هل نشأ علم تحنيط المومياوات بالصدفة؟

العلماء أكدوا أن البيئة أسهمت بشكل تلقائي في الحفاظ على بعض الجثث

مومياوات مصرية (رويترز)
مومياوات مصرية (رويترز)
TT

هل نشأ علم تحنيط المومياوات بالصدفة؟

مومياوات مصرية (رويترز)
مومياوات مصرية (رويترز)

منذ ملايين السنين، قام المصريون القدماء بتحنيط الجثث وصنع المومياوات، ليحيروا العالم أجمع بكيفية توصلهم إلى أسرار هذا العلم الدقيق والمميز.

وإذا تُركت الجثث في الطبيعة، فعادة ما تتحول إلى عظام. إلا أن قدماء المصريين تمكنوا من تجنب هذا الأمر بفضل الممارسات الجنائزية المعقدة التي تنطوي على استخدام أدوات متخصصة مثل خطافات إزالة الأدمغة من الجمجمة، ومواد كيميائية معينة مثل أملاح النطرون، التي تحتوي على كربونات وبيكربونات الصوديوم، وكلوريد الصوديوم، وسلفات الصوديوم، وماء، ومواد غير قابلة للذوبان بنسب متفاوتة.

ونقل موقع «ناشيونال جيوغرافيك» عن فرنك روهلي، رئيس قسم علم الأمراض القديمة ودراسات المومياوات بمعهد الطب التطوري بجامعة زيورخ، أن علم التحنيط يمكن أن يكون قد نشأ بالصدفة.

وأوضح: «على سبيل المثال، حين تدفن الجثث في مقابر ضحلة تحت رمال الصحارى الساخنة، يمكن أن تحتفظ بشكلها بشكل طبيعي لآلاف السنين بسبب الحرارة الجافة. هذا الأمر يمكن أن يكون قد ألهم المصريين القدماء لبدء تحنيط موتاهم الكرام».

وأضاف: «الصحارى الساخنة مجرد واحدة من كثير من البيئات التي تم تحنيط الجثث فيها بشكل طبيعي. وهناك بيئات أخرى، تتراوح من المستنقعات إلى قمم الجبال الجليدية، يمكن أن تمنع تعفن الجثث وتساعد في تحنيطها».

الصحارى

بالإضافة لقدماء المصريين، قام شعب شينشورو في شمال تشيلي بتحنيط موتاه قبل ملايين السنين، عن طريق دفنهم تحت رمال صحراء أتاكاما.

ويقول عالم الأنثروبولوجيا الفيزيائية برناردو أريازا من جامعة تاراباكا في تشيلي، الذي قضى حياته المهنية في دراسة مومياوات شينشورو: «أحد الأشياء المثيرة للاهتمام حول مومياوات شينشورو أن بعضها تم تحضيره عن قصد، بينما تم تحنيط البعض الآخر بشكل طبيعي، بالصدفة».

وأضاف: «التعفن هو عملية بيولوجية تحتاج إلى ماء. وبالتالي فإنه لن يحدث في البيئات الجافة. هذا هو السبب في أن الصحارى تحافظ على الجثث بشكل جيد. وقد تكون هذه الصحارى هي التي ألهمت قدماء المصريين وشعب شينشورو لتجفيف الجثث عند تحنيطها».

الملح

قد يقوم الملح بالمهمة نفسها التي تقوم بها الصحارى في تجفيف الجثث ومنعها من التعفن.

ويقول روهلي إن هناك بعض المومياوات التي تم تحنيطها بالصدفة بواسطة الملح، أبرزها مومياوات خاصة بعمال مناجم إيرانيين كانوا يعملون في منجم ملح شيرا آباد قبل أن ينهار عليهم.

وأضاف: «قام الملح بسحب الماء من أجسادهم وحنط بقاياهم بمحض الصدفة».

ويقول أريازا إن الأملاح في التربة الجافة في صحراء أتاكاما ساعدت أيضاً في الحفاظ على مومياوات شينشورو.

وأوضح: «التربة غنية بمركبات النترات والنيتروجين والبوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم. هذه المركبات معظمها أملاح. وهذا الأمر يساعد في تجفيف الجسم».

الجليد

إن إزالة الماء من الجثة ليست الطريقة الوحيدة لوقف تعفنها، حيث تؤدي درجات الحرارة المنخفضة إلى إبطاء معظم العمليات البيولوجية، ويمكن لتجميد الجسم تماماً أن يمنعه من التعفن لآلاف السنين.

ودرس اختصاصي علم الأمراض أندرياس نيرليش من مستشفى ميونيخ، بوغنهاوزن أوتزي، وهي مومياء جليدية عمرها 5300 عام تم العثور عليها، وهي تخرج من ذوبان الجليد الجليدي في جبال أوتزتال الألب بالقرب من الحدود النمساوية - الإيطالية.

ويقول نيرليش: «مومياوات الجليد مثل أوتزي نادرة جداً، لكنها تحتفظ بشكلها جيداً. فالجليد يحافظ على الأعضاء المجمدة ويمنع تلفها».

المستنقعات

غالباً ما ينطوي التحنيط الطبيعي على التخلص بطريقة ما من الماء، إما عن طريق إزالته بالكامل أو تحويله إلى ثلج. وقد يكون من المدهش بعض الشيء أن المستنقعات الرطبة يمكن أن تحافظ على الرفات البشرية لآلاف السنين.

ومن أشهر المومياوات التي تم تحنيطها بالصدفة في مستنقع، مومياء كاشيل مان، الذي ربما قُتل نحو عام 2000 قبل الميلاد، وعثر عليه في مستنقع كاشيل بآيرلندا.

وتقول عالمة الآثار، إيزابيلا مولهال، من المتحف الوطني الآيرلندي: «هناك عدة عوامل تؤدي إلى تحنيط الرفات البشرية في المستنقعات، من بينها نقص الأكسجين، والبيئة المظلمة الباردة ومستويات الحموضة في المستنقع».

وتضيف مولهال أن هناك نوعاً من الطحالب غالباً ما يوجد في المستنقعات، ويساعد أيضاً في تحنيط الجثث. ويطلق على هذا النوع اسم «طحالب سفاغنوم»، وهو يطلق جزيئاً حمضياً سكرياً يسمى «سفاغنان»، يمتص العناصر الغذائية التي من شأنها أن تغذي الميكروبات التي تسبب التعفن. هذا يساعد في تحنيط الجثث، على الرغم من أن «سفاغنان» يزيل الكالسيوم من العظام ويضعفها.


مقالات ذات صلة

جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

يوميات الشرق مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)

جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

جاك مارون يعرض مسرحيته «الوحش» على مسرح «مونو» في 23 مايو، بعد تأجيلها؛ بسبب الأزمات اللبنانية، وهي قصة شخصين منبوذين يبحثان عن السلام الداخلي.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق صورة عفوية لإيفا براون مع أدولف هتلر على مائدة الطعام (غيتي)

لوحة في شقة هتلر الخاصة تكشف تاريخاً خفياً لتحفة فنية أوروبية

كشفت صورة فوتوغرافية نادرة عن فصل خفي من تاريخ إحدى اللوحات الفنية المملوكة لـ«المعرض الوطني» في لندن، بعدما أظهرت أنها كانت معلّقة داخل شقة الزعيم النازي هتلر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يظهر في الصورة صبي يُعرف باسم غيرسي بجانب الملازم بول هنري أوري (الصندوق الوطني للتراث)

بعد قرون... باحثون يكتشفون لغز طفل أسود مستعبَد في لوحة بريطانية شهيرة

بعد عقود طويلة من الجدل والتساؤلات، نجح باحثون بريطانيون في كشف جانب من قصة الطفل الأسود المستعبَد الذي ظهر في واحدة من أشهر لوحات القرن الثامن عشر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جمرة حمراء أخفتها الأرض (أ.ب)

ميانمار تعثر على ياقوتة عملاقة من وادي «دم الحمام»

أفادت وسائل إعلام رسمية باكتشاف حجر ياقوت ضخم يزن 11 ألف قيراط في ميانمار، ويُعدّ من بين أكبر أحجار الياقوت التي عُثر عليها في البلاد...

«الشرق الأوسط» (يانغون (ميانمار))
يوميات الشرق هناك دائماً طفل يركض خلف الكرة من دون أن يعرف أنّ العالم ينتظره (أ.ب)

من ملعب صغير بدأت أسطورة ميسي... وجدّته كلمة السرّ

ربما بعد سنوات من الآن، سيُقارَن أحدهم بابن روزاريو الأشهر، الذي يُعدُّ أحد أفضل لاعبي كرة القدم في التاريخ...

«الشرق الأوسط» (روزاريو (الأرجنتين))

دواء فعّال لعلاج السمنة لدى المسنين

السمنة لدى كبار السن تعد من المشكلات الصحية المتزايدة عالمياً (جامعة نوتنغهام)
السمنة لدى كبار السن تعد من المشكلات الصحية المتزايدة عالمياً (جامعة نوتنغهام)
TT

دواء فعّال لعلاج السمنة لدى المسنين

السمنة لدى كبار السن تعد من المشكلات الصحية المتزايدة عالمياً (جامعة نوتنغهام)
السمنة لدى كبار السن تعد من المشكلات الصحية المتزايدة عالمياً (جامعة نوتنغهام)

كشفت دراسة إيطالية عن أن دواء «سيماجلوتايد» أظهر فاعلية وأماناً ملحوظين في علاج السمنة لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً، مع نتائج قريبة من تلك المسجلة لدى الفئات العمرية الأصغر سناً.

وأوضح باحثون من جامعة بادوفا الإيطالية أن هذه النتائج تعزز إمكانية استخدام الدواء على نطاق أوسع لخفض الوزن لدى كبار السن، وعُرضت النتائج، الاثنين، أمام مؤتمر الجمعية الأوروبية لدراسة السمنة المنعقد في إسطنبول بتركيا.

وتُعد السمنة لدى كبار السن من المشكلات الصحية المتزايدة عالمياً، إذ ترتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، إلى جانب ضعف الحركة وآلام المفاصل وتراجع القدرة على أداء الأنشطة اليومية بشكل مستقل. كما تسهم في زيادة احتمالات الإعاقة وتراجع جودة الحياة مع التقدم في العمر، مما يجعل التعامل معها أمراً محورياً للحفاظ على صحة المسنين واستقلاليتهم.

واعتمدت الدراسة على تحليل مجمّع لبيانات عدد من التجارب السريرية، شملت 358 مشاركاً من كبار السن يعانون من السمنة أو زيادة الوزن مع مشكلات صحية مرتبطة بها، ومتابعة حالتهم لمدة 68 أسبوعاً. وتم توزيع المشاركين عشوائياً لتلقي جرعة أسبوعية قدرها 2.4 ملغم من «سيماجلوتايد» أو دواء وهمي.

ويُستخدم «سيماجلوتايد» للمساعدة على إنقاص الوزن وعلاج السمنة، إضافة لدوره في تحسين ضبط مستويات السكر لدى مرضى السكري من النوع الثاني. ويعمل عبر تقليل الشهية وإبطاء إفراغ المعدة، ما يساعد على زيادة الإحساس بالشبع وتقليل كمية الطعام المتناولة. وشملت التقييمات قياس التغير في الوزن ومحيط الخصر ونسبة الخصر إلى الطول وتغيرات مؤشر كتلة الجسم، إضافة إلى مؤشرات الخطر القلبية والتمثيل الغذائي مثل ضغط الدم ومستويات الدهون وسكر الدم التراكمي.

وأظهرت النتائج انخفاضاً بنحو 15.4 في المائة من وزن الجسم لدى مستخدمي «سيماجلوتايد»، مقارنة بـ5.1 في المائة فقط في مجموعة العلاج الوهمي. كما تراجع محيط الخصر بمعدل 14.3 سم في مجموعة الدواء مقابل 6 سم في المجموعة الأخرى.

كما بيّنت الدراسة أن نحو ثلثي المشاركين الذين استخدموا الدواء فقدوا 10 في المائة أو أكثر من وزنهم، بينما حقق نحو النصف فقداناً يتجاوز 15 في المائة، في حين خسر أكثر من ربع المشاركين ما يزيد على 20 في المائة من أوزانهم. ولم تقتصر الفوائد على خفض الوزن، إذ سُجلت تحسّنات في عدد من المؤشرات الصحية المرتبطة بأمراض القلب والتمثيل الغذائي، من بينها ضغط الدم ومستويات الدهون والكوليسترول وسكر الدم التراكمي. كما انخفضت دهون البطن ومحيط الخصر بشكل ملحوظ، وهو ما يرتبط بانخفاض مخاطر الأمراض المزمنة.

وقال الدكتور لوكا بوسيتو، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة بادوفا، إن النتائج تؤكد قدرة «سيماجلوتايد» على خفض الوزن وتحسين عوامل الخطر القلبية والتمثيل الغذائي لدى من تزيد أعمارهم على 65 عاماً، مع ملف أمان وفعالية جيد. وأضاف عبر موقع الجامعة أن «غالبية حالات السمنة في كثير من الدول تتركز لدى الفئة العمرية فوق 65 عاماً، ما يجعلها أحد أبرز عوامل الخطر المرتبطة بالمضاعفات الصحية وتراجع جودة الحياة والإعاقة».


«الكلام على إيه؟!» يراهن على البطولة الجماعية بـ«موسم الأضحى» السينمائي

فيلم «الكلام على إيه؟» اعتمد على البطولة الجماعية (الشركة المنتجة)
فيلم «الكلام على إيه؟» اعتمد على البطولة الجماعية (الشركة المنتجة)
TT

«الكلام على إيه؟!» يراهن على البطولة الجماعية بـ«موسم الأضحى» السينمائي

فيلم «الكلام على إيه؟» اعتمد على البطولة الجماعية (الشركة المنتجة)
فيلم «الكلام على إيه؟» اعتمد على البطولة الجماعية (الشركة المنتجة)

يراهن الفيلم المصري «الكلام على إيه؟!» على البطولة الجماعية بالتزامن مع انطلاق عرضه مساء (الأربعاء) المقبل في الصالات السينمائية للمنافسة في «موسم عيد الأضحى السينمائي» الذي يشهد طرح مجموعة من الأفلام بشكل متتابع في الصالات.

الفيلم وهو من سيناريو وحوار أحمد بدوي وبطولة كل من مصطفى غريب، أحمد حاتم، حاتم صلاح، سيد رجب، خالد كمال، دنيا سامي، جيهان الشماشرجي، انتصار، ودنيا ماهر، وقصة وإخراج ساندرو كنعان في أولى تجاربه الإخراجية؛ تدور أحداثه في إطار كوميدي اجتماعي، ويحكي قصص 4 أزواج من أعمار وطبقات مختلفة في ليلتهم الأولى كونهم أزواجاً. وعلى مدى أقل من ساعتين يتابع المشاهد مجموعة من التفاصيل التي يتعرض لها كل ثنائي، والظروف التي تحيط بيوم الزفاف بمزيج من الكوميديا والواقعية.

وقال السيناريست أحمد بدوي لـ«الشرق الأوسط» إن حماسه لفكرة الفيلم بدأت منذ حديث المخرج معه للمرة الأولى لكونه يحب هذه النوعية من الأفكار، وبدأ العمل بالفعل على المشروع حتى وصل للصورة التي سيشاهدها الجمهور، مشيراً إلى أن «الفيلم لا يحمل أي وجه للتشابه مع فيلم (سهر الليالي)، ورغم ربط البعض بينهما بسبب شكل (البوستر الدعائي) فإن لكل منهما قصة مختلفة تماماً».

وأضاف: «الفيلم لا يعتمد على الكوميديا باعتبارها هدفه الأساسي، بل ينطلق من العلاقات الإنسانية وما تحمله من صراعات ومواقف بين الأزواج، وهي أمور تنتج الكوميديا بشكل طبيعي»، لافتاً إلى أن الكوميديا غالباً ما تنشأ من مواقف مؤلمة تحدث للآخرين، مستشهداً بفكرة الشخص الذي يمشي على «قشرة موز» فينزلق، فالموقف يكون مؤلماً لصاحبه لكنه ربما يثير الضحك لدى من يشاهده من الخارج.

عدد من صناع الفيلم في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأكد المخرج ساندرو كنعان حرصه من البداية على تقديم جوانب جديدة وغير معتادة من الممثلين المشاركين في العمل، معبراً عن سعادته بخروج الفيلم إلى النور بالترشيحات نفسها التي تخيلها منذ اللحظة الأولى.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «كل ممثل قدم شخصية مختلفة عما اعتاده الجمهور، وهو ما جعلني أكثر حماساً للتجربة، خصوصاً أنها تمثل خطوتي السينمائية الأولى. ففكرة الفيلم ظلت ترافقني لما يقرب من 9 سنوات، عملت خلالها على تطوير الشخصيات والمواقف الدرامية، إلى أن التقيت بالمؤلف أحمد بدوي الذي عمل على السيناريو والحوار للفيلم ليخرج بالصورة التي تمنيناها».

وأكد كنعان أن فريق العمل خاض فترة طويلة من البروفات قبل انطلاق التصوير، موضحاً أنه كان سعيداً بالحماس الكبير الذي أبداه الممثلون تجاه أدق تفاصيل الشخصيات؛ لأن حالة التفاهم والثقة بين فريق العمل لعبت دوراً مهماً في خلق الكيمياء المطلوبة أمام الكاميرا، مما انعكس على طبيعة الأداء والعلاقات داخل الفيلم.

وأوضح ساندرو أن التصوير الليلي كان أحد أبرز التحديات التي واجهت فريق العمل، خصوصاً مع امتداد ساعات التصوير إلى أوقات متأخرة يومياً، لكنه أكد أن الجميع تعامل مع الأمر بروح جماعية وحماس كبير لتجاوز أي عقبات.

مصطفى غريب ودنيا سامي في الفيلم (الشركة المنتجة)

من جهته، أكد الناقد السينمائي أندرو محسن لـ«الشرق الأوسط» أن تعدد الخطوط الدرامية أعطت قوة للفيلم؛ لأنها أبقت المشاهد في حالة متابعة مستمرة، حتى مع تفاوت مستوى بعض الحكايات، مشيداً بأداء غالبية الممثلين لأدوارهم ومناسبتهم لتقديم هذه الشخصيات وطبيعة الكوميديا التي يقدمها كل منهم؛ الأمر الذي ساعد على الحفاظ على خفة الفيلم وإيقاعه الكوميدي طوال الأحداث.

وأوضح أن «الخط الدرامي الذي جمع بين حاتم صلاح وجيهان الشماشرجي كان الأفضل داخل العمل؛ لأن الكتابة نجحت في تقديم علاقة شخصين يفتقران لأي خبرات سابقة بشكل بسيط وخفيف الظل، من دون افتعال أو مبالغة، بالإضافة أن للثنائي حضوراً مميزاً على الشاشة، وتمكنا من تقديم مشاهدهما بشكل منطقي وممتع في الوقت نفسه».

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن «الخط الخاص بالثنائي انتصار وسيد رجب ظهر أكثر تقليدية وتوقعاً مقارنة ببقية الخطوط الدرامية؛ لأن المشاهد كانت تكشف مبكراً اتجاه الكوميديا وما سيحدث لاحقاً، مما أضعف عنصر المفاجأة، لكن في المقابل يظل الفيلم تجربة جيدة تحمل مجهوداً واضحاً لمخرج يخوض تجربته للمرة الأولى».


«كان» خسر هرتزوغ فهل يتّجه بفيلمه إلى «ڤينيسيا»

ملصق النسخة الـ79 من مهرجان «كان» على قصر المهرجانات (إ.ب.أ)
ملصق النسخة الـ79 من مهرجان «كان» على قصر المهرجانات (إ.ب.أ)
TT

«كان» خسر هرتزوغ فهل يتّجه بفيلمه إلى «ڤينيسيا»

ملصق النسخة الـ79 من مهرجان «كان» على قصر المهرجانات (إ.ب.أ)
ملصق النسخة الـ79 من مهرجان «كان» على قصر المهرجانات (إ.ب.أ)

«يحتفل مهرجان (كان) بكل شيء أحبه في السينما: الإخراج، والشجاعة، والحرية، وصانعي الأفلام. يكتشفهم، ويساندهم، ويحتفي بهم». هكذا صرَّح المخرج الفرنسي بيير سالڤاتوري قبيل انطلاق الدورة الـ79 للمهرجان مساء 12 مايو (أيار) الحالي. كلمات سالڤاتوري تعكس سعادته كون فيلمه الجديد «القبلة الإلكترونية» (The Electric Kiss) سيفتتح هذه الدورة.

من فيلم «قبلة كهربائية» (Les Films Pelléas)

سبق لسالڤاتوري الفوز بجائزتي «لوميير» سنة 2019 عن فيلمه «حرية!» (En liberté!)، إضافة إلى جائزة أخرى من مهرجان «كان» في 2018، حين عُرض فيلمه الكوميدي ضمن قسم «نصف شهر المخرجين». لكن فيلمه الجديد لن يخوض المنافسة العام الحالي، لأنه يُعرض خارج المسابقة.

كوميديا وحب

يلعب بيو مارماي دور البطولة في الفيلم، حيث يجسد شخصية رسَّام يُدعى أنطوان، يمر بأزمة عاطفية بعد وفاة زوجته، مما أدى إلى توقفه عن الرسم، وإدمانه على الكحول، إذ يشعر بالذنب تجاه موتها. يحاول أنطوان التواصل مع روح زوجته، بعد أن طلب صديقه أرمان (جيل ليلوش) من شابة تُدعى سوزان (أنيس دوموستييه) تقمص دور الزوجة للتواصل معه في الغيب. تتطور الأحداث ليقع أنطوان في حب سوزان بعد اكتشاف الحقيقة.

يمكن تصنيف سالڤاتوري من البارعين في الجمع بين أنواع سينمائية متعددة داخل فيلم واحد، مدمجاً الحب، والكوميديا مع لمسات من الأكشن، والتشويق.

أفلام على طول المهرجان

بعد ذلك، ستُعرض مجموعة من الأفلام في الأقسام المختلفة، بدءاً بفيلم «ملاحظات ناجي» للمخرج فوداكا كوتجي (ناجي اسم منطقة يابانية)، و«حياة امرأة» للمخرجة الفرنسية شارلين بورجوا تاكيه.

تضم المسابقة هذا العام 21 فيلماً من مصادر أوروبية، مع قليل من التنوع خارجها، مع تغيُّب شبه كامل للسينما الأميركية، ممثلة بفيلم «نمر من ورق» (Paper Tiger) للمخرج جيمس غراي، والذي لا ينتمي إلى الإنتاجات الكبرى في هوليوود.

هذا الغياب لا يرتبط بنوعية الإنتاج الأميركي، بل بسياسة الشركات الأميركية التي تميل لعرض أفلامها الفنية خارج موسم الصيف التجاري، مفضلة فصل الخريف لمنافسة جوائز «الأوسكار». صحيح أن «كان» شهد عروضاً أميركية عدَّة خلال السنوات الماضية، لكن معظمها كان تمهيداً لإطلاقها تجارياً عالمياً، كما حصل مع جزأي «المهمة: مستحيلة». هذا يعني أن مهرجان «ڤينيسيا» هو من تنظر إليه هوليوود بديلاً مفضلاً، لأنه يقع في بداية موسم حصاد الجوائز في الولايات المتحدة.

قضية هرتزوغ

المخرج الألماني ڤرنر هرتزوغ (غيتي)

حجم مهرجان «كان» يزداد عاماً بعد عام. لم يعد، منذ عقود، يقتصر على عرض الأفلام الفنية فقط، وهو الأمر الذي أتاح الفرصة للمهرجانات الكبرى الأخرى، مثل «ڤينيسيا»، و«سان سيباستيان»، و«برلين» للتميز في مجالاتها الخاصة.

بات «كان» منذ سنوات أشبه بسيرك فني-تجاري، ليس فقط من خلال إنشاء المزيد من الأقسام لاستيعاب العدد الهائل من الأفلام المختلفة، بل أيضاً لاستقطاب كل من لديه «مشروع تجاري» يمكنه تنفيذه خلال المهرجان. هذا الوضع ليس جديداً، لكن سوق الأفلام العالمية تزداد توسعاً، جامعة مئات الشركات الكبيرة، والصغيرة في 5 مساحات مخصصة، منها اثنتان داخل «قصر المهرجان» نفسه، وثلاثة خارجه.

لكن الأمور لا تسير دائماً كما يُخطط لها؛ فقد كشفت مجلة «ڤاراياتي» قبل يومين أن المخرج الألماني ڤرنر هرتزوغ رفض دعوة المهرجان للمشاركة. هرتزوغ، الذي عرف بأعماله الروائية، والتسجيلية، واحتفى بمرور نحو 50 سنة في السينما ضمن جيل المخرجين الألمان الجدد في السبعينات إلى جانب رينر ڤرنر فاسبيندر، وڤيم ڤندرز، قدم فيلمه الجديد «تمويل فاستارد» (Bucking Fastard) للمشاركة في المسابقة الرسمية، لكن المهرجان قرر عرضه في قسم «خارج المسابقة»، ما عدَّه هرتزوغ مسيئاً لسيرته، فانسحب الفيلم.

خسارة «كان» فوز لـ«ڤينيسيا»

علاوة على ذلك، أخذ المخرج الألماني في اعتباره أن مهرجان «كان» يفضل الأسماء اللامعة في سماء النجومية، فاستعان بالممثلة كايت مارا، وشقيقتها التوأم روني، لكن ذلك لم يفلح.

ذكرت روني مارا في حديث لها أنه «لا أحد في العالم يشبه هرتزوغ»، وأنها خاضت تجربة رائعة بالعمل مع المخرج. هذا السيناريو من العرض والرفض تكرر العام الماضي، عندما عرض الأميركي جيم جارموش فيلمه «أب أم أخت أخ» على إدارة المهرجان الفرنسي، لكنها قررت وضعه في قسم داعم فقط. حاول جارموش تذكير المدير الفني تييري فريمو بتاريخه الطويل مع المهرجان، وأوضح أنه لا يسعى للفوز بالجائزة، بل لدعم معنوي لفيلم مستقل، لكن ذلك لم يُغيّر موقف فريمو، فقرر جارموش سحب فيلمه، وتوجيهه إلى مهرجان «ڤينيسيا» الذي رحَّب به.

وقد كان جارموش سعيداً جداً، خصوصاً بعد فوز الفيلم بالجائزة الكبرى «الأسد الذهبي» في دورة العام الماضي. وبالنسبة لهرتزوغ، فإن التوجه نحو المهرجان الإيطالي أمر محتمل، وربما يشمل قراره مقاطعة مهرجان «كان» نهائياً.