«تريو جبران» يستقي من ذكرياته مع محمود درويش ليكمل الطريق

سمير جبران لـ«الشرق الأوسط»: نصطاد المنابر اصطياداً لنرفع صوت فلسطين

«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
TT

«تريو جبران» يستقي من ذكرياته مع محمود درويش ليكمل الطريق

«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)

يتزامن مرور 20 سنة على ولادة «تريو جبران»، مع اهتزاز الأرض التي انطلقت منها الفرقة إلى العالم. خشبُ أعواد الإخوة جبران الثلاثة من فلسطين، كذلك روحُ موسيقاهم. لا يحضر اللحن إن لم يحلّق طيف محمود درويش في البال، وإن لم تتراقص قصيدتُه على أوتار العود.

يجلس الأخ الأكبر سمير جبران في منزله في رام الله. يعدّ الأيام التي انقضت ثقيلةً ومؤلمة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. لا تخفّف من وطأة الوقت والمأساة، سوى مجموعة حفلات يحييها ثلاثيّ العود الفلسطيني ويروح ريعها لغزّة وأهلها المنكوبين، بالتعاون مع الهلال الأحمر الفلسطيني.

يحتفل «تريو جبران» بمرور 20 سنة على انطلاقته كثلاثيّ مؤلّف من 3 أشقّاء يعزفون العود (إدارة أعمال الفرقة)

خطبة الهنديّ الأحمر

«مع إلغاء عدد كبير من عروضنا في أوروبا، بسبب التشويه الذي تعرّض له الفلسطينيون حول العالم بعد 7 أكتوبر، صرنا نصطاد المنابر اصطياداً»، يخبر جبران «الشرق الأوسط». بين إسطنبول وسلطنة عُمان، وصولاً إلى لندن وهولندا، حمل الإخوة أعوادهم والقضيّة.

«وُلدنا هنا بين ماءٍ ونار ونولدُ ثانيةً في الغيوم على حافّة الساحل اللازورديّ بعد القيامة... عمّا قليل

فلا تقتل العشب أكثر، للعشب روحٌ يدافع فينا عن الروح في الأرض».

يعلن صوت درويش، وهو يلقي «خطبة الهنديّ الأحمر»، انتهاءَ دقيقة الصمت عن أرواح مَن سقطوا، وانطلاقَ العرض الموسيقيّ. بين معزوفةٍ وأخرى، مساحةٌ للتصفيق والهتاف، ثمّ سكوتٌ تُسمع فيه الدموع والغصّات. يشرح سمير جبران أن حفلات ما بعد الحرب على غزّة، لا تشبه أياً ممّا سبقها. «الصبغة العامة للحفل على درجة عالية من الحساسية. إضافةً إلى المقطوعات التي جرى تأليفها على إثر المجزرة الحاصلة، يتنوّع نبض العرض ما بين لحظاتٍ من الذروة الطربيّة ووقفاتٍ مع الصمت القاتل».

يؤكد سمير جبران أنّ حفلات ما بعد الحرب على غزّة لا تشبه بشيء كل ما سبقها (إنستغرام)

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة

رغم أنّ الجمهور بمعظمه من الأوروبيين الذين يستمتعون بموسيقى «تريو جبران» الشرقيّة، فإنّ الغصّة واحدة وهي تتناهى إلى مسامع سمير وأخوَيه وسام وعدنان. وقبل أن يُسدَل الستار، يعود صوت محمود درويش ليصدح: «على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة».

هي نوطة أمل استقى منها الإخوة جبران طاقةً للعودة إلى المسرح بعد إحباط الأسابيع الأولى من الحرب. في السياق، يخبر سمير الذي عايشَ الانتفاضة الأولى، وعاينَ الثانية عن قُرب من داخل منزله في رام الله: «قبل أن يقصف الطيران الإسرائيلي محيط بيتي خلال الانتفاضة الثانية، كنت أقول إن الموسيقى سلاح. أما عندما نزلت قنبلة ضخمة قرب رأسي، فتساءلتُ ساخراً ما إذا كان يجب أن أخرج مع عودي وأدندن للطائرة».

لكن بعد الشعور بالعجز ومعاينة انسداد الأفق واسوِداده، تمسّك «تريو جبران» بفسحة الضوء التي تُسمّى أمل. دفعتهم الرغبة بالمساعدة الاجتماعية والإنسانية خارج منازلهم، وكذلك فعل الإرثُ الذي حمّلهم إياه صديق الرحلة الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

تعرّف سمير جبران إلى درويش عام 1996. كان في بداية مشواره الموسيقيّ قبل أن ينضمّ إليه شقيقاه عام 2004. تردّدَ الشاعر حينذاك في أن يشاركه الشابّ اليافع عزفاً على العود، إلى درجة التهديد بإنزاله عن المسرح. على الخشبة الفرنسية ذاتها، التقيا بعد 12 عاماً وكانت قد نبتت بينهما صداقة متينة، أثمرت 32 أمسية جالت فيها أعواد الإخوة جبران مع أبيات درويش حول العالم.

جمعت 32 أمسية محمود درويش و«تريو جبران» حتى وفاته عام 2008 (إنستغرام)

لا مصدر إلهام سوى درويش

يجزم المؤلّف الموسيقي والعازف أنّ مقطوعات الفرقة كافةً مستوحاة من شعر درويش حصراً. «20 سنة لم نعثر خلالها على مصدر إلهام آخر»، يؤكد جبران. فشعرُ درويش فيه ما يكفي من الإيقاعات المتجدّدة كي يُعادَ اكتشافُه يومياً، وفق الفنان الفلسطيني الذي يمضي 10 ساعات مع درويش في اليوم الواحد، ما بين قراءاتٍ وذكريات. «أنا مسكون بمحمود درويش وهو توأم مشروعنا الموسيقي».

في حضرة غيابه، يواصل «تريو جبران» الدرب. هم حتماً ليسوا أوّل ولا آخر من استلهمَ شعره ليصنعوا فناً. وعندما يُسأل سمير جبران عمّا يميّز قصيدة درويش بقالب «التريو»، يستعير من نظريّةٍ شاركه إياها الشاعر ليجيب: «حين ينسكب اللحن فوق الكلمات يسجن حرّيّتها، فيما الموسيقى الآليّة قابلة للتأويل مثلها مثل جماليّة الشعر». ثمّ أوصاه في ذلك اليوم من عام 2006: «لا تلحّن لي بل دع موسيقاك مرادفة لكلماتي، حتى يكون الاثنان قابلَين للتأويل وللتحرّر».

كل المقطوعات الموسيقية التي ألّفها «تريو جبران» مستوحاة من شعر درويش (إدارة أعمال الفرقة)

«تَشاركنا الحياة والسفر والطعام والضحك والوقفة أمام الجمهور»، هكذا يتذكّر جبران الشاعرَ الذي كان يتحوّل «مغنياً على المسرح، وصاحبَ نكتةٍ ساخرة في جلساته الخاصة». يرى نفسه محظوظاً بكنز السنوات الـ12 إلى جانبه، هو الذي أمضى طفولته محاطاً بعمالقة الأدب الفلسطيني أمثال إميل حبيبي وتوفيق زيّاد وسميح القاسم.

قبل 25 يوماً على توقّف قلب درويش عن الخفقان في 9 أغسطس (آب) 2008، جمعته الحفلة الأخيرة بالتريو جنوبي فرنسا. يعود المشهد إلى ذاكرة سمير جبران: «قبل الصعود إلى المسرح بدقائق، كان متوتراً فاستعار سيجارتي، مع أنه كان قد توقّف عن التدخين قبل سنوات». أما في نهاية الأمسية وعشيّة سفره إلى الولايات المتحدة للخضوع لجراحة القلب، فوقف الشاعر والثلاثيّ لتحيّة الجمهور. همس سمير في أذنه: «استمتع بحبّهم لك»، فأجابه درويش: «نيّالك... أنت المستقبل قدّامك، أنا صار المستقبل وراي».

يقيم سمير جبران في رام الله أما شقيقاه وسام وعدنان ففي كلٍ من لندن وباريس (إنستغرام)

كما في حضوره كذلك في غيابه، تتنفّس موسيقى «تريو جبران» قصيدة درويش. يعيد الإخوة نسج روحه في «مخاضٍ مشترك لا يخلو من الخصام الفني الذي قد يمتدّ شهوراً، بسبب تفصيل صغير لم يكن محطّ إجماع». ليس من السهل أن تتلاقى الأمزجة، والتنازلات تصير أكثر صعوبةً بين الأشقّاء بما أنّهم متساوون. إلّا أن السجالات لا تُفسد قضية «تريو جبران» الفنية والوطنيّة. فها هم يستعدّون لحفلٍ في سويسرا على اسم غزّة، ولعملٍ ضخم يحتفي بعامهم العشرين في قاعة «فيلهارموني باريس» نهاية السنة.


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.