مسلسلات رمضان بين المميّز والأقل تميّزاً وغير المُوفَّق

الموسم لمعت فيه أسماء أكثر مما تألّقت نصوص

الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
TT

مسلسلات رمضان بين المميّز والأقل تميّزاً وغير المُوفَّق

الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية

أثرُ بعض المسلسلات، لم ينقذ الموسم الرمضاني من ضعف طاغٍ. شاهدنا 4 أعمال مشتركة (لبنانية – سورية) و6 سورية؛ القيِّم بينها قليل. مسلسلات انطلقت بانطباع، وانتهت بآخر. الحلقات الثلاثون فضحت الخواء وأكدت التطويل. هذا موسم لمعت فيه أسماء أكثر مما تألّقت نصوص. بقيادة ممثلين، وصلت أعمال إلى برّ الأمان، من دون أن يُبحر بعضها بالضرورة نحو مكانه المحفوظ في الذاكرة. التأثير ليس دائماً الإفراط في قتل الشخصيات. هو العِبرة مما يجري.

الأكثر تميّزاً

معيار التصنيف القيمة الفنية فقط. فالمسلسل السوري «مال القبان» حمل دلالات، تألّق، وتصدَّر قائمة الأفضل. هنا «سوق الجبر» بمثابة سوريا؛ والتلاعب بالأسعار، والاحتكار، وشراهة التجار، اختزالات لقسوة الواقع على إنسانها. استطاع نصُّ الكاتبين علي وجيه ويامن الحجلي، أمام كاميرا المخرج سيف السبيعي، رواية مرحلة تُباع فيها ضمائر فيدفع ناسها الثمن، ويأتي الندم متأخراً. ذلك تقدَّم بسردية لافتة بيَّنت قيمته الفنية، والمعنى خلف السطور ضمن إسقاطات لمّاعة على المجتمع المعاصر.

«مال القبان» أفضل المسلسلات السورية

ودراما هذا الموسم شهدت مسلسلَي قضية. الأول لبناني مع حضور سوري يمثّله مهيار خضور وضيفة الشرف ديمة الجندي. فمسلسل «ع أمل»، انتشل صوت النساء من الخفوت. إصبعه مباشر على الجرح، وضميره صاحٍ. أمام كاميرا المخرج السوري رامي حنا، تقدّمت مشهدية الظلم. فنصُّ الكاتبة اللبنانية نادين جابر صوَّر حالة قابلة للإسقاط على كل مجتمع تُساق فيه المرأة إلى مصير يقرّره الرجل. بإمكان ما لا تُحقّقه مظاهرة أو احتجاج، أو مطالبة بعدالة لا تلقى صدى، أن يفعله هذا المسلسل. وهنا مكانته. دفع قضايا النساء نحو مزيد من الضوء، وتصدَّر الموسم.

«ع أمل» حرَّك الشارع (لقطة من الحلقة الأخيرة عن صفحة مهيار خضور)

مسلسل القضية الآخر هو «أغمض عينيك». عمل سوري أمين لحكاية المصابين باضطراب طيف التوحّد، والتعايش في مجتمعات غير مجهَّزة لاحتواء «المختلف». كتب أحمد الملا ولؤي النوري نصاً هدفه إعلان الحب وإعلاء دوره في الاحتضان والشفاء وردِّ الروح. أحياناً راوح مكانه، لكنه ظلَّ راقياً في معالجته، لا يبحث عن موقع وسط السرب. تتبَّع رحلة المُتوحِّد من طفولته إلى شبابه. أحاطه بالأخيار والأشرار، وقدَّم عِبرة من كل موقف. كان مدرسة من حيث لا يدري. أضاء على ظلمات ونوَّر الدروب. والأهم أنه أيقظ الوعي حيال التعامل مع الحالات الخاصة. هنا، صبَّ اهتمامه، وتألَّق. والنتيجة دراما دافئة، تصنع التأثير ولا تتبع المألوف.

أمل عرفة تألّقت بشخصية «حياة» في مسلسل «أغمض عينيك» (حسابها الشخصي)

«تاج» أيضاً من الأعمال المتصدِّرة والواثقة بمكانتها وإن كثُر المتنافسون. هذا المسلسل السوري سرَدَ مرحلة، واستعاد حقبة. نصّ عمر أبو سعدة، وكاميرا سامر البرقاوي، تخطّيا المُنتَظر من دراما الاحتلال الفرنسي لسوريا، إلى الانغماس في مشهدية كاملة تحبس النَفَس. كانت دمشق في أوج حضورها، وشبابها وشاباتها أمام أدوارهم المؤثّرة. مسلسلٌ أبعد من إدانة لاحتلال. إنه تحية لتضحيات، ولزمن سوري جميل عَبَر الترومواي في شوارعه، وتألّق بحركته الثقافية، والتعايش الاجتماعي، ودور المرأة في كتابة تاريخه.

«تاج» أحد أهم وأضخم الإنتاجات السورية (البوستر الرسمي)

الأقل تميّزاً

الصنف المتميّز، تليه أعمال أقل تميّزاً. يمكن تصنيف «ولاد بديعة» بين المنزلتين، بعدما تألّق بقسمه الأول، وارتبك مع مرور الحلقات، فضلَّ طريقه نحو المرتبة الأولى. شخصياته في الصدارة. لكنّ نصّ علي وجيه ويامن الحجلي وقع في المراوغة رغم براعة الحوارات. فالمسلسل لم يقل إنّ الساقي سيُسقى بما سقى، إلا بالإفراط في تصوير كلّ شيء أسود. تناول عناوين منها التفكُّك، والماضي القذر، وضريبة المكان، والإنسان الوحش، وحين قال كل ما لديه، ملأ الحكاية بما هدفه إطالة عمرها.

«ولاد بديعة» أمكن أن يتصدَّر المشهد لولا التطويل (لقطة من الحلقة الأخيرة)

لننتقل إلى «العربجي 2». أجَّج حكايته بإدخال ابنة المتصرّف في اللعبة، وبالمواجهة مع «الظلّ»، وعرف كيف يشدّ الأنظار. استمرار الحكاية لم يأتِ بما يضيف إلى نجاحاتها السابقة فارقاً جوهرياً، رغم استطاعته الدفع بإيقاعه إلى الأمام كلما قلَّ وهجه. هذا مسلسل تشويق، أفرد المساحة الكبرى لتألُّق بطله «عبدو» (باسم ياخور بأداء ممتاز)، وتأكيد مهارة ديمة قندلفت في جَعْل شخصيتها، «بدور»، رافعة العمل.

«العربجي» حافظ على إيقاعه المتصاعد (الشركة المُنتِجة)

أعمال لم تُوفَّق

مسلسل «2024» من بطولة نادين نجيم، أحدها. عالم المطاردات، والشرطة والأكشن، ضمن نصّ بدا متراخياً، لخفوت لمعاته الحوارية وتسلُّل فراغات إلى سياقه. لم يأتِ بـ«نفضة» للمشهد المألوف عندما يتعلّق الأمر بالقبض على تاجر مخدرات (لا بدّ أن يُقتل في النهاية ويتزوّج البطلان!). جزء ثانٍ لم يكن من داعٍ له.

مسلسل «2024» أمكن أن يكون أفضل (لقطة من المسلسل)

مسلسل آخر يلتحق بما لم يشكّل قيمة كبيرة، هو «نقطة انتهى». تحرَّك بعدما طال تحرُّكه، لكنّ خُطاه ظلّت مُكبَّلة. حاولت قصّته (فادي حسين) عبور مسار مختلف لحكاية العصابة والضحية والابتزاز والورطة، فأتى الإيقاع بطيئاً، والأثر قليلاً. شيء ما ظلَّ مفقوداً، من دون أن يشكّل مزيد من جرائم القتل حصانه الرابح. أمكن ربّانٌ ماهر التحايُل على الأمواج وإنقاذ المركب من الغرق، لكنّ المخرج محمد عبد العزيز لم يقدّم أفضل ما لديه. حَرَم القصة مجالاً لإثبات نفسها، رغم حضور ندى أبو فرحات العفوي وأسماء من قيمة، فلم تنل ما طمحت إليه، وإنْ استحقّت فرصة.

«نقطة انتهى» لم يكن بين الأفضل (البوستر الرسمي)

مما لم يُوفَّق أيضاً، المسلسل اللبناني – السوري «نظرة حب». عملٌ لم يُشكّل إضافة تُذكَر. ضربه ممل، ولم يحافظ على ماء وجهه. نيّته تقديم الحب بقالب فلسفيّ عذب، اصطدمت بتنفيذ حوَّل النيات أمنيات ضائعة. الفكرة مقدَّرة، لو أُلحِقت بنصّ متماسك وإخراج رشيق يشدّ الانتباه. لم يحدُث. كان الظنّ أنّ حضور باسل خياط يضمن النتيجة، وحلَّت خيبة. كارمن بصيبص أدّت مَشاهد جيدة في مسلسل سيئ.

«نظرة حب» نياته الحسنة أضرَّها تنفيذه (البوستر الرسمي)

سوء التنفيذ لاحق أيضاً مسلسل «كسر عضم السراديب»، غير الموفَّق بالعودة في جزء ثانٍ. الموضوع الأمني، والفساد، والتجاوزات، وحُكم القوي على الضعيف، والإنسان السوري المُعلّق من عنقه، مقاربات مهمّة لو صُبَّت بقالب متين، وأمسكتها كاميرا أكثر ثقة بنفسها. الرهان على نجاح سابق، لا يضمن نجاحاً آتياً. المسلسل «ضحية» هذا الرهان الخاسر.


مقالات ذات صلة

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

يوميات الشرق أتقن جوان رَسْم ملامح «فجر» وقدَّم مشهديات صامتة (مشهد من «تحت سابع أرض»)

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

أتقن الممثل السوري جوان خضر رَسْم ملامح «فجر» في مسلسل «تحت سابع أرض» الرمضاني وقدَّم مشهديات صامتة أغنت الحوار. نطق بعينيه. شخصية مُركَّبة حملت أكثر من تفسير.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق في فيلم «نهاد الشامي» تُجسّد جوليا قصّار شخصية الحماة المتسلّطة (إنستغرام)

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

ترى جوليا قصّار أنّ مشاركة باقة من الممثلين في المسلسل أغنت القصّة، ونجحت نادين جابر في إعطاء كل شخصية خطّاً يميّزها عن غيرها، مما ضاعف حماسة فريق العمل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حسن عسيري خلال استضافته المطرب إيهاب توفيق (الشرق الأوسط)

حسن عسيري يستحضر حسَّه الكوميدي في برنامجه «بروود كاست»

في حواره مع «الشرق الأوسط» تحدّث الفنان والمنتج السعودي حسن عسيري عن كواليس برنامجه «بروود كاست».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

من مصر إلى لبنان وسوريا مروراً بالخليج، جولة على أكثر أغاني المسلسلات جماهيريةً واستماعاً.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير.

فاطمة عبد الله (بيروت)

«ناسا» تعيد طاقماً من محطتها الفضائية بسبب مشكلة صحية

رواد الفضاء الأربعة سيعودون إلى الأرض (أ.ف.ب)
رواد الفضاء الأربعة سيعودون إلى الأرض (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تعيد طاقماً من محطتها الفضائية بسبب مشكلة صحية

رواد الفضاء الأربعة سيعودون إلى الأرض (أ.ف.ب)
رواد الفضاء الأربعة سيعودون إلى الأرض (أ.ف.ب)

أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أن أربعة رواد فضاء سيعودون إلى الأرض من محطة الفضاء الدولية قبل أكثر من شهر من الموعد المقرر، عقب تعرض أحد أفراد الطاقم، الذي لم يُكشف عن اسمه، لمشكلة صحية أثناء وجوده في الفضاء.

ويمثل هذا القرار سابقة في تاريخ الوكالة؛ إذ إنها المرة الأولى التي تعيد فيها «ناسا» رواد فضاء من محطة الفضاء الدولية بشكل مبكر بسبب ظرف صحي. ولم تقدم الوكالة تفاصيل عن طبيعة المشكلة، مشيرة إلى اعتبارات تتعلق بالخصوصية، ومؤكدة أنها لا تناقش عادة التفاصيل الصحية الخاصة برواد الفضاء لديها.

ومن المقرر أن تعيد كبسولة «كرو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس» الطاقم المؤلف من أربعة أفراد إلى الأرض، حيث ستغادر المركبة المحطة الفضائية في أقرب وقت ممكن، ربما مساء الأربعاء عند الساعة الخامسة بتوقيت المنطقة الزمنية الشرقية. وأفادت «ناسا»، في بيان مساء الجمعة، بأن الكبسولة ستنهي رحلتها بهبوط في مياه المحيط قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا في وقت مبكر من صباح اليوم التالي.

وكانت الوكالة قد أكدت في وقت سابق أن حالة رائد الفضاء المعني مستقرة، ومن غير المتوقع أن يحتاج إلى رعاية خاصة خلال رحلة العودة، على حد قول الدكتور جيمس بولك، كبير مسؤولي الصحة والطب في «ناسا»، مشيراً إلى أن تقييم الحالة على الأرض سيكون الخيار الأفضل.

وأوضح بولك، خلال مؤتمر صحافي عُقد الخميس، أن محطة الفضاء الدولية مجهزة «بمجموعة قوية جداً من المعدات الطبية»، لكنه أشار إلى أنها لا تضاهي الإمكانات المتوافرة في أقسام الطوارئ على الأرض. وأضاف: «في هذه الحادثة تحديداً، نرغب في استكمال الفحوصات الطبية اللازمة، وأفضل طريقة للقيام بذلك هي على الأرض».


إطلاق دمية باربي جديدة مصابة بالتوحد

دمية باربي جديدة مصابة بالتوحد (أ.ب)
دمية باربي جديدة مصابة بالتوحد (أ.ب)
TT

إطلاق دمية باربي جديدة مصابة بالتوحد

دمية باربي جديدة مصابة بالتوحد (أ.ب)
دمية باربي جديدة مصابة بالتوحد (أ.ب)

أعلنت شركة ماتيل الأميركية العملاقة للألعاب الاثنين إطلاق دمية باربي جديدة مصابة بالتوحد، لتكون أحدث إضافة إلى مجموعتها التي تحتفي بالتنوع.

وأشارت ماتيل في بيان إلى أن هذا النموذج الجديد ينضم إلى المجموعة التي تضم دمى باربي مصابة بمتلازمة داون (تثلث الصبغي 21)، ودمية باربي كفيفة، ودمية باربي مصابة بداء السكري من النوع الأول.

التوحد اضطراب عصبي نمائي معقد وواسع النطاق له أسباب متعددة، ويرتبط في المقام الأول بمزيج من العوامل الوراثية بشكل أساسي، وأيضاً البيئية.

وذكرت الشركة التي مقرها في «إل سيغوندو» بولاية كاليفورنيا أنها تعاونت مع منظمة شبكة الدفاع الذاتي عن التوحد (Autistic Self Advocacy Network ASAN) التي تُعنى بحقوق الأشخاص المصابين بالتوحد وتحسين تمثيلهم في وسائل الإعلام.

وقالت ماتيل في بيان إن «الدمية صُممت بمساهمة من مجتمع التوحد لتمثيل الطرق الشائعة التي يختبر بها الأشخاص المصابون بالتوحد العالم من حولهم، ويتعاملون معه ويتواصلون من خلاله».

تتميز دمية باربي الجديدة المصممة خصيصاً للأطفال المصابين بالتوحد بمفاصل متحركة في المرفقين والمعصمين، على عكس دمى باربي التقليدية، ما يسمح لها بأداء حركات متكررة والتصفيق والقيام بإيماءات أخرى يستخدمها بعض المصابين بالتوحد لمعالجة المعلومات الحسية أو التعبير عن الحماسة.

كما أن عيني دمية باربي الجديدة مائلتان قليلاً لتمثيل ميل بعض المصابين بالتوحد لتجنب التواصل البصري المباشر.

تأتي هذه الدمى مع لعبة لتخفيف التوتر الحسي وسماعات رأس عازلة للضوضاء وجهاز لوحي، وفق ما ذكرت الشركة، مضيفة أنها تعهدت بالتبرع بألف دمية لمستشفيات الأطفال الأميركية المتخصصة في علاج التوحد.

لا تسمح المعارف العلمية المتوافرة الحالية بتحديد جميع أسباب التوحد بدقة، ما أدى إلى انتشار العديد من النظريات الخاطئة لسنوات، مثل وجود صلة سببية مزعومة بين التوحد واللقاحات، أو الإفراط في استخدام الشاشات، أو مؤخراً تناول الباراسيتامول أثناء الحمل.


مصر لتوثيق وإحياء تراث حي المعادي الهادئ

الضاحية جسدت فكرة الحي الحدائقي (الشرق الأوسط)
الضاحية جسدت فكرة الحي الحدائقي (الشرق الأوسط)
TT

مصر لتوثيق وإحياء تراث حي المعادي الهادئ

الضاحية جسدت فكرة الحي الحدائقي (الشرق الأوسط)
الضاحية جسدت فكرة الحي الحدائقي (الشرق الأوسط)

تتمتع ضاحية المعادي (جنوب القاهرة) بجاذبية خاصة؛ فهي تقدم مزيجاً متناغماً من الهدوء والجمال والشوارع المزدانة بالأشجار الكثيفة، وفيها يتضافر سحر الحياة في الأحياء الهادئة بسلاسة مع راحة المرافق الحديثة.

وتُعد المعادي التي تُبعد بحوالي 10 كيلومترات عن وسط العاصمة، حالة فريدة من التخطيط الحدائقي الدقيق، التي شُكلت في أواخر القرن التاسع عشر؛ مما يعكس التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها القاهرة في تلك الحقبة الزمنية.

ومن أكثر ما يميز الضاحية الخضراء طبيعة سكانها، حيث يُعرف عنهم أنهم يتمتعون بروح مجتمعية قوية، وعشق لتفاصيلها، وكأن الدفء والونس يستقران في قلوب ناسها، كما يسكنان نباتاتها وزهورها.

واحتفاءً بهذه الضاحية عقد «الجهاز القومي للتنسيق الحضاري» برئاسة المهندس محمد أبو سعدة ندوة حول كتاب «المعادي لمحات من تاريخ وتراث الضاحية الخضراء »، وهو الكتاب الخامس من سلسلة «ذاكرة المدينة» الصادرة عن الجهاز.

غلاف الكتاب التوثيقي عن المعادي (الشرق الأوسط)

أدار اللقاء الذي أقيم، الأحد، بدار الأوبرا، محرر ومعد الكتاب الدكتور نزار الصياد أستاذ العمارة والتخطيط وتاريخ العمران المتميز بجامعة كاليفورنيا بيركلي، واستعرض محاوره نخبة من المتخصصين في العمارة والتاريخ والتراث من المشاركين في إعداده.

«يأتي الكتاب بوصفه عملاً توثيقياً يتمتع بمنهج أكاديمي في جمع المعلومات والتحقق منها، ويقدمها في صياغة سردية مشوقة جاذبة للمتلقي؛ ولذلك فإنه برغم توجهه للقارئ العادي غير المتخصص، فإنه يُعد مرجعاً للباحثين، ليجدوا فيه ما يحتاجونه من تفاصيل تخص المكان» وفق الدكتور نزار الصياد.

وحول مراحل إعداد الكتاب قال الصياد لـ«الشرق الأوسط» إن «التحضير استغرق عاماً كاملاً، وهو جهد جماعي، شارك فيه نخبة من المتخصصين في مجالات العمارة و التخطيط العمراني والتراث والتاريخ، فضلاً عن شخصيات لطالما ارتبطت بهذه الضاحية العريقة، سواء للعمل أو المعيشة فيها لعشرات السنين أو للأمرين معاً». ومن المفارقات التي ربما لا يعرفها الكثيرون أن ضاحية «المعادي» التي تُعد من أروع أحياء القاهرة قد جاءت بالمصادفة؛ «فلم يكن مقصوداً أو مخططاً لها أن تقام في هذه الفترة الزمنية»، حسب الصياد.

وعن قصة إنشائها يقول: «كانت حلوان (جنوب المعادي) الواقعة على نهر النيل غرباً منطقة جذب للإنجليز في نهاية القرن الـ19 وبداية القرن العشرين كما هو معروف، خصوصاً ممن يرغب في الاستشفاء الطبيعي من أمراض معينة؛ بسبب طقسها المميز، ووجود الآبار الكبريتية بها» .

ركوب الدراجات كان من أهم سلوكيات قاطنيها (الشرق الأوسط)

ويواصل: «وتسهيلاً للوصول إلى حلوان، قرر أحد رجال الأعمال من عائلة (سوارس) المصرية اليهودية، مد خط قطار خاص من منطقة (باب اللوق) بوسط القاهرة إليها، واشترط رجل الأعمال أن يتملك جزءاً من الأراضي الموجودة حول الخط، ومن هنا نشأت المعادي بوصفها نقطة رئيسية يتوقف فيها المتوجهون إلى حلوان في بداية القرن الماضي، وقررت الشركة التي يملكها رجل الأعمال وضع تخطيط لها يقوم على مفهوم معماري كان سائداً في ذلك الوقت في إنجلترا وأميركا في نهاية القرن الـ19، و هو Garden City أو (مدينة الحدائق)».

ويقوم هذا المفهوم على فكرة المدينة الريفية، ذات المساحات الخضراء الواسعة، والأشجار الكثيفة، وتضم فيلات وقصوراً، وتنتج ما تستهلكه، ولا يحتاج قاطنوها إلى أي شيء من خارجها، وهو المفهوم نفسه الذي قامت عليه منطقة (جاردن سيتي) في وسط العاصمة؛ حيث الفيلات التي تحيط بها الأشجار، «لكن الفارق أن الأخيرة لم تنشأ لتضم مساحات زراعية خضراء أو بوصفها مركزاً اقتصادياً على العكس من (المعادي)»، وفق الصياد.

وشهدت الضاحية في البداية انتقال 6 عائلات مصرية إليها، إضافة إلى إقامة القوات الأسترالية والنيوزيلندية التابعتين لإنجلترا أثناء الحرب العالمية الأولى. وخلال الندوة استعرض المشاركون التطورات التي شهدتها الضاحية الهادئة، ومنها انتقال المثقفين المصريين إليها بعد «ثورة 1952»، ومغادرة كثير من العائلات التي قطنتها بسبب هجرة اليهود من مصر.

ولا تتوقف أهمية الصور التي يضمها الكتاب المكون من 180 صفحة ملونة على تقديم مشاهد نادرة من قلب المعادي القديمة؛ إنما تعد فوتوغرافيا الكتاب بمثابة وثائق تؤرخ لذاكرة المكان؛ حيث يصاحبها شرح تفصيلي.

ضاحية المعادي أنشئت بوصفها محطة في الطريق إلى حلوان (الشرق الأوسط)

وناقشت الندوة كثيراً من القضايا المرتبطة بالضاحية، ومنها الفصل المعنون بـ«المعادي: من مدينة اللاندسكيب إلى مدينة الخرسانة» للدكتور أمير جوهر مدير برنامج التخطيط الحضري بجامعة غرب إنجلترا ؛ حيث يرصد هذا الفصل تحولات الطابع العمراني والبيئي للمعادي عبر الزمن.

ورصدت أستاذة العمارة والتصميم الحضري الدكتورة هبة صفي الدين «المعادي» في الذاكرة الجمعية للمصريين عبر تناول صورتها في السينما والمسلسلات المصرية، وقدم الباحث الأكاديمي بالتراث الثقافي بجامعة باريس كريم بدر عرضاً للطرز العمرانية للمعادي منذ نشأتها وحتى نهاية القرن الماضي.

كما كشف مؤلفون آخرون وهم: الباحث حسن حافظ، والدكتورة هايدي شلبي، والدكتور هابي حسني عن جوانب أخرى من تاريخ الضاحية وتطورها. وبعض الأمكنة التي يرتبط سكانها بها، وتظل النوستالجيا تسيطر على مشاعرهم تجاهها، وهي من الأشياء المعروفة عن المعادي، وهو ما يشير إليه نزار الصياد ويدعمه موضحاً: «على سبيل المثال عند الرجوع للفصل الذي قدمته المعمارية المتخصصة في التراث وإعادة التأهيل الدكتورة منى زكريا نلمس حجم ذكريات الحواس تجاه المعادي، لقد تطرقت حتى لأصوات العصافير والطيور المهاجرة التي كانت تزخر بها، وأصوات طلاب المدارس العريقة في بداية اليوم الدراسي، وملمس الزهور وألوانها، ومشهد ركوب الدراجات في شوارعها الواسعة، وغير ذلك من جمال خاص تميزت به الضاحية، وأسهم في انفرادها بهوية بصرية متميزة»، على حد تعبيره.