منذ ملايين السنين، قام المصريون القدماء بتحنيط الجثث وصنع المومياوات، ليحيروا العالم أجمع بكيفية توصلهم إلى أسرار هذا العلم الدقيق والمميز.
وإذا تُركت الجثث في الطبيعة، فعادة ما تتحول إلى عظام. إلا أن قدماء المصريين تمكنوا من تجنب هذا الأمر بفضل الممارسات الجنائزية المعقدة التي تنطوي على استخدام أدوات متخصصة مثل خطافات إزالة الأدمغة من الجمجمة، ومواد كيميائية معينة مثل أملاح النطرون، التي تحتوي على كربونات وبيكربونات الصوديوم، وكلوريد الصوديوم، وسلفات الصوديوم، وماء، ومواد غير قابلة للذوبان بنسب متفاوتة.
ونقل موقع «ناشيونال جيوغرافيك» عن فرنك روهلي، رئيس قسم علم الأمراض القديمة ودراسات المومياوات بمعهد الطب التطوري بجامعة زيورخ، أن علم التحنيط يمكن أن يكون قد نشأ بالصدفة.
وأوضح: «على سبيل المثال، حين تدفن الجثث في مقابر ضحلة تحت رمال الصحارى الساخنة، يمكن أن تحتفظ بشكلها بشكل طبيعي لآلاف السنين بسبب الحرارة الجافة. هذا الأمر يمكن أن يكون قد ألهم المصريين القدماء لبدء تحنيط موتاهم الكرام».
وأضاف: «الصحارى الساخنة مجرد واحدة من كثير من البيئات التي تم تحنيط الجثث فيها بشكل طبيعي. وهناك بيئات أخرى، تتراوح من المستنقعات إلى قمم الجبال الجليدية، يمكن أن تمنع تعفن الجثث وتساعد في تحنيطها».
الصحارى
بالإضافة لقدماء المصريين، قام شعب شينشورو في شمال تشيلي بتحنيط موتاه قبل ملايين السنين، عن طريق دفنهم تحت رمال صحراء أتاكاما.
ويقول عالم الأنثروبولوجيا الفيزيائية برناردو أريازا من جامعة تاراباكا في تشيلي، الذي قضى حياته المهنية في دراسة مومياوات شينشورو: «أحد الأشياء المثيرة للاهتمام حول مومياوات شينشورو أن بعضها تم تحضيره عن قصد، بينما تم تحنيط البعض الآخر بشكل طبيعي، بالصدفة».
وأضاف: «التعفن هو عملية بيولوجية تحتاج إلى ماء. وبالتالي فإنه لن يحدث في البيئات الجافة. هذا هو السبب في أن الصحارى تحافظ على الجثث بشكل جيد. وقد تكون هذه الصحارى هي التي ألهمت قدماء المصريين وشعب شينشورو لتجفيف الجثث عند تحنيطها».
الملح
قد يقوم الملح بالمهمة نفسها التي تقوم بها الصحارى في تجفيف الجثث ومنعها من التعفن.
ويقول روهلي إن هناك بعض المومياوات التي تم تحنيطها بالصدفة بواسطة الملح، أبرزها مومياوات خاصة بعمال مناجم إيرانيين كانوا يعملون في منجم ملح شيرا آباد قبل أن ينهار عليهم.
وأضاف: «قام الملح بسحب الماء من أجسادهم وحنط بقاياهم بمحض الصدفة».
ويقول أريازا إن الأملاح في التربة الجافة في صحراء أتاكاما ساعدت أيضاً في الحفاظ على مومياوات شينشورو.
وأوضح: «التربة غنية بمركبات النترات والنيتروجين والبوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم. هذه المركبات معظمها أملاح. وهذا الأمر يساعد في تجفيف الجسم».
الجليد
إن إزالة الماء من الجثة ليست الطريقة الوحيدة لوقف تعفنها، حيث تؤدي درجات الحرارة المنخفضة إلى إبطاء معظم العمليات البيولوجية، ويمكن لتجميد الجسم تماماً أن يمنعه من التعفن لآلاف السنين.
ودرس اختصاصي علم الأمراض أندرياس نيرليش من مستشفى ميونيخ، بوغنهاوزن أوتزي، وهي مومياء جليدية عمرها 5300 عام تم العثور عليها، وهي تخرج من ذوبان الجليد الجليدي في جبال أوتزتال الألب بالقرب من الحدود النمساوية - الإيطالية.
ويقول نيرليش: «مومياوات الجليد مثل أوتزي نادرة جداً، لكنها تحتفظ بشكلها جيداً. فالجليد يحافظ على الأعضاء المجمدة ويمنع تلفها».
المستنقعات
غالباً ما ينطوي التحنيط الطبيعي على التخلص بطريقة ما من الماء، إما عن طريق إزالته بالكامل أو تحويله إلى ثلج. وقد يكون من المدهش بعض الشيء أن المستنقعات الرطبة يمكن أن تحافظ على الرفات البشرية لآلاف السنين.
ومن أشهر المومياوات التي تم تحنيطها بالصدفة في مستنقع، مومياء كاشيل مان، الذي ربما قُتل نحو عام 2000 قبل الميلاد، وعثر عليه في مستنقع كاشيل بآيرلندا.
وتقول عالمة الآثار، إيزابيلا مولهال، من المتحف الوطني الآيرلندي: «هناك عدة عوامل تؤدي إلى تحنيط الرفات البشرية في المستنقعات، من بينها نقص الأكسجين، والبيئة المظلمة الباردة ومستويات الحموضة في المستنقع».
وتضيف مولهال أن هناك نوعاً من الطحالب غالباً ما يوجد في المستنقعات، ويساعد أيضاً في تحنيط الجثث. ويطلق على هذا النوع اسم «طحالب سفاغنوم»، وهو يطلق جزيئاً حمضياً سكرياً يسمى «سفاغنان»، يمتص العناصر الغذائية التي من شأنها أن تغذي الميكروبات التي تسبب التعفن. هذا يساعد في تحنيط الجثث، على الرغم من أن «سفاغنان» يزيل الكالسيوم من العظام ويضعفها.



