الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

أحد أكثر العروض إثارةً في نيويورك خلال هذا الصيف

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
TT

الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)

تعد «التفاحة الكبيرة» (أي مدينة نيويورك الأميركية) مكاناً جيداً للابتكار، فقد كان لدى الشاعر السويسري فريديريك لويس ساوزر، سبب وجيه لإعادة بدء مسيرته المهنية من جديد هنا في ربيع عام 1912، ففي عمر 25 عاماً، وصل إلى ميناء نيويورك وهو خالي الوفاض، إذ كان حينها مفلساً تقريباً بعد تجربة حظه في روسيا والبرازيل، وكان بالكاد يستطيع إطعام نفسه.

وفي يوم الأحد 7 أبريل (نيسان) 1912، الذي كان يوافق عيد الفصح في ذلك الوقت، عندما تم منعه من دخول المكتبة العامة، ذهب الشاعر الشاب إلى الكنيسة المشيخية الأولى في قرية غرينتش، التي طرده كاهن مسؤول بها بعدما لم يتمكن ساوزر من دفع تبرع.

وفي ذلك اليوم ذهب إلى المنزل غاضباً، وتمكن من النوم بصعوبة، ولكن في ظل هذا المزيج من الغضب والإنهاك، بدأ الشاعر الشاب أخيراً في الكتابة وانتهى به الأمر بكتابة قصيدته الحداثية البارزة المعروفة باسم «عيد الفصح في نيويورك»، التي تعد عبارة عن مجموعة من الأبيات التي باتت بمثابة نشيد وطني على مستوى المدينة.

من المعروضات (متحف ومكتبة ذا مورغان)

لقد منحته مدينة نيويورك حياة جديدة، وأعطى ساوزر لنفسه اسماً جديداً هناك يشبه طائر الفينيق، فمن ذلك الوقت فصاعداً، أُطلق عليه اسم بليز سيندرار وهو اسم يعني شاعر النار والرماد.

ويعد معرض «بليز سيندرار: الشعر هو كل شيء» الذي يُقام في مكتبة ومتحف «ذا مورغان» في مانهاتن، نيويورك، أحد أكثر العروض جاذبية وإبهاراً هذا الصيف، فهو عبارة عن مجموعة مركزة من الأعمال الفنية من عصر الحداثة عبر المحيط الأطلسي، التي تظهر بألوان غنية مطبوعة.

وفي حال لم تكن قد سمعت عن سيندرار من قبل، فأنت لست وحدك، ولكن من المرجح أن تكون قد تعرفت على صديقه الحميم غيوم أبولينير في الفصل الدراسي التمهيدي للشعر الفرنسي، الذي يعد مثالاً أكثر شهرة لمدرسة الاغتراب الحديث.

بليز سيندرار (Succession Cendrars)

ولكن سيندرار كان له حضور طاغ في الفنون والآداب الفرنسية الحديثة، حيث تعاون مع الفنان فيرناند ليجير والمخرج آبيل غانس، والملحن داريوس ميلود، وتقريباً كل طليعي (مصطلح أدبي يشير إلى الأشخاص أو الأعمال التجريبية أو المجددة وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالفن والثقافة والسياسة والفلسفة والأدب) في باريس قبل قرن من الزمان، كما كان لديه أيضاً شغف بالإعلانات والعروض التجارية التي كانت أمراً مستحدثاً في ذلك الوقت، حيث كان يراها مساوية في الأهمية للشعر.

ويستفيد معرض «ذا مورغان» من شغف سيندرار بالوسائط المتعددة، لا سيما في التحفة الفنية الموجودة في قلب هذا العرض: «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وهي رحلة شعرية غير مقيدة ولا تحتوي على علامات ترقيم تقريباً تعود إلى عام 1913، التي نشرها سيندرار بنفسه على كتيب مطوي مثل الأكورديون طوله 6.5 أقدام، محاط بإطارات تجريدية ملونة بشكل جزئي للفنانة الفرنسية - الأوكرانية العظيمة سونيا ديلاوناي تيرك.

غلاف أحد أهم كتب سيندرار يحمل رسومات الفنانة الفرنسية - الأوكرانية سونيا ديلاوناي تيرك (مكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

ووُلد سيندرار في عام 1887 لأب سويسري وأم أسكوتلندية، لكنه بالكاد كان في سن المراهقة عندما خرج للحياة، ففي كل من «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وفي المقابلات التي أجراها لاحقاً، تحدث عن شبابه باعتباره مغامرة مثيرة، ويبدو أنه قد شهد الثورة الروسية عام 1905، على الرغم من أنه ليس مؤكداً ما إذا كان قد جرف الفحم بالفعل على القاطرات الصينية في ذلك الوقت، فلطالما تمت المبالغة أثناء كتابة السير الذاتية، فهذا الأمر يمثل حالة كلاسيكية لرغبة الحداثة في الدمج بين الفن والحياة.

ويبدو شعر سيندرار شبيهاً بمدرسة الشاعر الأميركي الشهير والتر ويتمان جونيور، الذي يعد من أكثر الشعراء تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة في اتساع نطاقه وبريقه، لكنه كان أكثر حدةً وشدةً، إذ إنه كان يتضمن تحرر كتابات الشاعر الفرنسي نيكولاس آرثر رامبو، الذي اشتهر في الحركة الرمزية وأثر بشكل ملحوظ على الشعر الحديث، وحبه للمغامرة والسفر، ثم يتجرد من كل هذه المشاعر تاركاً شيئاً غريباً وحديثاً بشكل كامل.

وبعد بضعة أشهر من تحقيقه اختراقاً في نيويورك، عاد سيندرار إلى أوروبا من جديد، لكن هذه المرة عاد باسم جديد وشعور جديد بالثقة، وقد قام بطباعة قصيدة «عيد الفصح في نيويورك» على نفقته الخاصة في باريس، ولكن لم يتم بيع أي نسخة منها، وفي بداية عام 1913، قرأ شعره في شقة صديقه الشعر الفرنسي أبولينير، وهناك التقى الفنان روبرت ديلوناي وزوجته الفنانة سونيا ديلوناي، وحينها فكرت الأخيرة في التعاون معه، وبالفعل تمكنا معاً في «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» من إنتاج واحدة من أعظم منشورات الفن المعاصر، التي تمثلت في تجربة إيقاعية سريعة الحركة من الرسم والشعر الذي شكل، على حد قولهم، «أول كتاب متزامن».

وقد حصل متحف ومكتبة «ذا مورغان» على واحدة من بضع عشرات من النسخ الباقية في عام 2021، ويتاح للجمهور خدمة رقمية رائعة على الموقع الإلكتروني للمتحف يتم فيها تكبير جميع اللوحات لرؤيتها بوضوح، كما تتوفر ترجمة كاملة للقصيدة للإنجليزية قامت بها رون بادجيت.

يشمل المعرض 22 لوحة يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً (laise Cendrars/Succession Cendrars

ويشمل هذا العمل الفني 22 لوحة، يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً، وفي أعلى اليمين، فوق عنوان القصيدة، هناك نسخة طبق الأصل من خريطة ميشلان للسكك الحديدية الروسية، وتتحدث القصيدة عن شاعر سيئ للغاية اسمه بليز، وهو يعبر سيبيريا وشمال الصين مع جين التي التقى بها في أحد البارات ويصفها بأنها «زهرة بريئة».

وفي جميع أنحاء «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» سيجد الجمهور إشارات إلى الحرب، إذ إنه بعد مرور عام على نشرها، انضم الشاعر السويسري إلى الفيلق الأجنبي الفرنسي (فرع خدمة عسكرية تابعة للجيش الفرنسي)، حيث فقد سيندرار ذراعه اليمنى في معركة شامبين الثانية في عام 1915، وأثناء فترة نقاهته وتعليم نفسه الكتابة بيده اليسرى، أصبح صديقاً لليجير، وهو فنان زميل له متخصص في التجزئة الحضرية، الذي كان أيضاً من المحاربين القدامى، إذ إنه كاد يموت من هجوم بغاز الخردل في خنادق غابة أرغون.

رسم يبرز تعاون بليز سيندرار مع الفنان فيرناند ليجير (Artists Rights Society (ARS), New York.)

ويتضمن المعرض المقام في «ذا مورغان» العديد من أعمال سيندرار وليجير معاً، بما في ذلك كتاب نُشر في عام 1918 باسم «J'ai tué» (لقد قتلت)، الذي تم فيه الدمج بين التروس والأسطوانات التكعيبية المتعرجة الخاصة بليجير.

كما كان هناك تعاون قوي آخر في عشرينات القرن الماضي، عندما سافر سيندرار إلى البرازيل والتقى أكبر طالب لليجير هناك وهو تارسيلا دو أمارال، إذ انضم الشاعر السويسري إلى الأخير والشاعر أوزفالد دي أندرادي في رحلة من ساو باولو إلى المناطق الداخلية البرازيلية، حيث رسم أمارال التلال وبلدات التعدين الاستعمارية التي ظهرت فيما بعد في كتاب سيندرار الذي جاء بعنوان «Feuilles de Route»، وليس من المبالغة أن نقول إن هذه كانت الرحلة التي ولد من خلالها الفن البرازيلي الحديث، إذ كتب أندرادي بعد ذلك بفترة قصيرة بياناً تاريخياً لفن وطني متحرر من التصورات الأوروبية، فيما قام تارسيلا بالدمج بين تأثيرات الأفارقة والسكان الأصليين والأوروبيين في فن برازيلي جديد بالكامل.

رسم للفنان الروسي شاغال يصاحب مقطوعة شعرية سيندرار (متحف ومكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

صحيح أن معرض «الشعر هو كل شيء» يعد أصغر العروض الأربعة للأعمال الفنية التي تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين في «ذا مورغان» هذا الصيف، لكنه الأكثر إثارة من بينهم.

وقد كتب الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن شعر سيندرار وقصصه قائلاً: «كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

يُقام معرض بليز سيندرار (1887-1961): «الشعر هو كل شيء» حتى يوم 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، في متحف ومكتبة «ذا مورغان»، 225 حي ماديسون في شارع رقم 36، مانهاتن، نيويورك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

«كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن سيندرار


مقالات ذات صلة

«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

يوميات الشرق المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)

«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

مستعيناً بنظرة الطائر، يحلق الفنان المصري وائل حمدان فوق مشاهد بانورامية للقاهرة التاريخية، راصداً الزخم المتمثل في تكدس البيوت والشرفات والبنايات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يعيش النحات تجربة يومية حقيقية داخل المكان الذي يعمل فيه (إدارة السمبوزيوم)

«سمبوزيوم النحت»... فضاء فني جديد في العاصمة الإدارية بمصر

في قلب العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) بمصر، وبين مساحات الميادين الواسعة وحداثة العمران المتنامي، يتشكل مشهد بصري مختلف.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق المشاركة المصرية جاءت بعنوان «جناح الصمت بين المحسوس واللامحسوس» (وزارة الثقافة)

«جناح الصمت»... 5 منحوتات غرانيتية تُمثّل مصر في «بينالي البندقية»

يطرح أرمن أغوب تجربة تأمّلية تدعو إلى الإنصات للصمت واستكشاف اللامرئي، ولمس ما يتجاوز حدود الإدراك الحسّي.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

المادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يدَي المخرجة إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربةً تأمّليةً أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها.

سوسن الأبطح (بيروت)

مصر: وقف إنشاء مبانٍ بمحيط معبد كلابشة بعد اتهامات بـ«تشويهه»

معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)
معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: وقف إنشاء مبانٍ بمحيط معبد كلابشة بعد اتهامات بـ«تشويهه»

معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)
معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أصدر وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، قراراً بإيقاف أعمال بناء المنشآت الخدمية في محيط معبد كلابشة بأسوان، وتشكيل لجنة عليا متخصصة من المجلس الأعلى للآثار للمعاينة الميدانية، وإعداد تقرير مفصل بشأن المباني الخدمية الموجودة في المنطقة.

جاء ذلك بعد اتهامات وجهها متخصصون في الحضارة المصرية وجمعيات أهلية للدفاع عن الحضارة المصرية، للمسؤولين عن إنشاء مبان خدمية في محيط المتحف بتشويه الآثار، وعدم الحفاظ على الطابع البانورامي للمنطقة الأثرية المسجلة ضمن التراث العالمي لليونيسكو.

وانتقد أكثر من متخصص، المباني التي أقيمت في محيط معبد كلابشة، واعتبروها تنم عن عدم دراية بقيمة الأثر وبضرورة الحفاظ على المشهد البانورامي الذي يمثله.

ويعد معبد كلابشة بأسوان من المعابد الأثرية التي تعود للعصر الروماني، ويصفه الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار بأنه «من أجمل وأكمل المعابد القائمة في النوبة السفلى»، وتم بناؤه في عصر أغسطس، أول إمبراطور روماني، ما بين عامي 30 قبل الميلاد و14 ميلادية، وكان مخصصاً بشكل أساسي للمعبود النوبي ماندوليس، وكذلك المعبودات المصرية القديمة كإيزيس وزوجها أوزوريس.

جانب من إنشاء المباني الخدمية في محيط معبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

وبعد الإعلان عن صدور قرار وزير السياحة والآثار بإيقاف أعمال بناء المنشآت الخدمية منذ 10 مايو (أيار) الحالي، توالت التعليقات المرحبة برد الفعل السريع من قبل الوزير، وقال الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن هذا الموقف والقرار اللذين اتخذهما الوزير يستحقان الشكر لسرعة الاستجابة لمطالب العديد من الآثاريين برفض هذه المباني التي تشوه محيط الأثر»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «استجابة الوزير للرأي العام أمر يستوجب الشكر والاحترام، وفي الوقت نفسه يجعلنا نواصل حملاتنا للمطالبة بحفظ وحماية الآثار والمواقع المختلفة مثل منطقة الأهرامات من العديد، من المظاهر السلبية والمرفوضة بها»، مؤكداً أن «الحملة والمهتمين بالآثار والتاريخ عموماً يقومون بعرض السلبيات ليتم علاجها؛ حباً في الحضارة المصرية، وغيرةً على بلدهم، ورغبة منهم في أن تظهر بأجمل صورة ولا يتم المساس بها أو تشويهها». وأشار إلى إمكانية إقامة المباني الخدمية من قبل اللجنة العليا، تتضمن عناصر تتوافق مع الأثر، وتتناغم مع البانوراما العامة للموقع الأثري.

و«يعد معبد كلابشة أحد أهم معابد النوبة التاريخية، ليس فقط لقيمته المعمارية والدينية، بل أيضاً لارتباطه بملف إنقاذ آثار النوبة، وهو ما يفرض ضرورة التعامل مع محيطه باعتباره جزءاً من ذاكرة ثقافية وتاريخية تستحق الحماية والحفظ»، وفق تصريحات الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار وقف إنشاء مبانٍ بمحيط المعبد خطوة ضرورية تتماشى مع المبادئ العلمية المعتمدة في إدارة وحماية المواقع الأثرية، خصوصاً أن المناطق المحيطة بالأثر تُعد جزءاً من قيمته البصرية والتاريخية، وليست مجرد فراغ عمراني يمكن التعامل معه بمعزل عن السياق الحضاري للموقع».

وأكدت أن الصور المتداولة خلال الفترة الماضية أثارت نقاشاً واسعاً بين المتخصصين في الآثار والتراث، بسبب التخوف من تأثير أي إنشاءات حديثة على المشهد البانورامي للمعبد، بما قد يؤدي إلى تشويه الهوية البصرية للموقع وإضعاف طابعه التاريخي الفريد. ومن المعروف أكاديمياً أن الحفاظ على «السياق الأثري» يُعد عنصراً أساسياً في صون القيمة التراثية لأي موقع، وفقاً للمواثيق الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي.

وفي المقابل، تؤكد أن «التنمية السياحية والخدمية في المناطق الأثرية ليست مرفوضة في حد ذاتها، لكنها تحتاج إلى تخطيط دقيق يوازن بين متطلبات التطوير والحفاظ على أصالة الموقع الأثري، مع الالتزام بالاشتراطات الخاصة بالارتفاعات، والخامات، وخطوط الرؤية البصرية للمعبد».

وخلال الستينات من القرن الماضي، نُقل معبد كلابشة، مثل غيره من معابد النوبة، من موقعه الأصلي في جزيرة كلابشة إلى جزيرة كلابشة الجديدة؛ من أجل إنقاذه بعد ارتفاع منسوب مياه النيل إبان بناء السد العالي بأسوان، وتم إدراج الآثار المصرية في النوبة، من أبو سمبل إلى فيلة، على قائمة التراث العالمي لليونيسكو في عام 1979.

وبينما أبدت أستاذ مساعد الآثار والتراث الحضاري، الدكتورة مونيكا حنا، ترحيبها باستماع الوزير واستجابته للانتقادات التي وُجهت للمباني الخدمية، تساءلت: «كيف وافقت اللجنة الدائمة على مثل هذا الأمر؟»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كان الأولى تشكيل لجان علمية من متخصصين لمراجعة هذا الأمر قبل البدء فيه، ونتمنى أن يكون قرار الوزير خطوة في سبيل تصحيح الأوضاع والحفاظ على الموقع الأثري».

وعدّ الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، «وقف الأعمال التي حدثت أمام معبد كلابشة رسالة واضحة بأن الدولة تحافظ على آثارها والتعامل بما يليق بمكانتها العظيمة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة المصرية تتعامل بشكل رائع في كل الملفات السياحية والأثرية، وتسعى لتحسين التجربة الأثرية والسياحية دون تشويهٍ للمعالم الأثرية».

وأوضح عامر أن «وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً محورياً لرصد أي مخالفات، وبالفعل هذا ما حدث، وتم التعامل بشكل حاسم مع الأمر».


مصر: اتهامات لمسلسل «قانون الفرنساوي» بالإساءة للمحاماة

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)
عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)
TT

مصر: اتهامات لمسلسل «قانون الفرنساوي» بالإساءة للمحاماة

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)
عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)

أحال المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر شكوى ضد مسلسل «قانون الفرنساوي» الذي يعرض حالياً على منصة «يانغو بلاي» إلى لجنة الدراما؛ لبحثها ودرسها بعدما تقدَّم مكتب «الفرنساوي للمحاماة» بشكوى ضد المسلسل.

واستند المكتب في شكواه للمجلس إلى كون العمل «يسيء إلى مهنة المحاماة، ويتعدَّى على العلامة التجارية المُسجَّلة باسم المكتب»، وفق بيان للمجلس الأعلى للإعلام، الثلاثاء.

ومسلسل «قانون الفرنساوي» من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أولى تجاربه الإخراجية، وبطولة عمرو يوسف، وتدور أحداثه عبر 10 حلقات، وتشارك في بطولته نخبة من النجوم، من بينهم جمال سليمان، وسامي الشيخ، وسوسن بدر، وعلي البيلي، وإنجي كيوان، إلى جانب ظهور خاص لكل من عائشة بن أحمد، وبيومي فؤاد.

ومن خلال شخصية «خالد مشير» المعروف بـ«الفرنساوي» نشاهد المحامي الشاب الذي لا يتعامل مع القانون بوصفه حدوداً نهائية، بل بوصفه مساحةً مرنةً قابلةً لإعادة التشكيل. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.

عمرو يوسف في مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (حسابه على «فيسبوك»)

وجاءت إحالة الشكوى إلى لجنة الدراما، بوصف منصة العرض حاصلةً على ترخيص من المجلس الأعلى للإعلام، العام الماضي، وفق ضوابط تنظيم الصحافة والإعلام بوصفها منصةً روسيةً، على أن تلتزم بما يصدر عن المجلس من قرارات.

من جهته، وصف الناقد أحمد سعد الدين الشكوى بـ«المبالغ فيها». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التعامل مع الأعمال الدرامية يجب أن يتم من منظور فني وإبداعي، وليس من خلال حالة من الانفعال أو التعصب، خصوصاً أنَّ اسم (الفرنساوي) ليس حكراً على شخص واحد»، متسائلاً: «هل يوجد فرنساوي واحد فقط في مصر حتى يتم اعتبار العمل موجهاً لشخص بعينه».

وأضاف سعد الدين أن «الدراما بطبيعتها تعتمد على تقديم شخصيات ونماذج متعددة من داخل كل مهنة، سواء كانت المحاماة أو الطب أو الإعلام أو غيرها، وهو أمر اعتادت عليه الأعمال الفنية منذ سنوات طويلة، ووجود شخصية تحمل صفات معينة لا يعني بالضرورة أنَّها تشير إلى شخص حقيقي، إلا إذا توافرت دلالات مباشرة وواضحة لا تحتمل التأويل».

وأكد سعد الدين أن «الجهات المختصة عادة ما تنظر إلى العمل في سياقه الفني الكامل»، متوقعاً أن «ينتهي الأمر وفق ما تحدِّده لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام بعد فحص الشكوى والتعامل مع نقاط الاعتراض الواردة في الشكوى، هذا ما سيحدد القرار النهائي».


نديم مسيحي: 15 عاماً من الأحلام تُثمر «كينغ جوهان»

مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)
مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)
TT

نديم مسيحي: 15 عاماً من الأحلام تُثمر «كينغ جوهان»

مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)
مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)

يستعدّ المخرج اللبناني نديم مسيحي لعرض فيلمه السينمائي «كينغ جوهان» في الصالات اللبنانية، وهو ثمرة جهد جماعي بذله مع أصدقائه على مدى 15 عاماً. كان لا يزال يتابع دراسته حين قرَّر تنفيذ فيلم لبناني بطابع هوليوودي، فانطلق في رحلة أحلام تقاسمها مع أصدقاء الطفولة: عماد كريدي، وكريستيان عيسى، وإيلي مغيّر، وطوني الخوري، وإيلي عون، وداني بو مارون.

قصة ابن بلدة ساحل عَلما في جبل لبنان مع السينما لا تُشبه غيرها... فأحلامه التي لم يتخلَّ عنها يوماً شكّلت بالنسبة إليه أملاً أنار أيامه، رغم خيبات وصعوبات كثيرة. يقول إن الفكرة وُلدت بعدما فاز، في سن الـ15، بمسابقة عالمية عن فيلم قصير نفَّذه أيضاً مع أصدقائه، مضيفاً: «يومها لمعت الفكرة في رأسي. فطعم النجاح جميل، ويجعلك دائماً متعطشاً للمزيد».

«كينغ جوهان»... الفيلم السينمائي المنتظر لنديم مسيحي (نديم مسيحي)

ويتذكَّر كيف تسلَّم جائزته في تشيلي بعد رحلة طيران استغرقت 17 ساعة، قبل أن يطبع نسخاً عدة من الفيلم ويوزِّعها على الأهل والأصدقاء. غير أن حلمه السينمائي بدأ فعلياً عندما كان في العاشرة من عمره، يوم اصطحبه والده لمشاهدة فيلم «تروي (Troy)». ويقول: «أخبرت والدي يومها أن حلمي سيكون في هذا الاتجاه. فقد شدَّتني كثيراً أسطورة طروادة والعالم الميثولوجي. ومع ارتباطي بالأرض والطبيعة، بدأ حلمي يكبر يوماً بعد يوم».

ويروي فيلم «كينغ جوهان» قصة ابن ملك يخسر مملكته بسبب الحروب، فيتحوَّل واحداً من أفقر أبناء البلاد، لكن الناس يرون فيه أملاً بالخلاص.

ويوضح مسيحي لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الولد يشبه لبنان في زمن عزِّه، وكيف خسر مكانته بسبب الحروب. ورسالة الفيلم واضحة: بالعزيمة نستطيع تحقيق أحلامنا، فالأحلام والسلام والازدهار لا تُستورد، بل يصنعها أبناء الوطن».

واختار مسيحي مجموعة أخرى من الأصدقاء والجيران لتشكيل فريق التمثيل، فرأى في جار طفولته الممثل جوليان فرحات الشخصية المناسبة لدور البطولة، إلى جانب لارا مطر، ومكرم فرام، ووسام صليبا، وجوزيف عازوري. ويقول: «لم يكونوا معروفين يومها، لكننا التقينا على الروح والإصرار نفسيهما».

ومع نحو 700 شخص بين ممثلين وكومبارس، تحوَّل الحلم حقيقة. ويشرح: «في عطلات نهاية الأسبوع، كنَّا نتواصل مع الأقارب والأصدقاء لجمع هذا العدد الكبير من الناس لتصوير مشاهد المعارك. كما قرأت عشرات الكتب السينمائية لأُكوِّن فكرة واضحة عمَّا أفعله».

ويشير إلى الدور الذي لعبه الناقد والأكاديمي اللبناني إميل شاهين في مسيرته، قائلاً: «كان مرجعي الحقيقي في السينما، وكذلك جورج خباز، فهما من المناضلين الذين حفروا في الصخر للحفاظ على أحلامهم».

وخلال هذه الرحلة الطويلة، كان مسيحي يتابع دراسته الجامعية نهاراً، ويحضِّر للفيلم ليلاً. ويقول: «لم أكن أرتاد المقاهي، ولم أعش حياة السهر كغيري... كان حلمي هاجسي الوحيد، وركضت خلفه دائماً».

وعن استخدام الذكاء الاصطناعي، يوضح أنه يدير اليوم شركة مختصة في هذا المجال، لكنه فضَّل إنجاز الفيلم بالطريقة التقليدية. ويقول: «أهم الأفلام العالمية التي لا تزال حاضرة في ذاكرتنا لم تعتمد على الذكاء الاصطناعي. أردت أن يكون هذا الحلم مصنوعاً يدوياً؛ من أفكارنا وتعبنا. واستخدمنا التكنولوجيا الحديثة فقط لتحسين الصورة وتنقية ألوانها بما يواكب العصر».

وتحضر في الفيلم بقوة مشاهد الفرسان، والسيوف، والغبار، والخيول، والجيوش الكبيرة، وقد تكفَّل فريق العمل بكل التفاصيل. ويقول: «صمَّمتْ أختي وصديقاتُها الأزياء ونفَّذنها، فيما تولّى طوني الخوري الصوت، وعمل كريستيان عيسى وإيلي مغيّر على المؤثرات الخاصة، ووضع داني بو مارون الموسيقى، كما شارك الجميع في كتابة القصة».

وعن نصيحته لأصحاب الأحلام، يقول: «الذين لا يحلمون يفوّتون على أنفسهم أجمل لحظات الحياة؛ لأن الحلم هو الرجاء. أما الحالمون فأقول لهم: تشبّثوا بأحلامكم، ومهما واجهتم من خيبات فلا تستسلموا. أَبقُوا ولو على جمرة واحدة مشتعلة داخلكم؛ كي يعود الحلم ويتوهّج من جديد».

لقطة من الفيلم القصير «14 مارس» الذي يكرم فيه شهداء «ثورة الأرز» (نديم مسيحي)

من جهة أخرى، أخرج مسيحي أفلاماً قصيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي حققت ملايين المشاهدات، من بينها فيلم «14 مارس»، الذي استعاد فيه شخصيات اغتيلت، منها رفيق الحريري، وسمير قصير، وجورج حاوي، ووسام عيد، وبيار الجميل، ووليد عيدو، مقدّماً إياهم بصورة إنسانية كأنهم لا يزالون بيننا. وخصّ الراحل جبران تويني بمساحة متفردة شكَّلت نهاية الفيلم، وقال إنها تُعبِّر عن مشاعره بعد لقائه إياه وهو على مقاعد الدراسة.

ويعلّق: «هؤلاء قُتلوا لأن أصواتهم بقيت عالية، لا لأنهم حملوا السلاح. وتكريماً لهم، قدَّمتهم بهذه الصورة، وختمت الفيلم بعبارة: (يا ليتكم لا تزالون بيننا)». كذلك أخرج فيلماً ثانياً قدَّم فيه رجال السياسة في لبنان كأنهم أبطال مسلسل «غيم أوف ثرونز (Game of Thrones)» الشهير، وثالثاً تناول فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب؛ وتلقَّى بسببه إشادة من إحدى مساعداته في البيت الأبيض.

ويختم قائلاً: «في عالم يزداد تصنّعاً، علينا أن نحافظ على علاقتنا بالقلب. حاولت استخدام الذكاء الاصطناعي من دون أن أفقد روح هؤلاء الأشخاص، وأن أقدِّمهم بمشاعرهم الإنسانية الحقيقية».

في سياق متصل، يستعدّ لتنفيذ سلسلة من الأعمال الدرامية والأفلام عن لبنان، يوظّف فيها الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً إبداعية. ويؤكد أن المشروعات المستقبلية كثيرة، لكنه يشدّد في المقابل على حرصه الدائم على الحفاظ على البعد الإنساني والمشاعر في تعامله مع هذه التكنولوجيا المتطورة.