إبراهيم معلوف... المرشّح العربي الوحيد إلى الـ«غرامي»

العازف اللبناني الفرنسي لـ«الشرق الأوسط»: الفوز الحقيقي هو بتمثيلي العالم العربي

العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)
العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)
TT

إبراهيم معلوف... المرشّح العربي الوحيد إلى الـ«غرامي»

العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)
العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)

بين حفلةٍ ورحلة، وصولةٍ وجولة، يقترض إبراهيم معلوف وقتاً ليعبّئ الرئتَين حباً وأملاً. قيمتان إنسانيّتان ما استطاع لولاهما عازف البوق والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي أن يزرع المسرح طاقةً وشغفاً، ولا أن ينفخ في آلته نغماتٍ ترتحل بالمستمعين إلى الحلم، وتنتزعُهم من وسط عالمٍ تهزّه الكوابيس.

يضرب معلوف موعداً جديداً مع الإنجازات العالميّة في فبراير (شباط) المقبل، فهو العربيّ الوحيد المرشّح إلى جوائز الـ«غرامي» (Grammy Awards) الموسيقية العالمية. إنه الترشيح الثاني خلال سنتَين، وبالنسبة إليه فإنّ «مجرّد الوصول إلى هذه المرحلة انتصار».

للسنة الثانية على التوالي يصل معلوف إلى نهائيات الـ«غرامي» (إنستغرام)

فرد من عائلة «غرامي»

يشارك إبراهيم معلوف «الشرق الأوسط» فخره بكونه الفنان الأوحد الذي يمثّل العالم العربي في هذا المحفل العالمي، لكنه في المقابل لا يخفي أسفَه: «كنت أتمنّى تمثيلاً عربياً أوسع، فبلادنا زاخرة بالمواهب الاستثنائية، ومن المهمّ أن يعرف العالم أجمع ذلك.

في حال حصلت على الجائزة، فإنّ فوزي الحقيقي سيكون بتمثيلي العالم العربي وبمساهمتي في مدّ جسرٍ ثقافيّ بين الفنانين العرب والأكاديمية الأميركية لتسجيل الفنون والعلوم (Recording Academy)، التي صرت فرداً منها منذ ترشيحي الأول العام الماضي، وبات لديّ حق التصويت فيها». هكذا ينظر معلوف إلى احتمال الربح، هو الذي لم يصدّق أذنَيه عندما وصله خبر ترشيحه الثاني على التوالي، عادّاً الأمر «ضرباً من السحر».

القدرة على الحب

تماهياً مع عنوان ألبومه الأخير «Capacity to Love» (القدرة على الحب)، يُمضي إبراهيم معلوف فصوله في «مهنة الفن» كما يسمّيها. لا مكان في رأسه للأنانية ولا للمنافسة، وحتى الشهرة يقول إنه لم يسعَ إليها ولا يستسيغها كثيراً. «من خلال فنّي أريد أن أنشئ صِلات مع الناس. أحاول إيجاد نقاط مشتركة بيننا كبشَر تُقرّبنا من بعض»، هكذا يختصر رؤيته الفنية.

يقول إبراهيم معلوف إنه لا يستسيغ الشهرة ولم يسعَ إليها (إنستغرام)

يتخطّى مشروعُه الموسيقي النوتات والإيقاعات، ليغوص في القيَم الإنسانية. يتحدّث معلوف كفيلسوفٍ لا يريد أن يلتقط من هذا الكون سوى جمالِه. يطمح إلى محاربة القُبح الطاغي من خلال الموسيقى. يقول إنها «تفتح أمامنا درباً مطَمئناً في وجه التشويه الذي ترتكبه السياسة، وضياع البوصلة الذي تقع فيه الديانات أحياناً».

ليست صُدفةً بالتالي أن يترشّح معلوف إلى الـ«غرامي» عبر مقطوعته «Todo Colores» (جميع الألوان)، التي تحتفي بتنوّع الهويّات الثقافية واللغوية والموسيقية. يشرح خصوصية هذا العمل، موضحاً أنه «يضع في الواجهة ثقافاتٍ تعاني اليوم من قلّة التقدير»؛ الثقافة العربية من خلاله هو، والثقافة الكوبيّة من خلال المغنّي Cimafunk، وثقافة الأميركيين من أصحاب البشرة السوداء من خلال فريق Tank and the Bangas.

الألبوم الذي يضمّ «Todo Colores» هو بحدّ ذاته سيمفونيّة ألوان، أرادها الفنان اللبناني العالميّ لوحةً تجمعه بزملاء له من كل زوايا الكرة الأرضيّة. ومن هنا، جاء العنوان: «القدرة على الحب».

شارون ستون وتشارلي تشابلن

حطّت به الرحال في منزل الممثلة الأميركية شارون ستون في لوس أنجليس. دعاها إلى دمج كلماتها وصوتها مع موسيقاه، فوافقت بلا تردّد. يصفُها بـ«السيّدة الواسعة القلب وصاحبة الطاقة النادرة». لكن، أليس سريالياً بعض الشيء أن تلتقي درب إبراهيم معلوف بدرب شارون ستون، فينجزان معاً عملاً موسيقياً يحمل عنوان «Our Flag» (رايتُنا) ورسائلَ إنسانيّة عميقة؟ يجيب معلوف أنّ «القدرة على الحب كفيلة بتحقيق المعجزات».

معجزةٌ أخرى حقّقها ألبوم Capacity to Love، الذي أعاد إلى الحياة الفنان العالمي تشارلي تشابلن من خلال وضع صوته ونصّه على معزوفة «Speechless» (عاجز عن الكلام). يروي معلوف حكاية هذه المقطوعة بشغف، لافتاً إلى إعجابه الكبير بتشابلن الذي «أحدثَ ثورة في السينما، ودافع في آنٍ معاً عن مبادئ لم تكن شعبيّةً في الولايات المتحدة في ذلك الحين». تواصلَ مع حفيده وشرح له فكرة المعزوفة، فوجدَ وريث تشابلن أنها تعكس القيَم ذاتها التي دافع عنها جدّه.

دور البطولة

منذ 15 عاماً، يجول إبراهيم معلوف العالم من دون توقّف. يقول إنّ السفر هو دعوتُه التي لا يتعب منها. تحمله جولته آخر هذا الشهر إلى مسرح بيرسي في باريس، ليصبح بذلك أوّل عازف بوق يعتلي تلك الخشبة بعد الأسطورة مايلز ديفيس. ينتقل إلى أميركا الشمالية في الربيع، وإلى أوروبا صيفاً، أما في الخريف المقبل فسيعزف في عدد من دول الشرق الأقصى وآسيا. يقرّ بأنه مدمنٌ على العمل، وسرعان ما يشرح السبب: «عندما دخلت المجال، قليلةٌ الأبواب التي فُتحت أمامي. لطالما ذكّروني باختلافي وبأنّي يجب أن أكتفي بدورٍ ثانٍ في حياتي».

لكنّ الشابّ المسكون بالموسيقى لم يدع أحداً يبتر طموحه، فهو تعلّم الدرس من والده. يفتح قلبه: «رأيت أبي يعاني طيلة حياته من كونه رجلاً طموحاً لم يُمنح يوماً دوراً رئيسياً. تعلّمت من أخطائه أنه لا مجال للمساومة على الدور الرئيسي».

يحيي معلوف حفلاً ضخماً على مسرح بيرسي في باريس نهاية هذا الشهر (صور الفنان)

لا يتذمّر من كثرة العمل، بل هو ممتنّ لأنه يحب ما يقوم به، ولا يشعر بمرور الوقت. كل ما يريده هو «تنفيذ أجمل الألبومات والجولات»، وألّا يخيّب مَن يرَون فيه فناناً جيداً. لا يطمح إلى الإدهاش ولا إلى النجوميّة. «لا أسعى أن أكون (star)، أريد فقط أن أشارك قيماً صادقة، وأعتقد أنّ هذا الالتزام هو الذي يلمس جمهوراً خابت آمالُه من صناعةٍ موسيقية ما عادت تسعى إلى الصدق والأصالة».

هِبةُ إبراهيم

جذوره العربيّة حاضرةٌ دائماً من خلال نغماته، إلا أنّ إبراهيم معلوف لا يتفيّأ هويّته اللبنانية عندما تقتضي المصلحة، كما أنه لا يلوّح بجوازه الفرنسي كسلاح. «أنا ما أنا عليه. إن قلت إنني عربي، لبناني، فرنسي أو غربي، فكل ذلك صحيح. لا أخفي شيئاً ولا أصطنع شيئاً. لا أجمّل بطاقة هويّتي. أنا، قبل أي شيء، إبن أبويّ، شقيق إخوتي، أب أولادي، وزوج زوجتي».

عندما يصل الحديث إلى زوجته الفنانة اللبنانية هبة طوجي، يسترسل إبراهيم معلوف. يشبّهها بـ«جوهرة الثقافة العربية الصافية». يلفت إلى أنّ «اللقاء بينها وبين المؤلّف والمنتج الموسيقي أسامة الرحباني ولّد غنىً فنياً نادراً». منها يستوحي حسّ الالتزام، ثم يقول بفرح: «أنا مُعجبُها الأوّل ومذهولٌ بها».

معلوف وزوجته الفنانة اللبنانية هبة طوجي (إنستغرام)

إلى حفل الـ«غرامي»، يترافقان كثنائيّ، حيث سيترقّب كلٌ منهما جائزة، هو كمرشّح، وهي كضيفة على ألبوم فريق Pentatonix المرشّح كذلك عن إحدى فئات المسابقة. «نحن في منافسة حقيقية»، يقول معلوف ممازحاً. لكن أياً كان الفائز في حال الفوز، فإنّ السعادة ستكون على قدر الحبّ الذي يجمع إبراهيم وهبة.


مقالات ذات صلة

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

الوتر السادس لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

قالت الفنانة التونسية لطيفة إن اختيارها أغنية «شبهي بالمِلّي» عنواناً لألبومها الجديد جاء من شعورها بأنها الأقرب إلى شخصيتها وحالتها الإنسانية والفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

لم تشأ الفنانة مادلين مطر أن تحرق انتظار جمهورها بأغنية عادية، فبحثت وخططت وخلطت أوراقها من جديد، لتطل بعمل فني مختلف يُحدث فرقاً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

ماذا كشف وثائقي ترافيس باركر الجديد عن ليلة سقوط طائرته الخاصة؟

الموسيقي العالمي يواجه ندوب الماضي في «أعلى من الخوف»... ويستحضر ليلة كارولاينا الجنوبية المنكوبة التي خطفت 4 أرواح، وحوَّلته إلى ناجٍ وحيد يطارد الذكريات.

كوثر وكيل (لندن)
الوتر السادس فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

في مشهد فني خرج عن المألوف، أطلق الفنان رامي عيّاش الفيديو كليب الخاص بأغنيته الجديدة «عذّبيني».

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

قال الموسيقار المصري محمود طلعت إن الموسيقى التصويرية لا تُكتب بالقواعد نفسها في كل عمل، فلكل وسيط فني لغته وأدواته

أحمد عدلي (القاهرة)

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended