«زرقاء اليمامة» تطل على لندن قبل انطلاقها في الرياض

تُنتجها هيئة المسرح والفنون الأدائية السعودية

ملصق العمل
ملصق العمل
TT

«زرقاء اليمامة» تطل على لندن قبل انطلاقها في الرياض

ملصق العمل
ملصق العمل

ليلة عربية بامتياز شهدتها أرجاء قاعة «غولد سميث» العريقة في وسط لندن، مع إطلاق أول أوبرا سعودية «زرقاء اليمامة»، وسط حضور متذوق للفنون. الحفل الذي حضره وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، رسم للحضور صورة مشوقة لما ينتظرهم في 25 أبريل (نيسان) المقبل، بالرياض، حيث ستبدأ الأوبرا عروضها على مسرح مركز الملك فهد الثقافي.

وفي كلمته، أشار وزير الثقافة إلى أن مشروع أوبرا «زرقاء اليمامة» وغيره من المشروعات ترجمة لرؤية 2030 الطَّموح، داعياً إلى زيارة السعودية؛ للتعرف على ثقافتها وفنونها، وحضور هذا العمل الفني في الرياض، حيث سينطلق منها منتصف شهر أبريل المقبل، ويمتد إلى عروض محلية ودولية متعددة.

شهد الحفل كلمات للمشاركين في تنفيذ الأوبرا، منهم مؤلف العمل السعودي صالح زمانان، الذي تحدث عن بدايات عمله في تأليف النص، قائلاً إنه جاء «بعد قراءة متعمقة في قصة زرقاء اليمامة، إضافة لكثير من المراجع الخاصة عن المعمار والثقافة والمجتمعات القديمة بمنطقة نجد وحتى الأزياء والنباتات».

وأضاف المؤلف أن قصة زرقاء اليمامة «تتحدث عن العرب القدماء (العرب الفانية) الذين لم يعد لهم وجود، خصوصاً قبيلتي طسم وجديس، إضافةً إلى أنها تحكي عن ملامح المجتمع في وسط الجزيرة العربية قبل الإسلام».

ويرى المؤلف أن القصة «تعكس عبقرية المزاج العربي في تكوين الأسطورة وكتابة أشعارها، وحتى نهايتها المفتوحة المشرعة لاستكمالها كما نفعل اليوم».

مؤلف العمل السعودي صالح زمانان (تصوير: كيتون تشاو)

في رؤية زمانان لقصة زرقاء اليمامة تكتسب الشخصية بعداً إضافياً، «يقال إن زرقاء اليمامة كانت ترى على بعد 3 أيام، وأنا أرى أن أهمية هذه الشخصية ليست فقط في بصرها الحاد، وإنما في بصيرتها وشخصيتها»، مضيفاً أنه يرى في المرأة الأسطورة مصدراً للحكمة والشعر، وأن الحضارات المتعاقبة على شبه الجزيرة العربية «لم تهمل هذه الشخصية، بل توجتها بالاستمرار في استيحائها من خلال الأمثال والحكم والشعر، وصاغت منها رمزاً لما تفعله الحروب».

 

«نغمات عربية وغربية»

تعتلي مغنية الأوبرا السعودية سوسن البهيتي خشبة المسرح، لتقدم لنا مقطعاً من «زرقاء اليمامة» بمرافقة أنغام البيانو، تنطلق الحنجرة المخملية بالقول: «يا حر قلبي على الفاني»، وتستمر في الغناء بإيقاع بطيء ومستمر، مثيرة فينا إحساس من يرافق حركة الجمال في الصحراء، تسحرنا البهيتي بأدائها القصير المبدع، وتشغل مخيلتنا بما يمكن أن نراه في العرض المنتظر.

مغنية الأوبرا السعودية سوسن البهيتي (تصوير: كيتون تشاو)

«زرقاء اليمامة» تضم عدداً من النجوم العالميين؛ منهم سارة كونولي في دور زرقاء اليمامة، وإميليا وورزون في شخصية عفيرة التي تخلف زرقاء اليمامة، إضافةً إلى رفال سيواك في دور الملك عمليق، وجورج فان بيرغن في دور رباح بن مرة أخي زرقاء من الرضاع.

يطرح وجود هذه الكوكبة اللامعة من النجوم قضية اللغة المستخدمة في العرض، ويحسم المدير الفني للعرض إيفان فوكسيفيتش، الرئيس التنفيذي لشركة الأوبرا العربية، الأمر، بالحديث عن تطويع اللغة العربية عبر كتابتها بالأحرف اللاتينية ليستطيع المؤدون النطق بها.

إيفان فوكسيفيتش الرئيس التنفيذي لشركة الأوبرا العربية يلقي كلمة في الحفل (تصوير: كيتون تشاو)

وقال فوكسيفيتش: «عندما عرضت علينا فكرة إنتاج أوبرا باللغة العربية، كان السؤال الأول هو كيف يمكن دمج اللغة العربية بالثقافة الأوروبية؟»، وجاءته الإجابة عبر اللغة المتداولة التي يستخدمها الشباب للتواصل على الإنترنت، وهو ما سماه «عرب إيزي». ينتقل فوكسيفيتش للحديث عن العرض بصفة أعم، قائلاً إن قصة زرقاء اليمامة «تمثل جميع عناصر الأوبرا القديمة، القصة عريقة وفريدة في نوعها، وفي مركزها البطلة التي تتمتع بالنظرة البعيدة والحكمة».

فريق الأوبرا: لي برادشو ودانييل فينزي باسكا وسارة كونولي وسوسن البهيتي وإميلا وورزون (تصوير: كيتون تشاو)

يترك المدير الفني المنصة للمؤلف الموسيقي الأسترالي لي برادشو الذي يحدثنا عن عملية تأليف الموسيقى للعرض، مشيراً إلى أنه أمضى شهوراً في المملكة للتعرف إلى التراث الموسيقي بها.

يحرص برادشو على ضرب المثل ببعض النغمات التي استخدمها في عمله، خصوصاً النغمات المتكررة التي ترتبط بشخصيات بعينها، منها الموسيقى المرتبطة بشخصية الملك عمليق، وهي نغمات، تبدو كأنها تنذر بقدوم أخبار سيئة، نسمع فيها وقع الطبول، وهي تعزف نغمات متصاعدة لتعكس حالة الحرب الوشيكة.

ثم يعرج على النغمة المرتبطة بشخصية الزرقاء نفسها، نسمع موسيقى خارجة من ثنايا كثبان الصحراء بها نغمات منذرة ومتوجسة ونغمة مبطنة داخلها تعكس الحزن. ننتقل من الزرقاء لشخصية عفيرة، حيث نستمع إلى مقطع بصوت السوبرانو إميلا وورزون، ويختتم العرض بأداء قصير للسوبرانو سارة كونولي في شخصية زرقاء اليمامة.

إميلا وورزون (تصوير: كيتون تشاو)

يضم فريق العمل في الأوبرا أوركسترا دريسدنر سينفونيكر ترافقها جوقة الفيلهارمونية التشيكية، وتُصمّم جيوفانا بوزي وفريقها أزياء تعكس روح الأوبرا، والجماليات البصرية لعصر ما قبل الإسلام. ويتولى المخرج دانييل فينزي باسكا مهمة تنظيم العرض، وابتكار مشاهد ساحرة تُجسّد واقع القصة، وتنقل الجمهور إلى سحر أجواء الجزيرة العربية القديمة.

 

سلطان البازعي: الجمهور السعودي ذواقة

قبل العرض سنحت لي الفرصة للحديث مع الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية، سلطان البازعي، حول العرض وقصته وتوقعاته لاستقبال الجمهور السعودي له. يرى العرض الأوبرالي الأول في السعودية بمثابة «فرصة» للجمهور، للتعرف إلى فن الأوبرا العالمي، مضيفاً: «يدهشنا الجمهور السعودي دائماً بأنه متذوق للأعمال الجيدة، مثل الموسيقى الكلاسيكية، والأعمال العالمية التي عرضت في المملكة».

ويرى أن الجمهور سيقبل على الأوبرا السعودية، خصوصاً أن القصة من وسط الجزيرة العربية، «أعتقد أن الجمهور قادر على تذوق هذه الأعمال، فهو ذواق يبحث عن الأعمال الجادة التي تضيف له ثقافياً».

سلطان البازعي (تصوير: كيتون تشاو)

من جانب آخر، يرى البازعي أن الهدف من تقديم الأوبرا السعودية «تقديم تاريخنا للعالم بلغة يفهمها، أعتقد أن هذا من الأهداف الاستراتيجية للثقافة الوطنية أن نقيم هذا الحوار الحضاري مع العالم، وهذا هو النهج الذي نتبعه منذ إطلاق رؤية المملكة 2030».

أسأله عن قصة زرقاء اليمامة ورأيه في تطويعها للأوبرا، يقول إنَّ الاختيار «كان به نوع من الإلهام. فالقصة عن سيدة تتمتع بقوة البصر والبصيرة، وذلك يؤكد أن الحضارة العربية كانت تعطي المرأة مكانة عالية جداً، وكان حضورها بالمشهد العام في تاريخ العرب قوياً، كما أن الموضوع له بعد أسطوري جاذب».

هل كونها قصة مأساوية يجعلها مناسبة أكثر للتناول الأوبرالي؟ يجيب: «التراجيديا موجودة في جميع أشكال التعبير الفني، هذا لا ينفي عنها أن تظل قصة ملهمة، وفي تاريخنا كثير من القصص الإنسانية، ونعتقد أن أننا أجدر بروايتها من غيرنا وتقديمها للعالم».

وبالنسبة إلى الأصوات السعودية المشاركة يقول: «عندنا 3 مواهب في أدوار رئيسية بالعمل، يجب أن نضع في الاعتبار أنه لم يكن هناك تدريب كافٍ للمواهب في الماضي، لكن الوضع تغير الآن، حيث بدأت وزارة الثقافة من خلال هيئة الموسيقى برنامجاً للتدريب على الغناء الأوبرالي، وأعتقد أننا سنكتشف في السنوات المقبلة قريباً مواهب كثيرة في هذا المجال».


مقالات ذات صلة

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

يوميات الشرق البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل».

نادية عبد الحليم (القاهرة )
الوتر السادس أمين هاشم: حان الوقت لتصدير ثقافتنا العربية الأصيلة إلى العالم

أمين هاشم: حان الوقت لتصدير ثقافتنا العربية الأصيلة إلى العالم

في كل خطوة فنية، يقدم عليها التينور أمين هاشم، يحدث المختلف. فهو صاحب خلفية موسيقية وغنائية غنية، صقلها بالعمل والعلم ليأخذ من الفن الأوبرالي طريقاً له.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس السوبرانو أميرة سليم: الغناء الأوبرالي مظلوم في العالم العربي

السوبرانو أميرة سليم: الغناء الأوبرالي مظلوم في العالم العربي

قالت السوبرانو المصرية أميرة سليم إنها تسعى لتقريب الناس من فن الأوبرا والغناء الأوبرالي الذي تصفه بأنه «مظلوم عربياً».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق «كارمن» إحدى أشهر روائع الفنّ الأوبرالي منذ عرضها الأول في باريس (الهيئة الملكية للرياض)

ليلة فنّية استثنائية في الرياض مع أول عروض أوبرا «كارمن» العالمية

قُدّم العرض في الرياض بمشاركة فرقة كاملة من المغنّين والعازفين الدوليين، لتجربة أوبرالية متكاملة تُحاكي ما يُقدَّم على أكبر المسارح العالمية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق في صرح بحجم بعلبك لا مجال للخطأ (الشرق الأوسط)

سيزار ناعسي... «زونيغا» على مسرح بعلبك

لا يعرف لبنان شيئاً عن غده. ذلك يجعل التفكير بإنتاج أوبرالي ضخم بحجم «كارمن» أبعد من مسألة ثقافية. إنه مغامرة ضدّ المجهول.

فاطمة عبد الله (بيروت)

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.