أسدل الستار على كواليسه الشائكة بعد أن تجاوز أزماته المتتالية أخيراً، والتي شهدت جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية بسبب الاعتذارات والاعتراضات على ميزانية المهرجان ومواعيد الحفلات، وغيرها من الأسباب اللوجستية التي خرجت للعلن عقب انتهاء المؤتمر الصحافي الذي أقيم للإعلان عن برنامجه اعتراضاً على بعض تصريحات رئيس الأوبرا المصرية.

من حفل افتتاح مهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

اللافت بالحفل وجود نخبة من أصوات الأوبرا المصرية الذين قدموا مجموعة من أغنيات هاني شاكر، ونالوا إعجاب الحضور، إلى جانب منشورات «سوشيالية» أشادت بأصواتهم، وهم: أشرف وليد، ومحمد طارق، وأحمد عصام، وأحمد سعيد، وياسر سعيد، ومحمد الخولي، وأحمد عفت، وأحمد صبري، وأحمد حسن، ومحمد حسن، الذين قدموا أغنيات من بينها: «الحلم الجميل»، و«لو بتحب حقيقي»، و«يا ريتني»، «نسيانك صعب أكيد»، و«أصاحب مين»، و«غلطة»، و«جرحى أنا».

وقدم محمد شاهين أغنية «يا ريتك معايا»، وغنت أنوشكا «أنا قلبي ليك»، كما تضمن برنامج الحفل تقديم نيفين رجب لأغنية جديدة بعنوان «فيه ناس بتغيب» إهداءً لاسم هاني شاكر، وبالختام غنت نادية مصطفى «مشتريكي»، «وكده برضه يا قمر» للفنان الراحل، وفي الختام الجماعي قُدمت الأغنية الوطنية «بلدي»، التي غناها شاكر عبر «ديو» جمعه بالفنان محمد ثروت الذي اعتذر عن الغناء بالمهرجان.

وفي كلمته بالافتتاح، أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والقائم بأعمال وزير الثقافة، أن المهرجان يجسد مكانة «الموسيقى العربية» في وجدان المصريين والعرب، كما حرص على تكريم نخبة من القامات بالمجال إلى جانب اسم هاني شاكر، والإعلان عن تدشين تمثال له في ساحة دار الأوبرا تكريماً وتخليداً لإبداعه.

نادية مصطفى وأنوشكا ونجوم الأوبرا خلال الافتتاح (دار الأوبرا المصرية)

وأشار الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، إلى أن المهرجان يجسد مكانة الموسيقى العربية في الوجدان، ويؤكد قدرتها على التواصل مع الأجيال، وصون الهوية والتراث، بينما أكد المايسترو محمد الموجي مدير المهرجان «أن الدورة الـ34 من (الموسيقى العربية) تواصل مسيرة الإبداع والاحتفاء بالطرب الأصيل».

من جانبه، أكد الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «مهرجان الموسيقى العربية من أهم الفعاليات المصرية الراقية التي تقام بأروقة الأوبرا المصرية العريقة»، لافتاً إلى أن المهرجان ليس فعالية فنية لاستضافة نجوم الغناء فقط، لكنه يحمل مسؤولية الحفاظ على التراث وإتاحة الفرصة للأصوات القادرة والمميزة، وفتح المجال أمام التجارب المعاصرة التي تمتلك مشروعاً فنياً.

وأشاد السماحي، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بالأصوات الطربية المشاركة بالمهرجان من مصر والعالم العربي، مؤكداً قدرتها وتنوعها الكبير في المدارس الغنائية وأداء الأغنيات التراثية.

وتستمر ليالي «الموسيقى العربية» حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على مسارح الأوبرا بالقاهرة والإسكندرية، وتتضمن 24 حفلاً بمشاركة 91 فناناً، وتشمل الفعاليات ندوة ثقافية حول مسيرة هاني شاكر، بينما تمتد جلسات «المؤتمر العلمي» المصاحب لأربعة أيام بمشاركة 35 باحثاً من 15 دولة.