فيلم «ناقة»... حكاية تحذيرية بطلته تنجو من الموت بفضل حذائها

مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «ناقة»... حكاية تحذيرية بطلته تنجو من الموت بفضل حذائها

مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)

بعد الاستماع إلى نصيحة أمها بأن تسلك الطريق المتعرجة، وتتفادى بِرَكَ الماء، وبألا تتحدث مع الذئب الكبير الشرير، تحملُ ذات الرداء الأحمر السلّة المملوءة بالفطائر اللذيذة، وتُسلِم قدميها إلى الطريق المتعرجة الموصلة إلى كوخ جدتها على الطرف الآخر من الغابة. في أثناء سيرها، تلتزم الطفلة بثلثي نصيحة أمها، ولكن تعجز عن إبقاء فمها مغلقاً عندما يبادرها الذئب بالسؤال عن وجهتها، فتخبره بأنها تحمل طعاماً إلى جدتها طريحة الفراش في كوخها في الناحية الأخرى من الغابة. وتضيف أن لكوخ جدتها باباً أخضر. وبينما ذات الرداء الأحمر تسير متمهلة مستغرقة في الغناء، يصل الذئب الجائع إلى كوخ الجدة... إلى نهاية القصة.

في 2004، أنجز المخرج بول هاغيس فيلمه «تصادم»، الذي اشترك في كتابة قصته مع بوبي موريسكو. وفاز «تصادم» بأوسكار أفضل فيلم. وكانت قائمة الممثلين والممثلات فيه مرصعة بالنجوم؛ ساندرا بولوك، ودون تشيادل، وجينيفير إسبوسيتو، ومات ديلون، وبريندان فريزر، وتِرنس هوارد، وثاندي نيوتن، وآخرين. أسماء كثيرة متعددة الخلفيات العرقية والإثنية والطبقية. تتقاطع وتتشابك حكاياتها بعضها مع بعض، لكن العلاقات بين أصحابها موسومة بالتوتر وملوثة بالتحيزات العنصرية والرهاب والجهل والأفكار المسبقة. هذا هو حال الشخصيات في البداية، لكن لأن التغير موضوع وثيمة كل القصص والروايات والأفلام، لا يبدو بعضها في النهاية كما كان في البداية. اقترب بعضها من بعض، إذ تحررت «نسبياً» من تحيزاتها والكره المتوارث وجهلها بالآخرين. تعرّض الفيلم لموجةٍ من الانتقادات لما اعتبره البعض تسطيحاً وتبسيطاً في معالجته لقضايا مثل العنصرية. انتقادات لا تفتقر إلى الصواب، لكنه يظل رغم ذلك فيلماً متميزاً وممتعاً، شاهدته قبل سنوات، وشاهدته مرة ثانية قبل كتابة هذه المقالة.

ما العلاقة بين قصة «ذات الرداء الأحمر» والفيلم «تصادم»؟ أتوقع أن يتشكل هذا السؤال في أذهان البعض. في الحقيقة، ثمة علاقة تربطهما، وتمتد منهما إلى مئات من الحكايات والقصص والأفلام، فكل منها يروي ما تسمى «حكاية تحذيرية cautionary tale». «ذات الرداء»، وكذلك «تصادم». وبقدر ما تهدف أفلام الحكايات التحذيرية إلى الإمتاع والترفيه، تقدم نفسها كمرايا مرفوعة - منصوبة في مواجهة الواقع، تتفيأ أن تكون قوة للتغيير، أو إثارة النقاش والجدل حول قضايا مجتمعية معينة، أو تقديم رسائل أخلاقية ودينية وسياسية، أو للتذكير بأن ما يتخذ من قرارات أو ما يرتكب من أخطاء وخطايا تكون لها نتائج وخيمة، أو قد تكون كذلك. تتوزع أفلام الحكايات التحذيرية على كل خانات التصنيف للأفلام السينمائية، وتشكل الغالبية العظمى من أفلام الرعب والإثارة.

يمكن القول إن فيلم «ناقة» للمخرج السعودي مشعل الجاسر حكاية تحذيرية. هكذا يبدو من وجهة نظري. ليس هذا إسقاطاً، إنما استنتاج مبني على ما يتوفر فيه من خصائص وعناصر الحكاية التحذيرية، كما أتمنى أن يبدو واضحاً في هذه القراءة.

لا أختلف مع من يرى أن ثمة جرأة في تقديم وتصوير الفيلم لفتاة تتعاطى المخدرات وتجرؤ على كسر التابو الديني والمجتمعي في نفس الوقت بالخروج مع صديقها في خلوة في الصحراء. لكن «ناقة»، من منظور آخر، يتضمن ما يبدو عقاباً قاسياً ومؤذياً نفسياً وجسدياً لبطلته سارة (أضواء بدر) لتجرؤها على كسر التابو، ممهدةً الطريق إلى ذلك بالكذب على والديها. لذلك لا يبدو «ناقة» ترويجاً للصداقة بين الجنسين ولخلواتهم سواء في الصحراء أو أي أمكنة أخرى. ولا يبدو أيضاً أن صانع الفيلم الضمني (صانع الفيلم كما أتصوره) ينظر بعين الرضا إلى العلاقة بين سارة وصديقها سعد (يزيد المجيول)، وإلى خروجهما إلى الصحراء، هذا ما استنتجه من سلسلة المواقف الصعبة والمخيفة التي تواجهها سارة بمفردها طوال الوقت، وتكاد تودي بها إلى الهلاك.

«النكبات» هي المفردة التي استخدمها المخرج مشعل الجاسر في وصف المواقف التي تتعرض لها سارة، في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (9 / 12 / 2023). يقول الجاسر عن «ناقة»: «لكن فيلمنا مختلف، فقصته تحدث في يوم واحد، ويمكن وصفه بالنكبات المتتالية، إذ تبدأ بموعد غرامي وتنتهي بكابوس غرامي». في الواقع إن ما يحدث لسارة كابوس لا علاقة له بالغرام. كابوس عاشته وحدها لساعات، أما صديقها سعد فلم يكن سوى نكبة من تلك النكبات التي تتعرض لها، وخيبة أمل يُعَبِّر عنها قولها صارخةً في وجهه: «والله إني مجنونة رايحة ويا واحد رخمة نص البر». أعجبتني فكرة «النكبات»، بمعنى المواقف الصعبة المُتحدية والمرعبة، وسأستمر في استخدامها إلى النهاية.

نجوم الفيلم أضواء بدر ومشعل الجاسر ويزيد المجيول (الشرق الأوسط)

لفت انتباهي تَركز النكبات في المسافة الزمنية بين خروج الصديقين من النفق ليتوغلا في الظلام حيث «الحُوار - الجمل الصغير» في انتظارهما، وبين لحظة دخول سارة النفق راكضة من دون سعد «الرخمة» لتخرج في نهايته على نور الخلاص والنجاة من النكبات الصحراوية لتصبح بالتالي، وبمفردها كما كانت سابقاً، في مواجهة ما قد يكون نكبة، أو أم النكبات، كامنة في انتظارها إذا لم تصل إلى سوق العويس في الساعة (9:59)، الموعد الذي حدده أبوها لعودتها، كسندريلا ذات الرداء الأسود، التي كان حذاؤها أحد عوامل نجاتها من الموت تحت أخفاف الناقة الغاضبة.

يؤدي اصطدام سيارة الصديقين بالجمل الصغير ثم نحره من قبل الراعي السوداني دوراً مهماً في تطور الحدث في الفيلم؛ أولاً، لكونه الشرارة التي أشعلت حقد وغضب الناقة، أي سبب النكبة الكبرى، الموقف الأشد صعوبة وتهديداً لحياة سارة، مواجهة سارة الوحيدة في ليل الصحراء مع الناقة الغاضبة في أعقاب النكبة التي تعرضت مع سعد لها، وهي إلقاء الشرطة القبض عليه لتبقى سارة تواجه خطر الموت وحدها بعد انقطاع السبل بها. وثانياً، بالإضافة إلى أنه السبب في النكبة التي كادت تودي بسارة إلى الموت والهلاك، ينبئ موت الحوار بموت الناقة أمه في حادث يكون أحد عوامل خروج سارة من الصحراء والعودة إلى الرياض عندما يقلها سائق سيارة المثلجات من موقع الحادث إلى أحد المستشفيات على الرغم من رفضها، لذا تهرب عند توقفه ودخوله المستشفى لاستدعاء من يسعفها.

لم يكتف صانع الفيلم بالمواجهة بين سارة والناقة كذروة تعقد الأحداث في الفيلم، والصراع بين سارة والطبيعة - الصحراء - الناقة، إنما استخدمها (المواجهة) أداة لكسر خطية السرد، بتجزؤ مشهد المواجهة إلى 3 أجزاء، بكلمات أخرى، إلى 3 سلاسل من اللقطات «مشهد الولادة، والجزء الأول والجزء الثاني من المواجهة»، واستخدام اثنتين منهما (السلاسل) في سرد استباقي (فلاش فوروارد) بانتزاعهما من موقعهما في التسلسل الزمني للأحداث (القصة) ووضعهما في موقعين مختلفين في زمن السرد - الخطاب في الفيلم.

فمشهد «فلاش فوروارد» ولادة الناقة يَرِدُ مبكراُ جداً للمرة الأولى، خلال الدقيقة الرابعة من بداية الفيلم - زمن السرد، مفصولاً عما قبله وعما بعده. ثم تتكرر الولادة في الجزء الثاني من مشهد المواجهة بين سارة والناقة، نحو الساعة الثامنة مساء وفقاً لزمن الحدث، وبعد ساعة و15 دقيقة من زمن الفيلم - السرد، بعد هروب المحتفلين لسبب مداهمة الشرطة للاحتفال وتوقف سيارة سعد لنفاد الوقود في البر. ثم يظهر الحوار الوليد للمرة الثالثة قرب مكان الحادث الذي أنهى حياة أمه. أما الاستباق الأول، الجزء الأول من مشهد المواجهة، فيبدأ في الدقيقة 33 (32:34) من زمن السرد، بُعَيْد وصول سعد وسارة للمخيم، وهما في طريقهما الى مكان الحفل، الساعة (06:32) من زمن القصة - الأحداث.

يبدو أن تقطيع وتوزيع مشاهد المواجهة وولادة الناقة وموتها على رقعة الخطاب للتأكيد على مركزية الناقة في الفيلم بجعلها أمام المشاهد من البداية إلى النهاية، بالإضافة إلى كسر خطية السرد.

ليس في «ناقة» سوى نكبات تواجه سارة أنى تلتفت، حتى المخيم حيث الاحتفال الذي يفترض أن تقتنص خلاله لحظات من البهجة، كان فضاءً مزروعاً بنكبات متتالية وجدت سارة نفسها وحيدة في مواجهتها، بداً من هلوستها تحت تأثير المخدر، والاختفاء الأول الغامض لسعد، ودخولها في شجار ومشادة كلامية مع الشاعر الدعي أبو فهد حمد الوسواس (جبران الجبران) ومع فتاتين في الحفل، وتحرش شابين بها، عرض أحدهما «تضبيطها»، قبل أن تتعرض للتحرش من قبل الشبان الثلاثة أمام محل تأجير الدبابات.

«ناقة» حكاية تحذيرية، تبدو فيها النكبات التي تمر بها سارة وتنجو منها كالعقاب على كسرها التابو والكذب على والديها. اللافت أن هجوم الناقة على سارة يبدأ مباشرة بعد إنهائها اتصال أمها بها، مدعية - كاذبة أن صديقتها هديل تناديها. لكنها نجت من أم النكبات بسبب اندلاع حريق في سوق العويس.


مقالات ذات صلة

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

يوميات الشرق لقطة من فيلم «إشاعة حب» (الشركة المنتجة)

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

جذبت أفلام كلاسيكية مصرية جمهوراً جديداً لمشاهدتها بعد عقود طويلة من إنتاجها مع بدء عرضها بالسينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».