«زرقاء اليمامة» تطل على لندن قبل انطلاقها في الرياض

تُنتجها هيئة المسرح والفنون الأدائية السعودية

ملصق العمل
ملصق العمل
TT

«زرقاء اليمامة» تطل على لندن قبل انطلاقها في الرياض

ملصق العمل
ملصق العمل

ليلة عربية بامتياز شهدتها أرجاء قاعة «غولد سميث» العريقة في وسط لندن، مع إطلاق أول أوبرا سعودية «زرقاء اليمامة»، وسط حضور متذوق للفنون. الحفل الذي حضره وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، رسم للحضور صورة مشوقة لما ينتظرهم في 25 أبريل (نيسان) المقبل، بالرياض، حيث ستبدأ الأوبرا عروضها على مسرح مركز الملك فهد الثقافي.

وفي كلمته، أشار وزير الثقافة إلى أن مشروع أوبرا «زرقاء اليمامة» وغيره من المشروعات ترجمة لرؤية 2030 الطَّموح، داعياً إلى زيارة السعودية؛ للتعرف على ثقافتها وفنونها، وحضور هذا العمل الفني في الرياض، حيث سينطلق منها منتصف شهر أبريل المقبل، ويمتد إلى عروض محلية ودولية متعددة.

شهد الحفل كلمات للمشاركين في تنفيذ الأوبرا، منهم مؤلف العمل السعودي صالح زمانان، الذي تحدث عن بدايات عمله في تأليف النص، قائلاً إنه جاء «بعد قراءة متعمقة في قصة زرقاء اليمامة، إضافة لكثير من المراجع الخاصة عن المعمار والثقافة والمجتمعات القديمة بمنطقة نجد وحتى الأزياء والنباتات».

وأضاف المؤلف أن قصة زرقاء اليمامة «تتحدث عن العرب القدماء (العرب الفانية) الذين لم يعد لهم وجود، خصوصاً قبيلتي طسم وجديس، إضافةً إلى أنها تحكي عن ملامح المجتمع في وسط الجزيرة العربية قبل الإسلام».

ويرى المؤلف أن القصة «تعكس عبقرية المزاج العربي في تكوين الأسطورة وكتابة أشعارها، وحتى نهايتها المفتوحة المشرعة لاستكمالها كما نفعل اليوم».

مؤلف العمل السعودي صالح زمانان (تصوير: كيتون تشاو)

في رؤية زمانان لقصة زرقاء اليمامة تكتسب الشخصية بعداً إضافياً، «يقال إن زرقاء اليمامة كانت ترى على بعد 3 أيام، وأنا أرى أن أهمية هذه الشخصية ليست فقط في بصرها الحاد، وإنما في بصيرتها وشخصيتها»، مضيفاً أنه يرى في المرأة الأسطورة مصدراً للحكمة والشعر، وأن الحضارات المتعاقبة على شبه الجزيرة العربية «لم تهمل هذه الشخصية، بل توجتها بالاستمرار في استيحائها من خلال الأمثال والحكم والشعر، وصاغت منها رمزاً لما تفعله الحروب».

 

«نغمات عربية وغربية»

تعتلي مغنية الأوبرا السعودية سوسن البهيتي خشبة المسرح، لتقدم لنا مقطعاً من «زرقاء اليمامة» بمرافقة أنغام البيانو، تنطلق الحنجرة المخملية بالقول: «يا حر قلبي على الفاني»، وتستمر في الغناء بإيقاع بطيء ومستمر، مثيرة فينا إحساس من يرافق حركة الجمال في الصحراء، تسحرنا البهيتي بأدائها القصير المبدع، وتشغل مخيلتنا بما يمكن أن نراه في العرض المنتظر.

مغنية الأوبرا السعودية سوسن البهيتي (تصوير: كيتون تشاو)

«زرقاء اليمامة» تضم عدداً من النجوم العالميين؛ منهم سارة كونولي في دور زرقاء اليمامة، وإميليا وورزون في شخصية عفيرة التي تخلف زرقاء اليمامة، إضافةً إلى رفال سيواك في دور الملك عمليق، وجورج فان بيرغن في دور رباح بن مرة أخي زرقاء من الرضاع.

يطرح وجود هذه الكوكبة اللامعة من النجوم قضية اللغة المستخدمة في العرض، ويحسم المدير الفني للعرض إيفان فوكسيفيتش، الرئيس التنفيذي لشركة الأوبرا العربية، الأمر، بالحديث عن تطويع اللغة العربية عبر كتابتها بالأحرف اللاتينية ليستطيع المؤدون النطق بها.

إيفان فوكسيفيتش الرئيس التنفيذي لشركة الأوبرا العربية يلقي كلمة في الحفل (تصوير: كيتون تشاو)

وقال فوكسيفيتش: «عندما عرضت علينا فكرة إنتاج أوبرا باللغة العربية، كان السؤال الأول هو كيف يمكن دمج اللغة العربية بالثقافة الأوروبية؟»، وجاءته الإجابة عبر اللغة المتداولة التي يستخدمها الشباب للتواصل على الإنترنت، وهو ما سماه «عرب إيزي». ينتقل فوكسيفيتش للحديث عن العرض بصفة أعم، قائلاً إن قصة زرقاء اليمامة «تمثل جميع عناصر الأوبرا القديمة، القصة عريقة وفريدة في نوعها، وفي مركزها البطلة التي تتمتع بالنظرة البعيدة والحكمة».

فريق الأوبرا: لي برادشو ودانييل فينزي باسكا وسارة كونولي وسوسن البهيتي وإميلا وورزون (تصوير: كيتون تشاو)

يترك المدير الفني المنصة للمؤلف الموسيقي الأسترالي لي برادشو الذي يحدثنا عن عملية تأليف الموسيقى للعرض، مشيراً إلى أنه أمضى شهوراً في المملكة للتعرف إلى التراث الموسيقي بها.

يحرص برادشو على ضرب المثل ببعض النغمات التي استخدمها في عمله، خصوصاً النغمات المتكررة التي ترتبط بشخصيات بعينها، منها الموسيقى المرتبطة بشخصية الملك عمليق، وهي نغمات، تبدو كأنها تنذر بقدوم أخبار سيئة، نسمع فيها وقع الطبول، وهي تعزف نغمات متصاعدة لتعكس حالة الحرب الوشيكة.

ثم يعرج على النغمة المرتبطة بشخصية الزرقاء نفسها، نسمع موسيقى خارجة من ثنايا كثبان الصحراء بها نغمات منذرة ومتوجسة ونغمة مبطنة داخلها تعكس الحزن. ننتقل من الزرقاء لشخصية عفيرة، حيث نستمع إلى مقطع بصوت السوبرانو إميلا وورزون، ويختتم العرض بأداء قصير للسوبرانو سارة كونولي في شخصية زرقاء اليمامة.

إميلا وورزون (تصوير: كيتون تشاو)

يضم فريق العمل في الأوبرا أوركسترا دريسدنر سينفونيكر ترافقها جوقة الفيلهارمونية التشيكية، وتُصمّم جيوفانا بوزي وفريقها أزياء تعكس روح الأوبرا، والجماليات البصرية لعصر ما قبل الإسلام. ويتولى المخرج دانييل فينزي باسكا مهمة تنظيم العرض، وابتكار مشاهد ساحرة تُجسّد واقع القصة، وتنقل الجمهور إلى سحر أجواء الجزيرة العربية القديمة.

 

سلطان البازعي: الجمهور السعودي ذواقة

قبل العرض سنحت لي الفرصة للحديث مع الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية، سلطان البازعي، حول العرض وقصته وتوقعاته لاستقبال الجمهور السعودي له. يرى العرض الأوبرالي الأول في السعودية بمثابة «فرصة» للجمهور، للتعرف إلى فن الأوبرا العالمي، مضيفاً: «يدهشنا الجمهور السعودي دائماً بأنه متذوق للأعمال الجيدة، مثل الموسيقى الكلاسيكية، والأعمال العالمية التي عرضت في المملكة».

ويرى أن الجمهور سيقبل على الأوبرا السعودية، خصوصاً أن القصة من وسط الجزيرة العربية، «أعتقد أن الجمهور قادر على تذوق هذه الأعمال، فهو ذواق يبحث عن الأعمال الجادة التي تضيف له ثقافياً».

سلطان البازعي (تصوير: كيتون تشاو)

من جانب آخر، يرى البازعي أن الهدف من تقديم الأوبرا السعودية «تقديم تاريخنا للعالم بلغة يفهمها، أعتقد أن هذا من الأهداف الاستراتيجية للثقافة الوطنية أن نقيم هذا الحوار الحضاري مع العالم، وهذا هو النهج الذي نتبعه منذ إطلاق رؤية المملكة 2030».

أسأله عن قصة زرقاء اليمامة ورأيه في تطويعها للأوبرا، يقول إنَّ الاختيار «كان به نوع من الإلهام. فالقصة عن سيدة تتمتع بقوة البصر والبصيرة، وذلك يؤكد أن الحضارة العربية كانت تعطي المرأة مكانة عالية جداً، وكان حضورها بالمشهد العام في تاريخ العرب قوياً، كما أن الموضوع له بعد أسطوري جاذب».

هل كونها قصة مأساوية يجعلها مناسبة أكثر للتناول الأوبرالي؟ يجيب: «التراجيديا موجودة في جميع أشكال التعبير الفني، هذا لا ينفي عنها أن تظل قصة ملهمة، وفي تاريخنا كثير من القصص الإنسانية، ونعتقد أن أننا أجدر بروايتها من غيرنا وتقديمها للعالم».

وبالنسبة إلى الأصوات السعودية المشاركة يقول: «عندنا 3 مواهب في أدوار رئيسية بالعمل، يجب أن نضع في الاعتبار أنه لم يكن هناك تدريب كافٍ للمواهب في الماضي، لكن الوضع تغير الآن، حيث بدأت وزارة الثقافة من خلال هيئة الموسيقى برنامجاً للتدريب على الغناء الأوبرالي، وأعتقد أننا سنكتشف في السنوات المقبلة قريباً مواهب كثيرة في هذا المجال».


مقالات ذات صلة

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

يوميات الشرق البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل».

نادية عبد الحليم (القاهرة )
الوتر السادس أمين هاشم: حان الوقت لتصدير ثقافتنا العربية الأصيلة إلى العالم

أمين هاشم: حان الوقت لتصدير ثقافتنا العربية الأصيلة إلى العالم

في كل خطوة فنية، يقدم عليها التينور أمين هاشم، يحدث المختلف. فهو صاحب خلفية موسيقية وغنائية غنية، صقلها بالعمل والعلم ليأخذ من الفن الأوبرالي طريقاً له.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس السوبرانو أميرة سليم: الغناء الأوبرالي مظلوم في العالم العربي

السوبرانو أميرة سليم: الغناء الأوبرالي مظلوم في العالم العربي

قالت السوبرانو المصرية أميرة سليم إنها تسعى لتقريب الناس من فن الأوبرا والغناء الأوبرالي الذي تصفه بأنه «مظلوم عربياً».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق «كارمن» إحدى أشهر روائع الفنّ الأوبرالي منذ عرضها الأول في باريس (الهيئة الملكية للرياض)

ليلة فنّية استثنائية في الرياض مع أول عروض أوبرا «كارمن» العالمية

قُدّم العرض في الرياض بمشاركة فرقة كاملة من المغنّين والعازفين الدوليين، لتجربة أوبرالية متكاملة تُحاكي ما يُقدَّم على أكبر المسارح العالمية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق في صرح بحجم بعلبك لا مجال للخطأ (الشرق الأوسط)

سيزار ناعسي... «زونيغا» على مسرح بعلبك

لا يعرف لبنان شيئاً عن غده. ذلك يجعل التفكير بإنتاج أوبرالي ضخم بحجم «كارمن» أبعد من مسألة ثقافية. إنه مغامرة ضدّ المجهول.

فاطمة عبد الله (بيروت)

حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)

أعلن الفنان المصري حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي»، عن شراكة إعلامية موسعة مع «مجموعة الصين للإعلام» (CMG). وجاء ذلك خلال وجوده حالياً في الصين؛ حيث التقى فان يون، نائب رئيس التحرير في المجموعة، لبحث أطر شراكة إعلامية تضمن تغطية الدورة السابعة والأربعين من المهرجان، المقرَّر إقامتها في الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

وأشار فهمي إلى أهمية هذه الخطوة، مؤكداً أن الإعلام يُمثّل الجناح الآخر لنجاح أي حدث ثقافي، وأن مهرجان القاهرة يحرص على تجاوز الحدود الجغرافية.

وقال في بيان، الخميس، إن العمل مع «مجموعة الصين للإعلام» يوفر منصة استثنائية لنقل رسالة المهرجان وأجوائه إلي ملايين المشاهدين بالقارة الآسيوية، فيما قال فان يون إن القاهرة السينمائي يحظى بمكانة تاريخية، متطلعاً لبناء شراكة قوية تتيح للجمهور الصيني التعرف عن قرب على المشهد الفني العربي.

وتجاوز حسين فهمي شائعات انطلقت حول استبعاده من رئاسة «مهرجان القاهرة السينمائي»، وترشيح فنان آخر لرئاسة الدورة المقبلة، وكانت وزارة الثقافة المصرية (الجهة المنظمة للمهرجان) قد أعلنت في تصريحات صحافية للوزيرة الدكتورة جيهان زكي عدم صحة هذه الشائعات، وأكدت تجديد الثقة في الفنان حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي»، الذي التقته قبل سفره لتصوير فيلم سينمائي بالصين، وناقشت معه خطط تطوير المهرجان بما يُعزز مكانته بوصفه أحد أبرز المهرجانات السينمائية.

فهمي خلال لقائه وزيرة الثقافة (وزارة الثقافة)

وأثارت هذه الشائعات قدراً من البلبلة في الأوساط الصحافية، لكنها لم تؤثر على المهرجان؛ حيث يجري العمل بشكل طبيعي استعداداً للدورة المقبلة. وأكد الناقد محمد طارق، المدير الفني لـ«مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» لـ«الشرق الأوسط» أن العمل يتم وفق الخطط التي جرى وضعها لتنفيذ المهام المختلفة؛ حيث تقوم لجان المشاهدة بعملها منذ بداية العام، كما تعقد اجتماعات فريق البرمجة بشكل دائم، ويتابع الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان خلال سفره كل كبيرة وصغيرة تتعلق بما يتم إنجازه يومياً.

وأضاف طارق أن الخبر الذي نشره أحد المواقع لا أساس له من الصحة، وأرى أن أكبر نفي له صدر من الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، مبدياً ضيقه ممن يحاولون إثارة البلبلة بنشر شائعات لا أساس لها من الصحة.

حسين فهمي والمخرجة الصينية شيو وي خلال تصوير الفيلم (حسابه على «فيسبوك»)

في السياق؛ يواصل الفنان حسين فهمي تصوير الفيلم الصيني «The Story I Found In China» أو «القصة التي عثرت عليها في الصين»، وهو فيلم يجمع بين الوقائع الحقيقية والأداء التمثيلي، ويجري تصويره بعدة مدن صينية، من بينها، بكين، وهانغتشو، وسوتشو، ويطرح الفيلم نظرة مختلفة عن الثقافة الصينية من خلال تجارب البطل التي يمر بها في رحلته بين المدن، وهو من إخراج شيو وي، وإنتاج شبكة تلفزيون الصين الدولية.

وقال فهمي في تصريحات لشبكة «CGTN» العربية التي تصدر من الصين، إن «هذا الفيلم يُمثل تحدياً جديداً في مسيرته»، وعَدّه فرصة لتعزيز التبادل الثقافي بين مصر والصين، كاشفاً عن أنه يؤدي شخصية رجل من الشرق يروي قصصاً من «ألف ليلة وليلة»، معبراً عن سعادته بهذا العمل.


نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

استقطبت مجموعة فنية مكسيكية عريقة من القرن العشرين، تضمّ كنزاً من لوحات الفنانة فريدا كاهلو، عشرات الآلاف من الزوار إلى متحف الفن الحديث في مكسيكو سيتي خلال الأسابيع الأخيرة. وتوافد حشود قياسية لمشاهدة نحو 70 قطعة من مجموعة جيلمان المرموقة، التي لم تُعرض في المكسيك منذ ما يقارب 20 عاماً. لكن بالنسبة للعديد من عشاق الفن، لا يُمثّل المعرض عزاءً يُذكر؛ ذلك لأنّ الأعمال الفنية مُقررٌ نقلها من المكسيك في يوليو (تموز)، حيث ستُشحن إلى إسبانيا بموجب اتفاقية بين مالكها المكسيكي، عائلة زامبرانو الصناعية البارزة، وبنك سانتاندير الإسباني، الذي سيتولى إدارة المجموعة خلال فترة وجودها في الخارج.

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

وأثار اتفاق نقل المجموعة الفنية، التي جمعها في الأصل جاك وناتاشا غيلمان، وهما زوجان مهاجران من أوروبا الشرقية يتمتعان بشهرة واسعة، غضب النخبة الثقافية في المكسيك. ويقولون إن هذا الاتفاق يحرم المكسيكيين من كنز فني ثمين، ويخالف قوانين التراث الثقافي التي تمنع خروج الأعمال الفنية المهمة من البلاد على المدى الطويل. ووقّع نحو 380 أكاديمياً وفناناً وشخصية ثقافية أخرى رسالة نُشرت على موقع «دي موسيوس» الفني المكسيكي في مارس (آذار)، مطالبين حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم بتوضيح أسباب السماح لهذه الأعمال بمغادرة البلاد. وفي رسالة منفصلة، ​​دعوا المتاحف في النرويج وسويسرا وألمانيا، التي تستضيف معارض قادمة لأعمال فريدا كاهلو، إلى «التضامن» في الدفاع عن حقوق المكسيكيين. وكتبت المجموعة في الرسالة الثانية، المنشورة على منصة «إي-فلوكس» الفنية: «لقد حُرم جيل كامل في المكسيك من الحضور الدائم الذي كان يطمح إليه المالكون الأصليون لهذه المجموعة».

وفي إطار الاتفاقية المبرمة بين بنك سانتاندير وعائلة زامبرانو من شمال المكسيك، ستُعرض الأعمال الفنية في متحف فارو سانتاندير، الواقع في شمال إسبانيا، والمقرر افتتاحه في يونيو (حزيران). وستُعرض إلى جانب أعمال فنية من مجموعة مؤسسة «سانتاندير» التي تضم نحو ألف قطعة. وقال مصدر مُقرّب من عائلة زامبرانو، طلب عدم الكشف عن اسمه لعدم تخويله بالتصريح علناً في هذا الشأن، إن قيمة مجموعة جيلمان تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. وأضاف المصدر أن قيمة التأمين عليها «أقل من مليار دولار». وتتمحور الاعتراضات على اتفاقية «سانتاندير» حول القواعد التي تهدف إلى الحفاظ على أعمال نحو عشرة فنانين مكسيكيين بارزين من القرنين التاسع عشر والعشرين داخل البلاد.

وقد أُعلن فن فريدا كاهلو «معلماً فنياً» عام 1984، ولا يُمكن لأي عمل من أعمالها الموجودة في المكسيك آنذاك أن يُغادر البلاد نهائياً، مع إمكانية إعارته لمؤسسة أجنبية لمدة تصل إلى عامين. ويمكن بيع الأعمال الفنية شريطة بقائها في المكسيك. ولسنوات ظل مصير المجموعة غامضاً إلى أن كشف بنك سانتاندير في يناير (كانون الثاني) أن عائلة زامبرانو قد اشترتها عام 2023.

ومن جانبه، قال جيراردو إسترادا، المدير العام السابق للمعهد الوطني للفنون الجميلة والآداب في المكسيك، إن خطة نقل مجموعة جيلمان إلى إسبانيا «مؤسفة للغاية». وأضاف أن تصريحات مسؤولين إسبان ومكسيكيين حول إمكانية بقاء المجموعة في إسبانيا لخمس أو عشر سنوات قد أثارت «شكوكاً وشائعات»، مفادها أن المجموعة قد لا تعود لسنوات عديدة. وأوضح إسترادا أن المجموعة أصبحت «أسطورة» بالنسبة للمكسيكيين؛ فهي «عزيزة عليهم جداً».

وفي الواقع، استقطب معرض «حكايات حديثة» في متحف الفن الحديث ما يقرب من 120 ألف زائر منذ افتتاحه في منتصف فبراير (شباط)، وفقاً لما ذكرته أليخاندرا دي لا باز، المديرة العامة الحالية للمعهد الوطني للفنون الجميلة والعمارة. وتشمل معالم الجذب لوحة زيتية على خشب مضغوط من عام 1943 للفنانة كاهلو بعنوان «صورة ذاتية (دييغو في ذهني)»، ولوحة «صورة ذاتية (مع قلادة)» من عام 1933، بالإضافة إلى أعمال دييغو ريفيرا، وخوسيه كليمنتي أوروزكو، وديفيد ألفارو سيكيروس، وغونتر جيرزو، وماريا إزكويردو، وجميعهم أعضاء رئيسيون في الحركة الحديثة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«الإغلاق المبكر» في مصر... رابحون وخاسرون

شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)
شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)
TT

«الإغلاق المبكر» في مصر... رابحون وخاسرون

شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)
شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)

كان الشاب العشريني حسين عبد الله يذهب يومياً للسهر مع أصدقائه بمقاهي وسط القاهرة بعد انتهاء عمله بإحدى شركات بيع الأجهزة الكهربائية بمدينة نصر في السادسة مساء، حيث يتناول الغداء، ويقضي جزءاً كبيراً من الليل بالمقهى قبل أن يذهب إلى منزله بحي بولاق الدكرور بالجيزة (غرب القاهرة)، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إغلاق المقاهي في التاسعة مساء سبب لي الكثير من الارتباك، لكن أحد أصدقائي وجد لنا بديلاً، وهو كافيه في (روف) أحد الفنادق بوسط البلد يعمل 24 ساعة، فنقلنا السهر إليه يومياً».

مفارقة لافتة للانتباه أشار إليها حسين من حالة الظلام والهدوء التي تلف شوارع وسط القاهرة منذ التاسعة مساء، إلى الأنوار المتلألئة، والزحام، والصخب في المكان الذي يسهر فيه مع أصدقائه، لما يحظى به هذا المكان من ميزة سياحية.

وعزز استثناء بعض القطاعات من قرارات «الإغلاق المبكر» للمحلات في مصر فرص بعض الأنشطة التجارية لتحقيق الأرباح، ومع بحث الكثيرين عن بدائل لأماكن احتساء المشروبات، والسهر للتحايل على قيود الإغلاق المبكر، اجتذبت «كافيهات» الفنادق رواد المقاهي الشعبية التي تغلق أبوابها يومياً في التاسعة مساء.

المقاهي بالقاهرة تشهد إقبالاً في الظروف العادية (أ.ف.ب)

وقررت الحكومة إجراءات «استثنائية» لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي ضمن حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية، والكافيهات في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق، وفي مقار المصالح الحكومية»، و«العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى، مع استثناء بعض الأنشطة من قرار «الإغلاق المبكر»، منها الصيدليات، ومحلات البقالة، والمنشآت السياحية، وأفران الخبز، والمطاعم المصنفة منشآت سياحية.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن «الإغلاق المبكر» أعاد توزيع العوائد التجارية بين الأنشطة المختلفة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث جراء (الإغلاق المبكر) هو إعادة توزيع العائد المالي من كافة الأنشطة ليقتصر على بعض الأنشطة المستثناة من الإغلاق، فالذي يبحث عن مكان للسهر بديلاً للمقهى ذهب إلى كافيهات الفنادق، والباحث عن مشروب ما ذهب إلى الكافيهات الموجودة داخل سلاسل السوبر ماركت في محطات البنزين، أو المولات التجارية»، ويعتقد النحاس أن «بحث الناس عن بدائل لكسر روتين الإغلاق أدى إلى رواج بعض الأنشطة»، لكن «توجد بعض الأنشطة المستثناة من الإغلاق تواجه تراجعاً في حركة البيع بسبب عدم وجود زبائن»، وفق قوله.

بعض مرتادي المقاهي بحثوا عن بدائل بسبب «الإغلاق المبكر» (أ.ف.ب)

الأربعيني علي محمد، صاحب «سوبر ماركت» بمنطقة وسط البلد، يشكو من تراجع حركة البيع بعد موعد الإغلاق، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أننا نفتح المحل 24 ساعة يومياً، فإن حركة البيع تراجعت كثيراً بعد التاسعة مساء، فلا يوجد زبائن إلا نادراً، وكأنه حظر تجوال وليس إغلاقاً».

وخلال الأيام الأولى لتطبيق قرارات «الإغلاق المبكر» للمحلات، والذي طال المقاهي، واجه الشاب الثلاثيني إسحاق يوسف (يعيش في حي حلوان بجنوب القاهرة، بينما يعمل في إحدى الشركات الخاصة بمنطقة المعادي) مشكلة مع إيجاد مكان لاحتساء القهوة بعد ساعات الإغلاق، وأخيراً وجد ضالته بالصدفة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «في الأيام الأولى للإغلاق كانت مشكلتي إيجاد مكان لشرب القهوة، وبالصدفة دخلت محطة بنزين بجوار مقر عملي، وعثرت على سوبر ماركت يقدم مشروبات، ومن وقتها أذهب إليه يومياً بعد الإغلاق».

ميرفت فريد، مديرة فندق أوديون بوسط القاهرة تقول إن «مطعم وكافيه الفندق الموجود على السطح يشهد إقبالاً كبيراً منذ بدء تطبيق قرار إغلاق المحلات»، وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنها لاحظت «وجود زبائن غير معتادين من فئات مختلفة، ويبدو أنهم من رواد المقاهي الذين يبحثون عن أماكن بديلة للسهر، خاصة أننا نعمل 24 ساعة يومياً».

ويرى الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ أن مطاعم وكافيهات الفنادق شهدت بالفعل إقبالاً لافتاً منذ بدء تطبيق قرار الإغلاق المبكر للمحلات، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة معروفة بكونها مدينة السهر، لذلك مع إغلاق المقاهي مبكراً، بدأ الناس البحث عن بدائل للسهر، وهو ما وجدوه في كافيهات فنادق وسط البلد، التي جذبت نوعيات جديدة من الزبائن»، وفي رأي الشيخ فإنه «رغم الأضرار التي تسبب بها قرار الإغلاق المبكر للكثير من الأنشطة، فإن فنادق وسط البلد جذبت أيضاً الكثير من السائحين بجانب المصريين الذين يبحثون عن بديل للمقاهي».