عرس للفن العربي في وسط لندن وكوكبة من مقتنيات مؤسسة «بارجيل»

سلطان القاسمي: أرى نفسي حارساً على المقتنيات وليس مالكها

لوحة للفنانة المغربية فاطمة حسن الفروج بعنوان «يوم العيد» (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة المغربية فاطمة حسن الفروج بعنوان «يوم العيد» (الشرق الأوسط)
TT

عرس للفن العربي في وسط لندن وكوكبة من مقتنيات مؤسسة «بارجيل»

لوحة للفنانة المغربية فاطمة حسن الفروج بعنوان «يوم العيد» (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة المغربية فاطمة حسن الفروج بعنوان «يوم العيد» (الشرق الأوسط)

في حي سانت جيمس الراقي بوسط لندن وخلف أبواب دار كريستيز للمزادات يتفتح أمامنا عالم ثري ومبهر يضم نماذج بارعة من أشكال الفن العربي. تختلط هنا الأصوات القادمة من مختلف أنحاء العالم العربي، نرى وننغمس في عوالم فنانين عبروا عن الحب والغربة والظلم والثورة والحماسة، نرى جوانب من حياتهم أمامنا تتحدث معنا وتعيدنا لهموم وآمال وأحلام عاشت معهم وانتقلت من مخيلتهم لتلهم أجيالاً قادمة بعدهم.

أعلنت «كريستيز» عن المعرض بأنه أضخم معرض للفن العربي في لندن، وحشدت له برنامجاً كاملاً من الفعاليات، وأثبتت أن مؤسسة تجارية في المقام الأول تستطيع أن تحول قاعاتها للاستمتاع الخالص بالفن.

عبر قاعات العرض في الدار وحتى على عتبات الدرج المؤدي للدور الأول تتناثر الأعمال الفنية التي تنتظم في تعبيرها عن العالم العربي.

ويتكون المعرض من قسمين رئيسيين: «كوكبة: مختارات من مؤسسة بارجيل للفنون»، و«تصور جديد للفن الإماراتي: حسن شريف والأصوات المعاصرة». وتؤكد الدار على أنها المرة الأولى، التي يتم فيها عرض هذا الكم الغني والمتنوع من الأعمال الفنية العربية في لندن، وهو ما تحقق عبر شراكة مع مؤسسة بارجيل للفنون في الشارقة، ووزارة الثقافة والشباب بدولة الإمارات العربية المتحدة.

الوطن والآمال العظيمة

في معرض «كوكبة: مختارات من مؤسسة بارجيل للفنون» وعبر القاعات المختلفة تسحرنا التعبيرات المختلفة عن الوطن والحنين والآمال العظيمة والإحباطات أيضاً. جمع سلطان القاسمي 1200 عمل من الفن الحديث والمعاصر، نرى منها 100 في «كريستيز» تعبر مثل بقية المجموعة عن الثقافة والفكر العربي، تبرز العناصر التراثية والفلكلورية عبر الأعمال المختلفة، تتضافر مع تعبيرات عن الحرية والاستقلال والشوق والهوية. كلها تعبيرات تغوص في أعماق الناظر وتحملنا إلى أعماق ثقافتنا العربية.

أعمال متفردة:

في قاعة صغيرة في الطابق الأول يلقي لنا المعرض طعماً ليجذبنا لمشاهدة المجموعة كلها. تفاجئنا لوحة ضخمة تحتل جداراً بأكمله، تحفل بأبطال الأساطير والحكايات الشعبية، تداعب ذكريات الطفولة لدينا وتشغل البصر بألوانها الحية والحركة المنبثقة منها، اللوحة للفنانة المغربية فاطمة حسن الفروج بعنوان «يوم العيد». على الجدار المقابل لوحة تحمل من عناصر الثقافة الشعبية الكثير، هنا الطفل الذي يصعد على سلم للسماء ليمتطي سحابة بيضاء لتحمله للقمر، يبدو في اللوحة تأثير من الفنان الروسي مارك شاغال، ولكن بلمسة عربية أصيلة، هي للفنان اللبناني عبد الحميد بعلبكي وتحمل اسم «حلم الطفولة»... وما أبدعه من حلم!

لوحة «عيون الليل» للفنانة العراقية مديحة عمر

في القاعة المجاورة تحتار العين بين اللوحات والمنحوتات المنسقة بشكل بديع. من اللوحات تجذبنا لوحة «عيون الليل» للفنانة العراقية مديحة عمر، تغزل من أحرف اللغة العربية تشكيلات رشيقة، تفاجئنا الحروف في اللوحة، تتقافز أمامنا كأنما تختبر قدرتنا على التعرف عليها إذ إنها غير منتظمة في كلمات بحسب تيار «الحروفية» الفني، التي اتبعته الفنانة.

في القاعة التالية مجموعة مبهرة أخرى من الأعمال يتصدرها باب خشبي محفور للفنان العراقي محمد غني حكمت تعرف عنه بطاقة العمل باسم «بوابة الغرب» وإن كانت هناك مواقع تشير له باسم «بوابة الغرباء»، شخصياً أميل للتعريف الثاني، يحمل الكثير من المعنى، البوابة الخشبية الجميلة هل هي مدخل أم مخرج؟ ربما يكون جمالها إشارة لجمال وعد الهجرة، الذي يحولنا لغرباء، أم هل هي مجملة بأحلام الوطن؟ عموماً هي قطعة متفوقة الجمال تشد البصر والقلب وربما يكون ذلك فيه الكفاية.

«باب الغرب» لمحمد غني حكمت (الشرق الأوسط)

تبرز لوحات من الفن السعودي في هذه القاعة أيضاً، منها لوحة للفنان عبد الرحمن السليمان «المصلون يغادرون الجامع» متأثرة بالمذهب التكعيبي، تتميز بألوانها الهادئة والمريحة، ربما يكون ذلك بتأثير الموضوع، ولكن مع متابعة البصر للأشخاص في اللوحة نرى صورة من الحياة البسيطة، الرجل المتكئ على عصاته والطفل الذي يقف واضعاً يده في جيب جلبابه، في يمين اللوحة ما يبدو وكأنه متسول ينتظر إحسان شخص يمد يده بقطعة من النقود.

لوحة للفنان عبد الرحمن السليمان «المصلون يغادرون الجامع» (الشرق الأوسط)

هنا أيضاً لوحة للمبدع جواد سليم «امرأة تبيع أقمشة» ولوحة «مشهد السوق» للسوداني عمر خيري، أما لوحة المصرية تحية حليم «رحلة بالقارب» فتأخذنا لما يبدو وكأنه نزهة عائلية على النيل ويبدو فيها افتتان حليم بالنوبة وأهلها.

الفنانة إنجي أفلاطون حضرت بلوحتها البديعة «القرية» المتميزة بالحركة الدائمة، تعبر عنها بخطوط قصيرة منتظمة وكأن النخلات تتمايل أمامنا وتتحرك الحواجز المصنوعة من الخصف بتأثير الهواء. إنجي أفلاطون لم تعرف فقط بلوحاتها المعبرة عن حياة الفلاحين، بل أيضاً عبرت عن السجن والاعتقال متأثرة بفترات حبسها في سجن النساء بالقناطر في مصر، ونالت لوحاتها التي نفذتها في السجن الثناء من كبار النقاد في مصر ومنها هنا نرى لوحة «أحلام المعتقلة».

«رحلة بالقارب» للفنانة تحية حليم (الشرق الأوسط)

من الأعمال البارزة في العرض لوحة «الصوت الأخير» للفنان السوداني إبراهيم الصلحي، يقول عنه سلطان القاسمي «هو عمل عملاق للفنان وله مكانة عالية، أذكر أني قمت بزيارة نيويورك منذ عدة سنوات وقابلت مدير أحد المتاحف الضخمة، قلت له: لقد اشترينا (الصوت الأخير)، من دون ذكر اسم الفنان، ولكنه عرف على الفور اللوحة، بسبب مكانتها وأهميتها التي تجعلها تتخطى كونها لوحة مرسومة، أعتقد أنها شهادة على الفن الأفريقي، لوحة تعبر عن قارة وثقافة كاملة، برأيي أنها من أهم اللوحات الأفريقية والعربية في القرن الماضي. وهو في تقديري من أهم أعمال إبراهيم الصلحي وأحد أكثر أعماله (حميمية) تعبيراً عن حياة الفنان».

لوحة «الصوت الأخير» للفنان السوداني إبراهيم الصلحي (مؤسسة بارجيل للفنون)

المعرض حافل باللوحات العظيمة فعلاً ويستحق أكثر من زيارة وهو أمر متاح حتى 23 من شهر أغسطس (آب) المقبل.

------------------------------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------------------------

سلطان القاسمي وتقاسم الشغف

خلال هذا الشهر أقامت الدار لقاءين مع سلطان سعود القاسمي مؤسس مؤسسة بارجيل تحدث خلال اللقاء الأول عن المؤسسة وعن اللوحات الأثيرة له، وفي الندوة الثانية تحدث بتوسع عن أسباب اتجاهه لجمع اللوحات الفنية وعشقه للثقافة العربية.

وفي حديثه مع دكتور رضا المومني، نائب رئيس مكتب كريستيز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقيم على المعرض، دار النقاش حول ما دفع بالقاسمي لأن يصبح مقتناً للوحات، وعن بدايات جمعه للأعمال الفنية والدافع خلف شغفه بالفن العربي.

يعود المومني بالأسئلة للبدايات، لفترة الدراسة الجامعية وبداية الحياة العملية ثم يسأله عن الشغف، عن الفن وما جذبه له؟ يبدأ القاسمي بالتعبير عن سعادته بوجود هذه «الكوكبة» من الأعمال الأثيرة على قلبه في وسط لندن وفي دار كريستيز العريقة. السبب وراء الشغف هو «حب المشاركة»: «أحب مشاركة الآخرين معي في الشغف بالفن». يذكر لقاءً مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وجملة ظلت معه بعد اللقاء: «قال لي: إذا كنت تحب شيئاً فيجب عليك مشاركة الآخرين فيه، وإذا أردت الحفاظ على شيء فتشارك مع الآخرين فيه».

«القرية» لإنجي أفلاطون (الشرق الأوسط)

يعود القاسمي أكثر من مرة ليعبر عن عشقه للثقافة العربية وفخره بالمنطقة، تحدث عن اهتمامه بالمرأة العربية وحقوقها (المجموعة المعروضة تعطي للفنانات مكانة مساوية للرجال) وتعدى في أهدافه ليشمل الأقليات «أتمنى أن نستطيع عبر الثقافة احتضان الأقليات والنساء وتيارات مختلفة في ثقافتنا».

عن بداية مؤسسة بارجيل في 2010 يعود بالذاكرة لنهاية التسعينات لدى عودته من فرنسا حيث درس، وقيامه مع والديه بزيارة أحد المعارض الفنية. بدأ والده في شرح الأعمال المعروضة وكانت تلك بداية شغف الاقتناء «في العام نفسه 2002 ابتعت أول عمل فني في حياتي».

تطورت بارجيل مع كل لوحة كانت يبتاعها القاسمي، واتباعاً لنصائح أصدقاء تقدم بطلب لحكومة الشارقة للحصول على مكان يضم مجموعته، «بعد الحصول على مكان للعرض في 2009 أقمنا أول معرض لبارجيل في 2010» يعتبر مؤسسته ومجموعتها أنها «نموذج مصغر من العالم العربي».

يعبر عن فخره بمجموعة الأعمال الفنية في المؤسسة «بارجيل مجموعة ديناميكية، متطورة ومتغيره، أعتقد أن المجموعة أصبحت تحكمني أكثر مما أحكمها، كثير من الجامعات والمؤسسات ترسل دعوات لبارجيل أكثر ما ترسل لي، لها هويتها الخاصة، على سبيل المثال على (إنستغرام) عدد متابعي صفحة بارجيل يفوق عدد من يتابعوني، أجد أن ذلك أمراً مفرحاً لي».

الهوية الخاصة للمجموعة أصبحت هي العامل الأساسي عند التفكير بإضافة أعمال جديدة «أحياناً أدخل لغاليري تجاري وأرى أعمالاً وأفكر مع نفسي، أحب هذا العمل ولكني أيضاً أرى أنه لا يتفق مع DNA الخاص بالمجموعة.» كيف يفسر ذلك «DNA»؟ يقول إن «الحمض النووي للمجموعة» متجذر في العالم العربي الحديث وتكوين الهوية العربية.

«ملحمة الشهيد» للفنان كاظم حيدر (الشرق الأوسط)

رغم توسع عملية اقتناء الأعمال الفنية (وصل عددها لـ1200) لا يرى القاسمي أنه يملك تلك الأعمال «أكره كلمة مالك العمل، أعتقد أن علي مسئولية الحفاظ على العمل، أرى نفسي حارساً للأعمال الفنية في المجموعة».

«أكره كلمة مالك العمل، أعتقد أن علي مسئولية الحفاظ على العمل، أرى نفسي حارساً للأعمال الفنية في المجموعة».

سلطان سعود القاسمي

حقائق

1200

جمع سلطان القاسمي 1200 عمل من الفن الحديث والمعاصر في مؤسسة بارجيل للفنون نرى منها 100 في كريستيز.


مقالات ذات صلة

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.