وجدت دراسة أجراها فريق دولي مشترك من الباحثين، أن الحرارة الشديدة والمستمرة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم التدهور الإدراكي والمعرفي بين الفئات المجتمعية الضعيفة، خصوصاً كبار السن من السود الأميركيين، وأولئك الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة.
قال يونيونغ تشوي، الباحث الرئيسي للدراسة، من كلية نيويورك للصحة العامة، في تصريحات لموقع الكلية (الثلاثاء): «توصل بحثنا إلى أن التعرض التراكمي للحرارة الشديدة يمكن أن يقوض الصحة الإدراكية، لكنه يفعل ذلك بشكل غير متساوٍ بين مختلف فئات السكان».
وفيات مرتفعة
ووفق الدراسة المنشورة (الثلاثاء) في دورية «علم الأوبئة وصحة المجتمع»، فإن الحرارة الشديدة هي السبب الرئيسي للوفيات المرتبطة بالطقس في الولايات المتحدة، حيث تحصد حياة كثير من البشر في كل عام، وبأعداد أكثر مقارنة بالأعاصير والعواصف والبرق مجتمعين. ويعدّ الأطفال الصغار وكبار السن الفئات الأكثر عرضة للأمراض المرتبطة بالحرارة مثل الإجهاد الحراري وضربات الشمس.
وتشير دراسات حديثة إلى أن درجات الحرارة المرتفعة قد تضرّ بالوظيفة الإدراكية للدماغ، لكن هذه الدراسات تميل للنظر في الحالة الإدراكية لشخص ما عند نقطة زمنية محددة بعد التعرض للحرارة لفترة وجيزة. ولكن لا يُعرف الكثير عن العواقب طويلة المدى للحرارة على الصحة الإدراكية للإنسان.
تدهور معرفي
أوضحت فرجينيا تشانغ، الأستاذة المشاركة في العلوم الاجتماعية والسلوكية بكلية نيويورك للصحة العامة، وباحثة رئيسية للدراسة: «قد لا يظهر التدهور المعرفي مباشرة بعد حدث واحد، ولكن التعرض المتكرر أو المطول للحرارة الشديدة قد يكون ضاراً».
وأضافت: «يمكن أن يؤدي التعرض التراكمي للحرارة الشديدة إلى سلسلة من الأحداث في الدماغ، بما في ذلك تلف الخلايا وحدوث الالتهابات والإجهاد التأكسدي، وكلها أسباب يمكن أن تستنفد الاحتياطي المعرفي للفرد».
تغير المناخ
ونظراً إلى أن موجات الحرارة أصبحت أكثر تواتراً وشدة بسبب تغير المناخ وجزر الحرارة الحضرية (المدن الكبرى) التي تزيد على درجات حرارة المناطق الريفية المحيطة بها، سعى الباحثون إلى فهم العلاقة بين التعرض الشديد للحرارة والتدهور المعرفي، حيث حللوا بيانات ما يقرب من 9500 من البالغين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 52 عاماً وما فوق، من الذين شملهم استطلاع أُجري على مدى 12 عاماً (2006 - 2018) كجزء من دراسة الصحة والتقاعد التي أجراها معهد جامعة ميشيغان الأميركي للبحوث الاجتماعية.
نظر الباحثون أيضاً في المقاييس الاجتماعية والاقتصادية للأحياء التي يعيش فيها المشاركون. وبالإضافة إلى ذلك، حسبوا التعرض التراكمي للمشاركين للحرارة الشديدة (عدد الأيام التي وصل فيها مؤشر الحرارة إلى حد معين أو تجاوزه) خلال فترة الـ12 عاماً هذه؛ بناءً على بيانات درجة الحرارة التاريخية من خلال شبكة تتبع الصحة العامة البيئية الوطنية، والتابعة لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالولايات المتحدة.
ووجد الباحثون أن التعرض الشديد للحرارة الشديدة كان مرتبطاً بتدهور معرفي بمعدلات أسرع بين سكان الأحياء الفقيرة، وليس بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في الأحياء الأكثر ثراءً.
تفسر هاينا لي، الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع بجامعة سونغكيونكوان الكورية الجنوبية، والباحثة الأولى المشاركة للدراسة: «تميل الأحياء الغنية إلى امتلاك الموارد التي يمكن أن تساعد في موجات الحر، أشياء مثل المساحات الخضراء التي يتم صيانتها جيداً، وامتلاك تكييفات الهواء، ومراكز التبريد».
وأضافت: «أما في الأحياء المحرومة، قد لا توجد هذه الموارد». كما أشارت إلى «العوامل الأخرى المرتبطة بالأحياء المحرومة، كالسكان الذين يعانون ضغوطاً مزمنة، وعزلة اجتماعية أكبر، وقلة الخدمات المتخصصة للصحة الإدراكية»، مشددة على أن كل ذلك يمكن أن يسهم أيضاً في هذا التفاوت بين المناطق الغنية والمناطق الفقيرة.
وارتبط التعرض التراكمي للحرارة الشديدة بتدهور معرفي أسرع بين كبار السن من السود أيضاً، ولكن ليس كبار السن من البيض أو من أصل إسباني.
قالت تشانغ: «أحد التفسيرات المحتملة لهذا النمط من النتائج هو أن كبار السن من السود قد يكون لديهم عيوب منهجية بشكل غير متناسب طوال حياتهم بسبب العنصرية البنوية - التفرقة على نطاق واسع على أساس التعليم والدخل والثروة - داخل المجتمع، والفصل العنصري في بعض المجتمعات، وغيرها من السياسات التمييزية، وكلها قد تؤثر على الاحتياطي المعرفي لدى الأفراد».
حثّ الباحثون الحكومات المحلية ومسؤولو الصحة على تطوير سياسات وأدوات تحدد السكان المعرّضين للحرارة الشديدة، وتمكين المجتمعات المعرضة أكثر للخطر، وتحديد احتياجاتهم الخاصة، وتطوير الدعم المستهدف وزيادة التواصل مع هؤلاء السكان.
قال تشوي: «عند مواجهة درجات الحرارة المرتفعة، تكشف دراستنا عن أن السكان الضعفاء يعانون مساوئ مضاعفة».
وأضاف: «الحرارة الشديدة هي تهديد خطير للصحة العامة»، وشدد على أنه في سياق أزمة تغير المناخ: «نحتاج إلى التركيز على دعم الفئات المعرضة للخطر من أجل بناء مجتمعات قادرة على الصمود».

