الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

أحد أكثر العروض إثارةً في نيويورك خلال هذا الصيف

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
TT

الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)

تعد «التفاحة الكبيرة» (أي مدينة نيويورك الأميركية) مكاناً جيداً للابتكار، فقد كان لدى الشاعر السويسري فريديريك لويس ساوزر، سبب وجيه لإعادة بدء مسيرته المهنية من جديد هنا في ربيع عام 1912، ففي عمر 25 عاماً، وصل إلى ميناء نيويورك وهو خالي الوفاض، إذ كان حينها مفلساً تقريباً بعد تجربة حظه في روسيا والبرازيل، وكان بالكاد يستطيع إطعام نفسه.

وفي يوم الأحد 7 أبريل (نيسان) 1912، الذي كان يوافق عيد الفصح في ذلك الوقت، عندما تم منعه من دخول المكتبة العامة، ذهب الشاعر الشاب إلى الكنيسة المشيخية الأولى في قرية غرينتش، التي طرده كاهن مسؤول بها بعدما لم يتمكن ساوزر من دفع تبرع.

وفي ذلك اليوم ذهب إلى المنزل غاضباً، وتمكن من النوم بصعوبة، ولكن في ظل هذا المزيج من الغضب والإنهاك، بدأ الشاعر الشاب أخيراً في الكتابة وانتهى به الأمر بكتابة قصيدته الحداثية البارزة المعروفة باسم «عيد الفصح في نيويورك»، التي تعد عبارة عن مجموعة من الأبيات التي باتت بمثابة نشيد وطني على مستوى المدينة.

من المعروضات (متحف ومكتبة ذا مورغان)

لقد منحته مدينة نيويورك حياة جديدة، وأعطى ساوزر لنفسه اسماً جديداً هناك يشبه طائر الفينيق، فمن ذلك الوقت فصاعداً، أُطلق عليه اسم بليز سيندرار وهو اسم يعني شاعر النار والرماد.

ويعد معرض «بليز سيندرار: الشعر هو كل شيء» الذي يُقام في مكتبة ومتحف «ذا مورغان» في مانهاتن، نيويورك، أحد أكثر العروض جاذبية وإبهاراً هذا الصيف، فهو عبارة عن مجموعة مركزة من الأعمال الفنية من عصر الحداثة عبر المحيط الأطلسي، التي تظهر بألوان غنية مطبوعة.

وفي حال لم تكن قد سمعت عن سيندرار من قبل، فأنت لست وحدك، ولكن من المرجح أن تكون قد تعرفت على صديقه الحميم غيوم أبولينير في الفصل الدراسي التمهيدي للشعر الفرنسي، الذي يعد مثالاً أكثر شهرة لمدرسة الاغتراب الحديث.

بليز سيندرار (Succession Cendrars)

ولكن سيندرار كان له حضور طاغ في الفنون والآداب الفرنسية الحديثة، حيث تعاون مع الفنان فيرناند ليجير والمخرج آبيل غانس، والملحن داريوس ميلود، وتقريباً كل طليعي (مصطلح أدبي يشير إلى الأشخاص أو الأعمال التجريبية أو المجددة وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالفن والثقافة والسياسة والفلسفة والأدب) في باريس قبل قرن من الزمان، كما كان لديه أيضاً شغف بالإعلانات والعروض التجارية التي كانت أمراً مستحدثاً في ذلك الوقت، حيث كان يراها مساوية في الأهمية للشعر.

ويستفيد معرض «ذا مورغان» من شغف سيندرار بالوسائط المتعددة، لا سيما في التحفة الفنية الموجودة في قلب هذا العرض: «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وهي رحلة شعرية غير مقيدة ولا تحتوي على علامات ترقيم تقريباً تعود إلى عام 1913، التي نشرها سيندرار بنفسه على كتيب مطوي مثل الأكورديون طوله 6.5 أقدام، محاط بإطارات تجريدية ملونة بشكل جزئي للفنانة الفرنسية - الأوكرانية العظيمة سونيا ديلاوناي تيرك.

غلاف أحد أهم كتب سيندرار يحمل رسومات الفنانة الفرنسية - الأوكرانية سونيا ديلاوناي تيرك (مكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

ووُلد سيندرار في عام 1887 لأب سويسري وأم أسكوتلندية، لكنه بالكاد كان في سن المراهقة عندما خرج للحياة، ففي كل من «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وفي المقابلات التي أجراها لاحقاً، تحدث عن شبابه باعتباره مغامرة مثيرة، ويبدو أنه قد شهد الثورة الروسية عام 1905، على الرغم من أنه ليس مؤكداً ما إذا كان قد جرف الفحم بالفعل على القاطرات الصينية في ذلك الوقت، فلطالما تمت المبالغة أثناء كتابة السير الذاتية، فهذا الأمر يمثل حالة كلاسيكية لرغبة الحداثة في الدمج بين الفن والحياة.

ويبدو شعر سيندرار شبيهاً بمدرسة الشاعر الأميركي الشهير والتر ويتمان جونيور، الذي يعد من أكثر الشعراء تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة في اتساع نطاقه وبريقه، لكنه كان أكثر حدةً وشدةً، إذ إنه كان يتضمن تحرر كتابات الشاعر الفرنسي نيكولاس آرثر رامبو، الذي اشتهر في الحركة الرمزية وأثر بشكل ملحوظ على الشعر الحديث، وحبه للمغامرة والسفر، ثم يتجرد من كل هذه المشاعر تاركاً شيئاً غريباً وحديثاً بشكل كامل.

وبعد بضعة أشهر من تحقيقه اختراقاً في نيويورك، عاد سيندرار إلى أوروبا من جديد، لكن هذه المرة عاد باسم جديد وشعور جديد بالثقة، وقد قام بطباعة قصيدة «عيد الفصح في نيويورك» على نفقته الخاصة في باريس، ولكن لم يتم بيع أي نسخة منها، وفي بداية عام 1913، قرأ شعره في شقة صديقه الشعر الفرنسي أبولينير، وهناك التقى الفنان روبرت ديلوناي وزوجته الفنانة سونيا ديلوناي، وحينها فكرت الأخيرة في التعاون معه، وبالفعل تمكنا معاً في «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» من إنتاج واحدة من أعظم منشورات الفن المعاصر، التي تمثلت في تجربة إيقاعية سريعة الحركة من الرسم والشعر الذي شكل، على حد قولهم، «أول كتاب متزامن».

وقد حصل متحف ومكتبة «ذا مورغان» على واحدة من بضع عشرات من النسخ الباقية في عام 2021، ويتاح للجمهور خدمة رقمية رائعة على الموقع الإلكتروني للمتحف يتم فيها تكبير جميع اللوحات لرؤيتها بوضوح، كما تتوفر ترجمة كاملة للقصيدة للإنجليزية قامت بها رون بادجيت.

يشمل المعرض 22 لوحة يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً (laise Cendrars/Succession Cendrars

ويشمل هذا العمل الفني 22 لوحة، يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً، وفي أعلى اليمين، فوق عنوان القصيدة، هناك نسخة طبق الأصل من خريطة ميشلان للسكك الحديدية الروسية، وتتحدث القصيدة عن شاعر سيئ للغاية اسمه بليز، وهو يعبر سيبيريا وشمال الصين مع جين التي التقى بها في أحد البارات ويصفها بأنها «زهرة بريئة».

وفي جميع أنحاء «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» سيجد الجمهور إشارات إلى الحرب، إذ إنه بعد مرور عام على نشرها، انضم الشاعر السويسري إلى الفيلق الأجنبي الفرنسي (فرع خدمة عسكرية تابعة للجيش الفرنسي)، حيث فقد سيندرار ذراعه اليمنى في معركة شامبين الثانية في عام 1915، وأثناء فترة نقاهته وتعليم نفسه الكتابة بيده اليسرى، أصبح صديقاً لليجير، وهو فنان زميل له متخصص في التجزئة الحضرية، الذي كان أيضاً من المحاربين القدامى، إذ إنه كاد يموت من هجوم بغاز الخردل في خنادق غابة أرغون.

رسم يبرز تعاون بليز سيندرار مع الفنان فيرناند ليجير (Artists Rights Society (ARS), New York.)

ويتضمن المعرض المقام في «ذا مورغان» العديد من أعمال سيندرار وليجير معاً، بما في ذلك كتاب نُشر في عام 1918 باسم «J'ai tué» (لقد قتلت)، الذي تم فيه الدمج بين التروس والأسطوانات التكعيبية المتعرجة الخاصة بليجير.

كما كان هناك تعاون قوي آخر في عشرينات القرن الماضي، عندما سافر سيندرار إلى البرازيل والتقى أكبر طالب لليجير هناك وهو تارسيلا دو أمارال، إذ انضم الشاعر السويسري إلى الأخير والشاعر أوزفالد دي أندرادي في رحلة من ساو باولو إلى المناطق الداخلية البرازيلية، حيث رسم أمارال التلال وبلدات التعدين الاستعمارية التي ظهرت فيما بعد في كتاب سيندرار الذي جاء بعنوان «Feuilles de Route»، وليس من المبالغة أن نقول إن هذه كانت الرحلة التي ولد من خلالها الفن البرازيلي الحديث، إذ كتب أندرادي بعد ذلك بفترة قصيرة بياناً تاريخياً لفن وطني متحرر من التصورات الأوروبية، فيما قام تارسيلا بالدمج بين تأثيرات الأفارقة والسكان الأصليين والأوروبيين في فن برازيلي جديد بالكامل.

رسم للفنان الروسي شاغال يصاحب مقطوعة شعرية سيندرار (متحف ومكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

صحيح أن معرض «الشعر هو كل شيء» يعد أصغر العروض الأربعة للأعمال الفنية التي تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين في «ذا مورغان» هذا الصيف، لكنه الأكثر إثارة من بينهم.

وقد كتب الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن شعر سيندرار وقصصه قائلاً: «كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

يُقام معرض بليز سيندرار (1887-1961): «الشعر هو كل شيء» حتى يوم 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، في متحف ومكتبة «ذا مورغان»، 225 حي ماديسون في شارع رقم 36، مانهاتن، نيويورك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

«كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن سيندرار


مقالات ذات صلة

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون ليشهدوا على أرضٍ وشعبٍ وذاكرة… ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.


راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
TT

راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)

تخيل أنك مررت بيوم طويل وشاق. شعرت بأن العمل لا نهاية له، وكانت حركة المرور كالكابوس، وعندما تصل أخيراً إلى المنزل، كل ما ترغب فيه هو مشاهدة شيء ترفيهي بلا تفكير. فتجلس على الأريكة، وتشغل مسلسل «Friends» أو «house» أو «لن أعيش في جلباب أبي». فجأة تشعر بخفة الحياة وسعادة أكبر. ربما شاهدت تلك المسلسلات ألف مرة من قبل، ولكن لا يهم.

على نحو مفاجئ، قد يكون لهذه العادة فوائد فعلية على صحتك النفسية، فإعادة مشاهدة البرامج التلفزيونية القديمة ليست مجرد عادة مسلية، بل تحمل فوائد مثبتة للرفاهية النفسية والعاطفية. تساعد هذه العادة على تقليل التوتر، وتنظيم المشاعر، ورفع المزاج، وحتى مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات اليومية.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند»، أبرز الفوائد العلمية لإعادة مشاهدة مسلسلاتك المفضلة، وكيف يمكن لهذه العادة البسيطة أن تمنح عقلك وجسدك استراحة ضرورية من ضغوط الحياة اليومية.

ما هي الفوائد؟

لدينا جميعاً برامج تلفزيونية نعود إليها دائماً لأنها تشعرنا بالدفء والراحة، مثل بطانية مريحة. وتقول كلاريسا سيلفا، عالمة سلوك: «الروتين اليومي يمكن أن يكون مرهقاً ذهنياً، ولهذا فإن مشاهدة البرامج القديمة المألوفة تشعرنا بالطمأنينة. فهي لا تضيف إلى العبء الذهني، بل تمنحنا مهرباً نحتاجه بشدة».

وتضيف إيمي داراموس، اختصاصية علم النفس الإكلينيكي في عيادة كلاريتي في شيكاغو: «أحياناً نحتاج أن تبقى الحياة كما هي لبضع ساعات لنشعر بالأمان والاستقرار».

وفيما يلي بعض الفوائد المدعومة علمياً لإعادة مشاهدة البرامج المفضلة:

تقليل الحمل الذهني:

أدمغتنا بحاجة للراحة من التحفيز المستمر الذي نتعرض له طوال اليوم. مشاهدة برنامج جديد يتطلب جهداً ذهنياً، أما إعادة مشاهدة شيء مألوف فتمنح العقل استراحة عندما نكون مرهقين.

تخفيف التوتر والقلق:

يمكن أن تكون مشاهدة التلفاز وسيلة للهروب. القصص المألوفة تمنح شعوراً بالثبات عندما تصبح الحياة غير متوقعة، على عكس المحتوى الجديد المليء بالتقلبات العاطفية. عندما نكون متوترين ومرهقين، يمنحنا ذلك شعوراً بالسيطرة.

مساعدة في تنظيم المشاعر

عندما نشعر بالضيق أو الإرهاق، تساعد إعادة مشاهدة البرامج المريحة على تنظيم العواطف. نعلم أن الشخصيات ستتغلب على تحدياتها وأن النهاية ستكون سعيدة، مما يمنحنا شعوراً بالأمل والراحة في حياتنا.

مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات:

حياتنا مليئة بالقرارات اليومية، من اختيار الملابس إلى تحديد وجبات الطعام. إعادة مشاهدة البرامج المألوفة تساعدنا على تجنب اتخاذ المزيد من القرارات في يومنا.

رفع المزاج:

رؤية لحظات مضحكة أو دافئة تحبها يمكن أن تحسن المزاج فوراً، كما توفر دفعة من الدوبامين للدماغ.

خلق شعور بالانتماء:

قد لا تكون الشخصيات حقيقية، لكنها تمنح شعوراً بالارتباط والراحة.

التخفيف من الملل والشعور بالوحدة: الشعور بالحنين أثناء إعادة المشاهدة يمكن أن يحارب الملل والشعور بالوحدة وحتى الحنين للوطن.

لماذا نعيد مشاهدة البرامج التلفزيونية؟

في عالم مليء بالمسلسلات والأفلام الجديدة، قد نشعر أحياناً بالذنب عند العودة إلى برنامج قديم مفضل، كأننا نتكاسل. ولكن علمياً، هناك أسباب عديدة:

الاسترخاء:

مشاهدة برنامج جديد تتطلب متابعة الحبكة والتعرف على الشخصيات الجديدة وفهم دوافعها. أما برنامج مألوف، فلا يودد ضغط ذهني، والفكاهة والشخصيات المألوفة ترفع المزاج.

الراحة والتوقعية:

البرامج القديمة تمنح شعوراً بالأمان لأنها تتبع نمطاً معروفاً.

الحنين للماضي:

إعادة مشاهدة البرامج القديمة تعيدنا إلى أنفسنا في الماضي، وتذكرنا بأوقات أكثر بساطة وسعادة.

الارتباط العاطفي:

الروابط العاطفية مع الشخصيات الخيالية، المعروفة بالعلاقات «الطرفية»، تمنح شعوراً بالرفقة والانتماء.

الخلفية الصوتية:

أحياناً لا نركز على المشاهدة، بل نحتاج فقط لصوت مألوف أثناء القيام بالأعمال اليومية.

العناية الذاتية:

تخصيص وقت لمشاهدة برنامج قديم يساعد على الاسترخاء وإعادة شحن الطاقة.

اكتشاف تفاصيل جديدة: يمكن أن نلاحظ تفاصيل جديدة لم نرها من قبل، سواء كانت عبارة مضحكة أو إيماءة أو إشارة.

متى تصبح إعادة المشاهدة غير صحية؟

إعادة مشاهدة البرامج القديمة يمكن أن تكون استراتيجية صحية للتعامل مع التوتر والقلق، ولكنها قد تصبح مشكلة إذا استبدلت بالعادات الصحية الأخرى، مثل النوم أو التواصل الاجتماعي أو ممارسة النشاطات اليومية.

يقول العلماء إنه إذا أصبحت عادة الإفراط في مشاهدة المسلسلات وسيلة للهروب من الوحدة أو الاكتئاب أو القلق الاجتماعي، فقد تتحول إلى سلوك غير صحي.