مسلسلات رمضان بين المميّز والأقل تميّزاً وغير المُوفَّق

الموسم لمعت فيه أسماء أكثر مما تألّقت نصوص

الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
TT

مسلسلات رمضان بين المميّز والأقل تميّزاً وغير المُوفَّق

الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية

أثرُ بعض المسلسلات، لم ينقذ الموسم الرمضاني من ضعف طاغٍ. شاهدنا 4 أعمال مشتركة (لبنانية – سورية) و6 سورية؛ القيِّم بينها قليل. مسلسلات انطلقت بانطباع، وانتهت بآخر. الحلقات الثلاثون فضحت الخواء وأكدت التطويل. هذا موسم لمعت فيه أسماء أكثر مما تألّقت نصوص. بقيادة ممثلين، وصلت أعمال إلى برّ الأمان، من دون أن يُبحر بعضها بالضرورة نحو مكانه المحفوظ في الذاكرة. التأثير ليس دائماً الإفراط في قتل الشخصيات. هو العِبرة مما يجري.

الأكثر تميّزاً

معيار التصنيف القيمة الفنية فقط. فالمسلسل السوري «مال القبان» حمل دلالات، تألّق، وتصدَّر قائمة الأفضل. هنا «سوق الجبر» بمثابة سوريا؛ والتلاعب بالأسعار، والاحتكار، وشراهة التجار، اختزالات لقسوة الواقع على إنسانها. استطاع نصُّ الكاتبين علي وجيه ويامن الحجلي، أمام كاميرا المخرج سيف السبيعي، رواية مرحلة تُباع فيها ضمائر فيدفع ناسها الثمن، ويأتي الندم متأخراً. ذلك تقدَّم بسردية لافتة بيَّنت قيمته الفنية، والمعنى خلف السطور ضمن إسقاطات لمّاعة على المجتمع المعاصر.

«مال القبان» أفضل المسلسلات السورية

ودراما هذا الموسم شهدت مسلسلَي قضية. الأول لبناني مع حضور سوري يمثّله مهيار خضور وضيفة الشرف ديمة الجندي. فمسلسل «ع أمل»، انتشل صوت النساء من الخفوت. إصبعه مباشر على الجرح، وضميره صاحٍ. أمام كاميرا المخرج السوري رامي حنا، تقدّمت مشهدية الظلم. فنصُّ الكاتبة اللبنانية نادين جابر صوَّر حالة قابلة للإسقاط على كل مجتمع تُساق فيه المرأة إلى مصير يقرّره الرجل. بإمكان ما لا تُحقّقه مظاهرة أو احتجاج، أو مطالبة بعدالة لا تلقى صدى، أن يفعله هذا المسلسل. وهنا مكانته. دفع قضايا النساء نحو مزيد من الضوء، وتصدَّر الموسم.

«ع أمل» حرَّك الشارع (لقطة من الحلقة الأخيرة عن صفحة مهيار خضور)

مسلسل القضية الآخر هو «أغمض عينيك». عمل سوري أمين لحكاية المصابين باضطراب طيف التوحّد، والتعايش في مجتمعات غير مجهَّزة لاحتواء «المختلف». كتب أحمد الملا ولؤي النوري نصاً هدفه إعلان الحب وإعلاء دوره في الاحتضان والشفاء وردِّ الروح. أحياناً راوح مكانه، لكنه ظلَّ راقياً في معالجته، لا يبحث عن موقع وسط السرب. تتبَّع رحلة المُتوحِّد من طفولته إلى شبابه. أحاطه بالأخيار والأشرار، وقدَّم عِبرة من كل موقف. كان مدرسة من حيث لا يدري. أضاء على ظلمات ونوَّر الدروب. والأهم أنه أيقظ الوعي حيال التعامل مع الحالات الخاصة. هنا، صبَّ اهتمامه، وتألَّق. والنتيجة دراما دافئة، تصنع التأثير ولا تتبع المألوف.

أمل عرفة تألّقت بشخصية «حياة» في مسلسل «أغمض عينيك» (حسابها الشخصي)

«تاج» أيضاً من الأعمال المتصدِّرة والواثقة بمكانتها وإن كثُر المتنافسون. هذا المسلسل السوري سرَدَ مرحلة، واستعاد حقبة. نصّ عمر أبو سعدة، وكاميرا سامر البرقاوي، تخطّيا المُنتَظر من دراما الاحتلال الفرنسي لسوريا، إلى الانغماس في مشهدية كاملة تحبس النَفَس. كانت دمشق في أوج حضورها، وشبابها وشاباتها أمام أدوارهم المؤثّرة. مسلسلٌ أبعد من إدانة لاحتلال. إنه تحية لتضحيات، ولزمن سوري جميل عَبَر الترومواي في شوارعه، وتألّق بحركته الثقافية، والتعايش الاجتماعي، ودور المرأة في كتابة تاريخه.

«تاج» أحد أهم وأضخم الإنتاجات السورية (البوستر الرسمي)

الأقل تميّزاً

الصنف المتميّز، تليه أعمال أقل تميّزاً. يمكن تصنيف «ولاد بديعة» بين المنزلتين، بعدما تألّق بقسمه الأول، وارتبك مع مرور الحلقات، فضلَّ طريقه نحو المرتبة الأولى. شخصياته في الصدارة. لكنّ نصّ علي وجيه ويامن الحجلي وقع في المراوغة رغم براعة الحوارات. فالمسلسل لم يقل إنّ الساقي سيُسقى بما سقى، إلا بالإفراط في تصوير كلّ شيء أسود. تناول عناوين منها التفكُّك، والماضي القذر، وضريبة المكان، والإنسان الوحش، وحين قال كل ما لديه، ملأ الحكاية بما هدفه إطالة عمرها.

«ولاد بديعة» أمكن أن يتصدَّر المشهد لولا التطويل (لقطة من الحلقة الأخيرة)

لننتقل إلى «العربجي 2». أجَّج حكايته بإدخال ابنة المتصرّف في اللعبة، وبالمواجهة مع «الظلّ»، وعرف كيف يشدّ الأنظار. استمرار الحكاية لم يأتِ بما يضيف إلى نجاحاتها السابقة فارقاً جوهرياً، رغم استطاعته الدفع بإيقاعه إلى الأمام كلما قلَّ وهجه. هذا مسلسل تشويق، أفرد المساحة الكبرى لتألُّق بطله «عبدو» (باسم ياخور بأداء ممتاز)، وتأكيد مهارة ديمة قندلفت في جَعْل شخصيتها، «بدور»، رافعة العمل.

«العربجي» حافظ على إيقاعه المتصاعد (الشركة المُنتِجة)

أعمال لم تُوفَّق

مسلسل «2024» من بطولة نادين نجيم، أحدها. عالم المطاردات، والشرطة والأكشن، ضمن نصّ بدا متراخياً، لخفوت لمعاته الحوارية وتسلُّل فراغات إلى سياقه. لم يأتِ بـ«نفضة» للمشهد المألوف عندما يتعلّق الأمر بالقبض على تاجر مخدرات (لا بدّ أن يُقتل في النهاية ويتزوّج البطلان!). جزء ثانٍ لم يكن من داعٍ له.

مسلسل «2024» أمكن أن يكون أفضل (لقطة من المسلسل)

مسلسل آخر يلتحق بما لم يشكّل قيمة كبيرة، هو «نقطة انتهى». تحرَّك بعدما طال تحرُّكه، لكنّ خُطاه ظلّت مُكبَّلة. حاولت قصّته (فادي حسين) عبور مسار مختلف لحكاية العصابة والضحية والابتزاز والورطة، فأتى الإيقاع بطيئاً، والأثر قليلاً. شيء ما ظلَّ مفقوداً، من دون أن يشكّل مزيد من جرائم القتل حصانه الرابح. أمكن ربّانٌ ماهر التحايُل على الأمواج وإنقاذ المركب من الغرق، لكنّ المخرج محمد عبد العزيز لم يقدّم أفضل ما لديه. حَرَم القصة مجالاً لإثبات نفسها، رغم حضور ندى أبو فرحات العفوي وأسماء من قيمة، فلم تنل ما طمحت إليه، وإنْ استحقّت فرصة.

«نقطة انتهى» لم يكن بين الأفضل (البوستر الرسمي)

مما لم يُوفَّق أيضاً، المسلسل اللبناني – السوري «نظرة حب». عملٌ لم يُشكّل إضافة تُذكَر. ضربه ممل، ولم يحافظ على ماء وجهه. نيّته تقديم الحب بقالب فلسفيّ عذب، اصطدمت بتنفيذ حوَّل النيات أمنيات ضائعة. الفكرة مقدَّرة، لو أُلحِقت بنصّ متماسك وإخراج رشيق يشدّ الانتباه. لم يحدُث. كان الظنّ أنّ حضور باسل خياط يضمن النتيجة، وحلَّت خيبة. كارمن بصيبص أدّت مَشاهد جيدة في مسلسل سيئ.

«نظرة حب» نياته الحسنة أضرَّها تنفيذه (البوستر الرسمي)

سوء التنفيذ لاحق أيضاً مسلسل «كسر عضم السراديب»، غير الموفَّق بالعودة في جزء ثانٍ. الموضوع الأمني، والفساد، والتجاوزات، وحُكم القوي على الضعيف، والإنسان السوري المُعلّق من عنقه، مقاربات مهمّة لو صُبَّت بقالب متين، وأمسكتها كاميرا أكثر ثقة بنفسها. الرهان على نجاح سابق، لا يضمن نجاحاً آتياً. المسلسل «ضحية» هذا الرهان الخاسر.


مقالات ذات صلة

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)
الخليج من عملية رصد هلال شهر شوال في المرصد الفلكي بحوطة سدير (جامعة المجمعة)

السعودية ودول عربية: الجمعة أول أيام عيد الفطر

أعلنت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والعراق واليمن، أن يوم الخميس هو المتمم لشهر رمضان، والجمعة أول أيام عيد الفطر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.