الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

أحد أكثر العروض إثارةً في نيويورك خلال هذا الصيف

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
TT

الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)

تعد «التفاحة الكبيرة» (أي مدينة نيويورك الأميركية) مكاناً جيداً للابتكار، فقد كان لدى الشاعر السويسري فريديريك لويس ساوزر، سبب وجيه لإعادة بدء مسيرته المهنية من جديد هنا في ربيع عام 1912، ففي عمر 25 عاماً، وصل إلى ميناء نيويورك وهو خالي الوفاض، إذ كان حينها مفلساً تقريباً بعد تجربة حظه في روسيا والبرازيل، وكان بالكاد يستطيع إطعام نفسه.

وفي يوم الأحد 7 أبريل (نيسان) 1912، الذي كان يوافق عيد الفصح في ذلك الوقت، عندما تم منعه من دخول المكتبة العامة، ذهب الشاعر الشاب إلى الكنيسة المشيخية الأولى في قرية غرينتش، التي طرده كاهن مسؤول بها بعدما لم يتمكن ساوزر من دفع تبرع.

وفي ذلك اليوم ذهب إلى المنزل غاضباً، وتمكن من النوم بصعوبة، ولكن في ظل هذا المزيج من الغضب والإنهاك، بدأ الشاعر الشاب أخيراً في الكتابة وانتهى به الأمر بكتابة قصيدته الحداثية البارزة المعروفة باسم «عيد الفصح في نيويورك»، التي تعد عبارة عن مجموعة من الأبيات التي باتت بمثابة نشيد وطني على مستوى المدينة.

من المعروضات (متحف ومكتبة ذا مورغان)

لقد منحته مدينة نيويورك حياة جديدة، وأعطى ساوزر لنفسه اسماً جديداً هناك يشبه طائر الفينيق، فمن ذلك الوقت فصاعداً، أُطلق عليه اسم بليز سيندرار وهو اسم يعني شاعر النار والرماد.

ويعد معرض «بليز سيندرار: الشعر هو كل شيء» الذي يُقام في مكتبة ومتحف «ذا مورغان» في مانهاتن، نيويورك، أحد أكثر العروض جاذبية وإبهاراً هذا الصيف، فهو عبارة عن مجموعة مركزة من الأعمال الفنية من عصر الحداثة عبر المحيط الأطلسي، التي تظهر بألوان غنية مطبوعة.

وفي حال لم تكن قد سمعت عن سيندرار من قبل، فأنت لست وحدك، ولكن من المرجح أن تكون قد تعرفت على صديقه الحميم غيوم أبولينير في الفصل الدراسي التمهيدي للشعر الفرنسي، الذي يعد مثالاً أكثر شهرة لمدرسة الاغتراب الحديث.

بليز سيندرار (Succession Cendrars)

ولكن سيندرار كان له حضور طاغ في الفنون والآداب الفرنسية الحديثة، حيث تعاون مع الفنان فيرناند ليجير والمخرج آبيل غانس، والملحن داريوس ميلود، وتقريباً كل طليعي (مصطلح أدبي يشير إلى الأشخاص أو الأعمال التجريبية أو المجددة وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالفن والثقافة والسياسة والفلسفة والأدب) في باريس قبل قرن من الزمان، كما كان لديه أيضاً شغف بالإعلانات والعروض التجارية التي كانت أمراً مستحدثاً في ذلك الوقت، حيث كان يراها مساوية في الأهمية للشعر.

ويستفيد معرض «ذا مورغان» من شغف سيندرار بالوسائط المتعددة، لا سيما في التحفة الفنية الموجودة في قلب هذا العرض: «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وهي رحلة شعرية غير مقيدة ولا تحتوي على علامات ترقيم تقريباً تعود إلى عام 1913، التي نشرها سيندرار بنفسه على كتيب مطوي مثل الأكورديون طوله 6.5 أقدام، محاط بإطارات تجريدية ملونة بشكل جزئي للفنانة الفرنسية - الأوكرانية العظيمة سونيا ديلاوناي تيرك.

غلاف أحد أهم كتب سيندرار يحمل رسومات الفنانة الفرنسية - الأوكرانية سونيا ديلاوناي تيرك (مكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

ووُلد سيندرار في عام 1887 لأب سويسري وأم أسكوتلندية، لكنه بالكاد كان في سن المراهقة عندما خرج للحياة، ففي كل من «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وفي المقابلات التي أجراها لاحقاً، تحدث عن شبابه باعتباره مغامرة مثيرة، ويبدو أنه قد شهد الثورة الروسية عام 1905، على الرغم من أنه ليس مؤكداً ما إذا كان قد جرف الفحم بالفعل على القاطرات الصينية في ذلك الوقت، فلطالما تمت المبالغة أثناء كتابة السير الذاتية، فهذا الأمر يمثل حالة كلاسيكية لرغبة الحداثة في الدمج بين الفن والحياة.

ويبدو شعر سيندرار شبيهاً بمدرسة الشاعر الأميركي الشهير والتر ويتمان جونيور، الذي يعد من أكثر الشعراء تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة في اتساع نطاقه وبريقه، لكنه كان أكثر حدةً وشدةً، إذ إنه كان يتضمن تحرر كتابات الشاعر الفرنسي نيكولاس آرثر رامبو، الذي اشتهر في الحركة الرمزية وأثر بشكل ملحوظ على الشعر الحديث، وحبه للمغامرة والسفر، ثم يتجرد من كل هذه المشاعر تاركاً شيئاً غريباً وحديثاً بشكل كامل.

وبعد بضعة أشهر من تحقيقه اختراقاً في نيويورك، عاد سيندرار إلى أوروبا من جديد، لكن هذه المرة عاد باسم جديد وشعور جديد بالثقة، وقد قام بطباعة قصيدة «عيد الفصح في نيويورك» على نفقته الخاصة في باريس، ولكن لم يتم بيع أي نسخة منها، وفي بداية عام 1913، قرأ شعره في شقة صديقه الشعر الفرنسي أبولينير، وهناك التقى الفنان روبرت ديلوناي وزوجته الفنانة سونيا ديلوناي، وحينها فكرت الأخيرة في التعاون معه، وبالفعل تمكنا معاً في «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» من إنتاج واحدة من أعظم منشورات الفن المعاصر، التي تمثلت في تجربة إيقاعية سريعة الحركة من الرسم والشعر الذي شكل، على حد قولهم، «أول كتاب متزامن».

وقد حصل متحف ومكتبة «ذا مورغان» على واحدة من بضع عشرات من النسخ الباقية في عام 2021، ويتاح للجمهور خدمة رقمية رائعة على الموقع الإلكتروني للمتحف يتم فيها تكبير جميع اللوحات لرؤيتها بوضوح، كما تتوفر ترجمة كاملة للقصيدة للإنجليزية قامت بها رون بادجيت.

يشمل المعرض 22 لوحة يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً (laise Cendrars/Succession Cendrars

ويشمل هذا العمل الفني 22 لوحة، يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً، وفي أعلى اليمين، فوق عنوان القصيدة، هناك نسخة طبق الأصل من خريطة ميشلان للسكك الحديدية الروسية، وتتحدث القصيدة عن شاعر سيئ للغاية اسمه بليز، وهو يعبر سيبيريا وشمال الصين مع جين التي التقى بها في أحد البارات ويصفها بأنها «زهرة بريئة».

وفي جميع أنحاء «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» سيجد الجمهور إشارات إلى الحرب، إذ إنه بعد مرور عام على نشرها، انضم الشاعر السويسري إلى الفيلق الأجنبي الفرنسي (فرع خدمة عسكرية تابعة للجيش الفرنسي)، حيث فقد سيندرار ذراعه اليمنى في معركة شامبين الثانية في عام 1915، وأثناء فترة نقاهته وتعليم نفسه الكتابة بيده اليسرى، أصبح صديقاً لليجير، وهو فنان زميل له متخصص في التجزئة الحضرية، الذي كان أيضاً من المحاربين القدامى، إذ إنه كاد يموت من هجوم بغاز الخردل في خنادق غابة أرغون.

رسم يبرز تعاون بليز سيندرار مع الفنان فيرناند ليجير (Artists Rights Society (ARS), New York.)

ويتضمن المعرض المقام في «ذا مورغان» العديد من أعمال سيندرار وليجير معاً، بما في ذلك كتاب نُشر في عام 1918 باسم «J'ai tué» (لقد قتلت)، الذي تم فيه الدمج بين التروس والأسطوانات التكعيبية المتعرجة الخاصة بليجير.

كما كان هناك تعاون قوي آخر في عشرينات القرن الماضي، عندما سافر سيندرار إلى البرازيل والتقى أكبر طالب لليجير هناك وهو تارسيلا دو أمارال، إذ انضم الشاعر السويسري إلى الأخير والشاعر أوزفالد دي أندرادي في رحلة من ساو باولو إلى المناطق الداخلية البرازيلية، حيث رسم أمارال التلال وبلدات التعدين الاستعمارية التي ظهرت فيما بعد في كتاب سيندرار الذي جاء بعنوان «Feuilles de Route»، وليس من المبالغة أن نقول إن هذه كانت الرحلة التي ولد من خلالها الفن البرازيلي الحديث، إذ كتب أندرادي بعد ذلك بفترة قصيرة بياناً تاريخياً لفن وطني متحرر من التصورات الأوروبية، فيما قام تارسيلا بالدمج بين تأثيرات الأفارقة والسكان الأصليين والأوروبيين في فن برازيلي جديد بالكامل.

رسم للفنان الروسي شاغال يصاحب مقطوعة شعرية سيندرار (متحف ومكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

صحيح أن معرض «الشعر هو كل شيء» يعد أصغر العروض الأربعة للأعمال الفنية التي تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين في «ذا مورغان» هذا الصيف، لكنه الأكثر إثارة من بينهم.

وقد كتب الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن شعر سيندرار وقصصه قائلاً: «كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

يُقام معرض بليز سيندرار (1887-1961): «الشعر هو كل شيء» حتى يوم 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، في متحف ومكتبة «ذا مورغان»، 225 حي ماديسون في شارع رقم 36، مانهاتن، نيويورك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

«كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن سيندرار


مقالات ذات صلة

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

خاص رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

يتحدى المعرض النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان كفترة اضمحلال فنرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً

إميلي لابارج (باريس)
يوميات الشرق الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

على المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية...

نادية عبد الحليم (القاهرة )
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.


تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
TT

تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)

أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية، بالشراكة مع جامعة عفّت والأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، وهو برنامج يدعم البحوث المستندة إلى المقتنيات الأرشيفية، ويُحفز على البحث الثقافي حول الجزيرة العربية، ويُعزز التعاون بين الباحثين والمؤسسات في السعودية والمملكة المتحدة.

ويشمل البرنامج إقامة بحثية على مدار 10 أسابيع في مقر الأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، يحظى خلالها الزملاء الباحثون بالتدريب العملي على المهارات الأرشيفية، وزيارة المقتنيات الأرشيفية والمؤسسات الثقافية الأخرى في المملكة المتحدة، كما تدعم الزمالة نطاقاً واسعاً من الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية.

وتأتي الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية، ويُجسّد اهتمامها بتحفيز البحث الثقافي، وتعزيز التعاون على الصعيدين المحلي والعالمي، كما يعكس حرص الوزارة على تعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفه أحد أهداف الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

وتعتمد وزارة الثقافة على نتائج البحث أساساً للابتكار والتطوير الثقافي، وعلى دوره في فهم الثقافة والتراث الوطني، ويتيح برنامج المنح الفرصة لإثراء القطاع الثقافي؛ وتمكين الباحثين السعوديين وتحفيز المجتمع البحثي الأوسع لإنتاج معرفة رصينة عن الثقافة والتراث وتقديم رؤى جديدة مبنية على الأدلة لتطوير القطاع الثقافي.

وتُتاح الزمالة للباحثين والمختصين في التراث الثقافي القادرين على إجراء بحث باللغة الإنجليزية وباستقلالية، بغض النظر عن مرحلتهم العملية، ويمكن للباحثين والمختصين الراغبين في الالتحاق بالبرنامج الاطلاع على تفاصيله، والتقديم عبر منصة إلكترونية مخصصة للبرنامج، على أن يلتزم المتقدمون بتكريس نسبة كبيرة من وقتهم للزمالة التي تمتد فترتها من 1 أغسطس (آب) 2026 حتى 31 يوليو (تموز) 2027.

يأتي برنامج الزمالات للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية (واس)

اهتمام استثنائي لتاريخ وتراث الجزيرة العربية

ويشهد تاريخ وتراث الجزيرة العربية اهتماماً غير مسبوق، من خلال جهود وزارة الثقافة السعودية التي تسعى إلى إعادة اكتشاف الجذور التاريخية للمنطقة، وتوثيقها بأسلوب علمي رصين، وتحويل خزائن الأرض من التراث الصامت، إلى مادة خصبة للبحث والدراسة والإنتاج البحثي الرصين.

وقامت الوزارة بإنشاء هيئات متخصصة، على رأسها هيئة التراث، التي وضعت البحث العلمي في قلب استراتيجيتها، من خلال صياغة سياسات واضحة لدعم الدراسات الميدانية، وتوفير التمويل اللازم للبعثات الأثرية المحلية والدولية، وبناء قواعد بيانات رقمية شاملة للمواقع التراثية لتسهيل وصول الباحثين إليها.

وبناءً على ما يتطلبه فهم تراث الجزيرة العربية من تضافر للجهود العالمية، اعتمدت الوزارة التعاون مع كبرى الجامعات والمراكز البحثية العالمية، لدعم الدراسات التي تستخدم تقنيات حديثة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد وتحليل الحمض النووي القديم (Archaeogenetics) لفهم الهجرات البشرية الأولى، إضافة إلى تمكين الباحثين السعوديين من العمل جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين لنقل المعرفة وتوطين الخبرات.

ولم يقتصر الاهتمام على فحص ما تحتفظ به الآثار من سردية تاريخية عريقه، بل امتد ليشمل الإنسان وحكايته على أرض الجزيرة العربية، وشملت دائرة الاهتمام بتراث المنطقة دعم الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية، وتوثيق الفنون الأدائية والموسيقى التقليدية والحرف اليدوية عبر بحوث استقصائية ميدانية، وإطلاق مبادرات لتدوين التاريخ الشفهي، ما يحفظ الذاكرة الوطنية من الاندثار.


شراكة بين «مانجا العربية» و«سكوير إنيكس» في مجال صناعة المحتوى الإبداعي

المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)
المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)
TT

شراكة بين «مانجا العربية» و«سكوير إنيكس» في مجال صناعة المحتوى الإبداعي

المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)
المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)

أعلنت «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، توقيع شراكة مع شركة «سكوير إنيكس» اليابانية، إحدى أبرز الشركات العالمية في صناعة الألعاب والمحتوى الإبداعي، وذلك في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق المحتوى عالي الجودة المُقدَّم للجمهور العربي.

وتأتي هذه الشراكة ضمن استراتيجية «مانجا العربية» الهادفة إلى تعزيز وتمكين انتشار الأعمال الإبداعية، وتوسيع قاعدة جمهورها عالمياً، من خلال عقد شراكات مع أبرز المنصات والشركات البارزة في ترويج وتقديم الأعمال الإبداعية حول العالم، وهي امتداد لسلسلة النجاحات التي حقَّقتها «مانجا العربية» خلال السنوات الماضية التي شهدت إطلاق مجلتيها الموجهتين للشباب والصغار بنسختيهما المطبوعة والرقمية، إضافةً إلى النمو المتواصل في قاعدة مستخدمي تطبيقاتها التي تجاوزت 12 مليون تحميل في أكثر من 190 دولة حول العالم، ما أسهم في ترسيخ حضورها وجماهيريتها الواسعة في العالم العربي. وتهدف الاتفاقية المُوقَّعة بين الجانبين إلى ترخيص حصري لعدد من أبرز أعمال شركة «سكوير إنيكس» باللغة العربية، ونشرها عبر منصات «مانجا العربية» في المنطقة، على أن يتم تقديمهما عبر مختلف منصاتها الرقمية والورقية.

وصرَّح المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية»، الدكتور عصام بخاري، قائلاً: «يسعدني إعلان شراكتنا مع شركة (سكوير إنيكس) إحدى الشركات اليابانية الرائدة عالمياً في صناعة المحتوى الإبداعي؛ لما تتميز به أعمالها من عوالم إبداعية تحظى بشعبية واسعة في الشرق الأوسط، ومن خلال تقديم أعمال (سكوير إنيكس) المتميزة للجمهور باللغة العربية، نسعى إلى تلبية تطلعات قرائنا، وتعزيز التبادل الثقافي من خلال المحتوى الإبداعي».

من جانبه، صرَّح الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو قائلاً: «يسعدنا جداً إتاحة عناوين المانجا الخاصة بنا للجمهور باللغة العربية، عبر النشر الرقمي في تطبيق (مانجا العربية)، ونتطلع إلى استمتاع القراء في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط بأعمالنا، كما سنواصل التزامنا بتقديم تجارب ثرية لا تُنسى للقراء حول العالم، من خلال تقديم محتوى متنوع وعالي الجودة يلبي تطلعات مختلف شرائح الجمهور».

وتحظى «سكوير إنيكس» بخبرة عريقة في مجال نشر المانجا من خلال منظومة النشر الخاصة بها تحت علامة «Gangan»، التي تضم عدداً من المجلات والمنصات الرقمية، إذ تدير الشركة مجموعةً واسعةً من العناوين، وتغطي تصنيفات متعددة تستهدف شرائح متنوعة من القراء حول العالم، كما أنها أطلقت في 2022 النسخة العالمية باللغة الإنجليزية من منصة «Manga UP»، التي أتاحت وصولاً رسمياً وسريعاً إلى مجموعة واسعة من عناوين المانجا المختارة للجمهور العالمي. وأعلنت الشركة وصول مكتبة المنصة باللغة الإنجليزية إلى أكثر من 350 عنواناً، في خطوة تعكس التوسع العالمي المتسارع لفن المانجا. وتعد «سكوير إنيكس» من الشركات الرائدة عالمياً في صناعة الألعاب؛ لامتلاكها سلسلة «Final Fantasy» أبرز العلامات التجارية التي حقَّقت نجاحات عالمية واسعة بمبيعات تجاوزت أكثر من 200 مليون نسخة حول العالم، وفق تقارير الشركة.

الجدير بالإشارة أن شركة «مانجا العربية» تتبع «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، وتهدف إلى تصدير الثقافة والإبداع السعودي والعربي إلى العالم بأسره، من خلال إنتاجات إبداعية مستوحاة من ثقافة المجتمع وأصالة القيم السعودية والعربية، وإثراء المحتوى العربي لجذب الأسرة العربية نحو القراءة الترفيهية عبر المحتوى المترجم والمستوحى من أعمال عالمية، إذ أصدرت «مانجا العربية» مجلتين متخصصتين في القصص المصورة العربية والعالمية، وقد حقَّقت إصداراتها نجاحات واسعة منذ انطلاقها في عام 2021.