الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

أحد أكثر العروض إثارةً في نيويورك خلال هذا الصيف

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
TT

الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)

تعد «التفاحة الكبيرة» (أي مدينة نيويورك الأميركية) مكاناً جيداً للابتكار، فقد كان لدى الشاعر السويسري فريديريك لويس ساوزر، سبب وجيه لإعادة بدء مسيرته المهنية من جديد هنا في ربيع عام 1912، ففي عمر 25 عاماً، وصل إلى ميناء نيويورك وهو خالي الوفاض، إذ كان حينها مفلساً تقريباً بعد تجربة حظه في روسيا والبرازيل، وكان بالكاد يستطيع إطعام نفسه.

وفي يوم الأحد 7 أبريل (نيسان) 1912، الذي كان يوافق عيد الفصح في ذلك الوقت، عندما تم منعه من دخول المكتبة العامة، ذهب الشاعر الشاب إلى الكنيسة المشيخية الأولى في قرية غرينتش، التي طرده كاهن مسؤول بها بعدما لم يتمكن ساوزر من دفع تبرع.

وفي ذلك اليوم ذهب إلى المنزل غاضباً، وتمكن من النوم بصعوبة، ولكن في ظل هذا المزيج من الغضب والإنهاك، بدأ الشاعر الشاب أخيراً في الكتابة وانتهى به الأمر بكتابة قصيدته الحداثية البارزة المعروفة باسم «عيد الفصح في نيويورك»، التي تعد عبارة عن مجموعة من الأبيات التي باتت بمثابة نشيد وطني على مستوى المدينة.

من المعروضات (متحف ومكتبة ذا مورغان)

لقد منحته مدينة نيويورك حياة جديدة، وأعطى ساوزر لنفسه اسماً جديداً هناك يشبه طائر الفينيق، فمن ذلك الوقت فصاعداً، أُطلق عليه اسم بليز سيندرار وهو اسم يعني شاعر النار والرماد.

ويعد معرض «بليز سيندرار: الشعر هو كل شيء» الذي يُقام في مكتبة ومتحف «ذا مورغان» في مانهاتن، نيويورك، أحد أكثر العروض جاذبية وإبهاراً هذا الصيف، فهو عبارة عن مجموعة مركزة من الأعمال الفنية من عصر الحداثة عبر المحيط الأطلسي، التي تظهر بألوان غنية مطبوعة.

وفي حال لم تكن قد سمعت عن سيندرار من قبل، فأنت لست وحدك، ولكن من المرجح أن تكون قد تعرفت على صديقه الحميم غيوم أبولينير في الفصل الدراسي التمهيدي للشعر الفرنسي، الذي يعد مثالاً أكثر شهرة لمدرسة الاغتراب الحديث.

بليز سيندرار (Succession Cendrars)

ولكن سيندرار كان له حضور طاغ في الفنون والآداب الفرنسية الحديثة، حيث تعاون مع الفنان فيرناند ليجير والمخرج آبيل غانس، والملحن داريوس ميلود، وتقريباً كل طليعي (مصطلح أدبي يشير إلى الأشخاص أو الأعمال التجريبية أو المجددة وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالفن والثقافة والسياسة والفلسفة والأدب) في باريس قبل قرن من الزمان، كما كان لديه أيضاً شغف بالإعلانات والعروض التجارية التي كانت أمراً مستحدثاً في ذلك الوقت، حيث كان يراها مساوية في الأهمية للشعر.

ويستفيد معرض «ذا مورغان» من شغف سيندرار بالوسائط المتعددة، لا سيما في التحفة الفنية الموجودة في قلب هذا العرض: «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وهي رحلة شعرية غير مقيدة ولا تحتوي على علامات ترقيم تقريباً تعود إلى عام 1913، التي نشرها سيندرار بنفسه على كتيب مطوي مثل الأكورديون طوله 6.5 أقدام، محاط بإطارات تجريدية ملونة بشكل جزئي للفنانة الفرنسية - الأوكرانية العظيمة سونيا ديلاوناي تيرك.

غلاف أحد أهم كتب سيندرار يحمل رسومات الفنانة الفرنسية - الأوكرانية سونيا ديلاوناي تيرك (مكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

ووُلد سيندرار في عام 1887 لأب سويسري وأم أسكوتلندية، لكنه بالكاد كان في سن المراهقة عندما خرج للحياة، ففي كل من «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وفي المقابلات التي أجراها لاحقاً، تحدث عن شبابه باعتباره مغامرة مثيرة، ويبدو أنه قد شهد الثورة الروسية عام 1905، على الرغم من أنه ليس مؤكداً ما إذا كان قد جرف الفحم بالفعل على القاطرات الصينية في ذلك الوقت، فلطالما تمت المبالغة أثناء كتابة السير الذاتية، فهذا الأمر يمثل حالة كلاسيكية لرغبة الحداثة في الدمج بين الفن والحياة.

ويبدو شعر سيندرار شبيهاً بمدرسة الشاعر الأميركي الشهير والتر ويتمان جونيور، الذي يعد من أكثر الشعراء تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة في اتساع نطاقه وبريقه، لكنه كان أكثر حدةً وشدةً، إذ إنه كان يتضمن تحرر كتابات الشاعر الفرنسي نيكولاس آرثر رامبو، الذي اشتهر في الحركة الرمزية وأثر بشكل ملحوظ على الشعر الحديث، وحبه للمغامرة والسفر، ثم يتجرد من كل هذه المشاعر تاركاً شيئاً غريباً وحديثاً بشكل كامل.

وبعد بضعة أشهر من تحقيقه اختراقاً في نيويورك، عاد سيندرار إلى أوروبا من جديد، لكن هذه المرة عاد باسم جديد وشعور جديد بالثقة، وقد قام بطباعة قصيدة «عيد الفصح في نيويورك» على نفقته الخاصة في باريس، ولكن لم يتم بيع أي نسخة منها، وفي بداية عام 1913، قرأ شعره في شقة صديقه الشعر الفرنسي أبولينير، وهناك التقى الفنان روبرت ديلوناي وزوجته الفنانة سونيا ديلوناي، وحينها فكرت الأخيرة في التعاون معه، وبالفعل تمكنا معاً في «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» من إنتاج واحدة من أعظم منشورات الفن المعاصر، التي تمثلت في تجربة إيقاعية سريعة الحركة من الرسم والشعر الذي شكل، على حد قولهم، «أول كتاب متزامن».

وقد حصل متحف ومكتبة «ذا مورغان» على واحدة من بضع عشرات من النسخ الباقية في عام 2021، ويتاح للجمهور خدمة رقمية رائعة على الموقع الإلكتروني للمتحف يتم فيها تكبير جميع اللوحات لرؤيتها بوضوح، كما تتوفر ترجمة كاملة للقصيدة للإنجليزية قامت بها رون بادجيت.

يشمل المعرض 22 لوحة يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً (laise Cendrars/Succession Cendrars

ويشمل هذا العمل الفني 22 لوحة، يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً، وفي أعلى اليمين، فوق عنوان القصيدة، هناك نسخة طبق الأصل من خريطة ميشلان للسكك الحديدية الروسية، وتتحدث القصيدة عن شاعر سيئ للغاية اسمه بليز، وهو يعبر سيبيريا وشمال الصين مع جين التي التقى بها في أحد البارات ويصفها بأنها «زهرة بريئة».

وفي جميع أنحاء «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» سيجد الجمهور إشارات إلى الحرب، إذ إنه بعد مرور عام على نشرها، انضم الشاعر السويسري إلى الفيلق الأجنبي الفرنسي (فرع خدمة عسكرية تابعة للجيش الفرنسي)، حيث فقد سيندرار ذراعه اليمنى في معركة شامبين الثانية في عام 1915، وأثناء فترة نقاهته وتعليم نفسه الكتابة بيده اليسرى، أصبح صديقاً لليجير، وهو فنان زميل له متخصص في التجزئة الحضرية، الذي كان أيضاً من المحاربين القدامى، إذ إنه كاد يموت من هجوم بغاز الخردل في خنادق غابة أرغون.

رسم يبرز تعاون بليز سيندرار مع الفنان فيرناند ليجير (Artists Rights Society (ARS), New York.)

ويتضمن المعرض المقام في «ذا مورغان» العديد من أعمال سيندرار وليجير معاً، بما في ذلك كتاب نُشر في عام 1918 باسم «J'ai tué» (لقد قتلت)، الذي تم فيه الدمج بين التروس والأسطوانات التكعيبية المتعرجة الخاصة بليجير.

كما كان هناك تعاون قوي آخر في عشرينات القرن الماضي، عندما سافر سيندرار إلى البرازيل والتقى أكبر طالب لليجير هناك وهو تارسيلا دو أمارال، إذ انضم الشاعر السويسري إلى الأخير والشاعر أوزفالد دي أندرادي في رحلة من ساو باولو إلى المناطق الداخلية البرازيلية، حيث رسم أمارال التلال وبلدات التعدين الاستعمارية التي ظهرت فيما بعد في كتاب سيندرار الذي جاء بعنوان «Feuilles de Route»، وليس من المبالغة أن نقول إن هذه كانت الرحلة التي ولد من خلالها الفن البرازيلي الحديث، إذ كتب أندرادي بعد ذلك بفترة قصيرة بياناً تاريخياً لفن وطني متحرر من التصورات الأوروبية، فيما قام تارسيلا بالدمج بين تأثيرات الأفارقة والسكان الأصليين والأوروبيين في فن برازيلي جديد بالكامل.

رسم للفنان الروسي شاغال يصاحب مقطوعة شعرية سيندرار (متحف ومكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

صحيح أن معرض «الشعر هو كل شيء» يعد أصغر العروض الأربعة للأعمال الفنية التي تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين في «ذا مورغان» هذا الصيف، لكنه الأكثر إثارة من بينهم.

وقد كتب الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن شعر سيندرار وقصصه قائلاً: «كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

يُقام معرض بليز سيندرار (1887-1961): «الشعر هو كل شيء» حتى يوم 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، في متحف ومكتبة «ذا مورغان»، 225 حي ماديسون في شارع رقم 36، مانهاتن، نيويورك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

«كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن سيندرار


مقالات ذات صلة

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

لمسات الموضة ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)

خليل رباح يُعيد تركيب العالم بتجهيزاته التي حطَّت في بيروت

يبقى خليل رباح حريصاً على تطوير أسلوبه المفاهيمي ومشروعاته الفنية التي تنهل من الواقع الفجّ، بأبسط أشيائه وأوسعها تداولاً...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أكثر مقتنياتنا التصاقاً بنا... وأقلّها كلاماً (موقع متحف صانعي الأحذية)

أحذية مشت عليها الحياة... معرض يستعيد ذكريات أصحابها

يحتفل متحف سومرست لصنّاع أحذية «كلاركس» في بلدة ستريت بالذكرى الأولى لتأسيسه، من خلال عرض أحذية لسكان محلّيين تحمل ذكريات فريدة خاصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الفنانة الصينية مع أحد أعمالها (آرت دي إيجيبت)

«حان وقت زراعة الحب»... أول مشاركة لجيانغ تشيونغ إير في مصر

تشارك الفنانة الصينية جيانغ تشيونغ إير للمرة الأولى في مصر بعمل تركيبي صُمم خصيصاً لهضبة الأهرامات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مزيد من الضوء نهاراً... نوم أفضل لكبار السنّ

النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)
النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)
TT

مزيد من الضوء نهاراً... نوم أفضل لكبار السنّ

النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)
النهار الجيد يُمهّد لليل هادئ (جامعة ساري)

أفادت دراسة جديدة أجراها فريق من الباحثين في جامعة ساري بإنجلترا بأنّ مصابيح العلاج بالضوء الساطع تُحسّن النوم ومستويات النشاط وإيقاعات الجسم البيولوجية لدى كبار السنّ الذين يعانون قلة التعرّض للضوء الطبيعي.

ووفق نتائج الدراسة المنشورة، الأربعاء، في دورية «جيرو ساينس»، ساعد هذا النوع من العلاج الضوئي على زيادة النشاط خلال النهار، والنوم مبكراً، وانتظام أنماط النوم وتحسين جودته، مما يوفر نهجاً واعداً غير دوائي لمعالجة مشكلات النوم المرتبطة بالتقدّم في السن.

ومع التقدُّم في العمر، غالباً ما تتغيَّر أنماط النوم، مما يؤدّي إلى صعوبة النوم والاستيقاظ مبكراً وتكرار الاستيقاظ ليلاً وانخفاض جودة النوم بشكل عام. وترتبط هذه التغيّرات بتراجع قدرات العين مع التقدّم في العمر، وانخفاض التعرّض لضوء النهار، الذي غالباً ما يعود إلى تراجع الحركة والتفاعلات الاجتماعية، إلى جانب زيادة التعرّض للضوء الاصطناعي ليلاً.

وقال المحاضر الأول في علم النوم وعلم الأحياء الزمني بجامعة ساري، الدكتور دان فان دير فين: «التعرّض لضوء النهار أمر شديد الأهمية لتنظيم إيقاعاتنا البيولوجية وأنماط نومنا».

وأوضح في بيان، الأربعاء: «غالباً ما لا يحصل كبار السنّ في المناطق الحضرية على القدر الكافي من الضوء بسبب ضعف البصر أو مشكلات في الحركة تمنعهم من الخروج إلى مصادر الضوء الطبيعية. وهذا قد يؤدّي إلى مشكلات في النوم والصحة، مما يزيد من خطر إصابتهم بالأمراض المزمنة».

وبحث الفريق من جامعة ساري، ضمن مشروع «أنِرني» الأوروبي، إمكان تطبيق فوائد العلاج بالضوء الساطع في الحياة اليومية. وأظهرت دراسات مخبرية أنّ مصابيح مماثلة تُقلّل من اضطراب الإيقاع البيولوجي للجسم، الذي قد يؤدّي في حال إهماله إلى مشكلات في النوم واختلال الهرمونات وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض التمثيل الغذائي وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وخلال الدراسة، استعان الباحثون بأكثر من 200 مشارك تتراوح أعمارهم بين 63 و92 عاماً من 3 مدن أوروبية، هي تارتو وبولونيا وأمستردام، تتميّز باختلافات موسمية في ضوء النهار.

وبعد أسبوعين من التقييمات الأساسية، قُسم المشاركون إلى مجموعتين: مجموعة العلاج بالضوء التي زُوّدت بمصباح للعلاج بالضوء، ومجموعة ضابطة لم تُزوّد بمصابيح. وطُلب من أفراد المجموعة الأولى وضع المصباح على مستوى الرأس في الغرفة التي يُمضون فيها معظم وقتهم في المنزل، وتشغيله خلال ساعة من الاستيقاظ وإطفائه قبل 4 ساعات على الأقل من موعد نومهم المعتاد، وذلك لمدّة 12 أسبوعاً.

وارتدى جميع المشاركين جهازاً لمراقبة النشاط على المعصم، وجهاز استشعار ضوئياً معلّقاً لقياس مستويات النشاط والتعرّض للضوء. وأُعيدت الدراسة على مدار فصول السنة لمراعاة التغيّرات في الضوء الطبيعي.

ووجد العلماء أنّ المشاركين الذين تعرّضوا لمستويات أعلى من الضوء الطبيعي في بداية الدراسة أظهروا مستويات نشاط نهارية أعلى بشكل ملحوظ، ويقظة أكثر انتظاماً خلال النهار، وجودة نوم أفضل مقارنةً بمن تعرّضوا لمستويات أقل من الضوء.

وأظهر تحليل البيانات التي قدّمها المشاركون خلال التقييمات الأساسية الأولية أنّ الذين يعانون اضطرابات أيضية، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية، كانت لديهم مستويات أقل بكثير من مؤشرات القياس الدالة على هذه الاضطرابات.

وقالت أستاذة علم الغدد الصماء العصبية بجامعة ساري، البروفسورة ديبرا سكين: «نحن متحمّسون جداً لأنّ النتائج التي توصلنا إليها في الدراسات المختبرية على كبار السنّ قد جرت مطابقتها الآن في ظروف الحياة الواقعية، مع مستويات متفاوتة من الضوء الطبيعي وفي ثقافات مختلفة».


رامبرانت يعود إلى غوتا بعد 80 عاماً... ويحيي نزاعاً فنياً قديماً

رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)
رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)
TT

رامبرانت يعود إلى غوتا بعد 80 عاماً... ويحيي نزاعاً فنياً قديماً

رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)
رامبرانت فان راين (ليدن، 1606 - 1669، أمستردام) صورة شخصية - العمر 23 (متحف غاردنر)

في شتاء عام 1946، وبينما كانت أوروبا تحاول لملمة آثار الحرب العالمية الثانية، كانت لوحة صغيرة تشق طريقها سراً عبر غابات ألمانيا. لم تكن الرحلة عادية؛ فقد حملها شخص لمسافة تقارب 80 كيلومتراً من غوتا في تورينغن إلى كوبورغ في بافاريا، بعيداً عن أيدي القوات السوفياتية التي كانت تستعد للسيطرة على المنطقة.

اللوحة، التي لا يتجاوز حجمها مساحة بطاقة بريدية تقريباً، كانت بورتريهاً ذاتياً للفنان الهولندي رامبرانت، رسمه عام 1629 عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره.

بعد 8 عقود، عادت اللوحة إلى غوتا. لكنها لم تعد وحدها؛ فقد حملت معها قصة قديمة عن الحرب والملكية والنهب، ونزاعاً لم تتمكن السنوات من إغلاقه. وفقاً لصحيفة «التايمز».

وكانت فيكتوريا أديلايد، آخر دوقات ساكس كوبورغ وغوتا، والمرتبطة بالعائلة المالكة البريطانية بالدم والمصاهرة، قد أخرجت عام 1946 عدداً من الأعمال الفنية من مقر العائلة، خشية وقوعها في أيدي السوفيات. وبين تلك الكنوز كان رامبرانت.

وبعد سنوات، باعت العائلة الأرستقراطية السابقة عدداً من الأعمال. وفي عام 1953، اشترت مجموعة اللوحات الحكومية البافارية بورتريه رامبرانت مقابل 75 ألف مارك، وظلت اللوحة معلقة في متحف «ألته بيناكوثيك» في ميونيخ لعقود.

لكن غوتا لم تنسَ لوحتها.

متحف الدوق في غوتا (مؤسسة فريدنشتاين)

منذ إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، تطالب المدينة باستعادتها، مؤكدة أن الدوقة لم تكن تملك حقاً قانونياً في إخراجها من غوتا. في المقابل، يرى الجانب البافاري أن الملكية أصبحت قانونية بموجب ترتيبات سابقة، وأن أي مطالبة قضائية سقطت بالتقادم.

لوحة أصغر من أن تختصر قصتها

اليوم، يتصدر البورتريه معرضاً جديداً في متحف الدوقية بغوتا، مخصصاً لمرحلة الصعود الاستثنائي لرامبرانت، ولا سيما عام 1632، حين انتقل من ليدن إلى أمستردام وبدأ في ترسيخ اسمه بوصفه فناناً له هوية خاصة.

ويقول تيمو ترومبر، رئيس قسم الأبحاث والمجموعات في مؤسسة قصر فريدنشتاين وأحد قيّمي المعرض، إن رامبرانت بدأ في تلك المرحلة يتعامل مع اسمه بطريقة تشبه مفهوم «العلامة التجارية» في عصرنا، حتى إنه بدأ يوقّع بعض أعماله باسمه الأول فقط.

لكن اللوحة الصغيرة تحمل بالنسبة إلى سكان غوتا معنى يتجاوز الفن.

فالمدينة، التي يقل عدد سكانها عن 47 ألف نسمة، فقدت جزءاً كبيراً من تراثها خلال القرن العشرين. ولهذا أصبحت الأعمال التي نجت من الحرب والنهب أشبه بقطع من ذاكرة المدينة.

ويقول ترومبر إن الناس «يتذكرون الأشياء التي تمنحهم شيئاً يتمسكون به».

وفي نهاية المطاف، نجح كنوت كرويش، عمدة غوتا، في إقناع ماركوس زودر، رئيس حكومة ولاية بافاريا، بالسماح بإعارة اللوحة إلى المدينة. وهكذا، وبعد 80 عاماً من الغياب، عاد رامبرانت إلى غوتا.

لكن العودة، حتى الآن، مؤقتة. فقد تتحول الإعارة إلى دائمة، أو تتقاسم غوتا وميونيخ عرض اللوحة.

أما بالنسبة إلى المدينة، فربما لا يتعلق الأمر اليوم بمن يملك اللوحة فقط، بل بمن يملك الحق في استعادة جزء من ذاكرته.

فقد احتاج رامبرانت إلى 80 عاماً ليعود إلى غوتا... وربما تحتاج المدينة إلى وقت أطول لتستعيد قصتها كاملة.


مصريون يتخوفون من تعمق أزمات القاهرة البيئية

جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يتخوفون من تعمق أزمات القاهرة البيئية

جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)

سرعان ما عادت أزمة قطع الأشجار إلى الواجهة في مصر، مع تصريحات حكومية بشأن «تعويض» الأشجار التي أزيلت من مناطق رئيسية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وهو ما أثار تساؤلات لدى نشطاء ومتخصصين أبدوا تخوفهم من تداعيات قطع الأشجار، وتساءلوا بشأن جدوى هذا التعويض، في ضوء الفارق بين شتلات حديثة وأشجار استغرق نموها عشرات السنين.

ووجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض بحصر الأشجار التي قُطعت في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود (غرب القاهرة)، وتحديد أسباب إزالتها بدلاً من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة، مع اختيار أنواع ملائمة لطبيعة المكان وأعمال التطوير. كما طالبت بتشكيل لجنة علمية للمتابعة الميدانية لأعمال التشجير والتجميل، وعدم التهاون في قطع الأشجار أو تقليمها بشكل جائر.

وجددت هذه التوجيهات احتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداول سكان ونشطاء بيئيون صوراً ومقاطع فيديو لأشجار قديمة أزيلت من الجزيرة الوسطى للشارع، وطالبوا بالكشف عن أعدادها وأعمارها، والجهة التي وافقت على إزالتها.

وانتقد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إزالة أشجار شارع جامعة الدول والدقي والمهندسين، وكتب على صفحته على «فيسبوك»: «هذه الأشجار لها عشرات وربما مئات السنين ولذلك تعمقت جذورها حتى وصلت إلى المياه الجوفية السطحية المخزنة على عمق يتراوح بين 1.5 - 2.5 متر من سطح الأرض، وأصبحت هذه الأشجار تشرب وتتغذى ذاتياً من هذه المياه وما بها من عناصر غذائية ذائبة من طبقات الطين أعلاها وأسفلها، والقول بأنه سيتم إحلال هذه الأشجار ليس بالسهولة أبداً، فوضع أشجار صغيرة أي شتلات ذات أعماق جذور لا تتجاوز ربع متر يعني أننا سنحتاج إلى رى هذه الأشجار مرتين أسبوعياً للتعامل مع جذورها السطحية ولمدة عشر سنوات وربما أكثر حتى تتعمق جذور هذه الشتلات وتصل إلى أعماق المياه الجوفية السطحية الحالية، وهي عملية ليست بالسهلة».

جانب من قطع الأشجار في منطقة المهندسين غرب القاهرة (منصة إكس)

ويصف الناشط البيئي المصري أحمد فتحي تعهد الوزيرة بزراعة أعداد مضاعفة بأنه «توجه جيد»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لكن كان من الضروري إجراء تقييم للأثر البيئي ودراسة البدائل قبل إزالة الأشجار، فتأييد مشروعات المنفعة العامة وتطوير الطرق لا يعني التضحية تلقائياً بالعناصر البيئية الموجودة، خصوصاً أن بعض الأشجار يمكن نقلها إذا تولى العملية متخصصون».

ويشير إلى تكرار وقائع مماثلة خلال السنوات الماضية في مصر الجديدة ومحافظتي الإسكندرية وأسوان، مضيفاً: «لا تقدم مضاعفة أعداد الأشجار المزروعة تعويضاً فورياً عن الأشجار القديمة؛ فالشتلات تحتاج إلى سنوات حتى تنمو وتؤدي الوظائف نفسها».

وتكتسب هذه المخاوف ثقلاً أكبر في مدينة تعاني نقصاً واضحاً في المساحات الخضراء. فحسب دراسة نشرتها دورية علمية متخصصة على منصة «سبرنجر نيتشر» في فبراير (شباط) 2022، فقدت القاهرة نحو 911 ألف متر مربع من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020، لتنخفض مساحتها الإجمالية من نحو 7.8 مليون إلى 6.9 مليون متر مربع.

وأظهرت الدراسة أن 22 من أحياء القاهرة الـ37، وتضم نحو ثلثي سكان المدينة، سجلت «أقل من نصف متر مربع من المساحات الخضراء للفرد، بينما يشير دليل التنسيق الحضاري للمدن القائمة في وادي النيل إلى حد أدنى يبلغ 7 أمتار مربعة للفرد».

وترى هايدي جاويش، المحامية والباحثة القانونية، أن أزمة الأشجار «تعود بشكل رئيسي إلى غياب الخطط القومية للاهتمام بالمنظومة البيئية، بما فيها تلوث البحار والهواء، وليس الأشجار فقط».

وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(المادة 45) من الدستور تُلزم الدولة بحماية المساحات الخضراء في الحضر وتنميتها، والحفاظ على الثروة النباتية، بينما تقر (المادة 46) بحق كل شخص في بيئة صحية سليمة، وتُلزم الدولة بعدم الإضرار بها والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يحفظ حقوق الأجيال المقبلة».

من جانبها، تقول الناشطة البيئية مها عواد لـ«الشرق الأوسط»: «كل جهة تلقي المسؤولية على الأخرى، من عمال النظافة إلى الأحياء والمحافظات والوزارة وهيئات الطرق، وكأن الأشجار في البلد ليست لها جهة محددة مسؤولة عنها».

وتنتقد مها إسناد التعامل مع الأشجار إلى عمال نظافة أو أطقم غير متخصصة، رغم أن تحديد حاجة الشجرة إلى التقليم أو العلاج أو النقل أو الإزالة يتطلب خبرة فنية وبيئية.

صورة لأعمال التشجير بمحافظة الجيزة (صفحة المحافظة على فيسبوك)

وتستشهد بأشجار قديمة فقدتها مناطق بالعجوزة ومصر الجديدة، مؤكدة أن «قيمتها لا تقتصر على دورها البيئي، وإنما تمتد إلى ارتباطها بذاكرة الأحياء وهويتها العمرانية». وترى أن «التعهد بزراعة بدائل لا يجيب وحده عن أسئلة المسؤولية، وفي مقدمتها من اتخذ قرار القطع؟ وهل دُرست إمكانية نقل الأشجار أو تعديل التصميم قبل إزالتها؟».

وكانت وزارة البيئة قد أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 عن تشكيل لجنة استشارية علمية لدعم ملف التشجير، استناداً إلى قرار صدر في 5 أغسطس (آب) من العام نفسه. كما أعلنت تعميم تعليمات تمنع قطع الأشجار أو تقليمها بشكل جائر إلا بعد الرجوع إلى اللجنة المختصة في كل محافظة، ودراسة المردودين البيئي والاقتصادي للأنواع المقترح زراعتها.

غير أن تكرار وقائع الإزالة يثير تساؤلات بشأن مدى تطبيق تلك التعليمات، وما إذا كانت اللجان تتدخل قبل بدء المشروعات أم بعد تصاعد الاحتجاجات عليها.

ويرى فتحي أن «منع تكرار الأزمة يتطلب قاعدة ملزمة تقضي بإجراء تقييم بيئي قبل اعتماد تصميمات مشروعات الطرق، مع إعطاء الأولوية للإبقاء على الأشجار، ثم تعديل التصميم حولها».

وتشغل الأراضي الصحراوية نحو 92 في المائة من مساحة مصر، وفق بيانات «اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي» ما يوضح محدودية الرقعة التي تتركز فيها الكثافة السكانية والزراعة والغطاء النباتي، وتجعل فقدان الأشجار داخل المدن أكثر تأثيراً في درجات الحرارة وجودة الهواء.