مصر لتسجيل أشجارها النادرة والمعمرة تراثاً طبيعياً

اعتماداً على الحصر الميداني والتوثيق التاريخي

جزيرة النباتات بأسوان تضم العديد من الأشجار المعمرة (الشرق الأوسط)
جزيرة النباتات بأسوان تضم العديد من الأشجار المعمرة (الشرق الأوسط)
TT

مصر لتسجيل أشجارها النادرة والمعمرة تراثاً طبيعياً

جزيرة النباتات بأسوان تضم العديد من الأشجار المعمرة (الشرق الأوسط)
جزيرة النباتات بأسوان تضم العديد من الأشجار المعمرة (الشرق الأوسط)

ضمن مشروع لتوثيق الأشجار المعمرة والنادرة وحمايتها، تسعى مصر إلى إعداد سجل وطني لهذه الأشجار، في إطار جهود وزارة الثقافة للحفاظ على التراثين المادي وغير المادي وتسجيلهما بوصفهما تراثاً حضارياً ثقافياً وطبيعياً.

ويُعدّ المشروع خطوة مهمة لتوثيق التراث المصري الطبيعي والثقافي الذي يمتد لقرون، لضمان نقله للأجيال القادمة، وتأكيداً على أهمية هذه الأشجار بوصفها رموزاً بيئية وتاريخية وثقافية، والحفاظ على الهوية البصرية وتحسين الفراغ العام؛ وفق تصريحات لرئيس مجلس إدارة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري في مصر، محمد أبو سعدة، الخميس، مؤكداً أن الجهاز أعد دليلاً إرشادياً للحفاظ على الأشجار والحدائق التراثية التي تُحصر وتُسجّل، وتُوضع لها أسس ومعايير للتعامل معها.

وتضم مصر 13 حديقة تراثية، من بينها حديقة الحيوان في الجيزة، وفي مقابلها حديقة «الأورمان»، وحدائق «الأسماك»، و«الأندلس»، و«الزهرية»، و«الحرية» في الزمالك (غرب القاهرة)، وحدائق أنطونيادس في الإسكندرية، وحديقة النباتات في أسوان، وحدائق القناطر الخيرية في محافظة القليوبية (شمال القاهرة)، وفق الدليل الإرشادي الذي أعده الجهاز في هذا الصدد.

وعَدّ المتخصص في مركز البحوث الزراعية بمصر، الدكتور خالد عياد، أن «هذه الخطوة مهمة، وإن كانت ليست جديدة، فلها عمق تاريخي يعود لأسرة محمد علي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يوجد في مصر حدائق تراثية كثيرة تضم أشجاراً معمرة ونادرة، من بينها حديقة الصبار في كفر الشيخ، وحديقة الأورمان بالجيزة، وهي لم تكن فقط حدائق للنزهة، بل أقرب إلى مختبرات علمية، بيد أن بعضها تعرض للإهمال خصوصاً بعد عام 2011».

وأشار الدكتور عياد إلى أن بعض الأشجار المعمرة مثل التين البنغالي الموجودة أمام برج القاهرة، تعرضت للإزالة في محافظات أخرى مثل الإسماعيلية، بحجة توسيع الطرق أو الحدائق وما إلى ذلك.

حدائق مصر التراثية تضم أشجاراً نادرة ومعمرة (فيسبوك)

وأكد الدكتور عياد أن «الأهم في هذه المسألة هو الرعاية المستدامة، والاهتمام العلمي بالأشجار النادرة والمعمرة، والعمل على تكثيرها مثلما يحدث في دول أخرى مثل الصين والهند»، وتابع: «في مصر لدينا أشجار وبذور تعود لعصر الفراعنة، ولدينا بنك جينات، فلماذا لا نهتم بها ونعمل على تكثيرها».

ويستهدف المشروع الذي أُعلن عنه لتوثيق الأشجار النادرة والمعمرة، وضع معايير دقيقة لتصنيف الأشجار، والحصر الميداني لها، باستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، إلى جانب التوثيق الثقافي والتاريخي، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية وتطبيق إلكتروني وخريطة تفاعلية تسهِّل الوصول إلى المعلومات الخاصة بهذه الأشجار.

ويتضمَّن المشروع مرحلة التوثيق لتعزيز الحماية القانونية للأشجار، من خلال مقترحات تشريعية ومبادرات مجتمعية، مثل برنامج «حارس الشجرة» ودمج الأشجار في المسارات البيئية والثقافية، بما يعزز قيمتها الرمزية ويدعم استدامتها، بالمشاركة المجتمعية، وفق تصريحات لرئيس جهاز التنسيق الحضاري.

حدائق مصر التراثية تضم كثيراً من الأشجار النادرة (الشرق الأوسط)

وهو الأمر الذي أكد عليه المتخصص في مركز البحوث الزراعية، مشيراً إلى أن «التعامل مع الأشجار والنباتات لا بد أن يكون بمثابة ثقافة مجتمعية في الدرجة الأولى؛ لأن انتشار هذه الثقافة من شأنه أن يغير سلوك الناس نحو الأفضل والأرقى، خصوصاً الأجيال الجديدة»، لافتاً إلى أن بعض الناس يهدرون قيمة الأشجار بل ويقطعونها لتوفير مكان لصف السيارة، وهو أمر ممنوع قانوناً.

ووفق المادة 28 من القانون 4 لسنة 1994 في شأن البيئة، يُعاقب من يقطع أو يتلف النباتات بالحبس والغرامة بين 5 آلاف و50 ألف جنيه أو إحدى العقوبتين، كما تنص المادة 99 من قانون الموارد المائية والري على معاقبة من يقطع الأشجار أو النخيل بغرامة لا تقل عن ألف جنيه، ولا تزيد على 5 آلاف جنيه عن الشجرة الواحدة أو النخلة الواحدة.


مقالات ذات صلة

مصر لتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» وفق مواصفات عالمية

يوميات الشرق جانب من حديقة الحيوان بالجيزة (فيسبوك)

مصر لتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» وفق مواصفات عالمية

تواصل مصر خطتها لإحياء وتطوير حديقتي «الحيوان» و«الأورمان» بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وفق أحدث المعايير العالمية والدولية، مع العمل على وصلهما ببعضهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق حدائق الفسطاط تطل على القلعة في القاهرة التاريخية (رئاسة مجلس الوزراء)

لماذا تُولي مصر اهتماماً كبيراً بمشروع «تلال الفسطاط»؟

تولي مصر اهتماماً كبيراً بمشروع حديقة «تلال الفسطاط»، وسط القاهرة التاريخية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من حديقة المسلة بعد تطويرها (الهيئة المصرية للاستعلامات)

حديقة المسلة التراثية في حلة جديدة بالقاهرة الخديوية

اكتست حديقة المسلة التراثية بحي الزمالك، وسط العاصمة القاهرة، بحلة جديدة بعد تجديدها ضمن مشروع تطوير القاهرة الخديوية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
صحتك نبتة صغيرة تظهر إلى جانب سرير داخل غرفة نوم (بيكسيلز)

ما أفضل 6 نباتات لتزيين غرفة النوم؟

يهوى الكثير من محبي النباتات والزراعة وضع بصمة خضراء داخل منازلهم؛ حيث لا يكتفون بالاهتمام بالأشجار والأزهار في الحدائق الخارجية أو الشرفات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حدائق القناطر تشهد إقبالاً كبيراً خلال العيد (وزارة الري المصرية)

الحدائق النيلية تجتذب الآلاف في إجازة عيد الفطر بمصر

شهد العديد من الحدائق النيلية في القاهرة إقبالاً كبيراً خلال أيام عيد الفطر، وأعلنت وزارة الري المصرية عن تطوير العديد من الحدائق التابعة لها.

محمد الكفراوي (القاهرة )

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)
تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)
TT

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)
تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح، وسعرها 1300 جنيه إسترليني، تُباع في متجر حلويات بغرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

وشهدت أسعار بيض عيد الفصح ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، لكن هذه البيضة تتصدَّر القمة.

ويشكو كثير من البريطانيين من إنفاق 4 جنيهات إسترلينية لشراء عبوة من بيض «كادبوري» الصغير، أو 10 جنيهات إسترلينية على بيضة عادية من بيض عيد الفصح، خصوصاً في ظلّ تناقص كمية الشوكولاته المستخدمة، مع استمرار ارتفاع الأسعار.

مع ذلك، كان السؤال: هل ستنفق أكثر من 1000 جنيه إسترليني لشراء بيضة عيد فصح واحدة؟ فهذا هو سعر بيضة واحدة ضخمة تُباع في أحد متاجر الحلويات بغرب لندن. ووفق موقع «ماي لندن»، قرَّر أحد ذوّاقة الطعام على مواقع التواصل الاجتماعي خوض التجربة، ودفع 1300 جنيه إسترليني لشرائها وإحضارها إلى المنزل لتذوّقها.

وينشر كارمي سيليتو بشكل منتظم تجارب لتذوّق أنواع مختلفة من الأطعمة، من خلال حسابه عبر «إنستغرام».

وفي بداية الأسبوع الحالي، توجَّه إلى متجر «مارشيسي» للحلويات، الذي تأسَّس عام 1824، في حي سوهو، لشراء بيضة عيد الفصح الأعلى سعراً. وليست هذه الحلوى الأولى باهظة الثمن التي يجلبها؛ إذ دفع في السابق 750 جنيهاً إسترلينياً مقابل بيضة أخرى من «مارشيسي» كانت تُباع في قاعة الطعام بمتجر «هارودز».

وشعر كارمي بالتوتَر من دخول المتجر، وطلب البيضة، لأنه كان يتهيَّب الأسعار. وسرعان ما دخل بمحادثة مع أحد العاملين هناك، الذي أخبره بمزيد من التفاصيل الخاصة بتلك البيضة باهظة الثمن.

وعرض العاملون البيضة الضخمة، التي كانت الأخيرة لديهم، وأخبروه أنّ العمل على تلك البيضة المزيّنة يدوياً يستغرق بين ساعتين و4 ساعات.

بعد شراء البيضة مقابل 1300 جنيه إسترليني، قال كارمي: «تنتابني قشعريرة. أشعر بالسخافة حالياً. أعلم جيداً أنّ الشوكولاته التي يبيعونها مذهلة، لذا أتحرَّق شوقاً لتناول هذه البيضة».

وكان قد صرَّح سابقاً أنّ بيضة «مارشيسي» الأرخص، التي جرَّبها من قبل، كانت «أفضل بيضة عيد فصح تناولها على الإطلاق»، لذا من المرجَّح أن تكون هذه البيضة جيدة أيضاً.

وقال عن تلك البيضة: «لقد تناولت قضمتين منها، والشوكولاته جيدة جداً. مذاقها يشبه مذاق أغلى شوكولاته تذوّقتها في حياتي. ربما لأنها كذلك بالفعل. إنها أفضل بيضة عيد فصح تذوّقتها على الإطلاق. أعتقد أنني سأمنحها تقييماً 10 من 10».

مع ذلك، كان المعلّقون على أحدث المقاطع المصوّرة له عن بيضة عيد الفصح أقل حماسة وانبهاراً، إذ قال أحدهم: «بالنظر إلى ذلك السعر، كنت أتوقّع مدة أطول لصناعتها».

وأضاف آخر: «ما المدّة التي يستغرقها إعداد البيضة؟ ساعتان وانتهى الأمر يا صديقي». وكتب ثالث: «إنها مذهلة حقاً، لكن دفع 1300 جنيه إسترليني مقابل بيضة عيد الفصح أمر بذيء».

وكان كارمي قد واجه انتقادات من قبل لثنائه على بيضة سعرها 750 جنيهاً إسترلينياً كان قد تذوّقها، إذ قال الناس إنه قد أنفق مبلغاً من المال يكفي لإطعام أسرة من 5 أفراد طوال شهر، واصفين السعر بأنه «باهظ بشكل مبالغ فيه».

لذا، ليس من غير المستغرب ألا ينبهر الناس أيضاً بأحدث المنتجات الباذخة التي اشتراها.


أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
TT

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

شكَّل حوارٌ مسرحيّ من أسئلة طُرِحت وأخرى تكوَّنت من التجربة الشخصية، ورشةَ «صياغة نصّ مسرحي» التي نظَّمها «مسرح المونو» بالتعاون مع «المسرح الملكي في لندن». حوارٌ يندرج ضمن سلسلة لقاءات أسبوعية يحرص المسرح على استضافتها، في محاولة لترسيخ حضور ثقافي يتغلَّب على وطأة الحرب وثقل أخبار الخراب.

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية، بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق. منذ اللحظة الأولى، وضعت المشاركين أمام جوهر الكتابة، فسألتهم أيّ نوع من المسرح يُثيرهم، وأيّ حكاية يريدون سردها؟ أسئلة كشفت عن بنى تفكير متشابكة؛ إذ انحاز الحضور إلى مسرح يُقلق، ومسرح يتوغَّل في الداخل، فيُحاكي ثنائية الجسد والروح، ويتناول العبث والوجود والمناطق الرمادية التي يختلط فيها الحقيقي بالمتخيَّل.

مكان يراهن على الثقافة حين يثقل الواقع بما يكفي (الشرق الأوسط)

هذا التوجُّه انعكس في المداخلات التي لم تكتفِ بوصف رغبات جمالية، فلامست قضايا الظلم والسخرية السوداء والدورات النفسية المُغلقة، حيث تتكرَّر الأحداث كأنها عالقة في دوّامة بلا نهاية. من الإجابات، بدا أنّ المشاركين يميلون إلى تجاوز الحكاية التقليدية، متّجهين نحو تفكيك بنيتها وإعادة صياغتها وفق تصوّرات مغايرة.

ضمن هذا السياق، جاءت مداخلة فلينتوف أقرب إلى إدارة حوار جماعي منها إلى تقديم محاضرة بالمعنى التقليدي. استمعت إلى الحضور بانتباه وطرحت أسئلة إضافية تُعزّز النقاش، أكثر مما قدَّمت نموذجاً تعليمياً مُتكاملاً حول كيفية كتابة النصّ المسرحي. تحدّثت عن الفكرة التي تنشأ في الداخل وعن حاجة غامضة تدفع الكاتب إلى إخراج ما يختلج فيه، مشيرةً إلى ضرورة التقاط هذه البذرة الأولى من دون الإفراط في تحليل مسارها أو محاولة ضبط نهاياتها مُسبقاً.

خرائط للسرد... والتجربة الشخصية تبقى المرجع (الشرق الأوسط)

هذا المنحى التفاعلي على أهميته ترك انطباعاً بأنّ الورشة مالت إلى العموميات أكثر مما اقتربت من أدوات الكتابة في ذاتها. فبين طرح الأسئلة وتبادل الأفكار، كان ثمة توقُّع بالحصول على مفاتيح أوضح لبناء النصّ المسرحي لجهة البنية وتطوّر الشخصيات وإيقاع المشهد. تصويبات فلينتوف جاءت دقيقة في بعض اللحظات، وكذلك نصائحها، لكنها ظلَّت موزَّعة ضمن سياق حواري مفتوح، أكثر من ضبطها بإطار منهجي متماسك.

اللافت في العرض البصري الذي رافق الورشة، أنه حاول رسم خريطة لأنماط الكتابة المسرحية، بين تقليدية وتجريبية. جرى التوقُّف عند نماذج تعتمد زمناً مغلقاً ومكاناً واحداً، حيث يتكثَّف الصراع ضمن مساحة محدودة، مقابل نماذج أخرى تنفتح على تعدُّد الأزمنة والأمكنة، وتسمح بتشظّي السرد. كما برزت مقاربات أكثر راديكالية، تعتمد تفكيك البنية بالكامل، سواء عبر نصوص مجزّأة أو أعمال تتخلَّى عن الشخصية على أنها المحور الأساسي للحكاية.

تفاصيل تُبنى منها ملامح نصّ (الشرق الأوسط)

بدت هذه الإشارات، رغم اختصارها، كأنها تدعو إلى التفكير في شكل المسرح أكثر من محتواه، وفي علاقته بالزمن تحديداً. بالزمن الذي يسير إلى الأمام، أو يتكسّر، أو يُعيد نفسه في حلقات متكرّرة. وهو طرحٌ يتقاطع مع ما عبَّر عنه المشاركون، الذين بدوا ميّالين إلى مسرح يكسر الخطّ المستقيم للحكاية، ويستبدل به مسارات مُتداخلة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية.

وسط هذا النقاش، تبرز أهمية المبادرة التي يقودها «مسرح المونو» الذي يواصل، عبر ورشاته الأسبوعية، خَلْق مساحة لقاء بين كتّاب أو مخرجين ومهتمّين بالمسرح، في وقت تتكثَّف فيه الحاجة إلى منصّات تسمح بالتفكير الجماعي وتبادل الخبرات. وهذا أحد أدوار المسرح في الشدائد، فيسعى إلى حماية الحضور الثقافي للمدينة في مواجهة صوت الصاروخ وصورة الدمار.

أفكار على الشاشة وأسئلة تتكوّن في القاعة (الشرق الأوسط)

نجحت ورشة فلينتوف، بما حملته من تفاعل وأسئلة، في تحريك النقاش حول الكتابة المسرحية، وإنْ بقيت بعض جوانبها في إطار الإضاءة العامة. التجربة توزَّعت بين ما طُرح وما ظلَّ معلقاً، فتركت أثرها في تحفيز مزيد من الاشتغال، وأكدت أنّ الكتابة المسرحية تنطلق في أساسها من سؤال بلا إجابة نهائية.


الحقيقة خلف «جنون البدر»... هل فعلا يحرّك القمر مشاعرنا؟

يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
TT

الحقيقة خلف «جنون البدر»... هل فعلا يحرّك القمر مشاعرنا؟

يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)

«لا بد أنه القمر المكتمل (Full Moon)». كم مرة نستخدم هذه العبارة عندما نواجه سائقين متهورين أو تقلبات في المزاج أو سلوكيات غريبة أو ارتفاع الحوادث.

فلطالما ارتبط اكتمال القمر بالخرافات والسلوكيات الغريبة. وتعود هذه الفكرة إلى القرن الأول، حين افترض الفيلسوف اليوناني أرسطو والمؤرخ الروماني بليني الأكبر أن اكتمال القمر يسبب الجنون. وفي الواقع، كلمة «مجنون» (lunatic) بالإنجليزية مشتقة من الكلمة اللاتينية «lunaticus» التي تعني «من القمر» أو «متأثر بالقمر».

لكن مع تطور الأبحاث العلمية، يزداد الجدل حول حقيقة تأثير القمر على الإنسان، وما إذا كان هذا الارتباط حقيقياً أم مجرد وهم نفسي متوارث.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» ما يقوله العلم عن تأثير القمر، ولماذا لا تزال هذه الفكرة راسخة في أذهان الكثيرين.

في الواقع، قد يكون أي «تأثير» للقمر مرتبطاً بأسلافنا. لكن أهميته الكبيرة في بعض الممارسات والطقوس الروحية، القديمة والحديثة، إضافة إلى ارتباطه بالفولكلور والأساطير والحكايات الشعبية، تعني أنه رغم ما تقوله العلوم، لا يزال البعض يختار الإيمان بقوة القمر.

مصدر الأسطورة

في فرضية قديمة تعود إلى قرون، اعتقد أرسطو وبليني الأكبر أن الدماغ، لكونه رطباً، قد يتأثر بالقمر كما تتأثر مياه الأرض به. واعتقدا أن القمر قادر على التسبب في الجنون أو الصرع.

كما تناول بعض المفكرين المعاصرين هذه الفكرة. فقد بحث الطبيب النفسي أرنولد ليبر هذا الاعتقاد في كتابيه «تأثير القمر: المدّ البيولوجي والعواطف البشرية» (1978) و«كيف يؤثر القمر عليك».

واقترح ليبر أن جسم الإنسان، الذي يتكون بنحو 70 في المائة من الماء، يتعرض لتغيرات تشبه المد والجزر تبعاً لمراحل القمر، كما يحدث في محيطات الأرض. وادعى أن معدلات القتل والانتحار والاعتداءات الشديدة وحالات الطوارئ النفسية وحوادث السير المميتة ترتفع بشكل كبير خلال البدر.

ورغم أن هذه النظرية قد تبدو منطقية في البداية، فإن الخبراء سارعوا إلى رفضها. فقد بيّنت إحدى الدراسات أن قوة جاذبية الأرض أقوى بـ5012 مرة من جاذبية القمر، وأن تأثير القمر لا يتجاوز وزن برغوث. وبينما ينظم القمر المد والجزر في المسطحات المائية الكبيرة، فإن تأثيره على كوب ماء أو حوض استحمام أو جسم الإنسان يُعد ضئيلاً للغاية.

وقد خلص علماء الفلك والفيزياء وعلم النفس إلى أن سلوك الإنسان لا يرتبط بمراحل القمر.

وفي عام 1985، أجرى باحثون تحليلاً شمل 37 دراسة قارنت بين دورات القمر ومعدلات مكالمات مراكز الأزمات والانتحار والجرائم والمشكلات النفسية، وأظهرت النتائج عدم وجود أي علاقة بين البدر وزيادة هذه الحالات.

كما أكدت دراسات حديثة أخرى عدم وجود صلة بين اكتمال القمر ودخول المستشفيات أو الحالات النفسية أو السلوك العدواني. بل إن دراسة أُجريت في فنلندا وجدت أن جرائم القتل كانت أقل خلال البدر.

إذاً، لماذا تستمر هذه الخرافات رغم نفي العلم لها؟

السلوك المرتبط بالوعي القمري

عندما يستمر اعتقاد لآلاف السنين، قد يفترض الناس أن له أساساً ما. وقد أشارت مقالة إلى أن تأثير «جنون القمر» ربما نشأ لأن ضوء القمر الساطع كان يؤثر على نوم أسلافنا، ما قد يؤدي إلى قلة النوم وتغير المزاج.

واليوم، تشير بعض الأدلة إلى أن النوم قد يتأثر بدورات القمر، وهو ما قد يفسر بعض التغيرات السلوكية.

لكن كثيراً من الخبراء يرون أن الإيمان القوي بتأثير القمر هو مثال على «الارتباط الوهمي» أو «التحيز التأكيدي»، حيث يركز الناس على الأحداث التي تدعم معتقداتهم ويتجاهلون ما يخالفها.

فنحن أكثر ميلاً لملاحظة الأمور الغريبة عندما يكون القمر بدراً، وتبقى هذه الملاحظات عالقة في الذاكرة.

وتقول المعالجة النفسية إيمي مورين: «قد يكون التوقع بأن الأمور تصبح أكثر غرابة خلال البدر يتحول إلى معتقد يحقق نفسه. فقد يبدأ الناس في التصرف بشكل مختلف لأنهم يعتقدون أنهم يجب أن يفعلوا ذلك».

وسواء كان للقمر تأثير خفي على سلوك الإنسان أم لا، فإن هناك جانباً يتعلق بالوعي في طريقة تفاعل البشر مع دوراته.

الأهمية الروحية للقمر

يحمل القمر أهمية كبيرة لدى ثقافات السكان الأصليين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، كان السكان الأصليون الأوائل يعتبرون أن «الجدة القمر» تنظم المد والجزر وتراقب مياه الأرض، وكانت الأقمار الكاملة تُستخدم لتتبع مرور السنة، ولذلك تحمل أسماء مختلفة بحسب كل قبيلة. ولا تزال طقوس تكريم القمر والرقصات المرتبطة به تمثل جزءاً مهماً من العلاقة مع الطبيعة.

كما يحمل القمر أهمية روحية لدى مجموعات أخرى أيضاً. ففي علم التنجيم، يُعتقد أن دورات القمر تؤثر بشكل كبير على السلوكيات والمشاعر.

وغالباً ما يُرتبط القمر بالعقل الباطن، ويُعتقد أن «برج القمر»، المرتبط بموقعه لحظة الولادة، يكشف عن العواطف والحدس.

ويُنظر إلى التوافق الواعي مع مراحل القمر كأداة قوية للعناية الذاتية. فكل 29.5 يوم، يُكمل القمر دورة كاملة، وترتبط كل مرحلة منها بأنشطة معينة تختلف حسب الثقافات. فمثلاً، يُعتقد أن البدر وقت للتأمل، بينما يمثل القمر الجديد فرصة لتحديد الأهداف.

ورغم أن العلم دحض العديد من الأساطير المرتبطة بالقمر، لا يزال البعض متمسكاً بهذه المعتقدات.