إبراهيم معلوف... المرشّح العربي الوحيد إلى الـ«غرامي»

العازف اللبناني الفرنسي لـ«الشرق الأوسط»: الفوز الحقيقي هو بتمثيلي العالم العربي

العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)
العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)
TT

إبراهيم معلوف... المرشّح العربي الوحيد إلى الـ«غرامي»

العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)
العازف والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف (صور الفنان)

بين حفلةٍ ورحلة، وصولةٍ وجولة، يقترض إبراهيم معلوف وقتاً ليعبّئ الرئتَين حباً وأملاً. قيمتان إنسانيّتان ما استطاع لولاهما عازف البوق والمؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي أن يزرع المسرح طاقةً وشغفاً، ولا أن ينفخ في آلته نغماتٍ ترتحل بالمستمعين إلى الحلم، وتنتزعُهم من وسط عالمٍ تهزّه الكوابيس.

يضرب معلوف موعداً جديداً مع الإنجازات العالميّة في فبراير (شباط) المقبل، فهو العربيّ الوحيد المرشّح إلى جوائز الـ«غرامي» (Grammy Awards) الموسيقية العالمية. إنه الترشيح الثاني خلال سنتَين، وبالنسبة إليه فإنّ «مجرّد الوصول إلى هذه المرحلة انتصار».

للسنة الثانية على التوالي يصل معلوف إلى نهائيات الـ«غرامي» (إنستغرام)

فرد من عائلة «غرامي»

يشارك إبراهيم معلوف «الشرق الأوسط» فخره بكونه الفنان الأوحد الذي يمثّل العالم العربي في هذا المحفل العالمي، لكنه في المقابل لا يخفي أسفَه: «كنت أتمنّى تمثيلاً عربياً أوسع، فبلادنا زاخرة بالمواهب الاستثنائية، ومن المهمّ أن يعرف العالم أجمع ذلك.

في حال حصلت على الجائزة، فإنّ فوزي الحقيقي سيكون بتمثيلي العالم العربي وبمساهمتي في مدّ جسرٍ ثقافيّ بين الفنانين العرب والأكاديمية الأميركية لتسجيل الفنون والعلوم (Recording Academy)، التي صرت فرداً منها منذ ترشيحي الأول العام الماضي، وبات لديّ حق التصويت فيها». هكذا ينظر معلوف إلى احتمال الربح، هو الذي لم يصدّق أذنَيه عندما وصله خبر ترشيحه الثاني على التوالي، عادّاً الأمر «ضرباً من السحر».

القدرة على الحب

تماهياً مع عنوان ألبومه الأخير «Capacity to Love» (القدرة على الحب)، يُمضي إبراهيم معلوف فصوله في «مهنة الفن» كما يسمّيها. لا مكان في رأسه للأنانية ولا للمنافسة، وحتى الشهرة يقول إنه لم يسعَ إليها ولا يستسيغها كثيراً. «من خلال فنّي أريد أن أنشئ صِلات مع الناس. أحاول إيجاد نقاط مشتركة بيننا كبشَر تُقرّبنا من بعض»، هكذا يختصر رؤيته الفنية.

يقول إبراهيم معلوف إنه لا يستسيغ الشهرة ولم يسعَ إليها (إنستغرام)

يتخطّى مشروعُه الموسيقي النوتات والإيقاعات، ليغوص في القيَم الإنسانية. يتحدّث معلوف كفيلسوفٍ لا يريد أن يلتقط من هذا الكون سوى جمالِه. يطمح إلى محاربة القُبح الطاغي من خلال الموسيقى. يقول إنها «تفتح أمامنا درباً مطَمئناً في وجه التشويه الذي ترتكبه السياسة، وضياع البوصلة الذي تقع فيه الديانات أحياناً».

ليست صُدفةً بالتالي أن يترشّح معلوف إلى الـ«غرامي» عبر مقطوعته «Todo Colores» (جميع الألوان)، التي تحتفي بتنوّع الهويّات الثقافية واللغوية والموسيقية. يشرح خصوصية هذا العمل، موضحاً أنه «يضع في الواجهة ثقافاتٍ تعاني اليوم من قلّة التقدير»؛ الثقافة العربية من خلاله هو، والثقافة الكوبيّة من خلال المغنّي Cimafunk، وثقافة الأميركيين من أصحاب البشرة السوداء من خلال فريق Tank and the Bangas.

الألبوم الذي يضمّ «Todo Colores» هو بحدّ ذاته سيمفونيّة ألوان، أرادها الفنان اللبناني العالميّ لوحةً تجمعه بزملاء له من كل زوايا الكرة الأرضيّة. ومن هنا، جاء العنوان: «القدرة على الحب».

شارون ستون وتشارلي تشابلن

حطّت به الرحال في منزل الممثلة الأميركية شارون ستون في لوس أنجليس. دعاها إلى دمج كلماتها وصوتها مع موسيقاه، فوافقت بلا تردّد. يصفُها بـ«السيّدة الواسعة القلب وصاحبة الطاقة النادرة». لكن، أليس سريالياً بعض الشيء أن تلتقي درب إبراهيم معلوف بدرب شارون ستون، فينجزان معاً عملاً موسيقياً يحمل عنوان «Our Flag» (رايتُنا) ورسائلَ إنسانيّة عميقة؟ يجيب معلوف أنّ «القدرة على الحب كفيلة بتحقيق المعجزات».

معجزةٌ أخرى حقّقها ألبوم Capacity to Love، الذي أعاد إلى الحياة الفنان العالمي تشارلي تشابلن من خلال وضع صوته ونصّه على معزوفة «Speechless» (عاجز عن الكلام). يروي معلوف حكاية هذه المقطوعة بشغف، لافتاً إلى إعجابه الكبير بتشابلن الذي «أحدثَ ثورة في السينما، ودافع في آنٍ معاً عن مبادئ لم تكن شعبيّةً في الولايات المتحدة في ذلك الحين». تواصلَ مع حفيده وشرح له فكرة المعزوفة، فوجدَ وريث تشابلن أنها تعكس القيَم ذاتها التي دافع عنها جدّه.

دور البطولة

منذ 15 عاماً، يجول إبراهيم معلوف العالم من دون توقّف. يقول إنّ السفر هو دعوتُه التي لا يتعب منها. تحمله جولته آخر هذا الشهر إلى مسرح بيرسي في باريس، ليصبح بذلك أوّل عازف بوق يعتلي تلك الخشبة بعد الأسطورة مايلز ديفيس. ينتقل إلى أميركا الشمالية في الربيع، وإلى أوروبا صيفاً، أما في الخريف المقبل فسيعزف في عدد من دول الشرق الأقصى وآسيا. يقرّ بأنه مدمنٌ على العمل، وسرعان ما يشرح السبب: «عندما دخلت المجال، قليلةٌ الأبواب التي فُتحت أمامي. لطالما ذكّروني باختلافي وبأنّي يجب أن أكتفي بدورٍ ثانٍ في حياتي».

لكنّ الشابّ المسكون بالموسيقى لم يدع أحداً يبتر طموحه، فهو تعلّم الدرس من والده. يفتح قلبه: «رأيت أبي يعاني طيلة حياته من كونه رجلاً طموحاً لم يُمنح يوماً دوراً رئيسياً. تعلّمت من أخطائه أنه لا مجال للمساومة على الدور الرئيسي».

يحيي معلوف حفلاً ضخماً على مسرح بيرسي في باريس نهاية هذا الشهر (صور الفنان)

لا يتذمّر من كثرة العمل، بل هو ممتنّ لأنه يحب ما يقوم به، ولا يشعر بمرور الوقت. كل ما يريده هو «تنفيذ أجمل الألبومات والجولات»، وألّا يخيّب مَن يرَون فيه فناناً جيداً. لا يطمح إلى الإدهاش ولا إلى النجوميّة. «لا أسعى أن أكون (star)، أريد فقط أن أشارك قيماً صادقة، وأعتقد أنّ هذا الالتزام هو الذي يلمس جمهوراً خابت آمالُه من صناعةٍ موسيقية ما عادت تسعى إلى الصدق والأصالة».

هِبةُ إبراهيم

جذوره العربيّة حاضرةٌ دائماً من خلال نغماته، إلا أنّ إبراهيم معلوف لا يتفيّأ هويّته اللبنانية عندما تقتضي المصلحة، كما أنه لا يلوّح بجوازه الفرنسي كسلاح. «أنا ما أنا عليه. إن قلت إنني عربي، لبناني، فرنسي أو غربي، فكل ذلك صحيح. لا أخفي شيئاً ولا أصطنع شيئاً. لا أجمّل بطاقة هويّتي. أنا، قبل أي شيء، إبن أبويّ، شقيق إخوتي، أب أولادي، وزوج زوجتي».

عندما يصل الحديث إلى زوجته الفنانة اللبنانية هبة طوجي، يسترسل إبراهيم معلوف. يشبّهها بـ«جوهرة الثقافة العربية الصافية». يلفت إلى أنّ «اللقاء بينها وبين المؤلّف والمنتج الموسيقي أسامة الرحباني ولّد غنىً فنياً نادراً». منها يستوحي حسّ الالتزام، ثم يقول بفرح: «أنا مُعجبُها الأوّل ومذهولٌ بها».

معلوف وزوجته الفنانة اللبنانية هبة طوجي (إنستغرام)

إلى حفل الـ«غرامي»، يترافقان كثنائيّ، حيث سيترقّب كلٌ منهما جائزة، هو كمرشّح، وهي كضيفة على ألبوم فريق Pentatonix المرشّح كذلك عن إحدى فئات المسابقة. «نحن في منافسة حقيقية»، يقول معلوف ممازحاً. لكن أياً كان الفائز في حال الفوز، فإنّ السعادة ستكون على قدر الحبّ الذي يجمع إبراهيم وهبة.


مقالات ذات صلة

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

يوميات الشرق باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

من خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم...

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
يوميات الشرق هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

مع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
الوتر السادس لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

لين الحايك لـ«الشرق الأوسط»: أعيش اليوم مرحلة اكتشاف الذات

كانت لين الحايك لا تزال في الحادية عشرة من عمرها عندما أطلّت للمرة الأولى على خشبة «ذا فويس كيدز» عام 2016، واليوم، وبعد مرور عشر سنوات على مشوارها الفني...

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس سعد رمضان: لا أُفضِّل توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالي

سعد رمضان: لا أُفضِّل توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالي

تحدث الفنان اللبناني سعد رمضان عن كواليس إحيائه للحفل الختامي لمسابقة Miss Elite، معبراً عن سعادته بالمشاركة في هذه الأمسية بمصر

داليا ماهر (القاهرة)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.