نادين جابر لـ«الشرق الأوسط»: لم أخترع أي عادة متخلِّفة بمسلسل «ع أمل»

تردُّ على التماهي مع دورَي المذيعتَين رضوى الشربيني وياسمين عزّ

نادين جابر لم تخترع عادات المسلسل المتخلِّفة (إنستغرام)
نادين جابر لم تخترع عادات المسلسل المتخلِّفة (إنستغرام)
TT

نادين جابر لـ«الشرق الأوسط»: لم أخترع أي عادة متخلِّفة بمسلسل «ع أمل»

نادين جابر لم تخترع عادات المسلسل المتخلِّفة (إنستغرام)
نادين جابر لم تخترع عادات المسلسل المتخلِّفة (إنستغرام)

جدلٌ كبير أثاره مسلسل «ع أمل» الرمضاني، لأحداثه المرتكزة على عادات وتقاليد متخلِّفة. فالقصة تتناول جرائم الشرف والعنف الأسري، كما عادات بالية لا يعلم جميع اللبنانيين أنها لا تزال حاضرة في بعض المجتمعات المُغلقة. كاتبته نادين جابر حبكت القصة بتوليفة جاذبة، وانطلقت بها من عائلة «آل حلم» التي تعيش في قرية نائية (ضيعة كفر حلم)، ويتحكّم بمصيرها أحد أبنائها، «سيف» (عمار شلق). وبأسلوب ورثه عن والده، يمحي وجود المرأة ويسلبها حقوقها، مطبّقاً مبادئه من دون أن يرفّ له جفن.

نقاشات طويلة تشهدها الصالونات والجلسات العائلية في لبنان حول المسلسل، مما جعله يتصدّر «الترند» عبر وسائل التواصل. فبين اللبنانيين مَن يرفض الاعتراف بهذا الواقع، ومنهم آخرون يعدّونه مبالغة، وحجّتهم أننا لسنا في غابة من دون قوانين.

يخرج صوت نادين جابر بين تلك الأصوات لتؤكد أنّ القصة ليست حقيقية، ولكن بعض أحداثها كذلك. تقول: «لم أخترع أياً من العادات المتخلِّفة الواردة في العمل. بعضٌ يعيش حالة نكران، ولا يريد الاعتراف بأنّ هذه المجتمعات موجودة. ربما يقيم هؤلاء في العاصمة وضواحيها وحياتهم عادية بعيداً عن تلك القصص. ولكن الإحصاءات والدراسات ونشرات الأخبار، تُخبرنا العكس. حالات العنف الأسري تتكاثر، كما جرائم قتل النساء».

سيرينا الشامي جسَّدت دور «رهف» ببراعة (إنستغرام)

تُخبر جابر «الشرق الأوسط» بأنها جالست أشخاصاً ينتمون إلى قبائل وعشائر لبنانية، فأخبروها عن عادات وتقاليد قديمة في قراهم لا تزال سارية المفعول حتى اليوم. استنبطت من تلك القصص خطوط عملها، وفيه ذكرت عبارات لا يزالون يردّدونها بقناعة. فأصغر البنات في العائلة يجب ألا تتزوّج، ومهمّتها خدمة والديها.

والزوج يجب أن يعامل زوجته بقسوة وإلا عدَّه أهل القرية ناقصاً. وزواج «الخطيفة» ممنوع، ويُحلَّل قتل الفتاة التي تُقدِم عليه. ومقولة «العرض لك والدم لنا» قاعدة ذهبية يلتزمون بها.

تتابع: «لكل خطّ أتناوله، عشرات النماذج منه على الأرض. ما قمتُ به (علاج صدمة) ركنتُ إليه ليهزّ الناس والمسؤولين معاً. فربما هذه النماذج الدرامية تساعد في سنّ قوانين تضع حداً لجرائم الشرف والعنف الأسري».

بالفعل، وتزامناً مع عرض المسلسل، تقدّمت جمعية «كفى» لمناهضة العنف الأسري والنائبة اللبنانية بولا يعقوبيان، باقتراح قانون إلى مجلس النواب يرمي إلى حدّ هذه الممارسات. برأي جابر، ليست الدراما للتسلية والترفيه فقط، «بل يجب أن تعكس الواقع وتكون مرآته. نحن مُطالَبون بإدراجه في أعمالنا، وعندما نفعل ذلك، يتّهمونا بسرد قصص خيالية. الحياة ليست حكايات وردية فقط، هناك أخرى لونها أسود، وعلينا الإضاءة عليها».

المسلسل حرَّك الرأي العام وفرض التقدُّم باقتراح قانون يُناهض العنف الأسري (البوستر الرسمي)

يرتبط موضوع المسلسل ارتباطاً وثيقاً بمهنة الإعلام، فتُقدّمه جابر ضمن نموذجين مختلفين: الأول تُجسّده المذيعة «يسار» (ماغي بو غصن) المستميتة في الدفاع عن حقوق المرأة؛ والثاني تُجسّده المذيعة «تينا» (رنين مطر)، فتُطالب النساء بمعاملة رجالهن مثل «الفرعون». اشتمَّ المشاهد من هذين النموذجين استعارة جابر لشخصيتين إعلاميتين مشهورتين، هما المصريتان رضوى الشربيني وياسمين عزّ. تردّ: «قصدتُ الاستعارة، وسيتبيّن في النهاية مَن منهما على خطأ.

لا شكَّ أني استخدمتُ الجزء العملي من الشخصيتين لخدمة الفكرة. لا أعرفهما شخصياً، وأعطيت رأيي بصراحة بما قد تتسببان به حيال العلاقات الزوجية.

وسيكتشف المشاهد في النهاية أنّ أسلوب كل منهما قد ينتج عنه الغلط».

الغموض والتشويق يبلغان ذروتهما في «ع أمل» منذ حلقاته الأولى. وفي خواتيمه، ترتفع نسبة تصاعُد أحداثه بشكل يخطف الأنفاس. ولعلَّ الحلقة 25 كانت الأكثر تأثيراً، فتضمّنت أحداثاً ومواقف سريعة ومتتالية، فأثنى نقّاد ومشاهدون على قلم جابر الجدير بالتصفيق. فهي تنجح مرة جديدة في حَبْك قصة جاذبة بخطوطها وشخصياتها. كما تؤكد أنّ كل حلقة درامية تستغرق منها أسبوعاً كاملاً لكتابتها.

كل شخصية تركت أثرها لدى المُشاهد. فكما بديع أبو شقرا، وعمار شلق، ونقولا دانيال، كذلك إيلي متري، ونوال كامل، وسيرينا الشامي، وكارول عبود، وإلسا زغيب...

ماغي بو غصن وبديع أبو شقرا قدّما ثنائية متناغمة (إنستغرام)

عندما تكتب جابر، تتخيّل مَن هو الممثل الذي يجسّد الشخصية. مرّات تنجح في توقّعاتها، ومرّات، على خلفية الـ«كاستينغ»، يحصل العكس. لكنها اعترفت بأنّ شخصية «فرح» كتبتها كما ترغب لو رُزقت بابنة. توضح: «نادراً ما تتطرّق الدراما إلى علاقة سليمة بين أم وابنتها قوامها التفاهم. استشفيتُ الموضوع من علاقتي بابني الوحيد. وبالفعل تمنّيتُ لو رزقت بابنة مثلها لأطبّق معها هذه القاعدة. كتبتُ الدور من قلبي، ولم أجد أفضل من ماريلين نعمان لتجسيده، لتمتّعها بموهبتَي التمثيل والغناء، وامتلاكها مقوّمات إنجاح الشخصية».

حافظت جابر على بريقها كاتبة. ففي السنوات الماضية، حصدت النجاح عينه عن مسلسل «للموت» بأجزائه الثلاثة. ولكن كيف استطاعت إخراج ماغي بو غصن من عباءة شخصية «سحر»؟ تجيب: «الأمر لم يقتصر عليها فقط، إذ كان علي أيضاً التخلُّص من تأثير شخصياته. كان التحدّي كبيراً وتمكّنت من توليد شخصية جديدة لبو غصن لا تمتّ بصلة لشخصيتها السابقة. (سحر) قوية وتواجه بصلابة، بينما (يسار) لا تزال عالقة في ماضيها المكسور».

تركن جابر في العمل إلى مرض «متلازمة داون»، فتقدّمه بشخصية الشاب «نوح»، أحد أفراد عائلة «حلم». كما تطلّ على حالات الصمّ والبكم من خلال ابنة «يونس» (إيلي متري): «في هذين النموذجين أغمزُ من قناة زواج الأقارب بشكل غير مباشر. فمن العادات المتَّبعة بين عائلات القرى تزويج أولادها للأقرباء من الدرجة الأولى. هذه الزيجات ينتج عنها غالباً أولاد مصابون بهذه المتلازمة وبأمراض أخرى، لذا لا يفضّلها العلم بتاتاً». وتتطرّق إلى حديث جمع بو غصن والشاب جورج (نوح)، حين وعدته بالمشاركة في التمثيل تحقيقاً لرغبته، فتوضح: «كنت انتهيتُ من كتابة المسلسل عندما جرى اللقاء بينهما. وكنتُ أبحث عمَن يجسد الدور، فنادانا جورج ولفتنا لاختياره».

الغموض سينكشف في الحلقة الأخيرة، ومن المتوقَّع أن يتحوّل حقد الدكتور «نبال» (مهيار خضور) على «يسار» أملاً يصبّ في مجرى العدالة. فماذا تخبرنا عن النهاية؟ «هي نابعة من الواقع، وسنكتشف أنّ (نبال) هو ضحية امرأة، وحقده على (يسار) يأتي من تأثيرها سلباً في علاقته بزوجته وفقدانه ابنتَيه. شئتُ ربط المسلسل بإشكالية الإعلام ومواقع التواصل، فالمشاهير أيضاً يعانون، وحياتهم الخاصة يجب ألا تكون مُستباحة. ومَن ينظر أبعد من برنامج ومذيعة، سيفكّ الألغاز ويكتشف النهاية».


مقالات ذات صلة

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

يوميات الشرق أتقن جوان رَسْم ملامح «فجر» وقدَّم مشهديات صامتة (مشهد من «تحت سابع أرض»)

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

أتقن الممثل السوري جوان خضر رَسْم ملامح «فجر» في مسلسل «تحت سابع أرض» الرمضاني وقدَّم مشهديات صامتة أغنت الحوار. نطق بعينيه. شخصية مُركَّبة حملت أكثر من تفسير.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق في فيلم «نهاد الشامي» تُجسّد جوليا قصّار شخصية الحماة المتسلّطة (إنستغرام)

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

ترى جوليا قصّار أنّ مشاركة باقة من الممثلين في المسلسل أغنت القصّة، ونجحت نادين جابر في إعطاء كل شخصية خطّاً يميّزها عن غيرها، مما ضاعف حماسة فريق العمل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حسن عسيري خلال استضافته المطرب إيهاب توفيق (الشرق الأوسط)

حسن عسيري يستحضر حسَّه الكوميدي في برنامجه «بروود كاست»

في حواره مع «الشرق الأوسط» تحدّث الفنان والمنتج السعودي حسن عسيري عن كواليس برنامجه «بروود كاست».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

من مصر إلى لبنان وسوريا مروراً بالخليج، جولة على أكثر أغاني المسلسلات جماهيريةً واستماعاً.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير.

فاطمة عبد الله (بيروت)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».