سجينات بريطانيات تعيدهنّ حديقة زهور إلى الحياة

الاحتضان وإتاحة الفرصة ينقذان من التهميش

معرض الزهور أعاد الإحساس بالجدوى (غيتي)
معرض الزهور أعاد الإحساس بالجدوى (غيتي)
TT

سجينات بريطانيات تعيدهنّ حديقة زهور إلى الحياة

معرض الزهور أعاد الإحساس بالجدوى (غيتي)
معرض الزهور أعاد الإحساس بالجدوى (غيتي)

يستضيف معرض «آر إتش إس تشيلسي» للزهور حديقة صمَّمتها وبنتها سجينات وسيدات أُطلقن مؤخراً من السجون البريطانية.

وستكون الحديقة الداخلية نسخة أخرى لتلك الموجودة في متنزه «إتش إم بي إيست ساتون» في كينت، الذي تدرّبت السجينات فيه على بناء الحدائق.

في هذا السياق، نقلت «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عن مديرة مشروع «ذا غلاس هاوس» كالي هامرتون ستوف قولها إنه يساعد النساء على الاستعداد للحرّية، ومعالجة إمكانية عودتهن إلى الجريمة مرّة أخرى، مضيفةً أنّ المعرض كان «فرصة مذهلة» لعرض أعمالهن؛ علماً أنه سيضمّ نباتات منزلية ترعاها السجينات، وأشياء أخرى تمثّل «أحلامهن وآمالهن».

وتشير ستوف إلى أنه «من المذهل أن تتمكّن النساء من تصميم معرض وبنائه استناداً إلى خبراتهن»، مؤكدةً أنه من الرائع أيضاً وجودهن مع متخصّصين في البستنة وأشخاص ملهمين آخرين ضمن هذا المعرض.

وذكرت أنّ المشروع يرتكز على ضمان حصول النساء على المهارات اللازمة للتأهُّل لدخول سوق العمل والانخراط في المجتمع بعد إطلاقهنّ من السجن.

من جهتها، تقول ري، وهي سجينة سابقة تعمل في المشروع، إنه منحها هدفاً في حياتها، مشيرةً إلى أنها بكت عندما علمت أنّ الحديقة ستُعرض في معرض الزهور.

وقالت: «في كثير من الأحيان نكون مهمَّشين أو حتى غير مرئيين، حتى نُحتَضن وتُتاح لنا الفرصة من جديد. لم أستطع أن أصدّق الأمر في البداية».

وتُظهر أحدث البيانات الحكومية البريطانية أنّ نحو خُمس السجينات يرتكبن جرائم مرّة أخرى بعد إطلاقهن، لكن هذا المعدّل انخفض بشكل عام في العقد الماضي. كما تُظهر الأرقام أنه في الفترة بين عامَي 2022 و2023، كان 30 في المائة من جميع الأشخاص المُفرَج عنهم من السجن يعملون بعد 6 أشهر من إطلاقهم.

ومن المقرَّر أن يُفتَتح معرض تشيلسي للزهور في 21 مايو (أيار) الحالي، في ساحة المستشفى الملكي بجنوب لندن، الذي بناه الملك تشارلز الثاني عام 1681 ليكون دارَ تقاعُد للجنود القدامى.


مقالات ذات صلة

ضفاف النيل والشواطئ تجتذب آلاف المصريين في «شم النسيم»

يوميات الشرق كورنيش النيل في القاهرة (الشرق الأوسط)

ضفاف النيل والشواطئ تجتذب آلاف المصريين في «شم النسيم»

مع إشراقة شمس «شم النسيم»، شهدت القاهرة والمحافظات المصرية أجواءً مبهجة احتفالاً بأعياد الربيع، حيث توافدت العائلات إلى الحدائق والمتنزهات.

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من حديقة الحيوان بالجيزة (فيسبوك)

مصر لتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» وفق مواصفات عالمية

تواصل مصر خطتها لإحياء وتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وفق أحدث المعايير العالمية والدولية، مع العمل على وصلهما ببعضهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق حدائق الفسطاط تطل على القلعة في القاهرة التاريخية (رئاسة مجلس الوزراء)

لماذا تُولي مصر اهتماماً كبيراً بمشروع «تلال الفسطاط»؟

تولي مصر اهتماماً كبيراً بمشروع حديقة «تلال الفسطاط»، وسط القاهرة التاريخية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من حديقة المسلة بعد تطويرها (الهيئة المصرية للاستعلامات)

حديقة المسلة التراثية في حلة جديدة بالقاهرة الخديوية

اكتست حديقة المسلة التراثية بحي الزمالك، وسط العاصمة القاهرة، بحلة جديدة بعد تجديدها ضمن مشروع تطوير القاهرة الخديوية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
صحتك نبتة صغيرة تظهر إلى جانب سرير داخل غرفة نوم (بيكسيلز)

ما أفضل 6 نباتات لتزيين غرفة النوم؟

يهوى الكثير من محبي النباتات والزراعة وضع بصمة خضراء داخل منازلهم؛ حيث لا يكتفون بالاهتمام بالأشجار والأزهار في الحدائق الخارجية أو الشرفات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أشهَرُ الغامضين... ما الجدوى من اكتشاف هوية بانكسي؟

إخفاء الهوية جزء أساسي من شخصية الرسّام بانكسي وخصوصيته الفنية (إنستغرام)
إخفاء الهوية جزء أساسي من شخصية الرسّام بانكسي وخصوصيته الفنية (إنستغرام)
TT

أشهَرُ الغامضين... ما الجدوى من اكتشاف هوية بانكسي؟

إخفاء الهوية جزء أساسي من شخصية الرسّام بانكسي وخصوصيته الفنية (إنستغرام)
إخفاء الهوية جزء أساسي من شخصية الرسّام بانكسي وخصوصيته الفنية (إنستغرام)

لا يترك بانكسي أثراً خلفه سوى رسوماته الجداريّة، وأعماله الفنية التي تُباع بملايين الدولارات. يتخفّى في ظلّ اسمه المستعار، ويعود إلى الواجهة من دون سابق إنذار، من خلال منحوتة، أو لوحة «غرافيتي» على جدار إحدى مدن هذا العالم؛ من لندن إلى نيويورك، مروراً بكييف، وبيت لحم.

أحدثُ المحطات كانت مدينة وستمنستر وسط لندن، حيث انضمّ إلى المشهد العام تمثالٌ لشخصٍ يحمل علماً يغطّي وجهه، ويسير بخطواتٍ تطأ الفراغ. متابعو بانكسي على «إنستغرام» علّقوا على فيديو المنحوتة الذي نشره الفنان، مستنتجين أنها ترمز إلى «الوطنيّة العمياء». لكن رغم احتمال أن يكون العمل الجديد حاملاً في طيّاته نقداً سياسياً، فإن السلطات البريطانية رحّبت به على لسان متحدّث باسم المجلس البلدي. «المنحوتة إضافة مميزة إلى مشهد الفنون في المدينة، وقد اتخذنا خطوات لحمايتها»، حسب قول المسؤول.

الشرطة وبانكسي... القطّ والفأر

هذا الترحيب الرسمي بالتمثال غير اعتياديّ، إذ لطالما دارت بين بانكسي والسلطات في بلده لعبةُ القطّ والفأر. تشهد على ذلك عشرات اللوحات الجداريّة التي اندثرت تحت الطلاء الأبيض، على قاعدة أنّ الغرافيتي ممنوع على جدران لندن، وواجهات أبنيتها.

من بين أحدث تلك الأعمال التي أُزيلت، ليس من باب الحفاظ على جدران المدينة فحسب بل على الأرجح لأنها أغضبت السلطات البريطانية، لوحة تُظهر قاضياً ينهال بالضرب على متظاهر. تلك الجداريّة التي ظهرت في سبتمبر (أيلول) 2025 على أسوار المحكمة العليا في لندن، أنجزها بانكسي غداة قمع الشرطة البريطانية مظاهرات مناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة.

جداريّة القاضي الذي يضرب متظاهراً لبانكسي (أ.ب)

بانكسي يُدرّ الملايين

بانكسي ناشطٌ منذ التسعينات، وهو يجاهرُ من خلال أعماله التهكّميّة بمعارضته سياسات بلاده الداخلية، والخارجية. لكن هل بدأ موسم المهادنة بين السلطات البريطانية والفنان المحبوب، بعد أن أدركت قيمته الثقافية؟ مع العلم بأنّ بانكسي ليس ظاهرة فنية فحسب، بل هو محرّك سياحي واقتصادي بما أنّ كثيرين يزورون بريطانيا لمشاهدة أعماله التي تُباع غالبيتها بملايين الدولارات. وقد بلغت أشهر لوحاته «الحب في الحاوية» أو «فتاة البالون» أعلى ثمن عام 2021، إذ بيعت بـ25.4 مليون دولار.

«الحب في الحاوية» أو «فتاة البالون» أغلى أعمال بانكسي ثمناً (رويترز)

وفق استطلاع للرأي أجري في المملكة المتحدة، اختيرت «فتاة البالون» أفضل عمل فني أنتجته بريطانيا على الإطلاق. أما بانكسي فقد صُنِّف أكثر جماهيريّةً من رامبرانت، ومونيه، وهُما من عظماء الرسم عبر التاريخ.

بانكسي الهارب من الضوء

ما يُضاعف شعبيّة الرسّام هو ذلك الغموض الذي اختاره هويةً له. لا يعرف له أحدٌ عنواناً محدّداً، أما اسمه الحقيقي فلا يزال مدار سجال. كلّما أراد أن ينفّذ جداريّةً جديدة، خرج تحت جنح الظلام، أو في ساعات الفجر، مستعيناً بقبّعة، ومنديلٍ يغطّي الجزء السفلي من وجهه.

منذ عام 2000، يعتمد بانكسي تقنية القوالب (stencil) لإنجاز اللوحة بسرعة كبيرة، كما يستعين بفريقه الضيّق، ما يقلّل الوقت الذي يقضيه في الموقع، ويحميه بالتالي من احتمال تعرّف الناس إليه، أو ملاحقته من قبل الشرطة.

لا يمضي بانكسي وقتاً طويلاً في موقع الرسم لئلّا يُكشف أمره (إنستغرام)

تتعدّد الأسباب التي تجعل من إخفاء الهويّة أمراً حيوياً بالنسبة إلى بانكسي، ومسيرته الفنية. أوّلاً: ووفق المعلومات الموثّقة المتداولة عنه، فهو بدأ الرسم على الجدران في سن الـ14 بالتزامن مع طرده من المدرسة، وارتكابه بعض المخالفات، والجنَح البسيطة التي أدخل على أثرها إلى السجن. تمرّس بانكسي إذاً في التخفّي عن رجال الأمن منذ سنّ المراهَقة.

وفق حديثٍ صحافيّ أجريَ مع مدير أعماله السابق ستيف لازاريدس: «بدأ بانكسي إتقان التنكّر والتخفّي كوسيلة للتهرّب من الشرطة، ومن سلطة القانون. ففي المملكة المتّحدة، يمكن أن تؤدّي الكتابة على الجدران أو الغرافيتي من دون موافقة المالك إلى غرامات مالية، أو السجن لفترة قد تصل إلى 10 سنوات».

جداريّة بعنوان «أوقفوني قبل أن أرسم مجدداّ» (مجموعة بانكسي)

مع الوقت تحوّل هذا اللغز إلى قيمةٍ مضافة بالنسبة إلى أعمال الفنان البريطاني. فكما أنّ النُدرة ترفع ثمن السلعة، هكذا هو التخفّي بالنسبة إلى بانكسي. ضاعفَ غموضُه من قيمة فنّه. وعلى مدى 3 عقود من العمل المتواصل، والتنقّل بأفكاره وألوانه حول العالم، لم يكشف مرةً عن أي تفصيلٍ حول هويته الحقيقية. حتى أنه عندما اختيرَ من بين أكثر شخصيات العالم تأثيراً من قِبَل مجلّة «تايم» عام 2010، أرسلَ صورةً يظهر فيها مغطّى الرأس بكيس من ورق.

بانكسي أو روبن غانينغهام؟

هل من المفيد والضروريّ أن يكشف بانكسي عن وجهه وعن اسمِه؟ ما الذي سيتبدّل إن فعل؟ ثم أليسَ من الأجدى الاكتفاء بفنّه الهادف بدل التنقيب عن شخصه؟

أنجز بانكسي جداريّة «رامي الزهور» في 2003 على الجدار الإسرائيلي العازل لجهة الضفة الغربية (إ.ب.أ)

انقضى وقتٌ طويل على آخر حوار أجراه بانكسي. وتعود معظم لقاءاته الصحافية إلى عام 2003، حين تحدّث إلى وسائل إعلام بريطانية من بينها شبكة «بي بي سي»، وصحيفة «الغارديان». حتى في تلك الأحاديث المسجّلة لم يكشف تفاصيل هويته.

إلا أنّ وسائل الإعلام لم تملّ يوماً من محاولة معرفة من هو؟ وفي تحقيق استقصائي نُشر في مارس (آذار) 2026، رجّحت وكالة «رويترز» أن يكون اسم بانكسي الحقيقي هو روبن غانينغهام من مدينة بريستول البريطانية. وقد استندت الوكالة إلى أدلّة قوية أساسُها سجلّات المحاكم التي أوقفت الرجل بسبب جداريّاته، إضافةً إلى وثائق سفر، وإفادات شهود، ومواقع جغرافية زرع فيها بانكسي أعماله، لا سيما في مناطق النزاع في أوكرانيا حيث حطّ رحاله مؤخراً.

روبن غانينغهام الذي رجّحت وكالة «رويترز» أن يكون هو بانكسي (فيسبوك)

بانكسي في فلسطين

سواء أكان روبن غانينغهام هو بانكسي أم لم يكن، فإنّ الناس غير معنيين بالأسماء بقَدر ما هم معنيّون بأعماله التي تعبّر عن آرائهم، وأحاسيسهم. وبانكسي ملتزمٌ بقضاياهم منذ أول أعماله، متنقلاً بأسلوبه الساخر والشاعري في آنٍ معاً، بين مواضيع شتى، منها الصراع الطبقي، ومناهضة الرأسمالية، والمجتمعات الاستهلاكية. كما يخصص مساحة للمشاعر الإنسانية، وعلى رأسها الحب. ولا تُنسى محطاتُه في فلسطين، حيث ترك عدداً من الجداريات، كما أسس فندقاً في بيت لحم عام 2017 مقابل الجدار الإسرائيلي العازل.

حمامة السلام بالدرع إحدى جداريات بانكسي في فلسطين (رويترز)

تكمن إحدى نقاط قوة فن بانكسي في التفاصيل الصغيرة، كباقة الزهور التي يرمي بها الثائر أعداءه، والدرع الواقي الذي ترتديه حمامة السلام في فلسطين. بينما شخصُ الفنان فمحصّنٌ بدرع التخفّي، وهو القائل: «لا أعرف لماذا يحرص الناس بشدة على وضع تفاصيل حياتهم الخاصة في العلن. إنهم ينسون أن الاختفاء قوة خارقة».


ريتا خلف تركت الموصل طفلةً وعادت لتُوثّق ذاكرة مدينة مدمَّرة

المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)
المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)
TT

ريتا خلف تركت الموصل طفلةً وعادت لتُوثّق ذاكرة مدينة مدمَّرة

المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)
المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)

ما بين قاعات دراستها في باريس، ومسقطها في الموصل، تعيش المهندسة العراقية ريتا خلف حالة شدّ وجذب بين عالمَين متباينَين. كانت في الـ14 من عمرها حين غادرت أسرتها المدينة التي تُلقَّب بـ«أم الربيعين» لتستقر في العاصمة الفرنسية، من دون محطة وسيطة بين مدينتَين تتقاطعان في العراقة وثقل التاريخ، وتفترقان في مستوى الخدمات وصيانة التراث العمراني.

درست ريتا خلف الهندسة المعمارية في «المدرسة الوطنية العليا للهندسة المعمارية - فال دو سين» في باريس، وتعمل حالياً على أطروحتها للدكتوراه التي تتناول التراثَين المعماري والاجتماعي في الموصل بعد اجتياح «داعش»، والمخاطر التي تهدّده في سياق إعادة الإعمار. وقبل أيام، شاركت في ندوة بعنوان «ذاكرة المكان»، نظّمتها جمعية «إرث»، عرضت خلالها تجربتها الميدانية المستندة إلى زيارات متكرّرة إلى المدينة، وثّقت خلالها حجم الخراب، إلى جانب متابعة المبادرات الدولية لترميم معالمها.

ريتا خلف على شاطئ دجلة في الموصل (الشرق الأوسط)

وتُعدّ جمعية «إرث» مبادرة شبابية تأسست في باريس بمبادرة من الباحث شاذل نواف طاقة، بهدف التعريف بما يزخر به العراق من كنوز معرفية، والعمل على حمايتها في مواجهة ما تتعرَّض له من إهمال وعبث.

خلال الندوة التي حضرها جمهور خليط من فرنسيين وعرب، أوضحت ريتا خلف أنّ نهر دجلة يقسم الموصل الحديثة إلى قسمَين: في الشرق، تمتدّ بقايا نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية، وفي الغرب يقع المركز التاريخي المعروف بـ«العوجات»، وهو نسيج عمراني كثيف يتميَّز بأزقته الضيّقة والمتعرّجة المخصّصة للمشاة. وحول هذَين القسمَين، بدأت منذ عشرينات القرن الماضي ملامح المدينة الحديثة بالتشكُّل، عبر شبكة من الشوارع الواسعة والمساحات المنتظمة.

ركّزت الباحثة على تحوّل المركز التاريخي من حيّ مهمل إلى موقع يحظى باهتمام عالمي بعد تدميره. ولفتت إلى أنّ مفهوم «التراث» في العربية والفرنسية يرتبط بفكرة الإرث وانتقاله بين الأجيال، وإنما القانون العراقي يحدّده زمنياً؛ إذ يشمل ما يقلّ عمره عن 200 عام وله قيمة تاريخية أو دينية أو فنية، فيما يُصنَّف ما يتجاوز هذا العمر ضمن «الآثار». وترى ريتا خلف أنّ هذا التمييز، رغم أهميته القانونية، يبقى ملتبساً في التطبيق، ويؤدّي إلى إشكالات في فهم سياسات الحفظ والصيانة.

وفي هذا السياق، تُفضّل استخدام مصطلح «إرث» لما يحمله من شمولية تتجاوز التصنيفات الزمنية. وتعود في بحثها إلى تحوّلات القرن العشرين، حيث أدّى توسّع المدينة الحديثة إلى شقّ طرق داخل النسيج القديم، وهجرة السكان الأصليين إلى أحياء جديدة، ممّا أسفر عن تغيّرات معمارية واجتماعية أضعفت هوية المركز التاريخي.

عين الكاميرا وعين الخبيرة (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر أهمية هذا المركز على معالمه الدينية من مساجد وكنائس، وإنما تمتد إلى نظامه العمراني المحلّي الذي تطوّر عبر قرون. لكنّ هذا النظام عُومل طويلاً على أنه مجموعة عناصر منفصلة، فاقتصر الاهتمام على المباني الدينية، من دون خطط شاملة للحفاظ على النسيج الحضري أو دعم السكان. وكانت النتيجة تراجع مكانة المدينة القديمة وازدياد إهمالها.

تستعيد ريتا خلف ذكرياتها في طفولتها، حين كانت تزور منزل جدّيها في المدينة القديمة، من دون أن يُنظر إليه على أنه بيت «تراثي». أما اليوم، فقد تحوّل المكان إلى فضاء مُهمَل، بعدما غادره سكّانه وتدهورت حاله. ولم يبدأ الالتفات إلى هذا الإرث إلا في السنوات الأخيرة، قبل أن يتفاقم الدمار مع دخول «داعش» إلى الموصل عام 2014، وما رافقه من تدمير واسع للمعالم الدينية والتاريخية، ثم العمليات العسكرية التي أدَّت بدورها إلى مزيد من الخراب، بما في ذلك هدم أجزاء من أحياء تاريخية مثل القليعات.

هذا الدمار، وفق ريتا خلف، لا يمثّل خسارة محلية فحسب، وإنما خسارة لإرث إنساني. وقد دفع ذلك إلى تحرّكات دولية، أُدرجت على أثرها المدينة القديمة على القائمة المؤقتة لـ«اليونيسكو» عام 2018، وأُطلقت مبادرات لإعادة الإعمار، أبرزها «إحياء روح الموصل». وأسهم هذا الاهتمام في رفع الوعي، خصوصاً بين الشباب الذين يرون في هذا الإرث أملاً لمستقبل مدينتهم، ومحرّكاً لهويتها المشتركة.

أما اليوم، وبعد نحو 9 سنوات على التحرير، فتشير ريتا خلف إلى أنّ العمل مستمر، لكن أجزاء واسعة من المدينة لا تزال مدمّرة. وتؤكد الحاجة إلى خطّة متكاملة تمنع تحوّل مشروعات الترميم إلى جزر منفصلة. وبين جهود المنظّمات الدولية، والمبادرات المحلّية، ومحاولات السكان لإعادة البناء بإمكانات محدودة، يبقى الطريق طويلاً. وقد أُعيد بناء نحو 270 منزلاً تراثياً في بعض الأحياء، وُظِّفت لأغراض سكنية وسياحية.

فوق السطوح المتداعية (الشرق الأوسط)

عادت ريتا خلف إلى الموصل للمرة الأولى عام 2021 بعد غياب دام 10 سنوات، وتكرّرت زياراتها منذ ذلك الحين. تقول إنها تشعر بالفخر لانتمائها إلى مدينة عريقة، لكنها في الوقت عينه ترى أن الموصل التي تعرفها تغيّرت.

وفي حديثها عن مسيرتها، تستحضر اسم المهندسة العراقية زها حديد، وتقول إنها مصدر إلهام بكونها امرأة عراقية نجحت عالمياً، لكنها تؤكد في المقابل تبنّيها مقاربة مختلفة في العمارة، تقوم على البساطة والاقتراب من حاجات الناس. وتختصر رؤيتها بعبارة: «أميل إلى ما نُسمّيه الاهتمام بالموجود».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)
تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)
TT

جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)
تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)

هيمنت التغطيات المتعلقة بإدارة دونالد ترمب على جوائز «بوليتزر» الأميركية المرموقة للصحافة التي أُعلن عنها، الاثنين، حيث شنت لجنة الجائزة هجوماً لاذعاً على محاولات الرئيس الأميركي تقييد حرية الصحافة.

وقالت مارجوري ميلر، مديرة جائزة «بوليتزر»، قبيل الإعلان عن الجوائز: «نحن ندعم الحوار المدني ونعارض الرقابة».

وأضافت: «للأسف، لا بد أن نكرر هذا الكلام الآن، في ظل تقييد وصول وسائل الإعلام إلى البيت الأبيض والبنتاغون، وتحدي حرية التعبير في الشوارع، ورفع رئيس الولايات المتحدة دعاوى قضائية بمليارات الدولارات بتهمة التشهير والتحريض ضد العديد من وسائل الإعلام».

ترمب وإبستين

وأعلنت ميلر منح جائزة «بوليتزر» لتغطيات الخدمة العامة، لصحيفة «واشنطن بوست» التي أماطت اللثام عن جهود إدارة ترمب «الفوضوية» لإعادة هيكلة المؤسسات الفيدرالية.

وقالت ميلر إن التغطية استشكفت «بتفصيل دقيق الآثار الإنسانية لخفض الوظائف وعواقبها على البلاد»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفازت صحيفة «نيويورك تايمز» بجائزة الصحافة الاستقصائية عن سلسلة كشفت فيها استغلال ترمب «فرص جني المال التي تأتي مع السلطة، وتثري عائلته وحلفاءه».

وأبرزت تقاريرها كيف استفاد حلفاء ترمب وعائلته من انخراطهم في قطاع العملات المشفرة.

وحازت صحيفة «شيكاغو تريبيون» على جائزة فئة التقارير المحلية لتغطيتها «حصار» عناصر الهجرة الفيدراليين لمدينة في الغرب الأوسط ضمن حملة ترمب على المهاجرين غير الشرعيين.

وحصلت جولي ك. براون، مراسلة صحيفة «ميامي هيرالد»، على تنويه خاص لـ«تقاريرها الرائدة» في عامي 2017 و2018 عن المدان بالاعتداء الجنسي جيفري إبستين.

وقالت ميلر: «كشفت سلسلة تقاريرها (انحراف العدالة) التي نُشرت قبل نحو عقد من الزمن، كيف حمى المدعون العامون إبستين من توجيه تهم فيدرالية إليه بالإتجار بالجنس عندما أوقف لأول مرة بتهمة الاعتداء على فتيات».

«مبتكرة وكاشفة»

وفازت صحيفة «نيويورك تايمز» بجائزة فئة التصوير الصحافي للأخبار العاجلة عن صور ساهر الغرة «الآسرة والحساسة» التي تُظهر «الدمار والمجاعة في غزة الناتجة عن الحرب مع إسرائيل».

وحصلت وكالة «رويترز» للأنباء على جائزة فئة التغطية الوطنية لتغطيتها استخدام ترمب للسلطة التنفيذية ونفوذ مؤيديه «للانتقام من خصومه».

أما وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء فقد نالت جائزة فئة التغطية الدولية عن تقاريرها حول سماح الحكومة الأميركية لشركاتها ببيع تكنولوجيا المراقبة إلى الصين.

وفازت صحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» بجائزة «بوليتزر» لفئة الصحافة التفسيرية عن سلسلة تقارير كشفت فيها تقليل شركات التأمين من قيمة الممتلكات المتضررة بعد حرائق غابات لوس أنجليس، وعرقلتها جهود إعادة البناء.

ونالت وكالة «رويترز» أيضاً جائزة «بوليتزر» عن فئة التغطية المتميزة، بتغطيتها «المبتكرة والكاشفة»، لكيفية تعمد شركة «ميتا» تعريض مستخدميها لعمليات احتيال وتلاعب بالذكاء الاصطناعي.

وفازت مسرحية «تحرير» للكاتبة بيس وول بجائزة «بوليتزر» عن فئة الدراما، بينما ذهبت جائزة «بوليتزر» في فئة التاريخ إلى كتاب «نحن الشعب» لجيل ليبور، أما جائزة «بوليتزر» في فئة السيرة الذاتية فكانت من نصيب رواية «فخر ومتعة» للكاتبة أماندا فايل.

وتشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر».